المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عقيدة أهل السنة والجماعة: - اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر - جـ ١

[فهد الرومي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

- ‌التمهيد:

- ‌الباب الأول: الاتجاه العقائدي في التفسير

- ‌تمهيد:

- ‌الفصل الأول: منهج أهل السنة والجماعة في تفسير القرآن الكريم:

- ‌التعريف بهم:

- ‌نشأتهم:

- ‌عقيدة أهل السنة والجماعة:

- ‌بيان بعض عقائدهم:

- ‌أسس تفسير أهل السنة:

- ‌نماذج من تفسير أهل السنة والجماعة في العصر الحديث:

- ‌نماذج من مفسرى أهل السنة

- ‌مدخل

- ‌أولا: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن:

- ‌ثانيا: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان:

- ‌ثالثا: محاسن التأويل

- ‌رأيي في هذا المنهج:

- ‌الفصل الثاني: منهج الشيعة في تفسير القرآن الكريم

- ‌تعريف الشيعة:

- ‌بداية ظهور التشيع:

- ‌فرق الشيعة

- ‌مدخل

- ‌الإمامية الإثنى عشرية

- ‌الإسماعيلة

- ‌الجمهوريون:

- ‌الزيدية:

- ‌الفصل الثالث: منهج الأباضية في تفسير القرآن الكريم

- ‌التعريف بالأباضية:

- ‌عقائدهم:

- ‌التفسير الأباضي:

- ‌تفسيري: هميان الزاد إلى دار المعاد، وتيسير التفسير

- ‌التعريف بالمؤلف:

- ‌منهجه في التفسير:

- ‌رأيي في هذا التفسير:

- ‌الفصل الرابع: منهج الصوفية في تفسير القرآن الكريم

- ‌التعريف بالصوفية:

- ‌المراد بالتصوف:

- ‌نشأة التصوف وتطوره:

- ‌عقائد التصوف:

- ‌من شروط التصوف:

- ‌طبيعة التصوف:

- ‌أقسام التصوف:

- ‌موقف العلماء من هذا اللون في التفسير:

- ‌شروط قبول التفسير الإشاري:

- ‌أهم المؤلفات في التفسير الإشاري

- ‌مدخل

- ‌أولا: بيان السعادة في مقامات العبادة

- ‌ثانيا: ضياء الأكوان في تفسير القرآن

- ‌رأيي في التفسير الصوفي الحديث:

الفصل: ‌عقيدة أهل السنة والجماعة:

"ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم"1.

إذن: فالسؤال عن نشأتهم إنما هو سؤال عن نشأة الإسلام، فإن قلت: إنما أسأل عن نشأة تسميتهم بأهل السنة والجماعة وانفرادهم بهذا اللقب دون غيرهم وهو لقب شرفهم الله بحمله، وهو عنوان عقيدتهم ويتضمن الشهادة بسلامتها، أعمى الله أرباب الفرق الأخرى فسلموا لهم بهذا اللقب واعترفوا لأنفسهم بألقاب لا تحمل من الإسلام ما يربطها به أو يدل من قريب أو بعيد على انتمائهم إليه. فهي عقيدة ترفع ويرفع معها خصومها حجتها فوق رأسها، وهل هناك أسمى من اعتراف الخصم بأن عقيدتك هي السنة، وهي عقيدة الجماعة جماعة المسلمين؟!

عودة إلى التساؤل عن تاريخ إطلاق هذه التسمية وهو تساؤل أحسب أنه ليس بذي كبير فائدة خاصة أن أصول التاريخ الإسلامي لم تبين بالتحديد تاريخ هذه التسمية، إذ لا يوجد يوم أو شهر أو سنة بارزة ظهرت فيها هذه التسمية وإنما كانت تبرز هذه التسمية في مقابلة أهل البدع فيقول مثلا ابن سيرين -رحمه الله تعالى- وهو من أهل القرن الأول الهجري:"لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"2.

الخلاصة: إن نشأة أهل السنة مع نشأة الإسلام، وإن إطلاق هذا الوصف عليهم كان معروفا في القرن الأول الهجري.

1 منهاج السنة: ابن تيمية ج2 ص482.

2 رواه مسلم ج1 ص84.

ص: 55

‌عقيدة أهل السنة والجماعة:

مرادي في هذا البحث أن أذكر من عقائد أهل السنة الأصول التي خالفهم فيها أهل الفرق والمذاهب التي سأعرضها في مناهج التفسير العقدي. أما ما وافقت هذه الفرق فيه أهل السنة فلا أرى موجبا لذكره اللهم إلا ضمن

ص: 55

مجمل عقائد أهل السنة.

ولذا سيكون تناولي لعقيدة أهل السنة والجماعة على سبيل الإجمال، ثم على سبيل التفصيل لبعض الأصول.

مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة:

أفرد هذه العقيدة عدد من العلماء -رحمهم الله تعالى- منهم ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في العقيدة الواسطية، ومنهم أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله تعالى- بشرح ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله تعالى- وغيرهما كثير.

ونذكر هنا مجمل عقيدة أهل السنة ملخصا من أولها، أعني العقيدة الواسطية، حيث بدأه -رحمه الله تعالى- بقوله: أما بعد، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة -أهل السنة والجماعة- وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.

الإيمان بالله:

ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يل يؤمنون بأن الله سبحانه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1.

فمن الكتاب:

ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص، وآية الكرسي، وقوله سبحانه:{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 2، وقوله:{نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} 3، وقوله:{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} 4، وقوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 5، وقوله: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ

1 سورة الشورى: الآية 11.

2 سورة الحديد: الآية 3.

3 سورة التحريم: الآية 3.

4 سورة الذاريات: الآية 58.

5 سورة الشورى: الآية 11.

ص: 56

قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} 1، وقوله:{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} 2، وقوله:{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} 3، وقوله:{وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} 4، وقوله:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} 5، وقوله:{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} 6، وقوله:{مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ} 7، وقوله:{وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} 8، وقوله:{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} 9، وقوله:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ} 10، وقوله:{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} 11، وقوله:{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} 12، وقوله:{إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا} 13، وقوله:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 14، وقوله:{يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} 15، وقوله:{لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} 16، وقوله:{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} 17، وقوله:

1 سورة الكهف: الآية 39.

2 سورة المائدة: الآية 1.

3 سورة البقرة: الآية 195.

4 سورة البروج: الآية 14.

5 سورة النمل: الآية 30.

6 سورة البينة: الآية 8.

7 سورة النساء: الآية 93.

8 سورة التوبة: الآية 46.

9 سورة الفجر: الآيتان 21-22.

10 سورة الرحمن: الآية 27.

11 سورة الطور: الآية 48.

12 سورة طه: الآية 46.

13 سورة الطارق: الآيتان 15-16.

14 سورة طه: الآية 5.

15 سورة آل عمران: الآية 55.

16 سورة التوبة: الآية 40.

17 سورة النساء: الآية 87.

ص: 57

{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} 1، وقوله:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} 2، وقوله:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 3. وهذا الباب في كتاب الله تعالى كثير، من تدبر القرآن طالبا للهدي منه، تبين له طريق الحق.

ومن السنة:

وأهل السنة يؤمنون بما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم به ربه عز وجل في الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول.

مثل: قوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر"، الحديث متفق عليه4، وقوله:"لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته" الحديث5 متفق عليه، وقوله:"يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة" متفق عليه6، وقوله:"لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله -وفي رواية: عليها قدمه- فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط" متفق عليه7. وقوله: "يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار" رواه البخاري 8، وقوله للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال:

1 سورة النساء: الآية 164.

2 سورة الأنعام: الآية 155.

3 سورة القيامة: الآيتان 22-23.

4 صحيح البخاري ج2 ص47 باب التهجد؛ مسلم، صلاة المسافرين ج1 ص521-522.

5 صحيح البخاري ج7 ص146، كتاب الدعوات؛ مسلم، كتاب التوبة ج4 ص2104.

6 صحيح البخاري ج3 ص210، كتاب الجهاد؛ مسلم، كتاب الإمارة ج3 ص1504-1505.

7 صحيح البخاري ج7 ص225، كتاب الإيمان؛ مسلم، كتاب الجنة ج4 ص2187.

8 صحيح البخاري، كتاب التفسير ج5 ص241.

ص: 58

"أعتقها؛ فإنها مؤمنة" رواه مسلم1، وقوله:"إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا"، متفق عليه2.

إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به.

فإن الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

الإيمان بكتبه:

ومن الإيمان بالله وبكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تعالى تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره.

الإيمان باليوم الآخر:

ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر وبنعيمه وبالبعث والموازين والدواوين -وهي صحائف الأعمال- فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، وبالحساب وبالعرض والحوض والصراط وهو الجسر الذي بين الجنة والنار يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس الجواد ومنهم من يمر كركاب الإبل ومنهم من يعدو عدوا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يزحف زحفا ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم، ويؤمنون بالشفاعة، ويؤمنون بأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في

1 صحيح البخاري، كتاب المساجد ج1 ص382.

2 صحيح البخاري، كتاب المواقيت ج1 ص139؛ صحيح مسلم، كتاب المساجد ج1 ص439.

ص: 59

الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفي ويكفي.

الإيمان بالقدر:

وتؤمن الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين:

الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال.

الثانية: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه لا يكون في ملكه إلا ما يريد وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أفعالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} 1.

ومن أصول أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.

ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه وتعالى في آية القصاص:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} 2، ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار، ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.

ومن أصول أهل السنة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله -صلى

1 سورة التكوير: الآيتان 28-29.

2 سورة البقرة: الآية 178.

ص: 60

الله عليه وسلم- كما وصفهم الله به في قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} 1، وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"2. ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي رضي الله عنهم كما دلت عليه الآثار واختلف بعض أهل السنة في عثمان وعلي رضي الله عنهما وإن كانت مسألتهما ليست في الأصول التي يضلل فيها المخالف عند جمهور أهل السنة والجماعة لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة، فهو أضل من حمار أهله.

ومن عقائد أهل السنة أنهم يحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال يوم غدير خم:"أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"3.

ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ويمسكون عما شجر بين الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم.

1 سورة الحشر: الآية 10.

2 صحيح البخاري، كتاب الفضائل ج4 ص195؛ ومسلم، الفضائل ج4 ص1967.

3 مسند الإمام أحمد: ج4 ص367، وسنن الدارمي، كتاب فضائل القرآن ج2 ص432، ورواه مسلم في فضائل على رضي الله عنه ج4 ص1873.

ص: 61

ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح.

ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وسائر قرون الأمة إلى يوم القيامة.

ومن أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة ويأمرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء، ويندبون إلى أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها، وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا أو غيره فإنما هم متبعون للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم1.

ذلكم مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة، أما تفصيل ما وعدت بتفصيله مما كان موضع خلاف بين أهل السنة والجماعة وما عداهم من الفرق، فإني مورده هنا بتفصيل مناسب لأبحاث في التفسير لا لأبحاث في العقيدة.

1 هذا مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة، لخصته من العقيدة الواسطية لابن تيمية، رحمة الله تعالى. انظر مجموع الفتاوى ج3 من ص129 إلى ص159.

ص: 62