المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌منهجه في التفسير: - اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر - جـ ١

[فهد الرومي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

- ‌التمهيد:

- ‌الباب الأول: الاتجاه العقائدي في التفسير

- ‌تمهيد:

- ‌الفصل الأول: منهج أهل السنة والجماعة في تفسير القرآن الكريم:

- ‌التعريف بهم:

- ‌نشأتهم:

- ‌عقيدة أهل السنة والجماعة:

- ‌بيان بعض عقائدهم:

- ‌أسس تفسير أهل السنة:

- ‌نماذج من تفسير أهل السنة والجماعة في العصر الحديث:

- ‌نماذج من مفسرى أهل السنة

- ‌مدخل

- ‌أولا: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن:

- ‌ثانيا: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان:

- ‌ثالثا: محاسن التأويل

- ‌رأيي في هذا المنهج:

- ‌الفصل الثاني: منهج الشيعة في تفسير القرآن الكريم

- ‌تعريف الشيعة:

- ‌بداية ظهور التشيع:

- ‌فرق الشيعة

- ‌مدخل

- ‌الإمامية الإثنى عشرية

- ‌الإسماعيلة

- ‌الجمهوريون:

- ‌الزيدية:

- ‌الفصل الثالث: منهج الأباضية في تفسير القرآن الكريم

- ‌التعريف بالأباضية:

- ‌عقائدهم:

- ‌التفسير الأباضي:

- ‌تفسيري: هميان الزاد إلى دار المعاد، وتيسير التفسير

- ‌التعريف بالمؤلف:

- ‌منهجه في التفسير:

- ‌رأيي في هذا التفسير:

- ‌الفصل الرابع: منهج الصوفية في تفسير القرآن الكريم

- ‌التعريف بالصوفية:

- ‌المراد بالتصوف:

- ‌نشأة التصوف وتطوره:

- ‌عقائد التصوف:

- ‌من شروط التصوف:

- ‌طبيعة التصوف:

- ‌أقسام التصوف:

- ‌موقف العلماء من هذا اللون في التفسير:

- ‌شروط قبول التفسير الإشاري:

- ‌أهم المؤلفات في التفسير الإشاري

- ‌مدخل

- ‌أولا: بيان السعادة في مقامات العبادة

- ‌ثانيا: ضياء الأكوان في تفسير القرآن

- ‌رأيي في التفسير الصوفي الحديث:

الفصل: ‌منهجه في التفسير:

المؤلف بين هذه وما بعدها فقال عنها: "إنها شروع بجمل من قصص إبراهيم عليه السلام وهي كالمقدمة والتوطئة لآيات تغيير القبلة وآيات أحكام الحج وما معها من بيان حقيقة الدين الحنيف الإسلامي"1، ثم بين المراد بهذه الآية فقال: فقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} .. إلخ إشارة إلى قصة إعطائه الإمامة وحبائه بها1. ثم بين المراد بالإمامة في الآية فقال: قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} ، أي: مقتدى يقتدي بك الناس ويتبعونك في أقوالك وأفعالك، فالإمام هو الذي يقتدي ويأتم به الناس؛ ولذلك ذكر عدة من المفسرين أن المراد به النبوة لأن النبي يقتدي به أمته في دينهم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 63] ، لكنه في غاية السقوط2.

وهو يرى أن الإمامة أعلى درجة من النبوة، فيقول: "وبالجملة فالإمام هادٍ يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه، فالإمامة بحسب الباطن نحو ولاية الناس للناس في أعمالهم وهدايتها إيصالها إياهم إلى المطلوب بأمر الله دون مجرد إرائه الطريق الذي هو شأن النبي والرسول وكل مؤمن يهدي إلى الله سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [إبراهيم: 4]، وقال تعالى في مؤمن آل فرعون:{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [مؤمن: 38]، وقال تعالى:{فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]3.

ولا يخفى ضعف الاستدلال بالآيات المذكورة، بل عدمه فيما ذهب إليه من التفريق بين الإمامة والنبوة وإن كان مراده الاستدلال على الجملة الأخيرة: كل مؤمن يهدي إلى الله سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة، فليس هذا محل النزاع، بل هو محل تسليم، وإنما محله ما زعمه من فرق بين الإمامة والنبوة.

1 الميزان: ج1 ص261.

2 الميزان: ج1 ص270.

3 الميزان: ج1 ص272.

ص: 241

التقية:

وفي تفسير قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} 1، قال: الاتقاء في الأصل: أخذ الوقاية للخوف ثم ربما استعمل بمعنى الخوف استعمالا لمسبب في مورد السبب، ولعل التقية في المورد من هذا القبيل.

والاستثناء منقطع، فإن التقرب من الغير خوفا بإظهار آثار التولي ظاهرا من غير عقد القلب على الحب والولاية، ليس من التولي في شيء؛ لأن الخوف والحب أمران قلبيان متباينان ومتنافيان أثرا في القلب، فكيف يمكن اتحادهما؟ فاستثناء الاتقاء استثناء منقطع.

وفي الآية دلالة ظاهرة على الرخصة في التقية على ما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام كما تدل عليه الآية النازلة في قصة عمار وأبويه ياسر وسمية وهي قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] .

وبالجملة، الكتاب والسنة متطابقان في جوازها في الجملة والاعتبار العقلي يؤكده، إذ لا بغية للدين ولا هم لشارعه إلا ظهور الحق وحياته وربما يترتب على التقية والمجاراة مع أعداء الدين ومخالفي الحق من حفظ مصلحة الدين وحياة الحق، ما لا يترتب على تركها وإنكار ذلك مكابرة وتعسف2.

وقال أيضا: "أقول: والأخبار في مشروعية التقية من طرق أئمة أهل البيت كثيرة جدا، ربما بلغت حد التواتر، وقد عرفت دلالة الآية عليها دلالة غير قابلة للدفع"3.

1 آل عمران: من الآية 28.

2 الميزان في تفسير القرآن: ج3 ص153.

3 المرجع السابق ص163، ولمعرفة الحق في هذا وغيره من العقائد انظر ما كتبناه في منهج أهل السنة.

ص: 242

رؤية الله:

وفي تفسير قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 1، يقول:"والمراد بالنظر إليه تعالى ليس هو النظر الحسي المتعلق بالعين الجسمانية المادية التي قامت البراهين القاطعة على استحالته في حقه تعالى، بل المراد النظر القلبي ورؤية القلب بحقيقة الإيمان على ما يسوق إليه البرهان، ويدل عليه الأخبار المأثورة عن أهل العصمة عليهم السلام"2.

الخلود في النار:

في تفسير قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} 3، قال: "ومسألة انقطاع العذاب والخلود مما اختلف فيه أنظار الباحثين من حيث النظر العقلي، ومن جهة الظواهر اللفظية.

والذي يمكن أن يقال: أما من جهة الظواهر فالكتاب نص في الخلود قال تعالى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} الآية، والسنة من طرق أئمة أهل البيت مستفيضة فيه، وقد ورد من غير طريقهم أخبار في الانقطاع ونفي الخلود وهي مطروحة بمخالفة الكتاب"4، ثم ذهب يعدد بعض الإشكالات ويرد عليها.

التفسير الباطني:

وفي تفسير قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} 5 الآية، يقول: "وفي تفسير العياشي عن محمد بن منصور قال: سألت عبدا صالحا عليه السلام عن قول الله: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} قال: إن للقرآن ظهرا وبطنا، فأما ما حرم به في الكتاب

1 سورة القيامة: الآيتان 22 و23.

2 الميزان ج20 ص112.

3 سورة البقرة: من الآية 167.

4 تفسير الميزان ج1 ص412.

5 سورة الأعراف: من الآية 33.

ص: 243

هو في الظاهر والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل في الكتاب هو في الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق.

أقول: ورواه في الكافي عن محمد بن منصور مسندا، وفيه: فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق. أقول: انطباق المعاصي والمحرمات على أولئك والمحللات على هؤلاء؛ لكون كل واحد من الطائفتين سببا للقرب من الله أو البعد عنه، أو لكون اتباع كل سببا لما يناسبه من الأعمال.

ومن هذا الباب ما في التهذيب بإسناده عن العلاء بن سيابة عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} قال: الغسل عند لقاء كل إمام1.

وفي تفسير قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} 2، قال:"أقول: وروى تسميته صلى الله عليه وآله وسلم بالنجم بإسناده عن أبيه عن الحسين بن خالد عن الرضا عليه السلام وهو من البطن"3.

فرض الرجلين في الوضوء:

وفي تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} 4، قال: "وأما قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} فقد قرئ بالجر وهو لا محالة بالعطف على رءوسكم

وقرئ {وَأَرْجُلَكُمْ} بالنصب وأنت إذا تلقيت الكلام مخلي الذهن5

1 تفسير الميزان: ج8 ص94 و95.

2 سورة النجم، الآية الأولى.

3 تفسير الميزان: ج19 ص33.

4 سورة المائدة: من الآية 6.

5 القرآن الكريم لا يتلقاه المؤمنون بخلو ذهن، بل لا بد أن يضموا إليه بيان من أرسله الله ليبين لهم ما نزل إليهم ولا يعد هذا شائبة!!

ص: 244

غير مشوب الفهم لم يلبث دون أن تقضي أن {وَأَرْجُلَكُمْ} معطوف على موضع رءوسكم وهو النصب، وفهمت من الكلام وجوب غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين ولم يخطر ببالك أن ترد {وَأَرْجُلَكُمْ} إلى {وُجُوهَكُمْ} في أول الآية مع انقطاع الحكم في قوله:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} ، بحكم آخر وهو قوله:"وامسحوا بوجوهكم"1، فإن الطبع السليم يأبى عن حمل الكلام البليغ على ذلك "إلى أن قال": وعلى ذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وأما الروايات من طرق أهل السنة فإنها وإن كانت غير ناظرة إلى تفسير لفظ الآية وإنما تحكي عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفتوى بعض الصحابة، لكنها مختلفة: منها ما يوجب مسح الرجلين ومنها ما يوجب غسلهما.

وقد رجح الجمهور منهم أخبار الغسل على أخبار المسح ولا كلام لنا معهم في هذا المقام؛ لأنه بحث فقهي راجع إلى علم الفقه، خارج عن صناعة التفسير"2؟!

وهكذا لما أعيته الحيلة وعجز عن رد أدلة الجمهور المستندة إلى فعل الرسول صلى الله عليه وسلم زعم أنها خارجة عن صناعة التفسير، وما درى أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله ما هو إلا التفسير الصحيح للقرآن الكريم.

إرث الأنبياء:

وقال في ميراث الأنبياء ما قال به المذهب الشيعي، ففسر قوله تعالى:{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} 3، بقوله: "أي: ورثه ماله وملكه وأما قول بعضهم: المراد به وراثة النبوة والعلم ففيه أن النبوة لا تقبل الوراثة لعدم قبولها الانتقال، والعلم وإن قبل الانتقال بنوع من العناية غير أنه إنما يصح في العلم الفكري

1 كذا وردت وهو لا شك يقصد: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} .

2 تفسير الميزان ج5 ص222.

3 سورة النمل، من الآية 16.

ص: 245

الاكتسابي. والعلم الذي يختص به الأنبياء والرسل كرامة من الله لهم وهبي ليس مما يكتسب بالفكر، فغير النبي يرث العلم من النبي لكن النبي لا يرث علمه من نبي آخر، ولا من غير نبي"1.

وكذا في تفسير قوله تعالى حكاية لقول عبده زكريا: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} 2 نحا المؤلف في تفسيرها هذا النحو3.

نكاح المتعة:

والطباطبائي يجزم وبلا شك في جواز نكاح المتعة بناء على مذهبه، وها هو يفسر قوله تعالى:{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} 4.

فيقول: "والمراد بالاستمتاع المذكور في الآية نكاح المتعة بلا شك، فإن الآية مدنية نازلة في سورة النساء في النصف الأول من عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة على ما يشهد به معظم آياتها، وهذا النكاح أعني نكاح المتعة كانت دائرة بينهم معمولة عندهم في هذه البرهة من الزمان من غير شك -وقد أطبقت الأخبار على تسلم ذلك- سواء كان الإسلام هو المشرع لذلك أو لم يكن، فأصل وجوده بينهم بمرأى من النبي ومسمع منه لا شك فيه، وكان اسمه هذا الاسم ولا يعبر عنه إلا بهذا اللفظ.

فلا مناص من كون قوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} محمولا عليه مفهوما

1 تفسير الميزان ج15 ص349.

2 سورة مريم: الآيتان 4 و5.

3 لمعرفة الحق في هذا، انظر تفسير الشيخ الشنقيطي -رحمه الله تعالى- لهذه المسألة في الفصل الأول: الاتجاه الفقهي في التفسير، من الباب الثاني ص431، فإنه أجاد وأفاد رحمه الله تعالى.

4 سورة النساء: من الآية 24.

ص: 246

منه هذا المعنى كما أن سائر السنن والعادات والرسوم الدائرة بينهم في عهد النزول بأسمائها المعروفة المعهودة كلما نزلت آية متعرضة لحكم متعلق بشيء من تلك الأسماء، بإمضاء أو رد أو أمر أو نهي لم يكن بد من حمل الأسماء الواردة فيها على معانيها المسماة بها من غير أن تحمل على معانيها اللغوية الأصلية

فمن المتعين أن يحمل الاستمتاع المذكور في الآية على نكاح المتعة لدورانه بهذا الاسم عندهم يوم نزول الآية، سواء قلنا بنسخ نكاح المتعة بعد ذلك بكتاب أو سنة، أو لم نقل، فإنما هو أمر آخر.

وجملة القول أن المفهوم من الآية حكم نكاح المتعة، وهو المنقول عن القدماء من مفسري الصحابة والتابعين، كابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وقتادة ومجاهد والسدي وابن جبير والحسن وغيرهم، وهو مذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام"1.

ثم أنكر أن تكون هذه الآية منسوخة وتتبع الأقوال في نسخها وناسخها ورد عليها بمزاعم يطول ذكرها وتفنيدها، وقال بعد أن أورد التفسير الروائي للآية:"وأما حديث النسخ بالكتاب أو بالسنة فقد عرفت عدم رجوعه إلى محصل، على أن بعض الروايات يدفع البعض في جميع مضامينها إلا في أن عمر بن الخطاب هو الناهي عنها، المجري للمنع المقرر حرمة العمل وحد الرجم لمن فعل"2.

وإن شئت الحق في هذه المسألة وغيرها من المسائل التي شذ بها الإمامية أو غيرهم من الفرق الضالة، فعليك بما ذكرته في تفسير أهل السنة والجماعة وفي منهج التفسير الفقهي، فقد جعلتهما ميزانا تزن به الأقوال الشاذة، وترجع إليهما عند التباس السبيل، والله الهادي.

1 تفسير الميزان: محمد الحسين الطباطبائي ج4 ص271 و272.

2 المرجع السابق: ج4 ص299.

ص: 247

التفسير العلمي:

نص المؤلف في مقدمة تفسيره على أنه سيجتنب في بياناته عن أن: "نركن إلى حجة نظرية فلسفية أو إلى فرضية علمية أو إلى مكاشفة عرفانية"1.

والحق أنه التزم الابتعاد عن النظريات العلمية فندر أن أجد فيما اطلعت إليه من تفسيره حديثا عن هذه النظريات لا بالنفي ولا بالإثبات ومن النادر هذا ما جاء في تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} إلى قوله: {لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} 2 فقال فيها:

"ثم إن هذه الأجرام الجوية المختلفة بالصغر والكبر والبعد والقرب "وقد وجد الواحد في الصغر على ما بلغه الفحص العلمي ما يعادل: 33 0.000000000000000000000000 من سنتيمتر مكعب والواحد في الكبر ما يعادل الملايين من حجم الأرض وهو كرة يعادل قطرها 9000 ميل تقريبا، واكتشف من المسافة بين جرمين علويين ما يقرب من ثلاثة ملايين سنة نورية، والسنة النورية من المسافة تعدل: 365×24×60×60× 300000 كيلومتر تقريبا".

فانظر إلى هذه الأرقام التي تدهش اللب وتبهت الفكر، واقض ما أنت قاض في غرابة الأمر وبداعته"3.

أقول: وإن هذه المعلومة العلمية التي قالها لم يذكرها من باب التفسير القائم على ألفاظ الآية، وإنما من باب الاستشهاد وقد أحسن -والحق يقال- بهذا الصنيع.

1 المرجع السابق: ج1 ص12.

2 سورة البقرة: الآية 164.

3 تفسير الميزان: ج1 ص396.

ص: 248

رأيي في هذا التفسير:

قراءة قصيرة في هذا التفسير تدرك منها أول ما تدرك، أن هذا الكتاب لم يؤلف للعامة وإنما للعلماء نظرا لما فيه من أبحاث دقيقة عميقة، ويقال فيه ما قيل في تفسير الكشاف، أنه من أحسن التفاسير لولا ما فيه من الاعتزال، أما هذا التفسير فهو من أحسن التفاسير في العصر الحديث ولولا ما فيه من التشيع المتطرف.

ومن مزاياه هذه الأبحاث الواسعة الشاملة التي يوردها في تفسير بعض الآيات مستقصيا مستوفيا لأطراف القضية التي يبحثها، فمن ذلك مثلا تفسيره لقوله تعالى:{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} 1 الآيات، فقد جاء تفسيره لها في 137 صفحة، وجاء تفسيره لقوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} 2 الآيات في حوالي 70 صفحة وتفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ} 3 الآيات في حوالي 86 صفحة، وغير هذا كثير.

وإني لأعجب حقا من هذه العقلية التي تغوص بك في عويص المعاني وتجلو لك غامض الحقائق أعجب منها إذا ما طفت إلى السطح كيف يلتبس عليها الأمر؟ وكيف تختلط عليها الحقائق وتلتبس السبل؟ وكيف تقبل هذه الخرافات والمهازل؟!

صحيح أن المؤلف أورد غالب هذه الأمور تحت عنوان بحث روائي، وصحيح أن المؤلف يجعل بعضها من أسلوب الجري الذي قال عنه:

"روايات الجري كثيرة في الأبواب المختلفة وربما تبلغ المائتين. ونحن بعد

1 سورة المائدة: الآية 116.

2 سورة آل عمران: الآية 7.

3 سورة الأنعام: الآية 74.

ص: 249

هذا التنبيه العام نترك إيراد أكثرها في الأبحاث الروائية؛ لخروجها عن الغرض في الكتاب، إلا ما تعلق بها غرض في البحث، فليتذكر"1.

إن هذا التنبيه لا يعفيه من مسئولية إيرادها، ولا يبرئه من انحراف اعتقادها.

وليست هذه الروايات هي المأخذ عليه فحسب، بل يؤخذ عليه كل ما يؤخذ على العقيدة الإمامية، فما تفسيره إلا على مذهبها، وما منهجه إلا منهجها، ولعل في هذا غنى عن استعراضها.

رأيي في هذا المنهج:

وما مثلي وأنا أريد الحديث عن منهجهم في التفسير إلا كمثل رجل وقف أمام قصر منيف انهدَّ عموده فتساقطت أركانه، وانطمرت معالمه فلم يظهر إلا العيوب والفجوات.

لست أقول هذا تعصبا، ولست أقوله حقدا، ولكني أرى منهجا أسقط من حسابه العمود الذي تقوم عليه أصول التفسير وأركانه وهم يعترفون بهذا.

فقد أرسل الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم مبينا للقرآن الكريم، فقال سبحانه:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} 2، وقال سبحانه:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} 3 والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا.

ولا يشك عاقل أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم، هم الذين تلقوا هذا البيان منه، وهم الذين نشروه بعد ذلك بين المسلمين كافة، فالطريق إليه لا يكون إلا عن طريقهم.

فإذا ما قامت فرقة وأعلنت أنها لا تثق بهذا المروي عن طريق الصحابة رضي الله عنهم فإنما تعلن جهلها وتعلن انحرافها وقد نقلنا نص أحد

1 الميزان في تفسير القرآن: محمد حسين الطباطبائي ج1 ص42.

2 سورة النحل: من الآية 44.

3 سورة النحل: من الآية 64.

ص: 250

علمائهم المعاصرين الذي صرح فيه بقوله: "إنهم لا يعتبرون من السنة "أعني الأحاديث النبوية" إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عن جدهم، يعني ما رواه الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه زين العابدين عن الحسين عن السبط عن أبيه أمير المؤمنين عن رسول الله، سلام الله عليهم جميعا. أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب ومروان بن الحكم وعمران بن حطان الخارجي وعمرو بن العاصي ونظائرهم، فليس لهم عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة، وأمرهم أشهر من أن يذكر"1.

ولا أدري لِمَ خص هؤلاء بالذكر مع أنه في أول حديثه لم يعترف إلا بطرق أهل البيت، وما عداهم فلا يصح عندهم؟!

ولا شك أن طرق أهل البيت لو سلمنا جدلا صحتها كلها، فإنه لم ترد بها كل أحكام الإسلام؛ ولهذا النقص الكبير قامت طائفة، بل طوائف بسد هذا النقص بالروايات الموضوعة والافتراءات ونسبتها زورا وبهتانا إلى أهل البيت، إذ كيف يقصرون الناس على طرق غير وافية!

وأحسب أن هذا الانحراف في مصادر التشريع هو سبب كل انحراف في منهجهم هذا، إذا نظرنا إلى هذا المنهج نظرة من بُعد تظهره بصورة كاملة. وإذا ما قربنا الصورة إلى أعيننا ظهر لنا عدد من رجال الباطنية الذين أدخلوا في هذه العقيدة ما زادها شطنا عن الحق وأهله، وقد كنت أظنهم اندثروا وهلكوا فإذا بهم ما يزالون بين أظهر المسلمين، يتزيون بزيهم ويأكلون معهم.

وقد كنت إلى عهد قريب من أولئك المخدوعين بهم الذين يؤرق مضاجعهم ويقلق راحتهم أن يقوم على منبر أو يكتب في كتاب رجل فيذمهم ويكشف سترهم وكنت أقول: يكفي ما أصاب المسلمين من سهام الأعداء فلنتجه إليهم ولنترك خصوماتنا فيما بيننا، فإذا بي والأيام تكشف لي كيدهم ومكرهم وقرأت في كتبهم الحديثة قبل القديمة مما جعلني أوقن بأنه يجب أن نعلن الدعوة إلى الإسلام بين صفوفهم، في نفس الوقت الذي نعلنه عند غير المنتسبين إلى

1 أصل الشيعة وأصولها: محمد الحسين آل كاشف الغطاء ص79 و80.

ص: 251

الإسلام إن لم يكن قبل ذلك، وأنه من الواجب أن نكشف خطرهم قبل أن نكشف خطر أولئك؛ إذ هم أشد وأنكى.

وليس المقام هنا مقام كشف لهذه الحقائق، ولكنه ومضة قصدت فيها لفت انتباه من لم ينتبه، فسيرى بعد ذلك الحقيقة.

عودة إلى منهجهم في التفسير:

قلت: إن عدم اعتبارهم لما رواه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مصدر انحراف منهجهم وسقوطه؛ ولذلك لجئوا إلى أمور عدة يسدون بها ما انثلم:

1-

فرووا الروايات الموضوعة، ونسبوها إلى أئمتهم.

2-

اعتبروا كل رواية لأحد أئمتهم تشريعا؛ لأنهم بزعمهم معصومون.

3-

لم يساعدهم ظاهر القرآن الكريم على ما انتحلوه من آراء وانحرافات، فقالوا بالباطن وقالوا بالجري.

4-

ولم تكف هذه الأمور كلها، فقالوا بتحريف القرآن الكريم وهم وإن أنكره بعضهم فإنما ينكره تقية؛ فكتبهم التي بها يؤمنون وبأقوالها يعتقدون، مليئة بروايات التحريف.

5-

وقالوا بالتقية والرجعة والبداء والإمامة والعصمة

إلخ، مما لا يقوم على الأصل ولا يستند إلى كتاب ولا إلى سنة صحيحة، هذا كله بل بعضه يكشف زيف منهجهم وضلاله وحين يعودون إلى القرآن الكريم ويعترفون -حقا- بسلامته من الزيادة أو النقصان وحين يعترفون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها أصحابه العدول الثقات حينئذ يكون الاتجاه السليم، بل بدايته وحينئذ يؤخذ من تفسيرهم ويرد، أما والحالة هذه فلا ولا كرامة.

وغني عن القول بعد هذا أن أصولهم في التفسير، بل في العقيدة كلها لا يقوم لها أصل ولا تقوم لها قائمة، ما دام عمودها منهدّا وركنها الأساس ساقطا، والله المستعان.

ص: 252

‌الإسماعيلة

الإسماعيلية:

افترقت هذه الفرقة عن الإمامية الاثني عشرية بعد وفاة جعفر بن محمد الصادق، فقالت الاثنا عشرية بإمامة ابنه موسى الكاظم إلى اثني عشر إماما، فسموا بالإمامية الاثني عشرية، وقالت الإسماعيلية بإمامة ابنه إسماعيل فنسبوا إليه، وانتهى بوفاته دور الظهور وبدأ دور الستر فكانت الأئمة عندهم سبعة فلقبوا بالسبعية، وكان ابنه محمد المكتوم أول الأئمة المستورين عندهم. وهذا جدول لتوضيح تسلسل الإمامة عند فرق الشيعة الثلاث الاثني عشرية، والإسماعيلية، والزيدية:

ص: 253

وإنما قال الإسماعيلية بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر؛ لأنهم يعتقدون أن جعفرا قد أوصى بالإمامة لابنه إسماعيل، وعندما توفي إسماعيل في حياة والده جعفر علموا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد.

وقويت شوكة هذه الطائفة في عهد المأمون وكان على رأسهم ميمون القداح مولى "جعفر الصادق"، حيث تظاهر وصحبه بحب آل البيت وادعوا الولاء التام والموالاة لهم وأعلنوا الإمامة لمحمد بن إسماعيل بن جعفر الذي "اضطر إلى ترك مسقط رأسه المدينة المنورة، وهاجر إلى خوزستان "جنب غرب إيران"، ثم تركها إلى بلاد الديلم "جنوب بحر قزوين" ولم يسمع عنه شيء بعد ذلك1.

ولا نستبعد أن يكون ميمون القداح هذا هو الذي دبَّر هذه الخطة ليتولى أمور الدعوة من بعده، فقد زعم أنه ابن لمحمد بن إسماعيل بن جعفر هذا، ثم انتقلت أمور الدعوة من بعده إلى ولده عبد الله بن ميمون الذي كان يدعي علم الغيب والأسرار الروحانية والعلوم الخفية، ويزعم أنها انتهت إليه من جده محمد بن إسماعيل بن جعفر2.

واتخذ من بلدة "ساباط" مركزا لدعوته ثم انتقل إلى الشام ولم تلعب الإسماعيلية دورا سياسيا إلا بعد الانتقال من "دور الستر" إلى دور "الظهور".

وقد بدأ دور الستر بتولي محمد بن إسماعيل بن جعفر للإمامة، وقد اختلف في عدد الأئمة وترتيبهم في هذا الدور، واستمر دور الستر هذا إلى ظهور عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية في أواخر القرن الثالث الهجري وبه يبدأ دور الظهور.

وانبثق عن هذه الفرقة فرق باطنية أخرى كالقرامطة والنصيرية والدروز، بل ينسب إليها فرق باطنية أخرى حدثت، وما تزال تحدث في العصور المتأخرة

1 طائفة الإسماعيلية: محمد كامل حسين ص14.

2 إخوان الصفاء: عمر الدسوقي ص20.

ص: 254

كالبابية والبهائية والقاديانية وما يسمى بالرسالة الثانية التي عانى وما زال يعاني منها المسلمون الأذى الشديد.

وأصبحت هذه الفرق كلها تعرف باسم الحركات الباطنية، وهم جميعا كما وصفهم العلماء:"ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض".

وأمر مؤلفاتهم اشتهر حتى لا يكاد يخفى على ذي معرفة ذلكم التستر الشديد والتكتم الذي يسدلونه على مؤلفاتهم وكتبهم، وأشار إلى ذلك كل من كتب عنهم شيئا، لا فرق بين من يؤيدهم ومن يخالفهم، فكلاهما يلاقي العناء الشديد في ذلك.

وقد اعترف أحد الدارسين عنهم وهو منهم بقوله: "وأعترف أني أثناء دراساتي الطويلة عن الإسماعيلية لم أقابل شيخا غيره عنده رغبة صادقة في إعارة كتبه أو تقديم يد المعونة لمن يدرس عقائد الفاطميين وتاريخهم وفقههم"، إلى أن قال:"ونرجو مخلصين أن تزول التقية والستر؛ فقد أصبحا لا قيمة لهما الآن"1.

وتحدث في موضع آخر عن إحدى النسخ المخطوطة لكتاب يحققه، فقد مكث ثماني سنوات ونصف في البلد الذي توجد به النسخة عند أحد أصدقائه الإسماعيليين، ولم يسمح له برؤيتها إلا ساعة من الزمان برقابة ابنه في مقره الرسمي2.

ولست بهذا أريد دفاعا عن نفسي وتبريرا لعجزي، ولكني أحكي واقعا عاناه كبار الباحثين المتخصصين مع صلتهم وصداقتهم بأصحاب المخطوطات، وإقامتهم معهم.

وقد بحثت ونقبت كثيرا عن كتب الإسماعيلية بل الباطنية عامة قديما وحديثا، وقد حصلت على مجموعة من مؤلفاتهم، والعجيب أني لم أجد لهم كتابا في

1 من مقدمة آصف بن علي أصغر فيضي، لتحقيقه كتاب دعائم الإسلام: النعمان بن حيّون ج1 ص15.

2 المرجع السابق ج1 ص21.

ص: 255

التفسير لا في القديم ولا في الحديث، بل إن بعض مؤلفاتهم خاصة الحديثة منها، تقرؤها من أولها إلى آخرها فلا تجد فيها آية، ولا حديثا، والحمد لله على ذلك.

وكل من كتب عن التفسير لدى الأقدمين منهم فإنما التمس نصوصا بين ثنايا مؤلفاتهم لم يفردوها بحديث ولم يقصدوا ذلك، بل عرضت لهم عرضا فقالوا بتفسيرها حسب ما يلائم عقائدهم.

وفي البابية والقاديانية مثل هذه النصوص، لكن أصحابها ليسوا من أهل القرن الرابع عشر. وقد وعد الشيخ محمد حسين الذهبي -رحمه الله تعالى- تفسير البابية مثالا للتفسير الباطني، فأورد1 منه جملة مبثوثة في بعض كتبهم.

ولئن أخذنا مفهوم الباطنية هذا وجعلناه يشمل كل فرقة انحرفت عن الإسلام وظهر إلحادها وتأويلاتها الضالة مع زعمها الانتماء إليه والالتزام به، خاصة إذا رأينا كثيرا من العلماء والمؤرخين مجمعين على أن فرق النصيرية والدروز والإسماعيلية كلها يجمعها "الفرقة الباطنية" مع أن فيما بينها اختلافا كبيرا في اعتقادها وتباينا ظاهرا في معبوداتها ويضمون إليها البابية والبهائية والقاديانية وهي كذلك أيضا، فإنا نعتقد بوجوب ضم طائفة جدّت في القرن الرابع عشر ولها أتباع ومؤلفات وكادت أن تكون لها دولة، لولا أن قيض الله للإسلام والمسلمين من أنقذهم من ذلك، أعني أتباع ما يسمى بـ"الرسالة الثانية" وداعيتها المتنبي المزعوم محمود طه. فإن كان الأمر كذلك فإني سأشير سريعا إليه كمثال للتفسير الباطني في العصر الحديث، وحسبك به من باطني.

1 التفسير والمفسرون: محمد حسين الذهبي ج2 ص264-279.

ص: 256

‌الجمهوريون:

وهذا الاسم مما يطلقه أتباع محمود محمد طه على أنفسهم ويطلقون على أنفسهم اسم: "المسلمون" وعلى دعوتهم: "الرسالة الثانية" ودجالهم محمود طه من متطرفي الباطنية والمتصوفة الذين ينكر أفعالهم وأقوالهم كل أحد حتى الصوفيون المعتدلون، أظهر أفكاره ودعوته في السودان.

وتقوم دعواه على الزعم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم حين بعث في مكة جاء بالإسلام، ولما تبين له أن الناس في هذا الوقت لا يطيقون تلقي الإسلام1 انتقل إلى المدينة ودعا إلى الإيمان فأجابوه، فالرسول صلى الله عليه وسلم -بزعمهم- إنما جاء بالإيمان وفصله للناس. أما الإسلام فلم يقع في حقه التفصيل بل جاء به مجملا، وزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو طليعة المسلمين المقبلين فكأنما جاء لأمته "المؤمنين" من المستقبل، فهو المسلم الوحيد بينهم كما أن أبا بكر طليعة المؤمنين وكان بينه وبين النبي أمد بعيد.

وسمى دعوته هذه بـ"الرسالة الثانية" لزعمه أن الرسالة الأولى المحمدية كانت للإيمان، والرسالة الثانية للإسلام. ووصف الأولى كما جاء في عنوان أحد كتبه "الرسالة الأولى لا تصلح للقرن العشرين"، فالرسالة الثانية بزعمه ناسخة للرسالة الأولى.

وقال عن الرسالة الثانية: "الرسالة الثانية هي الإسلام وقد أجملها المعصوم إجمالا، ولم يقع في حقها التفصيل إلا في التشاريع -كذا- المتداخلة بين الرسالة الأولى وبينها، كتشاريع العبادات وتشاريع الحدود"2.

1 رسالة الصلاة: محمود محمد طه 68؛ والرسالة الثانية من الإسلام: محمود طه ص121.

2 الرسالة الثانية: محمود محمد طه ص142.

ص: 257

وينكر أن الدين قد كمل، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين القرآن.

ويزعم أن الأمة الإسلامية لم تظهر بعد وهي مرجوة -كذا- الظهور في مقبل أيام البشرية وسيكون يوم ظهورها يوم الحج الأكبر، وهو اليوم الذي يتم فيه الخطاب الرحماني بقوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} 1، 2، وأن دخول الإسلام مرتبة لم تتحقق في المجتمعات الماضيات إلا للأنبياء حتى هؤلاء قصر عنهم بعضهم "!!! " كما يحدثنا القرآن:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} 3، 4 الآية، فهذا الدجال قد فهم من قوله تعالى:{الَّذِينَ أَسْلَمُوا} أن هناك أنبياء لم يسلموا وهذا سوء فهم وسوء معتقد؛ لأن قوله تعالى: {الَّذِينَ أَسْلَمُوا} وصف للنبيين يبين ما كانوا عليه، وليس للاحتراز من أنبياء غير مسلمين، فالوصف هنا للبيان لا للاحتراز؛ وذلك لأن الدين عند الله الإسلام:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 5، فكيف يبتغي هؤلاء الأنبياء غير الإسلام دينا ومن ابتغى سواه فهو من الخاسرين؟!

ذلكم إجمال نظرته إلى الإيمان وإلى الإسلام، ونظرته إلى موقع دعوته المزعومة من الإسلام.

وبعد أن ألزمت نفسي بقراءة كثير من كتبه والردود عليه، ظهر لي رأي فيه وفي دعوته لم أجد من أظهره وأبرزه عند الحديث عنه، ولعل ما توصلت إليه يكشف جانبا من أهداف دعوته الباطنية، فلئن كان يقف خلف الباطنية الأولى اليهودي عبد الله بن سبأ فلعل ابن سبأ نصراني يقف خلف دعوة الباطنية في

1 سورة المائدة: آية 3.

2 الرسالة الثانية: محمود محمد طه ص147 و148.

3 سورة المائدة: آية 44.

4 رسالة الصلاة: محمود محمد طه ص69.

5 سورة آل عمران: الآية 85.

ص: 258

العصر الحديث وما أكثر السبئيين، خاصة إذا علمنا أن الإفساد1 البريطاني كان وراء الدعوات الباطنية في العالم الإسلامي كالقاديانية والبابية والبهائية وكل ما من شأنه نشر الإلحاد والفساد في العالم الإسلامي، بل وزرع اليهود في أرض المسلمين.

أعود فأقول: إذا علم هذا، فليس بمستغرب أن يقف هؤلاء أو غيرهم من "سبئية" النصارى خلف دعوة محمود طه. ذلكم أن الدعوة الإسلامية تقوم على الوحدانية لله سبحانه وتعالى وتختلف عنها عقيدة النصارى فتقوم على عقيدة "التثليث"، وإذا نظرنا بتأمل إلى عقيدة محمود طه هذا وجدناها تقوم على "الثنائية" في كل شيء، وكأنها تريد أن تشكك في الوحدانية فتستعد للتثليث وجاءت الثنائية هذه في كثير من عقائد الجمهوريين هؤلاء.

فجاءت الثنائية بزعم وجود إلهين، واحد في السماء وآخر في الأرض وإله الخير وإله الشر، وأن الله والرحمن إلهان متحدان في واحد، وقال بوجود ذاتين ذات قديمة وذات حادثة، وإرادتين واحدة للخير وأخرى للشر، وأن الله واحد وله شركاء في نفس الوقت2.

وجاءت بزعم أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو "الرسالة الأولى" وما سيأتي بأنه "الرسالة الثانية" وهو يكتب ويشرح عقائد الرسالة الثانية، وكأنه النبي الذي جاء بها؟!

وجاءت بزعم أن الإسلام إسلامان: إسلام أولي هو إسلام الأعراب الذين قالوا: {آمَنَّا} ورد عليهم القرآن: {قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} 3، ثم الإيمان الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يليه الإسلام الثاني، وهو الذي حان وقته في هذا العصر، فالإسلام إسلامان4.

1 ويسميه بعض الناس "الاستعمار" وما هو بذاك.

2 جريدة المدينة، العدد 5634، مقال "دجال السودان" بقلم: سعد حسن لطفي ص8، الجمعة 8/ 11/ 1402هـ.

3 سورة الحجرات: من الآية 14.

4 رسالة الصلاة: محمود محمد طه ص68 و69.

ص: 259

وجاءت الثنائية بزعم أن للقرآن الكريم معنيين: معنى ظاهرا ومعنى باطنا.

وجاءت الثنائية في مفهوم الصلاة، فالصلاة بالمعنى القريب هي الصلاة الشرعية ذات الحركات المعروفة1، وهي للذي يمر بمرحلة الإيمان الذي هو مرتبة الأمة الأولى، فالصلاة الشرعية في حقه فرض له أوقات يؤدى فيها، وحين يرتفع السالك إلى مرتبة الأصالة ويخاطب بالاستقلال عن التقليد ويتهيأ ليأخذ صلاته الفردية من ربه بلا واسطة تأسيا بالمعصوم

فهو حينئذ لا تسقط عنه الصلاة وإنما يسقط عنه التقليد ويرفع من بينه وبين ربه بفضل الله، ثم بفضل كمال التبليغ المحمدي الحجاب الأعظم

الحجاب النبوي2.

ولتوضيح هذه العبارات أقول: إن عقيدته تقوم على أن أمة المؤمنين هم أمة التقليد، فهم يتلقون الأوامر الإلهية بواسطة النبي. أما أمة المسلمين فهم كالأنبياء يتلقون من الله مباشرة فهم أمة التلقي، فإذا انتقل الإنسان من التقليد وسقط عنه ما سماه "الحجاب الأعظم" حجاب النبوة، أصبح يتلقى الأوامر من ربه مباشرة وأصبح في حدود الشريعة الفردية وخرج من الشريعة الجماعية:"وتكون شريعته الفردية من الله بلا واسطة، فتكون له شهادته وتكون له صلاته وصيامه وزكاته وحجه، ويكون في كل أولئك أصيلا"3، وله بعد ذلك أن لا يفعل شيئا من هذه العبادات؛ لأنه بزعمهم يتلقى الأوامر من الله مباشرة، ومن الذي يستطيع أن يحتج عليه بتشريعات أمة التقليد؟! ولهذا عرف عن محمود طه هذا أنه لا يصلي، وليس هذا بمستغرب منه.

وجاءت الثنائية بمفهوم العقل، فالعقل عنده عقلان: العقل الواعي والعقل الباطن4، والعلم عنده علمان: علم الظاهر وهو علم آيات الآفاق وعلم يقين وهو علم آيات النفوس وهو لابد آتٍ، ولكن الوقت بطبيعة الحال طرف فيه

1 المرجع السابق: ص74.

2 المرجع السابق: ص84 و85.

3 المرجع السابق: ص78.

4 رسالة الصلاة: محمود محمد طه ص32.

ص: 260

وهو لم يجئ بعد ذلك بأن "حكم الوقت" فيما مضى من تاريخ البشرية لم ينضح ليقضي بمثل هذا اليقين وإنه لآتٍ لا رب فيه، وبمثل هذا اليقين يجيء العلم الذي هو سبب الرزق1.

وجاءت الثنائية بمفهوم الساعة. قال محمود طه: "والساعة ساعتان: ساعة التعمير وساعة التخريب

فأما ساعة التعمير فهي لحظة مجيء المسيح ليرد الأشياء إلى ربها حسا ومعنى، وليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا

يومئذ يظهر الإسلام على جميع الأديان

وأما ساعة التخريب فهي لحظة مجيء المسيح للمرة الثانية ليرد الأشياء إلى الله حسا وقد أبطأ المعنى وذلك: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} 2، والساعتان منضويتان في بعضهما في سياق القرآن فهو عندما يقول:"الساعة" إنما يعني المعنى القريب للساعة وهي ساعة التعمير والمعنى البعيد للساعة وهي ساعة التخريب، وإنما يقع التمييز بينهما عند القادرين عليه بفضل الله، ثم بفضل التفريد في التوحيد"3.

وجاءت الثنائية أيضا في الزواج، وهما عنده: الزواج في الحقيقة والزواج في الشريعة، وقال: عامله الله بعدله عن الزواج في الحقيقة أنه زواج الإنسان الكامل بالله، وقال:"وتكون ثمرة العلاقة بين الذات القديمة وزوجها -الإنسان الكامل- المعارف اللدنية"4، أما الزواج في الشريعة فهو الزواج المعروف بين الرجل والمرأة.

وإذا ضممنا إلى هذه المبادئ تقسيمه الإسلام إلى قسمين: "مرحلة الإيمان" الرسالة الأولى، و"مرحلة الإسلام" الرسالة الثانية، وقوله: "فأما مرحلة

1 الدين والتنمية الاجتماعية: محمود طه ص14 و15.

2 سورة الأنبياء: الآية رقم 104.

3 القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري: محمود محمد طه ص180.

4 تطوير شريعة الأحوال الشخصية: محمود محمد طه ص59 و60.

ص: 261

الإيمان -ويقصد بها دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فهي مرحلة أقرب إلى بدائية اليهود، ومرحلة الإسلام -ويقصد بها دعوته- فهي أقرب إلى روحانية النصرانية1.

فإذا قارنا بين عقيدة النصارى في أن الله هو المسيح عيسى ابن مريم واعتقاد هذا الدجال أن الله هو الحقيقة المحمدية أي: الإنسان الكامل واعتقاد النصارى أن الله هو زوج مريم، واعتقاد الدجال أن الله زوج نساء البشر، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وإذا ضممنا هذا إلى ذلك، فإن العلاقة تبدو لي واضحة أن هناك قوى نصرانية ذات نفوذ تقف خلف هذا الدخال، خاصة إذا علمنا أن أحد العلماء صرح بأن موظفي الإذاعة والتليفزيون قالوا له: إنهم يؤيدونه ضد الدجال وإنهم يكرهونه ولكنهم موظفون ويخافون على وظائفهم، وقال له بصراحة: إن الحكومة السودانية أعطت الدجال حصانة وجعلته فوق القانون، فلا يحاكم ولا ينشر أو يذاع نقد لدعوته2.

قال هذا في فترة من الفترات، لكنه حُوكم قبلها عدة مرات وحكم عليه بالردة ومع هذا فلم ينفذ شيء من هذه الأحكام. وهو الآن بحمد الله في سجون السودان بعد إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية وما زلنا ننتظر تطبيقها عليه وعلى أتباعه.

1 القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري: محمود طه ص168.

2 جريدة المدينة، العدد 5634، مقال "دجال السودان" بقلم: سعد حسن لطفي ص8، الجمعة 8/ 11/ 1402هـ.

ص: 262

يفسروا القرآن الكريم وفق نظرياتهم مهما أوتوا من الجرأة على التحريف والتبديل في معانيه، وقد يجدون أنفسهم بعد هذا بحاجة إلى الزعم بتحريف القرآن فيلجئون إليه، أو يعرضون عن تفسيره كاملا فيريحون ويستريحون.

وليس من السهل وقد يكون ليس في الإمكان استخراج منهج كامل لمسالك هذه الطريقة في تفسير القرآن الكريم، وإنما يمكن فيما أرى رسم خطوط عريضة لطريقته في التفسير.

فإن كان الأمر كذلك، فإني أحسب الخطوط العريضة لطريقة محمود طه هذا في تفسير القرآن الكريم لا تختلف اختلافا كبيرا عن سلفه الباطنيين.

فهو مثلا لا يلتزم تفسير القرآن الكريم بالمأثور في شتى أنواعه من تفسير القرآن بالقرآن أو بأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم أو أقوال أصحابه رضي الله عنهم أو أقوال التابعين، رحمهم الله تعالى.

ويفسر القرآن الكريم بما يخالف قواعد اللغة العربية، وأحيانا بما يتعارض معها.

ويقول بالتفسير الباطني للقرآن الكريم، ويأتي من المعاني لآيات القرآن الكريم على ضوء هذا المعنى عنده بما لا يستند إلى كتاب، ولا إلى سنة، ولا إلى لغة.

ويستشهد بأقوال غلاة الصوفية ويورد أقوالهم ويعتقد بوحدة الوجود.

هذا كله مع الآراء والاعتقادات الجديدة التي جاء بها والتي أراد أن يفسد بها شريعة الإسلام بما زعمه تطوير الشريعة وما أدخله من عقائد زعمها عقائد الإسلام، وما هي إلا عقائد الكفر والضلال ولعلي أذكر بعد هذا أمثلة من هذه التفاسير الضالة.

ثنائية الإله:

قلنا آنفا: إنه يعتقد بالثنائية حتى في الإله الذي اتفق المسلمون على وحدانيته، فهو يعتقد أن الرحمن هو إله الأرض، وأن الله هو إله السماء وهما إله

ص: 263

واحد فقال في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} 1: "فإله الأرض إله الإرادة

وإله السماء إله الرضا

وإله الأرض الرحمن

وإله السماء الله

وإنما هو إله واحد"2.

وقال: "اسم الله يطلق على معنيين أيضا: معنى بعيد وهو ذات الله الصرفة وهي فوق الأسماء والصفات، ومعنى قريب وهو مرتبة البشر الكامل الذي أقامه الله خليفة عنه في جميع العوالم وأسبغ عليه صفاته وأسماءه حتى اسم الجلالة "!! " فكلمة الله حيث قيلت تشير إلى هذين المعنيين"3، وأكد هذا القول في موضع آخر حيث قال:"الله هو الإنسان الكامل "!! " الذي ليس بينه وبين ذات الله المطلقة أحد وهو بين الذات وبين سائر الخلق، وهو الذي يتولى حسابهم نيابة عن الله، وهذا الإنسان الكامل المسمى الله هو المعني في المكان الأول بقوله تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} 4.

وقد فسر هذه الآية في مواضع عديدة من كتبه ومؤلفاته، فقال:{هَلْ يَنْظُرُونَ} الإشارة هنا إلى الكافرين والمنافقين، والمعنى: ما ينتظرون، قوله:{إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} يعني "الإنسان الكامل" يعني "الحقيقة المحمدية" قوله: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} يعني يأتيهم مجسدا في الدم واللحم، وتلك إشارة لمجيء المسيح، قوله:{وَالْمَلائِكَةُ} إشارة إلى أعوان المسيح

وقوله: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} إشارة لساعة مجيئه، قوله:{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} إشارة إلى الكمالات التي تظهر بمجيء المسيح وأعوانه، وهي الكمالات التي بها تملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا"5.

وإذا تأملت بعد ذلك في أقوال رأيت ما هو أعجب وأعجب، فهو يقرر في

1 سورة الزخرف: الآية 84.

2 تطوير شريعة الأحوال الشخصية: محمود طه ص21.

3 جريدة المدينة، الرسالة الثانية مستمدة من الفكر الكنسي المحرف بقلم: سعد حسن لطفي، العدد 5768 في الجمعة 23/ 3/ 1403هـ عن كتاب رسائل ومقالات: محمود طه ص26.

4 المقال السابق: عن كتاب رسائل ومقالات: محمود طه ص29.

5 القرآن ومصطفى محمود: محمود طه ص45.

ص: 264

أحد كتبه: "كما كانت عقيدة التعدد عقيدة إسلامية، وكلاهما قد كان مرادا ومرضيا من الله"1، ويقول:"قد مر وقت كانت فيه عبادة الصنم مرضية عند الله، وذلك بحكم الوقت"2!!

وقال أيضا عن الطاقة المتولدة عن انفلاق الذرة: "هذه القوة الهائلة هذه الطاقة إرادة الله

هي الله"3، وله نصوص أخرى كثيرة من هذا النوع، مما يدل على انحراف عقيدته وتخبطه وضلاله.

ومن تخبطه أيضا قوله: "إنك إن أشركت بالله غيره فأنت ضال، وإن نزهته عن الشريك فأنت ضال"4 ويقول: "إن الله تبارك وتعالى قد خلقنا على صورته"5، وقال عن الله عز وجل: "فهو لا يسمى ولا يوصف ومن ثم لا يعرف

ولولا أنه تقيد في منزلة الاسم "الله" لما كان إليه من سبيل"6، وقال: "إنه من الكفر أن ننفي النقص عن الله؛ لأن تصورك للنقص ذنب في حد ذاته"7، وقال: "إن أسماء الله هي قيد والله لا قيد له؛ ولذلك فإن ذكر الأسماء لله كفر صريح"7.

الصلاة:

وله فهم جديد لكلمة {مَوْقُوتًا} من قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} 8، فهو يعقد بحثا عنوانه:"الصلاة بين المؤمن والمسلم"،

1 الدين والتنمية الاجتماعية: محمود طه ص4.

2 القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري: محمود طه ص168.

3 الدين والتنمية الاجتماعية: محمود طه ص7.

4 القرآن ومصطفى محمود: محمود طه ص38.

5 المرجع السابق: ص42.

6 المرجع السابق: ص44.

7 جريدة المدينة، العدد 5768 الجمعة 23/ 3/ 1403، مقال الرسالة الثانية: سعد لطفي ص10.

8 سورة النساء: من الآية 103.

ص: 265

ويعني بالمؤمن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وبالمسلم أتباعه، ويقول:"ماذا يكون من أمر آية: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} ؟ فاسمع إذن: المقصود هنا الصلاة الشرعية و {كِتَابًا مَوْقُوتًا} يعني فرضا له أوقات يؤدى فيها و {عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} مرحلة أمة البعث الأول وهي الأمة التي تعيش في أخريات "كذا" أيامها، وقد ندبت لتواصل سير ترقيها وتطورها إلى "أمة المسلمين".

إلى أن قال: "ويصبح شأن الآية: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} مع المسلم الذي يمر بمرحلة الإيمان الذي هو مرتبة الأمة الأولى أن الصلاة الشرعية في حقه فرض له أوقات يؤدى فيها، فإذا ارتقى بحسن أدائها بتجويده تقليد المعصوم حتى ارتقى في مراقي الإيقان

حتى بلغ حق اليقين وسكن قلبه واطمأنت نفسه فأسلمت، طالعه المعنى البعيد لكلمة {مَوْقُوتًا} في الآية:{إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} وذلك المعنى في حقه هو أن الصلاة الشرعية فرض له وقت ينتهي فيه وذلك حين يرتفع السالك إلى مرتبة الأصالة ويخاطب بالاستقلال عن التقليد ويتهيأ ليأخذ صلاته الفردية من ربه بلا واسطة "!! " تأسيا بالمعصوم

فهو حينئذ لا تسقط عنه الصلاة وإنما يسقط عنه التقليد ويرفع من بينه وبين ربه بفضل الله ثم بفضل كمال التبليغ المحمدي الحجاب الأعظم، الحجاب النبوي"1.

ولا تفهمن من قوله: "فهو حينئذ لا تسقط عنه الصلاة" أنه لا يسقطها، بل هو يسقط الصلاة المعروفة ذات الحركات والقيام والركوع والسجود عمن ارتقى من درجة الإيمان إلى درجة الإسلام وإلا فما معنى قوله: إن الصلاة الشرعية فرض له وقت ينتهي فيه، وذلك حين يرتفع السالك إلى مرتبة الأصالة"؟

فالصلاة الشرعية صلاة المقلدين، أما صلاته هو فصلاة الأصالة ولكل فرد صلاته الخاصة التي يتلقاها عن ربه مباشرة كما يزعمون، وهذا ولا شك منتهى الكيد للإسلام والمسلمين، كيف لا وهم يريدون هدم عموده؟

1 رسالة الصلاة: محمود محمد طه ص84 و85.

ص: 266

الزواج:

وقد احترت في اختيار عنوان لهذا البحث، ذلكم أنه تحدث فيه عن الذات الإلهية، وأنها هي النفس الواحدة "!! " وتحدث عن الزواج في الحقيقة والشريعة، وزعم زواج الله بالإنسان والعياذ بالله وعن خطيئة آدم وأنها الزنى بحواء قبل أن تباح له في الشريعة؟! كل هذه وغيرها مما ألحد فيه في هذا المبحث واخترت له العنوان الذي اختاره له صاحبه لا لشيء إلا لتنظر تشتّت الأفكار في مؤلفاته.

ففي تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} الآية1، قال:"وهذه النفس الواحدة هي في أول الأمر وفي بدء التنزل نفس الله تبارك وتعالى، هي الذات القديمة التي منها تنزلت الذات الحادثة وتلك هي الإنسان الكامل "الحقيقة المحمدية" والإنسان الكامل هو أول قابل لتجليات أنوار الذات القديمة -الذات الإلهية- وهو من ثم زوجها

وإنما كان الإنسان الكامل زوج الله؛ لأنه إنما هو في مقام العبودية

ومقام العبودية مقام انفعال في حين أن مقام الربوبية مقال فعل

فالرب فاعل والعبد منفعل ثم تنزلت من الإنسان الكامل زوجته فكان مقامها منه مقامه هو من الذات، فهي منفعلة وهو فاعل

وهذا هو في الحقيقة مستوى العلاقة "الجنسية" بين الرجل والمرأة

وحين يكون إنجاب الذرية هو نتيجة العلاقة "الجنسية بيننا وبين نسائنا {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} تكون ثمرة العلاقة بين الذات القديمة وزوجها -الإنسان الكامل- المعارف اللدنية"2.

ثم تحدث عن الزواج في الشريعة بعد أن أفاض الحديث عن الزواج في الحقيقة فقال: "أسلفنا القول عن الزواج في الحقيقة، وندخل الآن على الزواج في "الشريعة" ونبدأ بأن حواء قد كانت زوج آدم في الحقيقة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} ، ففي هذا المقام فإن

1 سورة النساء: من الآية الأولى.

2 تطوير شريعة الأحوال الشخصية: محمود محمد طه ص59 و60 باختصار.

ص: 267

النفس الواحدة هي نفس آدم الإنسان الكامل الذي أقيم مقام الخلافة، وإنما كانت حواء زوج آدم في هذا المقام؛ لأنها تنزل عنه {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} فهي انبثاق نفسه عنه خارجه

ثم إنه لما كان آدم أول رسول شريعة من رسل التوحيد، فقد أراد الله له ولزوجه أن يكونا زوجين في الشريعة

ومن أجل ذلك فقد نهاه أن يتصل بها قبل أن تحلل له بالشريعة. وإلى ذلك الإشارة بقوله: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}

وقد جاءت هذه الإشارة في سياق هو في غاية الإمتاع والروعة يقول تعالى فيه: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} 1 الآيات

قوله: {وَيَا آدَمُ} يعني الخليفة يعني الإنسان الكامل {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} يعني زوجك في الحقيقة "الباطنة" والتي سيتم اقترانك بها في شريعتك "الظاهرة" فتنطبق بذلك الصنيع شريعتك وحقيقتك وظاهرك وباطنك

ولكن قبل أن يتم هذا الاقتران الشرعي يجب أن لا تقربها وقد وردت الإشارة اللطيفة إلى ذلك بقوله: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} فإنكما إن تفعلا تكونا من {الظَّالِمِينَ} المعتدين على حد الشرع. وهذه إشارة إلى أول الشرائع التي بدأ الإنسان يرتفع بها في مراقي النفوس وجاءت منظمة للغريزة الجنسية

و {الشَّجَرَةَ} هنا لها درجات من المظاهر: أولها وأدناها لآدم نفسه التي بين جنبيه.. ثم هي في تنزلها عنه شهوة نفسه هذه إلى الجنس

ثم هي حواء

ثم هي شجرة التين فإن شجرة التين إنما هي رمز النفس الأمارة.. وإنما نهي عنها لئلا تقوى بأكلها نفسه الحيوانية فتتكثف وتغلظ فلا تطيعه على التصعد باتباع الأمر الشرعي واجتناب النهي الشرعي

فشجرة التين هي الشجرة المعنية في الظاهر فلما وقع الخلاف بأكلها تلاحقت حلقات السلسلة حتى وقع الخلاف بالمماسة، فتغشى زوجه بغير شريعة "!! " وحلقات هذه السلسلة المتلاحقة طويت في عبارة:{فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} والإشارة بقوله: {بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}

1 سورة الأعراف: من الآيتين 20 و21.

ص: 268

إنما هي للأعضاء التناسلية فقد كانت محجوبة عنهما بنور البراءة والتقى، فظهرت بظلام الإثم والمخالفة قوله:{وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} إشارة إلى الحجاب الذي أملاه الخزي الذي صاحب الخطيئة"1.

ويظهر في تفسيره هذا تخبطه في عقيدة الإيمان بالله وتفسيره الباطني الذي يصله بأصول فرق الباطنية وأحسب أن أمر بطلان هذا التفسير واضح بين لا يحتاج القارئ لمثل هذا البحث إلى إيراده؛ لأن إبطاله وهدمه معلوم من الشريعة بالضرورة، وتنكره الأصول قبل الفروع.

الحجاب:

وهو يزعم أن الأصل في الإسلام السفور وليس الحجاب، ويقول:"الحجاب ليس أصلا في الإسلام والأصل في الإسلام السفور؛ لأن مراد الإسلام العفة وهو يريدها عفة تقوم في صدور النساء والرجال لا عفة مضروبة بالباب المقفول، والثوب المسدول"2.

ويفسر قوله تعالى عن آدم وحواء عليهما السلام لما أكلا من الشجرة وبدت لهما سوآتهما: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} بقوله الذي نقلناه آنفا: "إشارة إلى الحجاب الذي أملاه الخزي الذي صاحب الخطيئة، وقد تحدثنا عن ذلك في موضعه من كتابنا "الرسالة الثانية من الإسلام" تحت عنوان "الحجاب ليس أصلا في الإسلام"3.

وإذا رجعنا إلى الموضع الذي أشار إليه وجدناه يقول هناك: "فأخذا يستران عوراتهما بورق التين يومئذ بدأ الحجاب، فهو نتيجة الخطيئة وسيلازمها حتى يزول بزوالها إن شاء الله -هكذا يقول ويتمنى- ومن ذلك قوله تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ} ، وهو يعني قد خلقناكم

1 تطوير شريعة الأحوال الشخصية: محمود طه ص64-66 باختصار.

2 القول الفصل في الرد على محمود طه: حسين زكي ص116؛ عن الرسالة الثانية: محمود طه ص129.

3 تطوير شريعة الأحوال الشخصية: محمود طه ص66.

ص: 269

وفرضنا عليكم لبس ثياب القطن والصوف وغيرهما مما يواري عوراتكم

وقوله: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى} يعني التوحيد والعفة والعصمة المودوعة في قلوبكم قوله: {ذَلِكَ} يعني إلباس العفة {خَيْرٌ} من إلباس القطن"1.

الإباحية المطلقة:

ويستدل بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية2، على الإباحية المطلقة فيقول: وكلما استقامت السيرة ضاقت لذلك دائرة المحرمات وانداحت دائرة المباحات على قاعدة الآية الكريمة: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} 3 فإذا استمر السير بالسائر إلى نهايته المرجوة وهي تمام نقاء السريرة وكمال استقامته بالسيرة عادت جميع الأعيان المحسوسة إلى أصلها من الحل، وانطبقت الآية الكريمة:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} 4.

واستدلاله هذا ينبئ عن جهل تام بأسباب النزول وتحريف لآيات الله، ذلكم أن هذه الآية نزلت فيمن شرب الخمر من المؤمنين ومات قبل تحريمها، فقد قال ابن عباس، رضي الله عنهما:"لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟، فنزلت: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} الآية"5.

1 القول الفصل في الرد على محمود طه: حسين زكي ص116.

2 سورة المائدة: من الآية 93.

3 سورة النساء: من الآية 147.

4 سورة المائدة: الآية 93.

5 قال الأستاذ أحمد شاكر، رحمه الله تعالى:"إسناده صحيح، رواه أحمد في مسنده: 2088، 2452، 2691 مطولا، 2775، ورواه الترمذي في السنن "كتاب التفسير" وقال: هذا حديث حسن صحيح"، ورواه الحاكم في المستدرك 4/ 143 وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي وقال:"صحيح""تفسير الطبري ج10 ص577".

ص: 270

وما كنت لأرد عليه لولا أن هذه الشبهة قد تلتبس على بعض الأبصار فأردت بيان حقيقتها، وإلا فقد جاء بما هو أعظم فرية وأكثر انحرافا وإلحادا، ولم أعمد إلى الرد عليه؛ لأن الحق فيه واضح معلوم بالضرورة من الشريعة التي يزعم الانتساب إليها.

الظلم:

وقد ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم تفسير الظلم في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} 1 بأنه الشرك. ولم يرتض محمود طه هذا التفسير مع علمه بوروده عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحته، وجاء بتفسير جديد قال:"ولما نزل قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ، شق على الناس فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ فقال: "إنه ليس الذي تعنون

ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: يا بنيّ لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم""2، فسري عنهم لأنهم علموا أنهم لم يشركوا مذ آمنوا

والحق أن المعصوم فسر لهم الآية في مستوى المؤمن"!! " وهو يعلم أن تفسيرها في مستوى المسلم فوق طاقتهم، ذلك بأن الظلم في الآية يعني الشرك الخفي، على نحو ما ورد في آية سر السر:{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} 4.

ولا يخفى ما في هذا التفسير من مخالفة لبيان الرسول صلى الله عليه وسلم، أما الزعم بأنه فسر لهم الظلم على مستوى المؤمنين ولم يفسره لهم على مستوى المسلم فأمر باطل منكر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام جاء بدين واحد

1 سورة الأنعام: الآية 82.

2 صحيح البخاري: كتاب التفسير ج6 ص20؛ صحيح مسلم: كتاب الإيمان ج1 ص114 و115.

3 سورة طه: الآية 111.

4 القول الفصل: حسين محمد زكي ص65 و66 عن الرسالة الثانية: محمود طه ص122.

ص: 271

كامل، الخطاب فيه لأول الأمة خطاب لآخرها، بل جعل أصحابه هم القدوة التي يقتدى بهم، وما عدا ذلك فمحض افتراء.

المؤمن والمسلم:

ويقول في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} 1: فيه إشارة لطيفة جدا إلى أن المسلمين الذين يجيئون بعد المؤمنين ثم يكونون خيرا منهم2.

وبعد:

هذه إلمامة سريعة لأفكار محمود طه وتفسيراته الزائغة، ولست بأول من صنفه مع الباطنية، بل سبقني إلى ذلك علماء أعلام ممن رد عليه، فقد قال الأستاذ سعد حسن لطفي مثلا عن محمود طه و"الدجال" محمود:"من متطرفي الباطنية والمتصوفة"3.

وقال الأستاذ أحمد البيلي: "لقد تبين لي من مجموعة الكتب والرسائل التي وضعها لشرح آرائه، فوجدته يذهب مذهب الباطنيين في تفسير الآيات على النحو الذي ادعاه من قبل البهائية والقاديانية، وهما فرقتان خرجتا عن دائرة الإسلام وصارتا مستقلتين، وإن تمسح أتباعهما بالإسلام"4.

وفي موضع آخر قارن الأستاذ أحمد البيلي بين دعوة محمود طه وبين البابية والبهائية والقاديانية، ثم قال:"مما سبق نرى أن الجمهوريين أخذوا من كل فرقة من هذه الفرق شيئا، وأطلقوا على هذا الخليط "الدعوة الإسلامية الجديدة""5.

وغيرهما كثير ممن نسبه إلى الباطنية، أضف إلى ذلك عقائده الباطلة

1 سورة محمد: الآية 38.

2 الإسلام رسالة خاتمة لا رسالتان: إعداد وزارة الشئون الدينية والأوقاف في السودان، عن الرسالة الثانية: محمود طه ص126.

3 جريدة المدينة، العدد 5634؛ مقال دجال السودان: سعد حسن لطفي ص8.

4 الإسلام رسالة خاتمة لا رسالتان: ص65.

5 المرجع السابق: ص55.

ص: 272

وتفسيراته الإلحادية وإنكاره لأصول الدين وتشكيكه في كثير مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كل هذا وغيره يدل على نهجه الذي سلكه، وأمر الباطنية معلوم لا يخفي، يلبسون لكل عصر لباسه:{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} 1.

وأختتم حديثي عنه بخبر نشرته جريدة المدينة المنورة عنوانه: "استجابة لضغوط دينية حظر الأنشطة العامة لدجال السودان" ونصه كما يلي: "علمت المدينة أن السلطات الأمنية والدينية في السودان قد منعت الأنشطة والتجمعات العامة لجماعات -دجال السودان- محمود محمد طه الذي يسمي جماعته بـ"الجمهوريين" وكانت أنشطة هذا الدجال قد تواصلت بصورة مكثفة طيلة السنوات العشر الأخيرة في العاصمة السودانية المثلثة وبقية المدن السودانية الكبرى وخاصة عاصمة الإقليم الأوسط "مدني" وهي مسقط رأس الدجال الذي بدأ حياته كمهندس ري بمشروع الجزيرة، ثم تحول إلى الدجل والتحريف تحت زعم "الرسالة الثانية للإسلام" والتي قال: إنه هو داعيتها الوحيد، وكانت جهات سودانية دينية عديدة قد اشتكت من أنشطة هذا الدجال والذي استغل حظر السلطات السودانية بالأنشطة الحزبية والطائفية العامة وأخذ يجند "الشباب والشابات والصبايا والأحداث لخدمة دعوته بعد أن يقوم بتهيئتهم وشحنهم بأفكاره التخريبية ويدفع بهم إلى الشوارع والطرقات والمقاهي والحدائق العامة ليلا ونهارا؛ لتوزيع مطبوعاته الدجلية المنافية للإسلام.

والمعروف أن القضاء الشرعي السوداني كان قد أصدر في الستينات فتوى شرعية أعلن فيها ردة الدجال محمود محمد طه عن الإسلام.

هذا، وقد قوبل القرار السوداني الأخير بترحيب كبير من جماهير المسلمين السودانيين، كما أشاد كبار العلماء ورجالات الدين بدور وجهد "جريدة المدينة" في فضح أفكار الدجال المشبوه"2.

1 سورة الأنفال: من الآية 30.

2 جريدة المدينة المنورة، العدد 5750 يوم الاثنين 5/ 3/ 1403هـ.

ص: 273

بقي أن أقول: إن نشاطه في السودان قديم، فقد حدثنا الأستاذ محمد أمان بن علي الجامي في كتابه: أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام، أنه زار السودان في العطلة الصيفية من عام 1383 والتقى في عطبرة في "دار النشاط الإسلامي" بمحمود طه هذا وكان يبث أفكاره وإلحاده1.

أما الحكم عليه، فقد حكم عليه بالردة من محكمة الخرطوم العليا الشرعية، وذلك يوم الاثنين 27 شعبان 1388 الموافق 18/ 11/ 1968 لكن المحكمة صرفت النظر عن البنود من نمرة 2 إلى نمرة 6 من الدعوى التي أقامها ضده حسبة الأستاذ الأمين داؤد محمد والأستاذ حسين محمد زكي، وهي من الأمور التي تتعلق وتترتب على الحكم بالردة2.

ولهذا فلم يكن لهذا الحكم الأثر الذي ينتظره المسلمون، ولعله ينفذ بعد أن أعلنت السودان تطبيق الشريعة الإسلامية3، وفق الله العاملين المخلصين وحفظ الله الإسلام والمسلمين من كيد الأعداء، ورد كيدهم في نحورهم، إنه سميع مجيب.

1 طريق الدعوة إلى الإسلام: محمد أمان الجامي ص82.

2 انظر نص الحكم وما يتعلق به في ملحق "الإسلام رسالة خاتمة لا رسالتان" نشر وزارة الشئون الدينية والأوقاف، جمهورية السودان الديمقراطية ص83.

3 حمدا لله كثيرا، فقد تم بعد طباعة هذا البحث تنفيذ حكم الإعدام في محمود محمد طه في يوم الجمعة 26/ 4/ 1405 الموافق 19/ 1/ 1985م، وقد تصدر بيان رئاسة السجون عن تنفيذ حكم الإعدام فيه قوله تعالى:{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من بدل دينه فاقتلوه ".

انظر جريدة الأيام السودانية الصادرة يوم السبت 27/ 4/ 1405، العدد 460/ 11، السنة 32.

وانظر جريدة الصحافة السودانية الصادرة يوم السبت 27/ 4/ 1405، العدد 7946.

ص: 274

‌الزيدية:

وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين الملقب بـ"زين العابدين" وهو أخ لـ"محمد الباقر" الإمام الخامس من الأئمة الاثني عشر عند الشيعة.

وحين سئل زيد هذا عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ترضى عنهما، فانقسم الشيعة في زيد إلى قسمين: قسم رفضه فقال لهم: رفضتموني؟ فسموا رافضة، وقسم وافقه فسموا زيدية؛ نسبة إليه1.

ثم إن الزيدية انقسموا إلى فرق ثلاث:

1-

البترية أو الصالحية.

2-

الجريرية أو السليمانية.

3-

الجارودية.

فالبترية:

نسبة إلى كثير النوى، ويلقب بالأبتر، ويسمون أيضا بالصالحية نسبة إلى الحسن بن صالح بن حي، واعتبرهما الشهرستاني فرقة واحدة لاتفاق مقالتهما2.

وهم يعتقدون أن عليا رضي الله عنه كان أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ؛ لأن عليا ترك ذلك لهما، ويقفون في عثمان وفي قتلته ولا يقدمون عليه بإكفار، وينكرون رجعة الأموات إلى الدنيا ولا يرون لعلي -كرم الله وجهه- إمامة إلا حين بويع3.

1 منهاج السنة: ابن تيمية ج1 ص9 و10.

2 الملل والنحل: الشهرستاني ج1 ص161.

3 مقالات الإسلاميين: أبو الحسن الأشعري ج1 ص144.

ص: 275

أما الجريرية أو السليمانية:

فنسبة إلى سليمان بن جرير الزيدي، الذي أثبت إمامة أبي بكر وعمر، وزعم أن الأمة تركت الأصلح في البيعة لهما؛ لأن عليا كان أولى بالإمامة منهما، إلا أن الخطأ في بيعتهما لم يوجب كفرا ولا فسقا

وأهل السنة يكفرون سليمان بن جرير من أجل أنه كفر عثمان رضي الله عنه1.

أما الجارودية:

فنسبة إلى أبي الجارود زياد بن أبي زياد، وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة علي بالوصف دون الاسم، وزعموا أيضا أن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي، وقالوا أيضا: إن الحسن بن علي كان هو الإمام بعد علي، ثم أخيه الحسين كان إماما بعد الحسن

ثم صارت الإمامة بعد الحسن والحسين شورى في ولدي الحسن والحسين، فمن خرج منهم شاهرا سيفه داعيا إلى دينه وكان عالما ورعا فهو الإمام. قال عبد القاهر البغدادي: هذا قول الجارودية، وتكفيرهم واجب لتكفيرهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم2.

والبترية أو الصالحية أقرب الفرق الزيدية إلى مذهب أهل السنة، وأبعدهم عنه الفرقة الجارودية، حتى إن بعض علماء الشيعة يخرجون ما عدا الجارودية من فرق الزيدية عن اسم التشيع3.

وها أنت ترى أن الخلاف في مجمله بين فرق الزيدية الثلاث إنما هو في الإمامة، وما يتعلق بها من أحكام، أما ما عدا ذلك فهم يوافقون المعتزلة في الأصول؛ لأن زيد بن علي تلقى العلم على يد واصل بن عطاء فاقتبس منه الاعتزال وصار أصحابه كلهم معتزلة، كما يقول الشهرستاني4 وإن كان قوله هذا

1 الفرق بين الفرق: عبد القاهر البغدادي ص23 و24.

2 المرجع السابق: ص22 و23.

3 أوائل المقالات: محمد بن النعمان المفيد "من شيوخ الشيعة، ص40".

4 الملل والنحل: الشهرستاني ج1 ص155.

ص: 276

-فيما أرى- تغليبا، وإلا فالحق أنهم لا يوافقونهم تمام الموافقة، فمذهبهم مزيج من آراء أهل السنة والمعتزلة والخوارج والاثني عشرية، ويخالفون الشيعة الاثني عشرية في كثير من الآراء فهم لا يتبرءون من الشيخين ولا يكفرونهما ويجوزون إمامتهما1 وينكرون التقية2 والعصمة للأئمة والنص على الأئمة3 ويترضون عن الصحابة رضي الله عنهم-4 والذين يقولون خلاف ذلك يخالفون إمامهم زيد بن علي، وهذا هو رأي الزيدية الحقة. أما المتطرفة منهم والغالية فهم الجارودية كما ذكرنا؛ ولذا فإن البترية والسليمانية يكفرون الجارودية، وكذا الجارودية تكفر السليمانية والبترية5.

ومما أجمعت عليه الزيدية من آراء:

1-

قال عبد القاهر: أجمعت الفرق الثلاث الذين ذكرناهم من الزيدية على القول بأن أصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين في النار، فهم من هذا الوجه كالخوارج6.

2-

وأجمعوا على تصويب علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حربه، وعلى تخطئة من خالفه7.

3-

وأجمعت الزيدية على أن عليا رضي الله عنه كان مصيبا في تحكيمه الحكمين

وهما اللذان أخطآ وأصاب هو8.

1 المرجع السابق: ج1 ص155.

2 الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم: محمد بن إبراهيم الوزير اليماني ص49 و50.

3 الإمام زيد: محمد أبو زهرة ص188.

4 الروض الباسم: محمد الوزير ص49 و50.

5 الفرق بين الفرق: عبد القاهر البغدادي ص24.

6 المرجع السابق ص25؛ ومقالات الإسلاميين: أبو الحسن الأشعري ج1 ص149.

7 المرجع السابق: ج1 ص149.

8 الملل والنحل: الشهرستاني ج1 ص150.

ص: 277

4-

والزيدية بأجمعها ترى السيف والعرض على أئمة الجور وإزالة الظلم وإقامة الحق1.

5-

وهي بأجمعها لا ترى الصلاة خلف الفاجر، ولا تراها إلا خلف من ليس بفاسق2.

6-

وأجمعت على تفضيل علي على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أنه ليس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه3.

أما في الفروع فهم على مذهب أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، إلا في مسائل قليلة وافقوا فيها الشافعي -رحمه الله تعالى- والشيعة4.

منهج الزيدية في تفسير القرآن الكريم:

ليس هناك من كبير فارق بين منهج الزيدية ومنهج أهل السنة والجماعة إلا الجارودية منهم، فإنهم أقرب إلى الاثني عشرية منهم إلى أهل السنة.

ولهذا فإنا، كما قال الشيخ محمد حسين الذهبي، رحمه الله تعالى: لا نطمع بعد ذلك أن نرى للزيدية أثرا مميزا وطابعا خاصا في التفسير كما رأينا للإمامية؛ لأن التفسير إنما يتأثر بعقيدة مفسرة ويتخذ له طابعا خاصا واتجاها معينا، حينما يكون لصاحبه طابع خاص واتجاه معين، وليست الزيدية -بصرف النظر عن ميولهم الاعتزالية- بمنأى بعيد عن تعاليم أهل السنة وعقائدهم، حتى يكون لهم في التفسير خلاف كبير5.

وإذا كان الذهبي -رحمه الله تعالى- لم يكد يظفر بشيء من تفاسيرهم إلا تفسير الشوكاني -رحمه الله تعالى- المسمى: "فتح القدير" وتفسير آخر لآيات الأحكام اسمه: "الثمرات اليانعة" لشمس الدين يوسف بن أحمد، وقال، رحمه

1، 2، 3 مقالات الإسلاميين: أبو الحسن الأشعري ص150.

4 الملل والنحل: الشهرستاني ج1 ص162.

5 التفسير والمفسرون: محمد حسين الذهبي ج2 ص281.

ص: 278

الله: "هذا هو كل ما عثرنا عليه للزيدية من كتب في التفسير"1، إذا كان الذهبي -رحمه الله تعالى- قال هذا ومجاله أوسع زمنا وذهنه أوسع علما، فإني بحثت عن شيء من تفاسيرهم في القرن الرابع عشر مجال بحثي، ونقبت في بطون الكتب والأبحاث وسألت أهل الذكر وأهل العلم من أهل السنة والزيدية وغيرهم، فلم يرشدني أحد منهم إلى كتاب في التفسير للزيدية ألف في القرن الرابع عشر الهجري.

وأرفع القلم هنا لانتظار تفسير جديد أو للاستمرار في البحث والتنقيب علي أجد ما لم أعثر عليه فيما مضى. وحينئذ أمسك القلم كرة أخرى، وبالله التوفيق.

1 التفسير والمفسرون: محمد حسين الذهبي ج2 ص281.

ص: 279

‌الفصل الثالث: منهج الأباضية في تفسير القرآن الكريم

‌التعريف بالأباضية:

لا أريد أن أتحدث عن نشأة فرقة الخوارج هنا؛ لأن انقداح شرارتهم الأولى بعد التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما أمر مشهور. هذا أولا، ولأنه لم يبق منهم في وقتنا هذا أحد، وهذا ثانيا. أما ثالثا فلأن الأباضية يرفضون كل الرفض وينفون كل النفي نسبتهم إلى الخوارج ويصفون "إطلاق لفظ الخوارج على الأباضية أهل الحق والاستقامة من الدعايات المغرضة التي نشأت عن التعصب السياسي أولا، ثم المذهبي ثانيا لما ظهر غلاة المذاهب، وقد خلطوا بين الأباضية والأزارقة والصفرية والنجدية، فالأباضية أهل الحق لم يجمعهم جامع بالصفرية والأزارقة ومن نحا نحوهم إلا إنكار التحكيم بين علي ومعاوية وهو رأي علي قبل الضغط عليه بقبول التحكيم، ولما كان مخالفونا لا يتورعون ولا يكلفون أنفسهم مئونة البحث عن الحق ليقفوا عنده، خلطوا بين الأباضية أهل الحق الذين لا يستبيحون مالا ولا قطرة من دم موحد وبين من استحلوا الدماء بالمعصية الكبيرة حتى قتلوا الأطفال تبعا لآبائهم، مع أن الفرق كبير جدا كالفرق بين المستحل والمحرم، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! "1.

لهذه الأمور نقتصر في هذا الموضع على فرقة الأباضية وحدها، وقد آثرنا ألا ننقل إلا من كتبهم أو ما طبع تحت إشرافهم أو ما لا ينكرون نسبته إليهم.

1 الأباضية بالجريد، تأليف صالح باجية من مقدمة محمد حمد الحارثي "أباضي" ص2.

ص: 281

أما نسبتهم فإلى عبد الله بن أباض بن تيم اللات بن ثعلبة، من بني مرة بن عبيد رهط الأحنف بن قيس آل مقاعس التميمي، كان من أهل العراق، جاء إلى الإمام جابر بن زيد لأخذ العلم عنه وكان يناظره في أموره وفي مهماته الدينية، وفيما يأتي منها وما يذر1.

وأما مركز المذهب الأباضي فقد كان في البصرة حيث نشأ فيها، ثم اتصل بعمان وقامت له بالمغرب دولة، وامتد المذهب إلى اليمن وإلى خراسان وإلى مصر وإلى الجزيرة العربية2.

أما في وقتنا هذا فذكر السفير العماني في تونس أن مذهبهم الأباضي منتشر في "المغرب والمشرق: فهم في مكة والمدينة والبصرة وخراسان واليمن وحضرموت وعمان وأفريقية الشرقية"3.

ولا أعتقد صحة انتشارهم في المناطق الست الأولى المذكورة، أما انتشارهم في أفريقية الشرقية فلعل الصحيح أنهم في زنجبار وليس في كل هذه المنطقة، كما أنه لم يذكر لهم وجودا في تونس والجزائر وليبيا مع وجودهم في جبل نفوسة وزوارة من طرابلس وجزيرة جربة من تونس ووادي ميزاب بالجزائر4.

هذا بالنسبة لنسبته ومركزه، أما تاريخ ظهوره ففي القرن الأول من الهجرة إذ إن عبد الله بن أباض كان معاصرا لعبد الملك بن مروان "26-86هـ" وكان بينهما مراسلات ولا يعرف لولادة أو وفاة عبد الله بن أباض تاريخ5.

1 طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي، سالم بن حمود بن شامس السيابي ص77.

2 المرجع السابق ص79 و80.

3 الأباضية بالجريد، صالح باجية، مقدمة محمد حمد الحارثي "أباضي".

4 مختصر تاريخ الأباضية، تأليف أبي ربيع سليمان الباروني ص27 "أباضي".

5 المرجع السابق ص20.

ص: 282

‌عقائدهم:

في معرفة الله:

قالوا: "إن معرفة الله تبارك وتعالى واجبة بالعقل قبل ورود الشرع، فلما ورد الشرع زادها إيضاحا وأعلن إيجابها"1. وقال أحد أئمتهم نظما:

معرفة الباري من العقول

فكيف بالسماع والنقول

ولا يجوز جهلها لجاهل

طرفة عين عند ذي الدلائل2

أما في الصفات فقالوا: "لا يخفى على أهل العلم أن الله عز وجل خاطبهم بلسانهم وحاورهم بما يجري بمعقولهم، فهم يفهمون الخطاب من نفس القرائن قبل التحقق لفحوى الخطاب، ولما تقرر في الشريعة أن الله عز وعلا مباين لمخلوقاته في الذات والصفات والأفعال لم يعد لهم وهم أو جهل في شيء من وحي الله عز شأنه، فإن صفات المخلوق تخالف صفات الخالق تبارك وتعالى فلا يرتبك الفهم العربي مهما كان في معرفة اللسان. فلذا لما كان الأخذ في اللغة باليد ومراقبة الأشياء المبصرة بالعين، وهكذا عبر الله تبارك وتعالى عن معانيها بمثل ما عبر به عن نفس ما في الإنسان فقال:{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} 3، فالعين في حق الله عز وعلا معروفة بأنها حفظه واليد مفهومة في حقه قدرته لما قدمنا من استقرار الفهم باستحالة صفة الإنسان أن تكون صفة الرحمن، وهكذا بقية الصفات كالقبضة والاستواء والمجيء والجد والمكر والجنب، فإن هذه عبارات يتخاطب بها البشر فيما بينهم فخاطبهم الله عز وجل فيما بينهم وإياه لاستقرار معانيها عندهم في حق الله، فلا يذهبون بها إلى غيرها، وقد علموا أن الله جلت قدرته مباين لهم في الأحوال كلها، كما وضع لهم ذلك في قوله:

1 طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي: سالم بن حمود بن شامس السيابي ص91.

2 جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام ج1 ص6 و7؛ عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي.

3 سورة طه: من الآية 39.

ص: 283

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 2.

ثم قالوا: "فمن حاد عن نهجهم فقد رمى نفسه في لجة لا يرى خلاصه منها أبدا، ومعنى جد الله عظمته وجنبه أمره كما صرح به العلماء، والمكر عقوبتة واستوى على العرش معناه القهر والغلبة

ووجهه تعالى ذاته"3.

وقالوا: "إنه موجود بغير مشاهدة، قديم بلا بداية أوجد منها نفسه، دائم بلا نهاية، حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، عالم بما كان وما يكون، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا يخفى عليه شيء في الظلمات، قادر بلا تكلف متكلم بلا لسان، سميع بلا آذان بصير بلا حدقة ولا أجفان، إله كل شيء وخالقه وإليه منتهاه، اخترع الخلق من غير مثال، سبحانه من قادر حكيم بفعل ما يشاء ويحكم ما يريد"4.

إنكار الرؤية:

مذهبهم في الرؤية الإنكار بشدة حيث قالوا: "لا يخفى أن القول بالرؤية يهدم التوحيد من أساسه، ويقضي عليه من أصله فإن الرؤية توجب الحلول والله منزه عنه وتثبت التحيز، وتقرر الظرفية وتحقق التلون، وتقضي بالجهة ونحو ذلك، فهذه كلها قوادح في صحة الألوهية يتعالى الله عز وجل عنها، ولم تبق صفة من الصفات الإلهية ثابتة على أساسها ولا قائمة على قواعدها، فالذي يرى لا يصلح أن يكون ربا "!! " فإن الرؤية للمخلوقات، ورب الأرض والسموات منزه عنها، والتكييف لا يليق بجلال الله وعظمته وهو من لوازمها والتمييز للذات العلية غير ممكن، والقائل بالرؤية مخطئ خطأ لا يغتفر أو يتوب إلى الله ويستغفره، وما ورد مثبتا لها فقد أنكره المسلمون "!! " وحكموا بوضعه،

1 سورة الشورى: من الآية 11.

2 طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي: سالم بن حمود بن شامس ص99 و100.

3 طلقات المعهد الرياضي: سالم بن حمود بن شامس ص100.

4 المرجع السابق: ص101.

ص: 284

فإن أصله في دسائس اليهود لفهم الله" "!! "1.

القرآن الكريم:

ترى الأباضية أن القرآن مخلوق، فقال أحد علمائهم المعاصرين:"الأباضية يقولون: إن الله خالق كل شيء والقرآن شيء من الأشياء، وقال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} 2. والقرآن كما قلنا شيء من الأشياء، وهو كلام الله خلقه الله وقدره بحسب الحوادث التي ستكون من العباد كما اقتضاها قضاؤه وقدره، فإن دلائل الحدوث في نفسه ظاهرة وهي شاهدة بخلقه ولو كان غير مخلوقلكان قديما، ولو كان قديما لكان مشاركا لله في صفة القدم، ولو شاركه في صفة القدم لتعددت القدماء ولو تعددت القدماء انتفى قدمه الخاص به الذي اتصف به، فإنه صار له فيه شركاء وهذا ظاهر الفساد ساقط الاعتبار، ولو كان متكلما كخلقه للزم له ما يلزم لخلقه من اللسان الذي هو آلة الكلام ولزم له أشداق وفم يخرج منه الكلام، وهذا باطل عقلا، ثم وصفه الله بأنه حادث في قوله عز وجل: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} 3 ووصفه بأنه منزل من اللوح وكان حالا فيه والتنزيل صفة الحدوث، وكونه حالا في اللوح، فاللوح حادث ولا يحل في الحادث إلا حادث عقلا وبديهة، وهذه الصفات كلها تعطي معنى الحدوث، ووصفه بأنه آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وصدورهم حادثة والحال في الحادث حادث قطعا؛ لأن القديم منزه عن الحوادث فالله عز وجل لا يطرقه معنى الحدوث ولا يليق به تعالى وإلا لم تصح الصفات الكمالية له تعالى، وكلام الله ليس على وتيرة كلام الخلق وإن كان الكلام المعروف هو ما على المنهج المألوف تتألف كلماته من الحروف، فإن الله جل جلاله خالق الحروف والأصوات والآلات التي بها يتكون، والله منزّه عن هذا كله قطعا"4.

1 طلقات المعهد الرياضي: سالم بن حمود بن شامس العماني ص107.

2 سورة الفرقان: من الآية 2.

3 سورة الأنبياء: الآية 2.

4 الحقيقة والمجاز: سالم بن حمود بن شامس "أباضي" ص27.

ص: 285

مسألة الخلود:

يعتقد الأباضية أن "داخل النار من عصاة الموحدين مخلد فيها لا يخرج منها أبدا، فهو في الخلود مثل داخل الجنة، إلا أن الموحد أخف عذابا من غيره"1 وقال ناظمهم:

ومن يمت على الكبير عُذِّبا

وذاك في القرآن حكما وجبا

........................

........................

لكنه في النار قطعا يخلد

فهو بها معذب مؤبد

خروجهم في الذكر قد نفاه

ربي، فيا ويل لمن يلقاه2

وقال أحد علمائهم المعاصرين: "إن ثواب الله لعباده المؤمنين الجنة وإن عقاب الله لأعدائه النار، وإن الجنة والنار لا تفنيان، ومن اعتقد فناءهما كفر شركا؛ لأن الله قال في الجنة: {خَالِدِينَ فِيهَا} ، وكذلك قال في النار والعياذ بالله منها، في مئات من الآيات وصرح جل وعز بذلك فالثواب والعقاب أبديان، وكذلك ثبت في السنة النبوية، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، جيء بالموت فيذبح بين الجنة والنار وينادي منادٍ: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود" 3. وعلى هذا عقيدة الأباضية متابعة القرآن وسنة المصطفى من آل عدنان صلى الله عليه وسلم، ومن خالف هذه العقيدة متأولا فهو فاسق ضال منافق كافر نعمة، ومن خالفها بغير تأويل فهو كافر شركا"4.

1 مختصر تاريخ الأباضية: أبو الربيع سليمان الباروني "أباضي" ص65.

2 جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام: عبد الله بن حميد بن سلوم "أباضي" ج1 ص12.

3 صحيح البخاري، كتاب التفسير ج5 ص236؛ وصحيح مسلم، كتاب الجنة ج4 ص2189.

4 الحقيقة والمجاز: سالم بن حمود بن شامس السيابي "أباضي معاصر" ص29 و30.

ص: 286

مسألة الشفاعة:

ويرون أن الشفاعة لا تنال أصحاب الكبائر من الأمة المحمدية، ولا ينالها إلا من مات منهم على الوفاء والتوبة النصوح1.

قال أحد علمائهم نظما2:

ومن يمت على الكبير عذبا

وذاك في القرآن حكما وجبا

ليس له شفاعة من أحد

من الورى حتى النبي أحمد

ارتكاب الكبيرة:

يطلق الأباضية على الموحد العاصي كلمة كافر، ويعنون بها كافر النعمة ويجرون عليه أحكام الموحدين. فالكفر عندهم كفر نعمة ونفاق وهو هذا، وكفر شرك وجحود وهو الذي يخرج الإنسان من الملة الإسلامية3.

فالعصاة من الموحدين عندهم "قد خرجوا من الشرك بلا إله إلا الله محمد رسول الله، وخرجوا عن المؤمنين بفعل المعاصي، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" 4

الحديث، وذلك فرع على قوله تعالى:{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ} لهم يا محمد {لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} 5. ومعنى قولوا: إنا مسلمون بقولكم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أما الإيمان فلا لأنكم تفعلون ما لا يرضاه، فأنتم باعترافكم بوحدانية الله حين قلتم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبهذا أسلمتم فحرمت دماؤكم وأموالكم إلا بحقها وحسابكم على الله، إما عفو، وإما عقاب"6.

1 مختصر تاريخ الأباضية: أبو الربيع سليمان الباروني "أباضي معاصر" ص66.

2 جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام: عبد الله بن حميد بن سلوم "أباضي" ج1 ص12.

3 مختصر تاريخ الأباضية: للباروني "أباضي" ص66.

4 رواه ابن ماجه في سننه، أبواب الفتن ج2 ص461.

5 سورة الحجرات: الآية 14.

6 جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام: عبد الله بن حميد بن سلوم "أباضي" ج1 ص14.

ص: 287

وهم ينكرون ما قال به المعتزلة من أن مرتكب الكبيرة قد خرج من الإيمان بكبيرته ولم يدخل الكفر لإقراره بشهادة: أن لا إله إلا الله، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين، ينكر الأباضية هذه المنزلة حيث يقول ناظمهم في "باب في الكفر":

من لم يكن متقيا لله

فهو أخو كفر بلا اشتباه

لأنه ما بينهن منزله

كذاك في القرآن ربي أنزله

وكشفه بأن تقسمنه

للشرك والنعمة فأفهمنه1

والخلاصة عندهم: أن الدرجات عندهم إيمان، كفر نعمة كفر شرك.

الميزان والصراط:

ويرى جمهور الأباضية أن الميزان ليس بحسي والله غني عن الافتقار إليه، وإنما هو تمييز معنويللأعمال:{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} 2 كيف والأعمال ليست بأمور محسوسة حتى توزن بميزان من نوعها والصراط أيضا ليس بحسي، وإنما هو دين الله الحق وطريقه القويم، فمن اتبعه فاز ونجا ومن حاد عنه خسر وهوى، ومن الأباضية من يجيز أن يكون الميزان والصراط حسيين3.

الولاية والبراءة:

تعتقد الأباضية أن كلا من الولاية والبراءة تنقسم إلى قسمين: ولاية أشخاص وولاية جملة، وكذا البراءة براءة الأشخاص وبراءة الجملة قالوا:"ولا يخفى أن الولاية والبراءة تجبان للأفراد كما تجبان للجماعة، ومن خصهما بالجماعة دون الأفراد وقع في قصور وتقصير"4.

ومن ولاية الأشخاص ولاية أم موسى وامرأة فرعون وكذلك مؤمن آل فرعون والرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى.

1 طلقات المعهد الرياضي: سالم بن حمود بن شامس "أباضي" ص86.

2 سورة الأعراف: من الآية 8.

3 مختصر تاريخ الأباضية ص66 و67.

4 طلقات المعهد الرياضي: سالم بن حمود بن شامس ص117.

ص: 288

وفي البراءة ما يقابل هؤلاء كالذي حاج إبراهيم في ربه، وكالذي جاء في قوله تعالى:{الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} 1، فهذه أدلة واضحة كالشمس ولا توجد هذه الأحوال إلا مع الأباضية2.

هذا شأن الولاية والبراءة للأشخاص عندهم، أما الولاية أو البراءة للجملة، فقالوا:"لا يخفى أن وجوب الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات موجب لولايتهم، إذ لا معنى للأمر بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات في مثل هذا المقام إلا الوجوب ولا يصح الاستغفار لغير الولي"2، ولا يخفى أن البراءة تجب من أهل المعاصي مطلقا سواء كانت كبائر كفر نعمة، أو كبائر شرك كما نص على ذلك القرآن وإجماع المسلمين مطلق على ذلك، والبراءة الشرعية توجب البغض، أي: إن البغض ثمرة البراءة من أهل المعاصي مطلقا وكذلك الشتم أي: شتم العاصي لعصيانه ولعن الكافر لكفره3.

أما صورة الولاية فهي: "أن يتولى المكلفون من تثبت ولايته وهو الطائع الوفي بما أمره الله فيحبونه لذلك ويستغفرون له ويساعدونه في شئونه الدنيوية من بيع وشراء وسائر المعاملات، وأما البراءة فصورتها أن يتبرءوا من العاصي ويقطعون معاملته ويهجرونه بحيث يصير كأنه بمعزل عن العالم إلى أن يتوب إلى الله، فإذا تاب وأقلع عن معصيته أعيدت إليه هذه الحقوق وعُومل بما يعامل به سائر إخوانه"4.

ولذلك وجد عندهم اصطلاحات الخطة والهجران والإبعاد والطرد وهي "ألفاظ تترادف على معنى واحد وذلك متى أجرم واحد من أهل الطريق أو ظهرت عليه خزية أو أتى بنقيصة في قول أو عمل فإنه يهجره أهل الصلاح، فلا يكلم ولا يحضر جماعة ولا يؤم ولا يؤاكل ولا يجالس، وكانت خطة حالت

1 سورة الأعراف: من الآية 175.

2 طلقات المعهد الرياضي: سالم بن حمود بن شامس ص118.

3 المرجع السابق ص119.

4 مختصر تاريخ الأباضية: أبو الربيع سليمان الباروني ص65.

ص: 289

بينه وبين أهل الخير، فإن تاب واستغفر قبل منه ورجع إلى الجماعة وزال عنه شين ذلك الوسم، ويكون بقاؤه في وحشة الهجران بقدر عظم الذنب وصغره وتوبة المجرم وإصراره"1.

ولا يزال هذا الأمر يطبق في بعض جهاتهم، قال الأستاذ حافظ رمضان عن هؤلاء:"لا تزال بقية هؤلاء في بلاد الجزائر وهم يعيشون على وتيرة منظمة وتقاليد عريقة ولا تحكم بينهم محاكم الدولة، وإذا ماطل مدين دائنه دخل المسجد وأعلن ذلك، وحينئذ يقاطع الناس المدين فلا يسلمون عليه ولا يعاملونه حتى يوفي ما عليه"2.

وهو أيضا حال الميزابيين اليوم بالجزائر "فإنهم ما زالوا في تطبيق أحكام الولاية والبراءة"3.

الإمامة:

قلت: إن الأباضية ترفض كل الرفض انتماءها أو نسبتها إلى فرقة الخوارج، مع أنهم يوافقون فرقة الخوارج في كل مواقفهم مما جرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ومع أن الخوارج لم يطلق عليهم هذا الوصف إلا لمواقفهم تلك.

وعلى كل حال، فالأباضية ترى أن عليا رضي الله عنه حين قبل بالتحكيم بينه وبين معاوية رضي الله عنه فإنه بهذا قد خلع نفسه عن الإمامة وولاها الحكمين على عهد الله وميثاقه، ولهما أن يوليا من شاءا ويعزلا من شاءا، وقد اتفق الحكمان على خلع علي واختلفا في تولية معاوية فولاه إياها عمرو بن العاص ولم يولها إياه أبو موسى الأشعري. وهم لا يرضون معاوية إماما في الدنيا فضلا عن أن يكون إماما للدين؛ لذلك تسرعوا إلى بيعة عبد الله بن

1 الأباضية بالجريد: صالح باجية ص186.

2 أبو الهول قال لي: حافظ رمضان ص150.

3 مختصر تاريخ الأباضية: أبو الربيع سليمان الباروني ص66.

ص: 290

وهب الراسبي المعروف بذي الثفنات، ولما وقعت البيعة منهم له لزمت وحرم تركها بغير موجب، فإذا فعل الإمام موجب فسخها لزم خلعه منها، وإن أصر عليها وجب على المسلمين قتاله، وذلك كما إذا فسخ إمامته أو جار أو ظلم أو ترك واجبا دينيا، وذلك بعد تتويبه فإذا تاب قبل منه1.

وبهذا يتبين أن خروجهم على علي رضي الله عنه إنما هو لقبوله التحكيم وهم يعتبرون هذا القبول فسخا لإمامته، وفسخه لإمامته يوجب عندهم خلعه وإن أصر على الإمامة وجب قتاله بعد استتابته.

ولا ريب بعد هذا أن تكون الإمامة عند هؤلاء في منزلة كبرى وأصلا من أصولهم، يضعون له ويبنون عليه الأحكام.

ولذلك قالوا: "وعندنا أن الإمامة من الأصول لما صح عن عمر وغيره من الأمر بقتل من تعين نصبه إماما، فأبى من قبولها "!! " إلا أنها ليست مما يقدح تخلفه في صفة الله. فمعنى كونها من الأصول أنه لا يجوز الخلاف فيها"2.

والإمامة عندهم واجبة "ووجوب نصب الإمام في الأمة معروف من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ألا ترى أن الصحابة اشتغلوا بعلاج قضية الإمامة عندما تحققوا موت النبي صلى الله عليه وسلم لما يرون من لزوم أمرها، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدفن بعد وهم في أمر الإمامة

وفي القرآن الأمر بالحدود في الزنى والخمر3 والقذف والسرقة وقتل القاتل وقطاع الطرق وغير ذلك والمخاطب بذلك الإمام ومن في معناه من سلطان وأمير وإمام، فإذن هذه ألقاب لا معول عليها بل المعول على العدل ولا يخفى أن الإنسان لا يحكم على نفسه، وليس له أن ينفذ حدا على غيره فضلا عن نفسه ما لم يكن إماما أو سلطانا عادلا. فإن السلطان العادل ظل الله في أرضه، سواء كان إماما

1 الحقيقة والمجاز: سالم بن حمود بن شامس ص16 بتصرف.

2 مختصر تاريخ الأباضية: أبو الربيع سليمان الباروني "ص68" نقلا من شرح محمد بن يوسف أطفيش للعقيدة.

3 ليس في القرآن حدّ للخمر، فلعله سهو.

ص: 291

أو أميرا أو خليفة أو سلطانا بحسب الاصطلاح، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"الحدود والجمعات والفيء والصدقات إلى الأئمة"، والمراد من هؤلاء كلهم العادل، قال الله عز وجل لنبيه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام:{إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} 1. وكذلك الأمر في تعجيل إمامة عمر رضي الله عنه لولا وجوبها لكان لقائل أن يقول: ما حاجة على الإمامة "كذا" وليترك الناس على ما هم عليه ولكنهم لم يتركوهم بل بايعوا بعد عمر عثمان بن عفان، ثم بايعوا بعد عثمان علي بن أبي طالب

وهكذا

وبذلك أجمعت الأمة على وجوب الإمامة"2.

ولهم شروط في وجوب الإمامة إذا توفرت الشروط وجبت الإمامة، ولهم شروط أيضا في الإمام الذي تصح له البيعة.

أما شروط وجوب الإمامة: "فأن يكون أهل الحق3 نصف عدوهم المتخوف منه أو أكثر، ولهم ما يكفيهم من علم ومال وسلاح وكراع، وإذا عقدت الإمامة لمن هو لها أهل لم يجز له تركها"4، ولم أجد بيان الحكم إذا كانوا أقل من نصف عدوهم.

أما شروط الإمام فـ"أن يكون ذكرا بالغا عاقلا عالما بالأصول والفروع متمكنا من إقامة الحجج وإزالة الشبه ذا رأي وخبرة في الحروب شجاعا ولو كان لا يباشرها بنفسه لا يلين ولا يفشل من أهوالها ولا يهاب إقامة الحدود وضرب الرقاب في سبيل الله ونصرة الحق، وإذا توفرت هذه الشروط في القرشي فهو أولى وإلا فغيره ممن رضيه أهل الحل والعقد من المسلمين، ولا يفهم من هذه الشروط أن نصب الإمام غير واجب إذا فقد شرط منها، لا بل يتعين عليهم نصبه ولو كان

1 سورة البقرة: الآية 124.

2 الحقيقة والمجاز: سالم بن حمود بن شامس ص23-25 باختصار.

3 المراد بهم هنا الأباضية.

4 مختصر تاريخ الأباضية ص66 عن الشرح الكبير على العقيدة، للشيخ محمد بن يوسف أطفيش.

ص: 292

دون هذه المنزلة، إذ العبرة بالشروط الأساسية التي لا يشاد صرح الإمامة بدونها"1.

قالوا: "والقوة والعلم من ضروريات صفات الإمام الذي يصلح أن يكون قائد أمة أو زعيم عامة فإنه إذا كان ضعيفا فإن ضعفه يؤخره عن القيام بالواجبات التي تناط به

والعلم هو الأساس الذي يجب على المسلم أن يمشي عليه ما عاش. وبالأخص أهل المناصب إذ تتوجه إلى الإمام حدود وولاية وبراءة وما إليها من جباية الزكاة وبيوت الأموال والقيام بمصالح الأمة إلى أشياء عديدة، فينظر بالعلم من يقدم على العمل ومن يؤخر، فإن بالعلم يقوم الدين؛ ولهذا أوجب الأباضية العلم في الإمامة"2.

أما شرط القرشية فلا يقولون به، بل قالوا: "إن وجد المستقيم في قريش حسنت بيعته، وإذا بويع وجبت طاعته لا من حيث إنه قرشي بل من حيث إنه صالح، فإن المطلوب في الأمة الصلاح وهل لقريش مزيد فضل بدون الصلاح؟ فإن الله عز وجل أمر بالصلاح ودعا

والواقع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يول قريشا فقط وإنما ولى من عدة قبائل في العرب، وصحة الإمامة أصل لصحة الولاية فإنها فرع عليها، وما جاز في الأصل جاز في الفرع ولم يجعل الله عز وعلا الأمر في أمة خاصة أو في قبيلة خاصة أو في بلد خاص"3.

بل يكفي أن يكون الخليفة متصفا بالفضيلة، سائرا بموجب الكتاب والسنة لتصح خلافته، فإن انحرف عنهما أي: الكتاب والسنة، فقد تهور في أعماله ورجع القهقرى، ولا بد أن يكون تعلق بالهوى وخلع ربقة التقوى فلا يصح أن يبقى على هذا الحال إماما

وليس من الحق أن نترك المنحرف عن واجب الكتاب والسنة لا عقلا ولا نقلا فيما علمنا4، وتجب طاعته ما دام على الحق والعدل شعاره، فإن جار في الحكم وخالف الحق ولم يتب جاز، بل وجب الخروج عنه5.

1 المرجع السابق.

2 الحقيقة والمجاز ص22 و23.

3 المرجع السابق ص25 و26.

4 المرجع السابق: ص26 و27.

5 مختصر تاريخ الأباضية: أبو الربيع سليمان الباروني ص68.

ص: 293

موقفهم من الصحابة، رضوان الله عليهم:

إن الأباضية يوالون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أما الأول فقد كان: "عاملا بما جاءت به النبوة، تابعا لأوامرها، قائما بما قامت به الأمة، محافظا لسيرتها، وبذلك لم يفقد من النبي عليه الصلاة والسلام إلا شخصه الكريم ونزول الوحي بعده1. ومات والأمة الإسلامية كلمة واحدة راضية عنه عند موته"2.

أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد: "سار مسيرة صاحبه وأعطى القوس باريها وأجرى الأمور مجاريها"1 حتى مات شهيدا مبكيا عليه مأسوفا على مآثره وعلى سيرته المرضية وأيامه الزاهية البهية3.

أما عثمان رضي الله عنه فليس له عندهم مثل منزلة صاحبيه رضي الله عنهما ونذكر هنا ما يتعلق به رضي الله عنه من رسالة بعث بها إمامهم عبد الله بن أباض إلى عبد الملك بن مروان قال فيها: "فولوا عثمان فعمل ما شاء الله بما يعرف أهل الإسلام، حتى بسطت له الدنيا وفتح له من خزائن الأرض ما شاء الله، ثم أحدث أمورا لم يعمل بها صاحباه قبله وعهد الناس بنبيهم حديث، فلما رأى المؤمنون ما أحدث أتوه فكلموه وذكروه بكتاب الله وسنة من كان قبله من المؤمنين، فشق عليه أن ذكروه بآيات الله "!! " وأخذهم بالجبروت وضرب منهم من شاء وسجن ونفى"4، وقال أحد معاصريهم:"فإن كان عثمان على حق فالخارجون عليه المحاربون له ضالون بذلك تجب منهم البراءة، فما لكم تقولون: رضي الله عنهم، وهم خارجون على إمام الحق وإن كان عثمان ظالما وخرجوا عليه لظلمه، فمن الواجب القيام على الظالم حتى يرجع عن ظلمه" إلى أن قال: "أما كون عثمان أمير المؤمنين وكل ما يفعله أمير المؤمنين من الحق والباطل

1 طلقات المعهد الرياضي: سالم بن حمود بن شامس ص73.

2 مختصر تاريخ الأباضية ص15.

3 مختصر تاريخ الأباضية ص16.

4 المرجع السابق ص21.

ص: 294

مقبول عند الله وهو لذلك يجب أن يحترم. وإذا كان كذلك فما بال مائة ألف سيف في المدينة بأيدي المهاجرين والأنصار الذين وصفهم الله عز وجل بالاستقامة في الدين، لا تدافع عن الإمام المحق، فما لهؤلاء الناس لا يأتون بالحق1 الذي يجب على كل مسلم أن يكون عليه؟! "2.

أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهم يعتقدون أنه إمام بالإجماع، بايعه المسلمون عن رضى به واختيار له من بين أقرانه؛ لما يرون فيه المناسبة لمنصب الإمامة

وزاد على أقرانه الستة بكونه من بيت النبوة، فهو العالم العابد الزاهد الأمين الثقة التقي الذي سلم من الأهواء والتحيزات العنصرية، متجردا لله، قائما بحقوق الله، ثابتا على سلطان الله، يتساوى معه البعيد والقريب في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم. وهذه هي صفة علي بن أبي طالب وهو لم يزل كذلك حتى دخل عليه داخل3 في سياسته ليضله عن طريقه، وهو يعتقد فيه أنه يريد الحق ويدعو إليه، وهو بطانة سوء لعلي بن أبي طالب فلذلك أثر عليه

1 أما وقد دعا إلى الإتيان بالحق، فإنا نقول: إن المائة ألف سيف التي بأيدي المهاجرين والأنصار لم تغمد عبثا ولا تخليا عن عقيدة ولكنها بعثت واحدا منها هو المغيرة بن شعبة رضي الله عنه إلى عثمان وهو محاصر تخيره بثلاثة أمور: إما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عددا وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق لك بابا سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على راحلتك فتلحق بمكة فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية. فقال عثمان رضي الله عنه: أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم" فلن أكون أنا إياه، وأما أن ألحق بالشام فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم "رواه الإمام أحمد في مسنده ج1 ص67 من مسند عثمان بن عفان رضي الله عنه". بل إن عثمان رضي الله عنه كان ينهى أهل بيته عن تجريد السلاح. إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء، محمد الخضري ص198.

2 الحقيقة والمجاز: سالم بن حمود بن شامس ص21.

3 يقصد: الأشعث بن قيس رضي الله عنه.

ص: 295

ولا نعتقد في علي ما تعتقده فيه الشيعة، بل هو عبد من عباد الله وهو هكذا يقول، وبسبب بطانته السيئة وقع ما وقع1.

أما خلاصة رأيهم فيه رضي الله عنه بعد ذلك، فإنهم يرون أنه بقبوله التحكيم قد خلع نفسه عن الإمامة وولاها الحكمين على عهد الله وميثاقه أن يوليا من شاءا ويعزلا من شاءا، فقد اتفقا على خلعه واختلفا في التولية له، فولى أحدهما معاوية واحرنجم الثاني فلم يفعل شيئا وافترقا على ذلك، ولما رأى أولئك المؤمنون نهاية الواقع وما كانوا يرضون معاوية إماما في الدنيا، فضلا عن أن يكون إماما للدين فلذلك تسرعوا إلى البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي المعروف بذي الثفنات، فلما وقعت البيعة لزمت، وحرم تركها بغير موجب"2.

ولذا فهم يعتقدون أن البيعة انتقلت بعد علي رضي الله عنه إلى عبد الله بن وهب الراسبي، الذي بايعوه بعد التحكيم.

"ولما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم مسرورين ببيعتهم مبتهجين برضاه وقبوله على يقين واطمئنان أن علي بن أبي طالب لا يعود يطالبهم بإمامة أو يدعيها"3.

ولكن عليا رضي الله عنه توجه إلى عبد الله الراسبي وأباد جيشه في النهروان، وكان عبد الله من بين القتلى، قال أحد مؤرخيهم:"ولا أظنه أمر بقتلهم ولا أشار إليهم ورأى السكوت يسعه حيث قال له القائمون بأمره عن القوم ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم حيث نسبوا إلى أهل الحق ما نسبوا؛ ليتوصلوا إلى الباطل بما حصلوا، ولا أرى عليا إلا خليا من دماء القوم ولا ألومه، وهو قاصدهم ليتفاهم معهم ويتفاوض هو وإياهم"4.

لكنهم مع هذا لا يتبرءون من عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي رضي الله عنه.

1 الحقيقة والمجاز ص21 و22.

2 المرجع السابق ص15.

3 طلقات المعهد الرياضي: سالم بن حمود بن شامس ص21.

4 الحقيقة والمجاز ص17.

ص: 296

أما معاوية رضي الله عنه فإنهم يعتقدون أن أولئك القائمين بالنهروان، كل واحد منهم أفضل من معاوية بمسافات1، "كذا" وهم يعتقدون أنه "خرج على الإمام محاربا له، شاقا عصا المسلمين يريد أن يفرق جمعهم ويهدم بناءهم ويقلب أمورهم ظهرا لبطن؛ ليسيطر عليهم فيكون ملكا فيهم وزعيما عليهم"2، وقالوا:"فخرج معاوية على علي وعلى المسلمين، بل خرج على الدين لما كان علي بن أبي طالب إمام عامة، ثبتت إمامته بإجماع خرج عليه يشق عصا المسلمين ولا يبالي بما يكون من خصام وما يكون من دماء تسفك على غير حق، بل خرج على الإمام يشق طريق الخصام ولا يبالي بسفك دماء المسلمين"2، هكذا زعموا في معاوية رضي الله عنه أما طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة رضي الله عنهم أجمعين- فقالوا عنهم بعد بيعتهم لعثمان، رضي الله عنه: "وبايعه فيمن بايع طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ثم نكثا ما بعنقهما من البيعة، واستنفرا معهما أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، فحاربهم علي وقهرهم

أما السيدة عائشة فقد تابت من عملها بعد ذلك، وندمت أشد الندم"3.

موقفهم من مخالفيهم:

سأكتفي هنا بإيراد جزء من خطبة أبي حمزة المختار بن عوف أحد كبار أئمتهم، التي وجهها إلى أهل المدينة المنورة بعد استيلائه عليها فقال: "أيها الناس، نحن من الناس والناس منا إلا عابد وثن وملكا جبارا، وصاحب بدعة يدعو الناس إليها، وإن امتنعوا من ذلك دعوناهم إلى أن نجري عليهم حكم الله تعالى من دفع الحقوق والخضوع لواجب الأحكام، فإن أذعنوا لذلك تركناهم على ما هم عليه ووجب لهم من الحقوق والأحكام ما يجب لنا وعلينا إلا ما كان من الاستغفار، فلا حق لهم فيه ما داموا متمادين على ما هم عليه ووسعنا وإياهم

1 الحقيقة والمجاز ص14.

2 المرجع السابق ص11 و12.

3 مختصر تاريخ الأباضية: أبو الربيع سليمان الباروني ص16 و17.

ص: 297

العدل ولهم حقوقهم من الفيء والغنائم والصدقات على وجوهها، ولهم علينا دفع الظلم عنهم كما يجب لسائر المسلمين، والعدل في الأحكام والدفاع عنهم وإن غزوا معنا فلهم سهامهم كما لنا، ومن امتنع منهم مما وجب عليه من الحقوق أدبناه بما يقمعه ونرده إلى سواء السبيل، وإن جاوزوا ذلك سفكنا دماءهم واستحللنا قتالهم وإن اعترفوا بطاعتنا وانفردوا ببلادهم وأجروا فيها أحكامهم تركناهم وذلك ما لم يكن رد على آية محكمة أو سنة قائمة ونستقضي عليهم منهم من يقوم بواجب الحقوق عليهم ولهم ونقبل قوله في ذلك على أسلوب القضاة كلهم، ولا يمنعنا من ولايتهم إلا ما هم عليه ونأخذ منهم كل ما يجب من الحقوق ونردها في فقرائهم وذوي الحاجة منهم وإن اتهمناهم في شيء أعذرنا إليهم، ولا نتركهم يظهرون منكرا بين أيدينا إذا كان عندهم منكرا ديانة ونمنعهم أن يحدثوا في أيامنا ما لم يكن إلا أن يكون أمرا لا مكروه تحته، وإن خرجوا علينا وهزمناهم، فإنا لا نتبع مدبرا ولا نجهز على جريح وأموالهم مردودة عليهم إلا ما كان عائدا لبيت المال، فإنا نأخذه ونصرفه في وجوهه

وإن قدرنا عليهم قتلنا منهم كل من قتل أحدا منا بعينه قصاصا ونسرح سبيل الأسارى ولا نتبع المنهزمين ولا نعترض أحدا منهم إلا من طعن في الدين أو قتل من المسلمين أو دل عليهم، فهؤلاء يقتلون إذا قدرنا عليهم إلا من تاب قبل ذلك، ونصلي على قتلاهم وندفنهم ونجري المواريث بيننا وبينهم على وجوهها، والأموال والحرمات على وجوهها"1.

مصادر التشريع:

مصادر التشريع عند الأباضية هي مصادره عند أهل السنة، أعني: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، لا ينكرون شيئا منها ولا يجحدونه كما وصفهم بعض من كتب عنهم، قال أحد علماء الأباضية: "وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين، وهو قوله تبارك وتعالى:

1 مختصر تاريخ الأباضية: أبو الربيع سليمان الباروني ص72 و73.

ص: 298

{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُم.....} 1 الآية، والسنة مأخوذة من الكتاب، قال الله تعالى:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} 2.

والسنة علم بكتاب الله عز وجل وبه أوجب اتباعها والإجماع أيضا علم بكتاب الله عز وجل وبالسنة التي هي من كتاب الله؛ لأن الإجماع توقيف، والتوقيف لا يكون إلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم3.

وعندهم أن ما ذكر في الكتاب أو السنة أو الإجماع، فهو نص والنص أصل يقاس عليه قالوا:"فما وجد في هذه الثلاثة الأصول فهو أصل، وما لم يوجد فهو فرع ويقاس عليهن ما لم يذكر في إحداهن4 وقالوا: لا تقاس الأصول بعضها ببعض، والأصول ما جاء من الكتاب والسنة والإجماع، ويقاس ما لم يأت في الأصول على الأصول، والأصول مسلمة على ما جاءت"5.

وقال ناظمهم:

يستخرج الحكم من الكتاب

وهكذا من سنة الأواب

كذلك الإجماع فيما اجتمعوا

كذلك القياس فيما فرعوا6

والمراد بالكتاب القرآن الكريم لا يقولون بتحريفه لا بزيادة ولا نقصان، أما عمادهم في السنة فهو ما جمعه أحد علمائهم وهو:"الجامع الصحيح"، مسند الإمام الربيع بن حبيب، قال عنه أحد علمائهم المعاصرين:"اعلم أن هذا المسند الشريف أصح كتب الحديث رواية، وأعلاها سندا"7، وقال:"فجميع ما تضمنه الكتاب صحيح باتفاق أهل الدعوة "يقصد الأباضية" وهو أصح كتاب بعد

1 سورة الأعراف: من الآية 3.

2 سورة النساء: من الآية 59.

3 المصنف لأبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي السمدي النزوي "أباضي" ج1 ص50 و51.

4 المصنف لأبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى "أباضي" ج1 ص50.

5 المصنف لأبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى "أباضي" ج1 ص50 و51.

6 جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام: عبد الله بن حميد السالمي ج1 ص21.

7 الجامع الصحيح: مسند الربيع بن حبيب، ومن مقدمة عبد الله بن حميد السالمي ص2.

ص: 299

القرآن العزيز، ويليه في الرتبة الصحاح من كتب الحديث"1.

ويقصد بكتب الحديث كتب أهل السنة، فهم يقدمون مسند الربيع بن حبيب أولا ثم صحيح البخاري ومسلم وغيرهما ثانيا. فهم يقبلون ما جاء في كتب الحديث عند أهل السنة ولكن ليس بنفس درجتها عندهم، بل هي تالية لمسند الربيع، وعلى هذا فإن وقع خلاف بين مسند الربيع مثلا وصحيح البخاري أخذوا بما في مسند الربيع.

الآراء الفقهية:

ولا تكاد تجد كبير فارق بين أهل السنة والأباضية إلا كما تجد الفارق بين المذاهب الأربعة، ويرجع ذلك للاتفاق على أصول التشريع من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، زد على هذا اعترافهم بالكتب الصحاح عند أهل السنة، ولا تكاد تجد لموقفهم من الصحابة -رضوان الله عليهم- من أثر على اتجاههم الفقهي؛ لأنهم لا يردون رواياتهم، وإن ردوا فقليلا لا يكاد يبين له أثر بخلاف الشيعة الذين لا يقبلون إلا ما يرد عن أئمة أهل البيت؛ فكان الاختلاف بينهم وبين أهل السنة في الأصول والفروع.

ولا أرى من داعٍ لذكر أمثلة على ذلك، فالفروع كثيرة. أما في الأركان فقال أحد علمائهم:"ولا أعلم بين الفريقين -يعني الأباضية وأهل السنة- خلافا في الصلاة ووجوبها وأدائها في الأوقات الخمسة وعدد الركعات، ولا في الحج وأركانه ومناسكه، ولا في الزكاة ونصابها ومواضع صرفها، ولا في الصوم ووجوبه وأغلب مصححاته ومفسداته"2.

قلت: وإذا كان الاتفاق في الأصول، فإن الاختلاف في الفروع أمر مقبول إن شاء الله، ما دام الاجتهاد فيها مستندا إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وما داموا يرجعون إلى كتب أهل السنة والجماعة.

1 الجامع الصحيح: مسند الربيع بن حبيب، من مقدمة عبد الله بن حميد السالمي ص2.

2 مختصر تاريخ الأباضية: أبو الربيع سليمان الباروني ص71.

ص: 300

التصوف:

أما الفرق الصوفية كالقادرية والعروسية والرفاعية والعيساوية والساعدية والتيجانية والسنوسية والبكطاشية وغيرها كثير، فليس لها وجود في المذهب الأباضي، وهي في نظره من البدع المحرمة شرعا ولا يتوقف الوعظ والإرشاد وتهذيب النفوس على إحداث مثل هذه الطرق والانتساب إلى رجالها على النمط المعهود عندهم، ومع هذا فلا ينكر الأباضيون كرامة الأولياء ووجود الصالحين من عباد الله المخلصين ولزوم احترامهم، لكن لا على هذا الوجه:{وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} 2.

فهم كأهل السنة يؤمنون بالكرامات ووجود الصالحين من عباد الله، لكن ليس على الوجه الذي يقوم به الصوفية من التبرك بهم والطواف حول قبورهم وتقديسهم؛ ولذا لا تجد في بلاد الأباضية المزارات والقبور ونحو ذلك.

1 سورة البقرة: من الآية 48.

2 مختصر تاريخ الأباضية: ص70 و71.

ص: 301

‌التفسير الأباضي:

ظاهرة بارزة في تاريخ الأباضية العلمي هي قلة المؤلفات ليس في العصر الحديث فحسب، بل في القديم أيضا، وتبرز هذه الظاهرة أكثر ما تبرز في إنتاجهم في تفسير القرآن الكريم، إذ لا يكاد يذكر لهم من تفسير سوى تفاسير ثلاثة في القديم، وثلاثة في العصر الحديث.

ومن الثلاثة القديمة لا يوجد إلا تفسير واحد في أربعة مجلدات، ومؤلفه هود بن محكم وتداوله بين الأباضية في المغرب، أما الباقي فمفقود وهما تفسير عبد الرحمن بن رستم الفارسي من القرن الثالث، وتفسير يوسف بن إبراهيم الورجلاني من أهل القرن السادس الهجري1.

وفي العصر الحديث لا تجد إلا ثلاثة تفاسير، وتعجب إذا عرفت أنها كلها

1 انظر "التفسير والمفسرون": محمد حسين الذهبي ج2 ص315.

ص: 301

لمؤلف واحد، وأن المطبوع من هذه الثلاثة اثنان، أما الثالث فلم يتمه مؤلفه ولم يطبع.

وظاهرة أخرى متعلقة بالظاهرة الأولى، تلكم هي قلة ما يطبع من هذه المؤلفات القليلة، ثم قلة انتشار المطبوع وتوزيعه. وقد عانيت كثيرا في الحصول على بعض هذه المطبوعات وكنت أظن الأمر خاصا بي، فإذا به أعم وكنت أظنه غير مقصود، فإذ بي أحسبه مقصودا، واطلعت على ما حصلت عليه من مطبوعاتهم، علَّ فيها تعليلات فلم أجد ما يوجب هذا العمل.

وعلى كل حال، فقد حصلت والحمد لله على بغيتي وفوق هذا حصلت على الموجود من مؤلفاتهم التفسيرية في العصر الحديث، وهي كما قلت آنفا ثلاثة الموجود منها اثنان، وكلها للشيخ محمد بن يوسف أطفيش:

1-

تفسير داعي العمل ليوم الأمل: وهو التفسير الذي لم يكمله مؤلفه، وقد اطلع الشيخ محمد حسين الذهبي على نسخته المخطوطة لدى ابن أخي المؤلف في القاهرة، ورآها تحتوي على تفسير الأجزاء الأربعة الأخيرة من القرآن وتقع في مجلدين1.

2-

هميان الزاد إلى دار المعاد: وهو تفسير يقع في 13 مجلدا.

3-

تيسير التفسير: ويقع في مجلدات سبعة. وهذان التفسيران هما المطبوع من تفاسير الأباضية في العصر الحديث، بل لم أجد ذكرا لغيرهما ولم يؤلف سواهما في التفسير.

وقد وقفت عندهما حائرا: هل قراءة هذين التفسيرين وهما لمؤلف واحد تعطي صورة حقيقية عن منهج الأباضية في التفسير، أو أنهما يعطيان صورة عن منهج مؤلفهما في التفسير لا منهج الأباضية؟

وقد انقدح في ذهني أن هذا يرجع إلى مدى التزام المؤلف بمذهبه، فإن كان ملتزما بعقيدته الأباضية التزاما كاملا فهو إن لم يعط صورة كاملة بدقائق تفصيلها

1 التفسير والمفسرون: محمد حسين الذهبي ج2 ص316.

ص: 302

عن المنهج الأباضي، فإنه حتما سيعطي الخطوط العريضة لمنهج الأباضية في التفسير باعتباره ملتزما به.

ثم نظرت إلى مؤلفهما فوجدته إماما من أئمتهم المعتبرين الذين لهم مكانتهم عند الأباضية علما والتزاما، ولو لم يكن متصفا بهاتين الصفتين لما حل عندهم بهذه المنزلة.

فتوكلت على الله وعزمت على اعتبار هذين التفسيرين مصدرا لمنهج الأباضية في التفسير في العصر الحديث، وكان لا بد أن أكتب ترجمة موجزة عن مؤلفهما، ثم تعريفا بالتفسيرين.

ص: 303

‌تفسيري: هميان الزاد إلى دار المعاد، وتيسير التفسير

‌التعريف بالمؤلف:

اسمه ونسبه:

أما اسمه فهو: محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح أطفيّش1، أو أطّفيّش2. وأما ألقابه فكثيرة، منها ما هو نسبته إلى بلده ومنها ما هو نسبته إلى مذهبه. فمن الأول: "الميزابي المصعبي اليسجني"3، ومن الثاني:"الوهبي الأباضي"3، ومنها:"الحفصي العدوي الجزائري"4.

مولده ونشأته:

ولد سنة 1236 في بلدة يسجن في وادي ميزاب بالجزائر، ونشأ بين قومه وعرف عندهم بالزهد والورع واشتغل بالتدريس والتأليف وهو شاب لم يتجاوز

1 التفسير والمفسرون: محمد حسين الذهبي ج2 ص319 عن ابن أخي المؤلف.

2 الأعلام: خير الدين الزركلي ج7 ص156، وقال: إنه لفظ بربري مركب من ثلاث كلمات: أطّف بمعنى أمسك وأيّا بمعنى أقبل، تعال، وأش ومعناها: كل، قال: يقال: إن أحد أسلافه لقب به لمناداته صديقا له يدعوه إلى الطعام.

3 مقدمة تيسير التفسير، لصاحب الترجمة ج1 ص5.

4 الأعلام: خير الدين الزركلي ج7 ص156، وقال: الحفصي نسبة إلى أبي حفص عمر بن الخطاب، والعدوي نسبة إلى عدي بن كعب القرشي جد عمر.

ص: 303

السادسة عشرة وانكب على القراءة والتأليف، وله من المؤلفات في شتى العلوم ما يربو على الثلاثمائة مؤلف1.

لذا، فهو علّامة في التفسير والفقه والأدب، أباضي المذهب، كان له أثر بارز في قضية بلاده السياسية2.

مؤلفاته:

له "داعي العمل ليوم الأمل" في مجلدين، و"تفسير هميان الزاد" في 13 مجلدا، و"تيسير التفسير" في سبعة مجلدات، و"شرح النيل" في 10 أجزاء كبيرة في الفقه، و"حي على الفلاح" 6 أجزاء فقه و"شامل الأصل والفرع" في علوم الشريعة في جزأين، و"وفاء الضمانة بأداء الأمانة" حديث 3 أجزاء، ونظم المغني لابن هشام في خمسة آلاف بيت، وله مؤلفات عديدة في النحو والصرف والبلاغة والفلك والعروض والوضع والفرائض وغيرها3.

وفاته:

توفي في 23 ربيع الثاني4 سنة 1332هـ وله من العمر ست وتسعون سنة.

التعريف بالتفسيرين:

أول هذين التفسيرين هو "هميان الزاد إلى دار المعاد"5، وهو التفسير

1 التفسير والمفسرون: محمد الذهبي عن ابن أخي المؤلف ج2 ص319؛ والأعلام للزركلي ج7 ص157.

2 الأعلام: الزركلي ج7 ص157.

3 انظر "التفسير والمفسرون": الذهبي ج2 ص319؛ والأعلام للزركلي ج7 ص157؛ ومعجم المؤلفين: عمر رضا كحالة ج12 ص133.

4 معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة ج12 ص133.

5 ورد هيميان بياءين قبل الميم وبعدها، إلا أنه في مقدمة كتابه: تيسير التفسير أشار إليه باسم "هميان" بياء واحدة بعد الميم، وأرى أن الصحيح هو بياء واحدة؛ لأني لم أجد له معنى بياءين، قال في القاموس: الهميان بالكسر: شداد السراويل، ووعاء للدراهم".

ص: 304

الذي ألفه صاحبه في صغره1. طبع في زنجبار بالمطبعة السلطانية سنة 1314هـ، وأصدرت الطبعة الثانية وزارة التراث القومي والثقافة، في سلطنة عمان سنة 1401هـ وبين يدي الجزء الأول من هذه الطبعة ما اطلعت عليه منها حتى الآن2.

وسأرجع في دراستي هذه إلى الطبعة الثانية في الجزء الأول فقط، أما بقية الأجزاء فسأرجع إلى الطبعة الأولى.

أجزاء الكتاب:

ذكر في "التفسير والمفسرون" أن تفسير هميان الزاد إلى دار المعاد يقع في 13 مجلدا كبيرا3، وذكر الزركلي أنه يقع في 14 جزءا4، أما في مقدمة الطبعة الثانية فذكر وزير التراث العماني أنهم عثروا على نسخة وحيدة منه في 15 جزءا. وقد حاولت التأكد من العدد الصحيح لمجلدات الكتاب فطلبت المجلد الأخير منه في دار الكتب المصرية، فناولوني المجلد الثاني عشر وآخره تفسير سورة الحجرات، واعتذروا بعدم وجود ما بعد هذا المجلد.

وقد لخص المؤلف منهجه في هذا التفسير بقوله: "وبعد، فهذا تفسير رجل يسجني أباضي وهبي، ويعتمد فيه على الله سبحانه وتعالى ثم على ما يظهر لفكره بعد إفراغ وسعه ولا يقلد فيه أحدا إلا إذا حكى قولا أو قراءة أو حديثا أو قصة أو أثرا لسلف، وأما نفس تفاسير الآي والرد على بعض المفسرين والجواب فمنه، إلا ما تراه منسوبا، وكان ينظر بفكره في الآية أولا ثم تارة يوافق نظر جار الله والقاضي5 وهو الغالب والحمد لله وتارة يخالفهما، ويوافق وجها أحسن مما أثبتاه أو مثله

ويتضمن -إن شاء الله- الكفاية، في الرد على المخالفين فيما

1 تيسير التفسير: محمد بن يوسف أطفيش ج1 ص7 ط2.

2 حصلت بعد صف أحرف كتابي هذا على الأجزاء التالية: الثاني 1401هـ والثالث 1402هـ والرابع 1403هـ ونهايته الآية 51 من سورة النساء.

3 التفسير والمفسرون ج2 ص316.

4 الأعلام للزركلي ج7 ص157.

5 يعني: الزمخشري والبيضاوي.

ص: 305

زاغوا فيه وإيضاح مذهب الأباضية الوهبية واعتقادهم، وذلك بحجج عقلية ونقلية"1.

وثاني هذين التفسيرين: "تيسير التفسير للقرآن الكريم" وهو اختصار للتفسير السابق، صدرت الطبعة الأولى منه في سبعة مجلدات طبع بلاد المغرب، وبالحروف المغربية وصدرت أجزاؤه بين سنتي 1325-1327هـ، وقد أعادت وزارة التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان طبعه، فصدر الجزء الأول منه بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري، وبين يدي من هذه الطبعة الجزء الأول وهو ما صدر منها حتى الآن2. وكالتفسير السابق سأرجع إلى الجزء الأول من الطبعة الثانية، وبقية الأجزاء إلى الطبعة الأولى.

وذكر المؤلف في مقدمة هذا التفسير سبب تأليفه له فقال: "أما بعد، فإنه لما تقاصرت الهمم عن أن تهيم بهميان الزاد إلى دار المعاد الذي ألفته في صغر السن، وتكاسلوا عن تفسيري: داعي العمل ليوم الأمل، أنشطت همتي إلى تفسير يغتبط ولا يمل، فإن شاء الله قبله بفضله وأتمه قبل الأجل، وأنا مقتصر على حرف نافع ولمصحف عثمان تابع، وأسأل ذا الجلال أن ينعم علي بالقبول والإكمال"3.

1 هميان الزاد إلى دار المعاد ج1 ص5.

2 حصلت بعد صف أحرف هذا الكتاب على الجزء الثاني "بدون تاريخ" والجزء الثالث، وصدر سنة 1405هـ ونهايته آخر سورة الأنعام.

3 تيسير التفسير: محمد بن يوسف أطفيش ج1 ص7.

ص: 306

منهجه في التفسير:

درج المؤلف خاصة في تفسيره: هميان الزاد على أن يقدم لكل سورة بمقدمة يذكر فيها أسماء هذه السورة والمدني والمكي منها وعدد آياتها وكلماتها وحروفها، ثم ما ورد من الأحاديث في فضلها، ويختم ذلك ببيان فوائدها.

ذكر المؤلف في أسماء سورة البقرة أن "خالد بن معدان كان يسميها: فسطاط القرآن"1. وورد في حديث مرفوع في مسند الفردوس، وذلك لعظمها

1 هميان الزاد ج1 ص 163 وانظر سنن الدارمي ج2 ص 446- 447.

ص: 306

ولما جمع فيها من الأحكام التي لم تجمع في غيرها وفي حديث المستدرك تسميتها سنام القرآن1 وسنام كل شيء أعلاه، وفي صحيح مسلم تسميتها وآل عمران الزهراوين1.

وفي المكي والمدني منها قال: "وهي مدنية واستثنى بعضهم منها آيتين: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} ، {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} 1

إلخ.

وفي عدد آياتها وكلماتها وحروفها قال: "آيها مائتان وخمس وثمانون، وقيل: مائتان وست وثمانون، وقيل: مائتان وسبع وثمانون، وكلمها ستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون، وحروفها خمسة وعشرون ألفا وخمسمائة حرف"1.

ثم تحدث عن فضلها فقال: "قال أبو بردة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما، اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة" 2. وأورد غير ذلك من الأحاديث3.

ثم يختم كل مقدمة بذكر فوائد للسورة أو التداوي بها بما يشبه الأوهام والخرافات، حاشا أن أنكر أن القرآن شفاء ولكن تخصيص بعض الآيات أو بعض السور ببعض الأمراض والآفات مما لا أعرف له دليلا.

قال عن سورة البقرة: "قال جعفر الصادق: من كتب سورة البقرة وأمسكها عليه زالت عنه الأوجاع كلها، وإن علقها أيضا على صغير زالت عنه أوجاعه وهان عليه الفطام ولم يخف عليه -بحول الله تعالى- وإن علقت على المصروع زال عنه الصرع"4.

1 هميان الزاد ج1 ص163، وانظر سنن الدارمي ج2 ص446 و447.

2 رواه الإمام أحمد في مسنده ج5 ص249؛ ومسلم في صحيحه ج6 ص90 باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة.

3 هميان الزاد ج1 ص163.

4 المرجع السابق ج1 ص164.

ص: 307

وأذكر تأكيدا ما أورده أيضا في سورة الفاتحة حيث قال عنها: "وقالوا: وإذا كتبت في إناء طاهر وغسلت ومسح بها المريض وجهه عوفي -بإذن الله تعالى- وإذا شرب من هذا الماء من يجد خفقانا سكن -بإذن الله تعالى- وإذا كتبت بمسك وزعفران في إناء من زجاج طاهر ثم محيت بماء ورد وشرب منها البليد الذي لا يحفظ شيئا حفظ كل ما سمع وزالت بلادته، وإذا كتبت يوم الجمعة في الساعة الأولى في إناء ذهب1 بمسك وكافور ومحيت بماء ورد وجعل ذلك في قارورة ومسح بها وجهه من يدخل على السلطان أو يخاف من عدو نال القبول والهيبة والمحبة من عدوه، وإذا كتبت بماء ورد ومسك في جام زجاج ومحيت بماء كانون وسحق به كحل أصفهاني جلا البصر وصححه وحفظ صحة العين وأزال أمراضها، وإن أضيف إلى الإثمد مرارة ديك أفرق ومرارة دجاجة سوداء واكتحل بها، نظر إلى الأشخاص الروحانية وخاطبهم وخاطبوه بما يريد"2"!! " ثم يستمر في ذكر هذه الخرافات ولا ينسى أن يقول: "إنه إنما يذكر فضائل السور في أوائلها ليرغب الطالب القارئ في تفسيرنا هذا في درسها وحفظها وتكرار قراءتها رجاء لنيل ثوابها"3.

هذا بيان للمقدمة التي التزمها الشيخ أطفيش قبل تفسيره للسورة. ونأتي هنا إلى ذكر أهم القضايا والأسس التي يقوم عليها منهجه في التفسير.

الإطناب:

وإنما بادرت إلى ذكر هذا الأساس وتقديمه على ما سواه؛ لأنه سمة بارزة في هذين التفسيرين. ومما لا شك فيه أن للإطناب محاسن وعيوبا، ولكنه هنا أدى بالمؤلف إلى اقتراف ما لا ينبغي وقوعه من مفسر في تفسيره، نذكر من ذلك أمثلة ثلاثة وقصدي الاختصار.

أولها: عدم الاكتفاء بالتفسير الصحيح الثابت في قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ

1 لا يجوز اتخاذ الإناء من ذهب.

2 هميان الزاد ج1 ص16 و17.

3 هميان الزاد ج1 ص17.

ص: 308

مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} 1. ورد بيان الكلمات في آية أخرى بقوله تعالى: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 2.

وهو نفسه يورد هذا التفسير الصحيح3، لكنه يضيف إلى هذا -إطنابا- أقوالا لا تصح أو على الأقل لا يصح ذكرها بجانب التفسير القرآني. فذكر أقوالا عديدة نذكر منها قوله:"وعن ابن عباس في رواية: هن ما روي أن آدم عليه السلام قال: "يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى قال: ألم تكن أسكنتني الجنة؟ قال: بلى قال: فلم أخرجتني منها؟ قال: بخطيئتك قال: يا رب أأنا أتيت شيئا ابتدعته من تلقاء نفسي، أو شيئا قدرته علي قبل أن تخلقني؟ قال: بل قدرته عليك قبل أن أخلقك قال: يا رب كما قدرته علي فاغفر لي". وقال محمد بن كعب القرظي: هي قوله: سبحانك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا، وظلمت نفسي فارحمني، إنك أنت أرحم الراحمين، وقيل: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي فإنك أنت الغفور الرحيم، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربي عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين. وقالت طائفة: إن آدم رأى مكتوبا على ساق العرش: محمد رسول الله فتشفع به فهي الكلمات

وقيل: إن الله تعالى أنزل ياقوتة من ياقوت الجنة ووضعها على موضع البيت على قدر الكعبة، لها بابان باب شرقي وباب غربي، وفيها قناديل من نور، ثم أوحى الله تعالى إليه أن لي حرما بحيال عرشي فأته، فطف به كما طاف حول عرشي وصلِّ عنده كما يصلى عند عرشي، فهناك أستجيب دعاك، فانطلق آدم من أرض الهند إلى أرض مكة لزيارة بيت الله وقيض الله تعالى له ملكا يرشده فكان كلما نزل موضعا وضع عليه قدمه صار عمرانا، وما تعداه صار مفاوز وقفارا. فلما وقف بعرفة وكانت حواء تطلبه وقصدته من جدة فالتقيا بعرفة يوم عرفات فعرف كل منهما الآخر فسمي عرفات، فلما

1 سورة البقرة: الآية 37.

2 سورة الأعراف: الآية 23.

3 هميان الزاد ج1 ص485؛ تيسير التفسير ج1 ص59.

ص: 309

انصرف إلى منى قال لآدم: "تمن" قال: أتمنى المغفرة والرحمة، فسمي ذلك الموضع منى وغفر ذنبهما"1.

هذه بعض الأقوال لا كلها التي أوردها في بيان الكلمات، ولا شك أن الإطناب أدى به إلى إيراد ما لا يصح.

ثانيها: أدى به الإطناب إلى إيراد الكثير مما ليس مجاله التفسير، بل هو إلى شعوذة الدجالين أقرب، ففي تفسير قوله تعالى:{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} 2

الآية. قال: "ومن كانت أشجاره قليلة الأثمار فليصم الخميس ويفطر في المغرب على هندبا ويصلي المغرب، ثم يكتب هذه الآيات: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} إلى: {خَالِدُونَ} في قرطاس ولا يتكلم ويمضي إلى شجرة تكون في وسط البستان ويعلقها عليها، فإن كان فيها ثمر فليأكل منها واحدة وإن لم يكن لها ثمر فليأكل ورقة من ورقها وإن لم يكن لها ورق فليأكل من ثمر مثلها، ويشرب عليها ثلاث جرعات من ماء وينصرف؛ فإنه يرى ما يسره من حسن الثمرة والبركة إن شاء الله"3.

وقال أيضا: "ومن أراد أن يحبه أحد محبة عظيمة فليأخذ مرآة من فضة جديدة أو عاج ويكتب في كاغد: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} إلى قوله: {قدير} 4، إلى قوله: {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} 4 في يوم الجمعة في زيادة الهلال ويأخذ نملتين من شجرة تكون الواحدة طالعة والأخرى هابطة، وما فيها5 ثم تجتمعان ويقفان قليلا وجه الواحدة إلى وجه الأخرى"6 قلت: ونقف بالقلم هنا فلا نهبط معه بنقل هذه الشعوذة والدجل بل السحر.

وأقف أيضا هنا عن نقل أمثلة كثيرة متوفرة، وقد سبقت الإشارة إلى أنواع

1 هميان الزاد إلى دار المعاد ج1 ص485 و486، وانظر تيسير التفسير ج1 ص59.

2 سورة البقرة: الآية 25.

3 هميان الزاد ج1 ص379 و380.

4 سورة البقرة: الآية 20.

5 هكذا وردت.

6 هميان الزاد ج1 ص325.

ص: 310

منها عند حديثنا عما يقدمه عند تفسيره لكل سورة من بيان فوائد السورة وما يستطيب بها لأجله.

ثالثها: أدى به ذلك إلى الإطناب فيما أبهم في القرآن الكريم كالحروف المقطعة في أوائل السور، فإنه يورد في تفسير ذلك أقوالا عديدة استغرقتها الصفحات "من 165 إلى ص183" ولا أرى كبير فائدة في إيراد هذه الأقوال أو بعضها ما دامت لا تقوم على دليل صحيح، ومع هذا فإني سأورد الرأي الذي مال إليه وأكتفي بإيراده عن إيراد ما عداه قال:"وكنت أشبه المقام بمقام من أراد أن يتكلم لمن استغرق قلبه في شيء فيقدم إليه ما يصغي به إلى الكلام كأن يجيده أو يغمز بدنه أو يقرعه بالحصى، ومن ذلك الوادي أن تشير إلى من كان في كلام دنيوي بالبسملة تنبيها على أن يقر، ثم رأيت عن الجويني ما يناسبه إذ قال: القول بأنها تنبيهه1 جيد؛ لأن القرآن كلام عزيز وفوائده عزيزة، فينبغي أن يرد على سمع متنبه فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كون النبي صلى الله عليه وسلم في عالم البشر مشغولا، فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله: {الم} {الم} {حم} ليسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت جبريل فيقبل عليه ويصغي إليه، وإنما لم تستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه كألا وأما؛ لأنها من الألفاظ التي تعارفها الناس في كلامهم والقرآن كلام لا يشبه الكلام، فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد؛ لتكون أبلغ في قرع سمعه. انتهى"2.

لكني أذكر، فأشكر للمؤلف أنه ذكر تفسير السلف لهذه الأحرف في تفسيره الآخر: تيسير التفسير حيث قال: " {الم} الله هو العالم بمعناه وبمعنى {المص} ، و {المر} ، {الر} .. وأذكر ما قيل"3 ثم ذكر قولا واحدا.

ومن أسس منهجه: تفسير القرآن بالقرآن:

وهذا ولا شك أصح طرق التفسير وأولاها، والمؤلف كثيرا ما يذكر تفسير

1 كذا وردت، ولعلها:"تنبيهية".

2 هميان الزاد ج1 ص171 و172.

3 تيسير التفسير ج1 ص13.

ص: 311

القرآن بالقرآن أو ما يكون شاهدا للآية المفسرة، لكنه كما سبقت الإشارة في الأساس الأول كثيرا ما يورد مع هذا التفسير تفاسير أخرى لا تصح، وكان الأولى الاكتفاء بالتفسير القرآني وبيان معناه. ونذكر من تفسيره القرآن بالقرآن ما أورده عند تفسير الكلمات في قوله تعالى:{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} 1، حيث قال:"قال ابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن بن علي ومجاهد وعكرمة: تلك الكلمات هي ما حكى الله سبحانه وتعالى عنه: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} "2، 3، وفي تيسير التفسير ذكر أن هذا التفسير هو الأصح4.

وفي تفسير قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} 5، يذكر ما ورد من حديث مرفوع عن الرسول صلى الله عليه وسلم من تفسيرها باليهود والنصارى ثم يعقب: وذلك واضح من كتاب الله؛ لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر في كتاب الله، كقوله عز وعلا:{وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} 6، وقوله:{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ}

الآية7. وأما النصارى فمذكورون في الضلال كقوله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} 8، 9.

1 سورة البقرة: من الآية 37.

2 سورة الأعراف: الآية 23.

3 هميان الزاد ج1 ص485.

4 تيسير التفسير ج1 ص59.

5 سورة الفاتحة: الآية 7.

6 سورة آل عمران: من الآية 112.

7 سورة المائدة: من الآية 60.

8 سورة المائدة: من الآية 77.

9 هميان الزاد ج1 ص155 و156.

ص: 312

تفسير القرآن بالسنة:

أصح طرق التفسير بعد تفسير القرآن بالقرآن هو تفسيره بالسنة، والمؤلف هنا يأخذ بهذا النوع من التفسير ويورده كثيرا في تفسيره، يورد منه ما هو تفسير للآية وما هو شاهد، أو له وجه علاقة بها، وهو هنا وهناك لا يلتزم الأخذ بالصحيح فيورد فيه الصحيح والضعيف، بل الموضوع وكل منها كثير وكثير في تفسيره.

فمن ذلك تفسيره لقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} 1، قال:"أخرج أحمد والترمذي وحسنه2 وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم عنه صلى الله عليه وسلم أن "{الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} هم اليهود وأن {الضَّالِّينَ} هم النصارى"، وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر، سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} قال: "اليهود"، وعن {الضَّالِّينَ} قال: "النصارى"، وكذلك فسر ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد والحسن"3.

وفي تفسير قوله تعالى حكاية لقول الملائكة: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} 4، قال المؤلف:"وروى البخاري ومسلم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الكلام أفضل؟ فقال: "ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده " 5.

وفي تفسير قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} 6

1 سورة الفاتحة: الآية 7.

2 قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب ج5 ص204.

3 هميان الزاد ج1 ص155.

4 سورة البقرة: من الآية 30.

5 هميان الزاد ج1 ص423 و424 ولم أجده في البخاري، ورواه مسلم، كتاب الذكر ج4 ص2093.

6 سورة البقرة: الآية 238.

ص: 313

روى: "قال صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى -صلاة العصر- ملأ الله بيوتهم نارا" 1.

وفي قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} 2، قال:"وعن أبي سعيد عنه صلى الله عليه وسلم: "يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل أو النبي ومعه الرجلان وأكثر فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما أعلمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} الآية " 3، 4.

وكما أشرت آنفا، فإن المؤلف لا يلتزم بالصحيح من الحديث، بل يستدل بالموضوع منها من غير بيان لوضعه أو درجته، ومن ذلك ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} 5 أورد من الموضوعات الكثيرة ومنها قوله: "وروى سفيان بإسناده من حديث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لما هبط آدم من الجنة إلى الأرض بأرض الهند وعليه ذلك الورق الذي كان لباسه من الجنة إلى أرض الهنديبس وتطاير فعبق منه شجر الهند ففاح العود والصندل والمسك والعنبر والكافور" قالوا: يا رسول الله، المسك هو من الدواب؟ قال: "إنما هي دابة شبه الغزال رعت من ذلك الشجر، فصير الله تعالى المسك من عرقها إذا رعت الربيع جعله مسكا وتساقط فينتفع به الآدميون". قالوا: يا رسول الله، العنبر من دابة في البحر؟ قال:

1 تيسير التفسير ج1 ص380؛ والحديث رواه مسلم ج5 ص128، كتاب المساجد.

2 سورة البقرة: من الآية 143.

3 تيسير التفسير ج1 ص196 و197.

4 رواه الإمام أحمد ج3 ص58.

5 سورة البقرة: من الآية 36.

ص: 314

"أجل كانت في البر ترعى، فبعث الله تعالى إليها جبريل فساقها وما معها، حتى قذفها في البحر"2.

وذكر أيضا عند تفسيره للآية السابقة حديثا: "عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بلباس الصوف تجدون به قلة الأكل، وعليكم بلباس الصوف تعرفون به الآخرة، إن النظر في الصوف ليورث في القلب التفكر، والتفكر يورث الحكمة، والحكمة تجري في الجوف مجرى الدم، فمن كثر تفكره قل طعامه وكلّ لسانه، ومن قل تفكره كثر طعامه وقسا قلبه، والقلب القاسي بعيد من الله عز وجل بعيد من الجنة، قريب من النار" 3، 4.

وقد يذكر المؤلف الحديث الصحيح الذي لا يوافق مذهبه بصيغة التشكيك في صحته، فمن ذلك مثلا قوله عن حديث الرؤية الثابت "إنكم سترون ربكم

" الحديث: "وحديث الرؤية إن صح فمعناه

"5.

الأخذ بالإسرائيليات:

ولا شك أن الموقف الصحيح من الإسرائيليات معروف بين، فما وافق شريعتنا تجوز روايته للاستشهاد لا للاعتقاد، وما خالفها لا تصح روايته، وما ليس من هذا ولا من ذاك فلا بأس بحكايته من غير تصديق ولا تكذيب، بل قال

1 هميان الزاد ج1 ص476.

2 الحديث موضوع. انظر تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، لأبي الحسن علي بن محمد بن عراق الكناني ج1 ص246.

3 هميان الزاد ج1 ص477.

4 قلت: ما أورده المؤلف من الحديث إنما هو الزيادة، وأصل الحديث:"عليكم بلباس الصوف تجدوا حلاوة الإيمان في قلوبكم". قال البيهقي عن هذه الزيادة: "وهذه زيادة منكرة"، وقال ابن الجوزي في الموضوعات:"لا يصح، الكديمي يضع، وشيخه لا يحتج به"، وقال بهذا أيضا السيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج2 ص264.

5 هميان الزاد ج5 ص173.

ص: 315

ابن كثير-رحمه الله عن هذا النوع: "وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما ينتفع به في الدين، ولو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة"1.

والاستشهاد بالإسرائيليات على كل حال مذموم في التفسير للقرآن الكريم، خاصة إذا كثر إيراده والاستطراد فيه إلى حد رواية الغرائب والعجائب التي تصرف عن التدبر في آيات القرآن الكريم.

والمؤلف أكثر من الأخذ بالإسرائيليات وأورد منها في القصص والأخبار ما يصرف القارئ عن تدبر الآيات ومعانيها، واستطرد فيها استطرادا يجعل القارئ ينسى لطول الحديث الآيات المتناولة بالتفسير.

وقد أورد في تفسير قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} 2 أقوالا في كيفية إزلال الشيطان -لعنه الله- لآدم وحواء عليهما السلام ومن ذلك: "

وقيل: قام عند الباب فناداهما وروى أنه أراد الدخول، فمنعته الخزنة فدخل في فم الحية، فدخلت به وهم لا يشعرون "!! "، وقيل: تمثل في صورة دابة فدخل ولم يشعروا "!! " وقيل: كانت الجن تدخل الجنة وإنما منع منها إبليس وحده فأرسل بعض أتباعه منهم فأزلهما فنسب الإزلال إليه لأنه آمر به ومحب له، وذكر بعضهم أن الحية كانت صديقة لإبليس، فلما منعته الخزنة من الدخول أتاها فسألها أن تدخله الجنة في فيها فأدخلته وهم لا يعلمون به "!! " مع أنها مرت عليهم وكان لها أربع قوائم كقوائم البعير من أحسن الدواب، وكانت من خزان الجنة قيل: وسم أنيابها من مكث إبليس في فيها ومسخها الله عز وجل لذلك ورد قوائمها في بطنها وقيل: كانا على باب الجنة وكانا يخرجان منها وكان إبليس عدو الله قريبا من الباب، فوسوس لهما وقد دخل مع آدم الجنة لما دخل ورأى ما فيها من النعيم والكرامة

وقيل: إن إبليس -عدو الله- لما سمع بدخول آدم الجنة حسده، وقال: يا ويلاه أأنا أعبد الله منذ كذا وكذا ألف

1 تفسير ابن كثير ج3 ص192.

2 سورة البقرة: من الآية 36.

ص: 316

سنة ولم يدخلني الله الجنة، وهذا خلق خلقه الله الآن فأدخله الله الجنة؟ فاحتال في إخراج آدم عليه السلام فوقف على باب الجنة ثلاثمائة سنة حتى اشتهر بالعبادة وعرفوه بها، وهو في كل ذلك ينتظر خروج خارج من الجنة، فبينما هو كذلك إذ خرج الطاووس، وكان من سادات الطيور، فلما رآه إبليس قال: أيها الخلق الكريم على الله، من أنت وما اسمك، فما رأيت من خلق الله تعالى أحسن منك؟ قال: أنا طائر من طيور الجنة اسمي طاووس، فقال له إبليس: أنا من الملائكة الكروبيين، وجعل يبكي"1.

وخلاصة بقية القصة التي أوردها المؤلف كاملة أن إبليس حاول إقناع الطاووس بإدخاله الجنة فأرشده الطاووس إلى من يستطيع إدخاله الجنة وهي الحية، وبعد حوار معها اقتنعت وأدخلت إبليس الجنة، ثم اتصل إبليس بآدم وحواء فأرشدهما إلى شجرة الخلد حيث أكلا منها.

حتى في تفسيره المختصر "تيسير التفسير" أشار إلى هذه الأقوال ثم ذكر المواضع التي أهبطوا إليها، فقال:"فنزل آدم بسرنديب من الهند على جبل يسمى "نود"، وحواء بجدة -بضم الجيم- في مدة أربعين عاما فيما قيل، والله قادر على أقل كما ينزل جبريل وغيره في لحظة وإبليس بالأبلة من أعمال البصرة، وزوجه بأصبهان أو سجستان أو نصيبين والحية بأصبهان والطاووس بالشام"2. ثم يذكر ترتيب الهبوط: "أهبط إبليس ثم الحية فالطاووس، ثم آدم وحواء"2.

وقال في تفسير قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} 3 الذي فر بثوبك لتتبعه من مغسلك عاريا ليرى بنو إسرائيل أنه ما بك أدرة، كانوا يغتسلون عراة وموسى في خلوة فاتهموه بانتفاخ بيضته وهو4 ذراع له أربعة أوجه، وقيل: كرأس الرجل من رخام وقيل: خفيف وقيل: حجر كان عند آدم

1 هميان الزاد ج1 ص463-465.

2 تيسير التفسير ج1 ص58.

3 سورة البقرة: من الآية 60.

4 أي: الحجر.

ص: 317

وصل مع العصا إلى شعيب فأعطاهما موسى.. ويقال: حجر مربع يخرج من كل وجه ثلاث أعين، لكل سبط عين وكانت من أس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، لها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا حيثما كان، وأمامهم في التيه فلهم عمود من نور ليلا حملها معه آدم من الجنة وتوارثها الأنبياء إلى شعيب فأعطاها موسى1.

وذكر في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} 2 الآية، قصة قتيل بني إسرائيل، فقال:"وقد قتل لهم قتيل لا يدرى قاتله اسمه عاميل، وسألوا موسى أن يدعو الله أن يبينه لهم والقتيل ذو مال قتله بنو عمه وقيل: ابنا عمه اثنان، وقيل: أخوه وقيل: ابن أخيه، وهم فقراء ليرثوه، وحملوه إلى باب قرية وألقوه فيه فطلبوا آثاره، وادعوا القتل على رجال جاءوا بهم إلى موسى عليه السلام وروى أنه قتله قريب له ليتزوج زوجه، وقيل: ليتزوج بنته وقد أبى"3.

واستمر في سرد هذه القصة، وإنما أوردت أولها لبيان شدة اهتمامه بكل تفاصيل هذه الإسرائيليات واستقصائه للأقوال فيها.

وفي تفسير قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} 4 الآية، ذهب يذكر أنواع السموات فقال:"فالأولى من زبد الماء متجمدا، والثانية من رخام أبيض، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضة، والسادسة من ذهب، والسابعة من ياقوت أحمر، وقيل: الأولى زبد جامد، والثانية من نحاس، والثالثة من فضة، والرابعة من ذهب، والخامسة من ياقوت، والسادسة من زمرد، والسابعة من نور العرش"5.

1 تيسير التفسير ج1 ص86 و87.

2 سورة البقرة: من الآية 67.

3 تيسير التفسير ج1 ص98 و99.

4 سورة البقرة: من الآية 164.

5 تيسير التفسير ج1 ص226.

ص: 318

ويلاحظ أني أوردت أكثر ما أوردت من الأمثلة من تفسيره: تيسير التفسير وفيه الكثير، وقصدي من هذا أنه إذا كان هذا ما أورده في المختصر ففي المطول أكثر منه وأطول، وهذا هو الواقع، فللإسرائيليات في التفسيرين مجال رحب.

اهتمامه بالمسائل النحوية واللغوية والبلاغية:

ومن السمات البارزة أيضا في هذا التفسير إسهاب صاحبه في المسائل النحوية خاصة وفي اللغوية والبلاغية لكنهما أقل من الأولى. ومن أمثلة ذلك ما ذكره في إعراب {غَيْرِ} من قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} 1، فقال: " {غَيْرِ} هو بدل من {الَّذِينَ} بدل مطابق نظرا إلى معنى أن {الْمَغْضُوبِ 2 عَلَيْهِمْ} هم الذين سلموا من الغضب والضلال، وذكر ابن هشام أن البدل بالمشتق ضعيف، لكن لفظه {غَيْرِ} ليست مشتقة وتأويلها بالمشتق مثل المخالف والمغاير لا يمنع إبدالها ولا يضعفه، فإن الاسمية غالبة عليه وتأويلها فرع، ويجوز أن تكون نعتا للذين مبينا إن أريد بـ {الَّذِينَ} المؤمنون فقط، ومقيدا إن أريد به كل من أنعم الله عليه بنعمته دنيوية أو أخروية أو بمطلق الإيمان، وعلى كل من الإبدال والنعت بوجهيه يكون المعنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال، وإن قلت:{الَّذِينَ} معرفة و {غَيْرِ} لا يتعرف بإضافة، فكيف تنعت المعرفة بالنكرة؟ قلت: التحقيق أنها تتعرف بالإضافة إذا وقعت بين المتضادين كما هنا، وذلك إن كان الضد له ضد واحد كما هنا، فإنه ليس في المكلفين إلا المغضوب عليهم والمنعم عليهم، وكما في قولك: الحركة غير السكون. وأما الضدان اللذان لهما أجزاء وأكثر فلا تتعرف بالوقوع بينهما نحو البياض غير السواد، فإن هناك صفرة وحمرة وغير ذلك، والتعريف في ذلك والتعريف في الآية للجنس، فإن المنعم عليه ليس شخصا واحدا وكذا المغضوب عليه كما نصت عليه الآية بصيغة الجمع، وأيضا إذا

1 سورة الفاتحة: الآية 7.

2 هكذا وردت، ولعل الصواب: أن {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ} ليستقيم الكلام بعدُ.

ص: 319

تقرر أن المراد بـ {الَّذِينَ} الجنس جاز نعته بغير ولو قلنا: إن غير هو نكرة لجواز نعت المعرفة بأل الجنسية والموصول الجنسي بالنكرة نحو قوله:

في أنيابها السم ناقع

فنعت السم بناقع، ومقتضى الظاهر أن يقول: سم ناقع أو السم الناقع وبسطت الكلام على هذه في النحو وقد أجازوا في الجملة بعد ذلك أن يكون نعتا حالا"1.

وفي إعراب: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} 2، قال:"لم يقع النداء في القرآن بغير يا، وهي الأصل، فما حذف منه حرف النداء مثل: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا} وآية المؤمنون3 قدر فيه يا لذكرها في غيره ولأصالتها"4.

ويناقش أحيانا المفسرين في إعراب الآيات وما يراه فيها، فمن ذلك إعرابه لقوله تعالى:{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} 5، فقال:{أَمْ} متصلة متعلقة بقوله: {أَتُحَاجُّونَنَا} ، أو منقطعة للانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء ووجه الاتصال ذمهم بجمعهم بين المحاجة في الله والقول بأن إبراهيم ومن معه كانوا هودا أو نصارى، مع كون واحد منهما كافيا في القبح، وأبو حيان لما رأى أن الغالب في المتصلة استدعاء وقوع إحدى الجملتين والسؤال عن أحدهما وما هنا ليس كذلك، اقتصر على المنقطعة وهكذا عادته، يرى غير الغالب كأنه غير موجود فيقتصر على الغالب6.

وأحيانا يستشهد لصحة الإعراب ببعض القراءات، فمن ذلك إعراب قوله

1 هميان الزاد 1 ص156 و157.

2 سورة البقرة: من الآية 21.

3 كذا وردت، ولعلها خطأ من الناسخ أو مطبعي، وصحتها كما أرى: وآية {أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} ا. هـ وهي إشارة إلى قوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} [النور: 31] والله أعلم.

4 تيسير التفسير ص31.

5 سورة البقرة: من الآية 140.

6 تيسير التفسير ج1 ص191.

ص: 320

تعالى: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} 1، فقال: "

ومفعول {أَضَاءَ} محذوف أي: كلما أضاء لهم مومضا أو شيا شجرة "كذا" أي: نوره مشوا في مطرح نوره، فالهاء عائدة إلى البرق ويجوز عودها إلى الوضع الذي أضاء لهم المحذوف، ويجوز كونه لازما أي: كلما ظهر لهم البرق ولمع مشوا فيه، ويدل له قراءة ابن أبي عبلة:"كلما أضاء2 لهم" بترك الهمزة الأولى والهاء للبرق"3.

ويعتني في تفسيره بالمسائل اللغوية والبلاغية ويوليها اهتماما بالغا وبيانا واضحا، فقال مثلا في تفسير قوله تعالى:{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} 4: "والعمى عدم البصر مما في شأنه أن يبصر فلا يقال لغير الحيوانات: أعمى ولا لما لا عين له منها فمن خلق بلا عينين لا يقال له أعمى؛ لأنه ليس من شأنه أن ينظر بلا عين وكذا من خلق بعين واحدة لا يقال لموضع عينه الأخرى أعمى، ويطلق العمى أيضا على عدم نور القلب فمن لا نور في قلبه يميز به الحق فلا فائدة في نظر عينيه لما لم يستعملوا آذانهم وألسنتهم وعيونهم فيما خلقت له من الهدى سموا بأسماء من لا سمع ولا نطق ولا بصر لهم إذ لم ينتفعوا بها، فكانت كالعدم فهم كمن إيفت حاسته -بكسر الهمزة وإسكان الياء كبيعت- أي: أصيبت بآفة، قال الشاعر:

ما بال قوم صديق ثم ليس لهم

عهد وليس لهم دين إذا أتمنوا

صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به

وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

أي: إذا سمعوا خيرا ذكرت به صاروا كمن لا يسمع فلا ينطقون به ولا ينشرونه، وإن ذكرت بسوء كانت لهم آذان السمع فيعونه وينشرونه أو من أذنت للشيء إذا أصغيت إليه. وقال آخر:

أصم عما ساءه سميع

1 سورة البقرة: من الآية 20.

2 كذا كتبت، ولعله أراد "ضاء" بحذف الهمزة الأولى.

3 هميان الزاد ج1 ص316.

4 سورة البقرة: الآية 18.

ص: 321

وقال آخر:

أصم عن الشيء الذي لا أريده

وأسمع خلق الله حين أريد

وعدي أصم بعن لتضمين معنى التغافل، وقال آخر:

وأصممت عمرا وأعميته

عن الجود والفخر يوم الفخار

وكل من لفظ أصم وأبكم وأعمى صفة مشبهة لا اسم تفضيل، والآية من باب الاستعارة التصريحية باعتبار كل واحد من لفظ صم ولفظ بكم ولفظ عمي فتلك ثلاث استعارات، أو ذلك كله استعارة تمثيلية، وإنما قلت بأن ذلك من الاستعارة مع كون المشبه والمشبه به كليهما مجتمعين في الكلام من حيث إن المشبه به خبر للمشبه المحذوف المقدر المجعول من أجزاء الكلام فكأنه مذكور، أي: هم صم بكم عمي، أو هؤلاء صم بكم عمي؛ لأنه لا فرق عندي في الاستعارة بين عدم كون المشبه من أجزاء الكلام وكونه من أجزائه مذكورا أو مقدرا، إذا لم يقصد المتكلم التشبيه بل قصد أن المشبه هو نفس المشبه به مبالغة"1، ثم ذهب يوجه هذا القول في شيء من الاستطراد لا حاجة لنقله هنا.

وهو لا يسلم دائما بما يقوله علماء اللغة، بل يناقشهم ويرد عليهم فمن ذلك ما جاء في تفسيره لقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} 2، فقال: "والبعوضة واحد البعوض وهو البق الصغار فيما ذكره الجوهري، وليس كذلك بل هو الحيوان الذي يطير وينتشر في الأجنة صيفا، سمي من البعض بمعنى القطع، يقال: بعضة وبضعة وعضبة أي: قطعة. قال الشاعر:

لنعم البيت بيت بني دثار

إذا ما خاف بعض القوم بعضا

أي: قطعا"3.

1 هميان الزاد ج1 ص297 و298.

2 سورة البقرة: من الآية 26.

3 المرجع السابق ج1 ص384 و385.

ص: 322

وأحيانا يستشهد من اللغة لأسلوب القرآن، ففي الآية السابقة مثلا يقول: "ومما قيل في الاستخفاف بالبعوض قوله:

إذا كان شيء لا يساوي جميعه

جناح بعوض عند من كنت عبده

وأشغل جزء منه كلك ما الذي

يكون على ذا الحال قدرك عنده

يعني الدنيا، وقوله:

لا تستخفن الفتى بعداوة

أبدا وإن كان العدو ضئيلا

إن القذى يؤذي العيون قليله

ولربما جرح البعوض الفيلا

وقوله:

لا تحقرن صغيرا في عداوته

إن البعوضة تدمي مقلة الأسد"

وهو لا يتعصب لرأيه في اللغة فيستدل للرأي الآخر كما يستدل لرأيه، ففي تفسير الفوقية في قوله تعالى:{فَمَا فَوْقَهَا} من الآية السابقة، يرى أن المراد بها:"ما زاد على بعوضة في صغر الجثة كجناحها كما ضرب به المثل في الحديث، وهكذا كنت أفسر الفوقية بالغلبة في الصغر والزيادة فيه ورأيت بعد ذلك زكريا قال: إنه مذهب المحققين لمطابقته البلاغة، ولما سيق له الكلام" إلى أن قال: "وقيل: معنى ما فوقها وما زاد عليها في الكبر كالذباب والعنكبوت أي: لا يستحي أن يضرب مثلا بالبعوضة فضلا عما فوقها ويحتمل الوجهين ما روى مسلم عن إبراهيم عن الأسود أنه دخل شباب من قريش على عائشة وهي بمنى وهم يضحكون فقالت: ما يضحككم؟ فقالوا: فلان خر على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه تذهب، فقالت:

لا تضحكوا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها، إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة"1.

1 رواه مسلم، كتاب البر والصلة ج4 ص1991.

ص: 323

فإنه يحتمل أن يكون المراد ما جاوز الشوكة في القلة كنخبة النمل أي: عضتها في قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة"، ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط"1.

وقارئ هذا التفسير يعجب لسعة معارف المؤلف اللغوية، خاصة إذا عرف أن لغته الأصلية هي البربرية، فقد قال في أحد المواضع:"وذلك متبين في لغتنا البربرية"2، وقال في موضع آخر: إنا نقول: في لغتنا البربرية

"3.

اهتمامه بالقراءات وتوجيه بعضها:

اعتنى المفسر في تفسيريه ببيان أوجه القراءات فيما يتناوله من الآي، مما يدل على سعة اطلاعه في هذا المجال وهو حينما يتناول هذا لا يقف موقفا سلبيا، بل تراه يوجه بعض القراءات ويستدل لها ويبين معنى الآية على تلك القراءة، قال في تفسير قوله تعالى:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} 4: "وقرأ ابن أبي عبلة: "لأذهب بأسماعهم وأبصارهم" فالباء فيها صلة للتأكيد ومدخولها مفعول به والتعدية بالهمزة لا بها بخلافها في قراءة الجمهور، فإنها للتعدية لعدم الهمزة فيها وإنما جعلت حرف التعدية في قراءة ابن أبي عبلة هو الهمزة والصلة هي الباء؛ لأن الأصل في التعدية الهمزة لا الباء، ولأنها الكثير في التعدية والباء فيها قليلة بالشبه"5.

وقال في تفسير قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} 6: "وقرأ عبيد بن عمير: "مطّهّرة" بتشديد الطاء وكسر الهاء مشددة، والأصل: متطهرة أبدلت التاء طاء

1 هميان الزاد ج1 ص386.

2 المرجع السابق ج1 ص454.

3 المرجع السابق ج1 ص436.

4 سورة البقرة: من الآية 20.

5 هميان الزاد ج1 ص322 و323.

6 سورة البقرة: من الآية 25.

ص: 324

فأدغمت في الطاء بعدها، قال بعض العرب: ما أحوجني إلى بيت الله فأطهر به تطهرة، وفي هذا الكلام دليل على جواز لحوق التاء للمصدر الذي على وزن التفعل ولو كان صحيح اللام إذا أريدت الوحدة مثل: تعلم تعلمة، وإن قلت: لم لم يقل: طاهرة أو متطهرة؟ قلت: لأن مطهرة أبلغ لأن معناه أن غيرهن قد طهرهن، وما هو إلا الله عز وجل. وأما طاهرة ومتطهرة فمعناهما طاهرات لا أن مطهرا طهرهن، ومتطهرة أبلغ من طاهرة؛ لأن التفعل للكسب والعلاج، فكأنهن قصدن الطهارة وبالغن فيها، وكذا قرأ به عبيد لكن أدغم1.

ويستدل أحيانا لبعض الأقوال في التفسير ببعض القراءات، فمن ذلك ما جاء في تفسيره لقوله تعالى:{اهْبِطُوا مِصْرًا} 2.

"والمراد: مصرا من الأمصار، أو القاهرة أو أعمالها، وعلى الأخيرين نون مع أنه علم القاهرة أو أعمالها؛ لأنه ثلاثي ساكن الوسط كهند، أو بتأويل البلد أو المحل، ويدل لهما قراءة عدم التنوين"3.

وقال عند قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} 4: "وقرأ ابن كثير بنصب {آدَمُ} ، ورفع {كَلِمَاتٍ} ؛ لأن المتلاقيين، كل منهما لقي الآخر، فالكلمات جئن إلى آدم واستقبلنه حتى وصلنه، تقول: تلقيت المسافر وتلقاني. والتلقي استقبال من جاء من بعد واستعماله في آدم على قراءة الجمهور وفي الكلمات على قراءة ابن كثير مجاز، وما ذكرته أولى من حمل قراءة ابن كثير على القلب"5.

وفي قوله تعالى: {الَّتِي وَقُودُهَا} 6 قال: "أي: ما توقد به، وأما الوقود

1 هميان الزاد ج1 ص377 و378.

2 سورة البقرة: من الآية 61.

3 تيسير التفسير ج1 ص89 و90.

4 سورة البقرة: من الآية 37.

5 هميان الزاد ج1 ص485.

6 سورة البقرة: من الآية 24.

ص: 325

-بضم الواو- فمصدر بمعنى اشتعال النار، وقرأ به عيسى بن عمر الهمداني. أما على المصدرية مبالغة بحيث نزل قوة الاشتعال منزلة الناس والحجارة، كأن نفس الناس والحجارة هي الاشتعال، كقولك: زيد صوم إذا أكثر الصوم وقولهم: حياة السراج الزيت أي: ما يحيا إلا به، فكأنه نفس الزيت، وما تتقد النار إلا بالناس والحجارة، فكأن الاتقاد نفس الناس والحجارة. وأما على المصدرية وتقدير مضاف أي: متعلق {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} ، أو محل {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} ، أو وقودها احتراق الناس والحجارة، أو اشتعال الناس والحجارة بها، أما على التسمية بالمصدر بدون أن تعتبر المبالغة ولا تقدير مضاف كقولك: زيد فخر قومه وزين بلده أي: والذي يفتخر قومه به ويتزين بلده به وقيل: كل من الوقود بالفتح، والوقود بالضم يكون اسما لما تتقد به، ومصدرا بمعنى الاتقاد، قال سيبويه: سمعنا من يقول: وقدت النار وقودا عاليا، والاسم بالضم"1.

ولا أدل من اهتمام المؤلف بالقراءات وتوجيهها من أنه يعقد أحيانا فصولا استطرادية، فمن ذلك مثلا الفصول التي عقدها في أحكام الياء عند القراء، فصل كل ياء بعدها همزة مفتوحة، فصل كل ياء بعدها همزة مكسورة، فصل كل ياء بعدها همزة مضمومة، فصل كل ياء بعدها ألف ولام، فصل كل ياء بعدها ألف مفردة، فصل أحكام الياء عند باقي حروف المعجم2.

عنايته بالأحكام الفقهية:

قلت في الحديث عن آراء الأباضية الفقهية: إنه ليس بينهم وبين أهل السنة فارق يذكر، فهم يوافقونهم في الأصول، أما في الفروع فخلافهم كالخلاف بين المذاهب الأربعة وقد يتجاوزونه فينفردون برأي دون المذاهب الأربعة.

وصاحب التفسيرين سار في تفسيره لآيات الأحكام وفق مذهبه الأباضي، ولا يمنعه هذا من أن يورد آراء المذاهب الفقهية الأخرى.

1 هميان الزاد ج1 ص356 و357.

2 انظر الصفحات من 501 إلى 505؛ هميان الزاد ج1.

ص: 326

قال في تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} 1:

"استدل المعتزلة والفخر بالآية على أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحل إن كانت نافعة، وعليه كثير من الشافعية والحنفية ولا تحتمل الآية أن اللام للضرر، مثل: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} ولا دليل على أن المراد بالآية الإباحة على شرط نزول الوحي بها، وقيل: إنها قبل الشرع على الحظر، وقيل بالوقف، والأول أولى"2.

وأفاض في تفسير قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} 3 الآية، فمما قال:"وائتوا بهما تامين بشروطهما وأركانهما ولا تكدروهما بشيء، والأمر فيهما واجبان ذاتا وتماما"4.

ثم رد على من قال: إن العمرة ليست واجبة، أما الإحصار في قوله تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} فقال: "أي: منعتم عن الإتمام بعدو أو مرض أو غيرهما كضياع نفقة"، ثم قال:"هذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم: "لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس" وهو عموم. قال عروة: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار، وروي عن بعض الصحابة: من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، وأهل عمر بن سعيد بعمرة فلسع فقال ابن مسعود: ابعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أمارة، فإذا كان ذلك فليحل، وخص مالك والشافعي الحكم بحصر العدو لقوله: {فَإِن أَمِنْتُمْ} وقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو ويعترض بالحديث المرفوع قبل هذا، وليس ضعيفا، قيل: لأنه روي من طرق مختلفة، وأن شرط الحاج محلي حيث حبست فلا هدي عليه أن حبس بعدو أو غيره لقوله صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب: "حجي

1 سورة البقرة: من الآية 29.

2 تيسير التفسير ج1 ص46.

3 سورة البقرة: من الآية 196.

4 تيسير التفسير ج1 ص287.

ص: 327

واشترطي وقولي: محلي حيث حبستني يا الله"1 والأصل أنه لا يختص هذا بها بل هو لها ولغيرها عند أحمد وأحد قولي الشافعي، والحديث حجة لنا ولأبي حنيفة أن غير العدو كالعدو في الآية، والعمرة كالحج2.

ويرى أن المرض الذي يبيح الفطر في رمضان لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} 3 الآية: "مرضا يشق معه الصوم بعض مشقة أو يضره أو يتأخر معه برؤه أو يزيد به المرض، وذلك بالتجربة أو بإخبار الطبيب المسلم الحاذق لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} 4 فإذا كان الصوم يعسر مع مرض حل الإفطار، لا كما قيل عن ابن سيرين أنه أفطر لوجع أصبعه ولا كما قال الشافعي: لا يفطر حتى يجهده الجهد الذي لا يحتمل، وروي عن مالك أنه يفطر صاحب الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه إن شاء، واحتج من أباح الإفطار بالمرض ولو لم يعسر ولم تكن فيه مشقة بإطلاق الآية وهو رواية عن الشافعي وهو قول ابن سيرين والحسن البصري، وبأن السفر قد يخلو من مشقة وحل الإفطار فيه ولو بلا مشقة لأنه سبب لهما، ويجاب بأن الرخصة لم تتعلق بنفس المرض لتنوعه إلى ما يزاد بالصوم، وإلى ما يخفف به، ولا يكون مرخصا البتة، فجعل ما يزاد به مرخصا بخلاف السفر؛ لأنه لا يعرى عن المشقة فجعل نفسه عذرا"5.

أما القدر المباح عند الضرورة من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به في قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} 6 "في الأكل من ذلك بقدر ما يوصله أو يحيا به ولا يأخذ معه من ذلك، والمذهب تحريم

1 البخاري: النكاح ج6 ص123؛ مسلم: الحج ج2 ص868، وكلاهما بلفظ:"اللهم محلي حيث حبستني".

2 تيسير التفسير ج1 ص289 و290.

3 سورة البقرة: من الآية 184.

4 سورة البقرة: من الآية 185.

5 تيسير التفسير ج1 ص262.

6 سورة البقرة: من الآية 173.

ص: 328

الزيادة على ما يمسك الرمق وكذا روي عن أبي حنيفة والشافعي، وقال عبد الله بن الحسن البصري: يأكل قدر ما يدفع الجوع، وقال مالك: يأكل حتى يشبع ويتزود، فإذا وجد الحلال طرحه"1.

وغالب آراء المؤلف الفقهية بل المذهب الأباضي موافق لمذهب أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- لذا كثيرا ما نرى المؤلف يقول: ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة بل قال في أحد المواضع عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى: "وهو كثير الوفاق بينه وبيننا، معاشر الأباضية الوهبية في المسائل"2.

وقد يختلفون برأي عن الحنفية بل عن المذاهب الأربعة كلها، فشذوا مثلا بالقول بفطر من أصبح جنبا، حيث قال المؤلف في تفسير قوله تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} 3: "حتى غاية للأكل والشرب لا لهما وللجماع لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح جنبا أصبح مفطرا" 4، فيجب الكف عنه إذا لم يبق ما يتطهر فيه"5، فهو إذًا يرى أن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إنما هو غاية للأكل والشرب

1 تيسير التفسير ج1 ص243.

2 المرجع السابق ج1 ص357.

3 سورة البقرة: من الآية 187.

4 ورد بعدة روايات عن أبي هريرة رضي الله عنه وقد روى البخاري في صحيحه ج2 ص132 عن عائشة وأم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم. وقال ابن حجر بعد أن ساق عدة روايات عن أبي هريرة: "فاتفقت هذه الروايات على أنه كان يفتي بذلك" وقال: "وروى ابن أبي شيبة من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رجع عن فتياه: من أصبح جنبا فلا صوم له" وأورد ابن حجر رواية ابن جريج: "فقال أبو هريرة: هما قالتاه؟ قال: نعم قال: هما أعلم" ورواية النسائي "هي -أي عائشة- أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منا" وقول بعضهم: "إن حديث عائشة أرجح لموافقة أم سلمة لها على ذلك ورواية اثنين تقدم على رواية واحد ولا سيما وهما زوجتاه، وهما أعلم بذلك من الرجال

إلخ".

فتح الباري ج4 ص143-148.

5 تيسير التفسير: ج1 ص273.

ص: 329

فقط. أما الجماع فغايته قبل هذا التبين بوقت كافٍ للغسل، وهو خلاف مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفا وخلفا1.

والمؤلف لا يلتزم كثيرا المذهب الأباضي في الفقه بل يخالف أحيانا بعض أصحابه، فهو يرى فيمن أفطر شهر رمضان كله لعذر أن يقضي عدد أيام شهر رمضان الذي أفطره "إن كان تسعة وعشرين قضى تسعة وعشرين فقط. ولو بدأ القضاء من أول شهر وكان فيه ثلاثون، فلا تهم فإنما عليه قضاء شهر رمضان الذي خوطب به، فإذا كان من تسعة وعشرين لم يزدد، والآية حجة لي وذكر بعض أصحابنا وشهروه وبعض قومنا أنه إن بدأ من أول الشهر أتمه زاد على رمضان أو نقص، وبعض إن نقص أتمه"2.

وكذا في إفطار المريض أيلزمه تبييت النية للإفطار أم لا؟ فقال: "أما المريض فيبيت الإفطار من الليل وإن أفطر بلا تبييت وخاف على نفسه أو عضوه أفطر بقدر ما يصل به الليل، وقيل: أو بما يشاء فيبيت نية الإفطار في الليل المستقبل، وزعم بعض قومنا أن يفطر المريض بلا تبييت إفطار بخلاف المسافر لقوله تعالى: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} وليس بشيء لقوله تعالى: {لا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} فليتم المريض يومه إن قدر على إتمامه كالمسافر"3.

وأحيانا يصرح بخلافه للمذهب، فمن ذلك قوله:"والمذهب أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، والذي عندي أنه شرع لنا وأنه يقدم على الاجتهاد ما لم ينافه القرآن أو الحديث أو الإجماع بدليل راجح، ولا خلاف في أنه ليس شرعا لنا إذا صرح في ذلك بخلافه ولا يصح أن شيئا شرع لمن قبلنا إلا إن ذكر عنهم في القرآن أو الحديث أو الإجماع أو رواه ثقة أسلم منهم كعبد الله بن سلام"4.

1 انظر تفسير ابن كثير ج1 ص230.

2 تيسير التفسير ج1 ص263.

3 تيسير التفسير ج1 ص263.

4 المرجع السابق ج1 ص327.

ص: 330

التزام المذهب الأباضي في العقيدة:

التزم المفسر في تفسيريه المذهب الأباضي في العقيدة وهو كغيره من المفسرين أصحاب المذاهب الأخرى لا يكاد يجد آية يوافق ظاهرها مذهبه إلا جعلها دليلا عليه ولا آية تخالف مذهبه إلا أولها بما لا يكون بينها وبين مذهبه خلاف أو معارضة، ونحن حين نسوق تأويله لبعض الآيات من هذا وذاك نعني بالعرض أكثر من سواه -كما هو مسلكنا في غيره من المذاهب- فنقول:

الأسماء والصفات:

يرى المؤلف "أن أسماء الله توقيفية، وقيل: تقاس فيما ورد فيه لفظ الفعل أو غيره مسندا فنقول: الله تائب على عباده؛ لورود تاب عليه وتاب عليهم، وباني السماء وداحي الأرض"1.

وينكر الجهة لله تعالى فيقول: "والله ينزه عن الجهات والأمكنة والتنقل"2.

أما الغضب في قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} 3 فقال عنه: "والغضب هيجان النفس إرادة الانتقام، وعبارة بعضهم: تغير يحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وقيل: هيجان دم القلب لإرادة الانتقام وذلك كله في حق المخلوق، وإذا كان مسندا إلى الله تعالى كما هو المراد في الآية فالمقصود لازم ذلك ومسببه، وهما الانتقام وإن شئت فقل: العقاب"4.

أما الاستواء في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} 5 فقال: "ومعنى استوئه تعالى إلى السماء: قصده إليها وتوجيه الإرادة إليها بأن يخلقها، يقال: استوى زيد إلى كذا كالسهم المرسل إذا قصده من غير أن يميل إلى غيره فكذا

1 تيسير التفسير ج1 ص60.

2 المرجع السابق ص60.

3 سورة الفاتحة: من الآية 7.

4 هميان الزاد ج1 ص158.

5 سورة البقرة: من الآية 29.

ص: 331

خلق ما في الأرض وخلق بعده السموات بلا خلق شيء بين خلقهن وخلق ما في الأرض ووزن استوى: افتعل بمعنى تكلف السواء وهو أصل معناه وأطلق في اللغة على الاعتدال: تسوية وضع الأجزاء، تقول: استوى زيد على الأرض أي: جلس عليها جلوسا مستوية إليه أعضاؤه التي جلس بها معتدلا، ولا يصح حمل الآية على ذلك؛ لأنه من خواص الجسم والله -جل وعلا- ليس جسما ولا عرضا، لو كانت الآية على هذا المعنى لقال: ثم استوى في السماء أو على السماء لا {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} لكن الله -جل وعلا- لا يوصف بهذا المعنى ولو قال: في السماء أو على السماء لكان ماولا1 بالقهر والغلبة، ويجوز تأويل الآية بهما، لكن تأويلها بالقصد والإرادة أولى لأنه أقرب إلى أصل الاستواء وهو تكلف السواء ولتعديته بإلى وللتسوية المرتبة عليه بالفاء، وعن ابن عباس:{اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ارتفع إليها، وفي رواية صعد والمراد: ارتفاع أمره أو صعد أمره أو ارتفع إليها وصعد بقصد وإرادة، قال الطبري: علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كيسان: قصد إلى السماء أي: بخلقه واختراعه؛ وذلك لأنه تعالى منزه عن الانتقال والحلول، والمراد بالسماء الجهة العليا التي فيها السموات؛ لأنه ليس فيها حين الاستواء إليها سماء ولا سموات"2.

وفي تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} 3 قال: "و {اسْتَوَى} بمعنى استولى بالملك والغلبة والقوة والتصرف فيه كيف شاء، و {الْعَرْشِ} جسم عظيم، وذلك مذهبنا ومذهب المعتزلة وأبي المعالي وغيره من حذاق المتكلمين وخص العرش بذكر الاستيلاء لعظمه، ويصح أن يكون المعنى استوى أمره ولم يكن فيه عوج، فكنى عن ذلك باستوى على العرش"4.

أما يمين الرحمن فأولها بقوله: "ويمين الرحمن عبارة عن المنزلة الرفيعة

1 كذا وردت، ولعلها: مؤولا.

2 هميان الزاد ج1 ص406.

3 سورة الأعراف: من الآية 54.

4 هميان الزاد ج6 ص361.

ص: 332

والعرب تذكر "يمين" في الأمر الحسن، ودل لذلك قوله:"كلتا يديه يمين"1، التأويل في مثل ذلك هو الحق وأما قول سلف الأشعرية في مثل ذلك: إنا نؤمن به وننزهه عن صفة الخلق ونكل معناه إلى الله نقول: هو على معنى يليق وكذا طوائف من المتكلمين فجمود وتعامٍ عن الحق"2.

إنكار الرؤية:

وهو ينكر إمكان رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، بل يكفر من قال بها أو أجازها. فعد طلب قوم موسى عليه السلام لرؤية الله "ارتدادا منهم"3. وقد ذكر في هذا الموضع عددا من الروايات عن طلب قوم موسى رؤية الله ثم ذكر رواية أن موسى عليه السلام سأل ربه أن ينظر إليه بالمجاهرة ثم عقب على هذه الرواية بقوله:"وهذه الرواية تقتضي أن موسى يجيز الرؤية حتى سألها ومُنعها وليست كذلك بل إن صح سياق هذه الرواية فقد سألوه الرؤية قبل ذلك، فنهاهم عن ذلك وحرمه أو سكت انتظارا للوحي في ذلك، فلما فرغ وخرج عاودوه ذكر ذلك فقال لهم: قد سألته على لسانكم كما تحبون، لأخبركم بالجواب الذي يقمعكم لا لجواز الرؤية فتجلى للجبل بعض آياته فصار دكا فكفروا بطلب الرؤية لاستلزامها اللون والتركيب والتحيز والحدود والحلول والعجز عن الاستقلال وعما بعد عن المحل كل العجز أو بعضه والجهل به كل الجهل أو بعضه، وذلك كله يستلزم الحدوث وذلك كله محال عن الله وإذا كان ذلك مستلزما عقلا لم يختلف دنيا وأخرى فالرؤية محال دنيا وأخرى، ولا بالإيمان والكفر والنبوة وعدمها"4.

والمؤلف ينكر على من علل أخذ الصاعقة لهم بسبب اشتراطهم الرؤية

1 من حديث: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا" رواه مسلم: الإمارة ج3 ص 1458؛ وأحمد ج2 ص160؛ والنسائي: آداب القضاة ج8 ص221.

2 هميان الزاد ج5 ص339.

3 تيسير التفسير ج1 ص79.

4 هميان الزاد ج2 ص42 و43.

ص: 333

للإيمان: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} 1 وليست الصاعقة لمجرد طلبهم الرؤية، ينكر المؤلف هذا القول، حيث يقول:"فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، إذ سألوا رؤية الله جل وعلا الموجبة لتشبيهه بالخلق، والصاعقة نار لطيفة من السماء، وقالت الأشعرية: الصاعقة إنما هي من أجل امتناعهم من الإيمان بما وجب إيمانه2 إلا بشرط الرؤية لا من أجل طلب الرؤية وهو خلاف ظاهر الآية مع أن الرؤية توجب التحيز والجهات والتركيب والحلول واللون وغير ذلك من صفات الخلق، ويدل لما قلته قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} 3 والأشعرية لما أفحموا قالوا: بلا كيف، وحديث الرؤية إن صح فمعناه: يزدادون يقينا بحضور ما وعد الله في الآخرة، فلا تشكون في وجود الله وكمال صدقه وقدرته كما لا تشكون في البدر"4.

وقال في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} 5 الآية: "والآية دليل على كفر مجيز الرؤية دنيا أو أخرى؛ وذلك لأن إجازتها ولو في القلب إجازة لتكييفه، وتكييفه ممتنع لأن فيه تشبيها، وإدراكه بالقلب تكييف لا يتصور بدونه فلا يصح قولهم: بلا كيف وتكييفه في القلب بلا تقدير أن يكيفه لغيره هو من نفس المحذور، فبطل قول طوائف من المبتدعة أن الصاعقة ليست لمجرد الطلب بل لعنادهم واشتراطهم، وإذا كان المنع للتشبيه لم يضرنا أنها نزلت لطالبها في الدنيا"6.

القول بخلق القرآن:

جرى المؤلف في تفسيريه على مذهبه المذهب الأباضي في القول بأن كلام الله مخلوق، فقال في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى

1 سورة البقرة: من الآية 55.

2 صحة العبارة: بما وجب الإيمان به.

3 سورة الأنعام: من الآية 103.

4 هميان الزاد: ج5 ص172 و173.

5 سورة البقرة: من الآية 55.

6 تيسير التفسير ج1 ص81.

ص: 334

نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} 1 الآية: "والقائلون هم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه الذين لم يعبدوا العجل لميقات وقت لهم من خيارهم، أمره الله أن يأتي بهم إلى طور سيناء ليعتذروا ويطلبوا العفو عن عبادة العجل فأتى بهم وأمرهم أن يتطهروا ويطهروا ثيابهم ويصوموا وقالوا له: ادع الله أن يسمعنا كلامه فأسمعهم" إلى أن قال: "سمعوا كلام الله بأن خلق صوتا في أبدانهم أو في الهواء أو حيث شاء وفي أبدانهم وأسماعهم"2.

بل قال ما هو أصرح من هذا في تفسير قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} 3، حيث قال:"النسخ دليل على أن القرآن حادث مخلوق، ولا نثبت الكلام النفسي فضلا عن أن يقال: التعبير من عوارض ما يتعلق به الكلام النفسي، وهي الأفعال، في الأمر والنهي، والنسب الخبرية في الخبر، وفي إثبات الكلام النفسي إثبات كون الله ظرفا ومتحيزا، وإن رجع ذلك إلى العلم لزم أن كل ما علمه قديم، والقرآن هو هذه الألفاظ لا غيرها"4.

حقيقة الإيمان:

أفاض الشيخ أطفيش الحديث في تفسير قوله تعالى في وصف المتقين بـ {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} 5، أفاض في الحديث عن الإيمان فكتب فيه من ص193 إلى ص210 أي: ما يقرب من ثماني عشرة صفحة ليس بوسعنا هنا نقلها بل أذكر ما يعطي صورة واضحة عن عقيدة المؤلف عن المذهب الأباضي.

بعد أن عرف الإيمان لغة قال: "والإيمان في الشرع يطلق تارة على التصديق بما علم بالضرورة أنه من دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

1 سورة البقرة: من الآية 55.

2 تيسير التفسير ج1 ص80.

3 سورة البقرة: من الآية 106.

4 تيسير التفسير ج1 ص151.

5 سورة البقرة: من الآية 3.

ص: 335

كنفي الشركة عن الله سبحانه وتعالى وإثبات النبوة والرسالة والبعث والجزاء، ومعنى كون ذلك معلوما بالضرورة أنه مشهور، حتى كأنه أمر ضروري لا يحتاج إلى كسب، ثم ما لوحظ إجمالا كالملائكة والكتب والرسل، كنفي1 الإيمان به إجمالا وما لوحظ تفصيلا كجبريل وموسى والإنجيل اشترط الإيمان به تفصيلا حتي إن من لم يصدق بمعين من ذلك فهو مشرك، كذا ذكر بعض الشافعية وهو حق كما نقول معشر الأباضية الوهبية، إلا أن جمهورنا يوجب معرفة جبريل وآدم، ولا يمهل المكلف إلى ورود معرفتهما عليه، كما لا نمهله نحن ولا قومنا في معرفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، ولا يشرك الإنسان بإنكار نبي لم يتواتر".

وتارة يطلق على مجموع الاعتقاد والإقرار أو العمل2 بمقتضى ذلك، فمن أخل بالاعتقاد وحده أو به وبالعمل فهو مشرك من حيث الإنكار، منافق أيضا من حيث إنه أظهر ما ليس في قلبه، ومن أخذ3 بالإقرار وحده أو بالإقرار والعمل فهو مشرك عند جمهورنا وجمهور قومنا، وقال القليل: إنه إذا أخل بالإقرار وحده فمسلم عند الله من أهل الجنة، وإن أخل به وبالعمل ففاسق كافر كفر نعمة، ونريد باسم آخر له وهو لفظ منافق وإن أخل بالعمل فقط فمنافق عندنا فاسق ضال كافر كفرا دون شرك، غير مؤمن الإيمان التام، وقالت المعتزلة: خارج عن الإيمان غير داخل في اسم الكفر، سواء كفر الشرك وما دونه، وروى الإيمان: إقرار باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، وقيل: هو من كلام بعض السلف واختلفوا -الخوارج- وهم الذين خرجوا عن ضلالة علي4، فقالت الأباضية الوهبية وسائر الأباضية فيمن أخلَّ بواحد من الثلاثة ما تقدم: من إشراكه بترك

1 هكذا وردت، وصحة العبارة:"اشترط الإيمان به إجمالا" وبه يستقيم المعنى.

2 هكذا وجدتها بالطبعتين، وصحة العبارة لها:"والإقرار والعمل" بدون أو، كما يدل سياق الكلام.

3 هكذا وجدتها بالطبعتين أيضا، وصحتها:"ومن أخل" باللام لا بالذال، كما يدل سياق الكلام.

4 يقصد علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه ورضي الله عنه.

ص: 336

الاعتقاد أو بترك الإقرار، وينافق بترك العمل، ويثبتون الصغيرة، وقال الباقون كذلك وأنه لا صغيرة، ومذهب المحدثين أن انضمام العمل والإقرار إلى الاعتقاد على التكميل لا على أنه ركن، ونحن نقول: انضمامها إليه ركن وهما جزء ماهيته، وقيل: شرط خارج عن الماهية لا ينتفع به بدونهما، وإن ماهيته هي التصديق بالقلب فقط وأما الإقرار فلإشهار دين الله تبارك وتعالى وتعظيمه والدعاء إليه، ونفي أحكام المشركين عن نفسه، وأما العمل فلوجوب الصدق، فمن لم يعمل فقد كذب اعتقاد وإقراره إن أقر وخرج عن عبادته من أقر له واعترف واعتقد أنه عبده، وعلى كلا القولين من أن الإقرار والعمل شرطان، أو شطران لماهية الإيمان يكفي إقراره وعمله في خلوة عن حضور أحد، وزعمت الكرامية الإيمان هو التلفظ بالشهادتين سواء طابقه الاعتقاد أم لا، فإن طابقه نجا ولو لم يعمل، وإلا فهو مخلد في النار من غير أن يسموه مشركا، فعندهم التلفظ ينفي اسم الشرك باطنا كما ينفيه ظاهرا، ولا ينفي حكمه وهو الجزاء بالنار إن لم يطابقه الاعتقاد، ويبطل قولهم ما وردت به لغة العرب والقرآن والسنة أن الإيمان تصديق بالقلب وإذعانه، وقال أبو حنيفة وبعض الأشاعرة: الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان؛ لأن التصديق لما اعتبر بكل من اللسان والجنان كان كل منهما جزءا من ماهية الإيمان، ولكن تصديق القلب ركن لا يحتمل السقوط، وتصديق اللسان يسقط لنحو خرس أو إكراه وهو موافق لما نقوله معشر الأباضية الوهبية غير أنا نقول:

"إن العمل جزء من ماهية الإيمان، لكن لا يخفى أنه جزء من ماهية الإيمان التام لا من مطلق الإيمان، بدليل أنه لا نحكم بالشرك على من ترك العمل، قال1: الإيمان باقٍ فيمن ترك العمل، ولكنه لا ينفيه فمطلق الإيمان تركت ماهيته عندنا بالاعتقاد والإقرار فقط، ورجح بأن الله جل وعلا ذم المعاند أكثر من الجاهل المقصر، ويجاب بأن الذم للإنكار والعناد لا لمجرد عدم الإقرار"2.

1 صحة العبارة: فإن الإيمان.

2 هميان الزاد؛ ج1 ص194-196.

ص: 337

ثم بعد هذا كله ذكر الشيخ محمد أطفيش الرأي الذي يميل إليه بين هذه الآراء فقال: "وقيل، أي الإيمان: الاعتقاد فقط، وأما الإقرار فلما مر من إشهار الدين والدعاء إليه ونفي أحكام الشرك ونحو ذلك، وللعبادة والثواب والتوكيد ويدل له إضافة الإيمان إلى القلب مثل: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَان} 1، ولم يؤمن قلبه: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} 2، وعطف العمل الصالح عليه في مواضع لا تحصى، ونطق اللسان من العمل الصالح، وقرنه بالمعاصي كالاقتتال والقتل والظلم في نحو: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} 3، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} 4، {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} 5، مع ما في ذلك من قلة التغير عن معناه اللغوي، ومن قربه إليه ويدل لذلك تعديه بالباء يتبادر منه التصديق، ويدل له أنا إذا رأينا من أحد إمارة المؤمنين حكمنا بإيمانه وأزلنا عنه حكم الشرك، وكذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم أن الإيمان في القلب، وأنه بأية علامة كشف عنه حكمنا به، سواء كشف عنه اللسان أو غير اللسان، ولست في ذلك قاصدا لمخالفة أصحابنا رحمهم الله ولكن ذكرت ما أدى إليه اجتهادي"6.

وهو بما أدى به إليه اجتهاده من القول بأن الإيمان هو الاعتقاد، قد خالف جمهور الأباضية حيث يقول:"غير أن جمهورنا كما علمت إلا قليلا جدا وجمهور قومنا أيضا يقولون: لا إيمان بلا إقرار"6.

وقد وهم الشيخ محمد حسين الذهبي -رحمه الله تعالى- فقد اعتقد أن المؤلف سار على رأي الأباضية في هذا، فقال في وصفه: "إنه يحاول محاولة جدية

1 سورة النحل: من الآية 106.

2 سورة الحجرات: من الآية 14.

3 سورة الحجرات: من الآية 9.

4 سورة البقرة: من الآية 178.

5 سورة الأنعام: من الآية 82.

6 هميان الزاد: ج1 ص196 و197.

ص: 338

في تحقيق أن العمل جزء من الإيمان، ولا يتحقق الإيمان بدونه"1 مع أن الذهبي نفسه نقل نصا للمؤلف خلاف هذا.

ففي تفسير قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} 2 أكد المؤلف على قيمة العمل مع الإيمان، لكنه لم يجعله جزءا منه أو لا يتحقق الإيمان بدونه، بل صرح بأن عطف العمل الصالح على الإيمان يدل على المغايرة بين المتعاطفين ولنسق كلام المؤلف بنصه:" {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات} ترى الإنسان يقيد كلامه مرة واحدة بقيد، فيحمل سائر كلامه المطلق على هذا القيد، فكيف يسوغ لقومنا أن يلغوا تقييد الله عز وجل الإيمان بالعمل الصالح مع أنه لا يكاد يذكر الفعل من الإيمان إلا مقرونا بالعمل الصالح، بل الإيمان نفسه مفروض لعبادة من يجب الإيمان به وهو الله تعالى، إذ لا يخدم الإنسان مثلا سلطانا لا يعتقد بوجوده وبثبوت سلطنته، فالعمل الصالح كالبناء النافع المظلل المانع للحر والبرد والمضرات، والإيمان أس فلا ينفع الأس بلا بناء عليه ولو بنى الإنسان ألوفا من الأسوس ولم يبن عليها؛ لهلك باللصوص والحر والبرد وغير ذلك، فإذا ذكر الإيمان مفردا قيد بالعمل الصالح وإذا ذكر العمل الصالح فما هو إلا فرع الإيمان، إذ لا تعمل لمن لا تقر بوجوده، وفي عطف الأعمال الصالحات على الإيمان دليل على أن كلا منهما غير الآخر؛ لأن الأصل في العطف المغايرة بين المتعاطفين، ففي عطف الأعمال الصالحات على الإيمان إيذان بأن البشارة بالجنات إنما يستحقها من جمع بين الأعمال الصالحات والإيمان، لكن الأعمال الصالحات تشمل الفرض والنفل والمشروط الفرض وأما النفل فزيادة خير"3.

وبهذا يتبين أن الإيمان عند المؤلف هو الاعتقاد فقط، أما الأعمال الصالحات والإيمان فكل منهما غير الآخر ولكن الجمع بينهما شرط لاستحقاق البشارة بالجنات.

1 التفسير والمفسرون: محمد حسين الذهبي ج2 ص322.

2 سورة البقرة: من الآية 25.

3 هميان الزاد: ج1 ص361 و362.

ص: 339

حكم مرتكب الكبيرة:

سار الشيخ أطفيش في هذا على مذهبه مذهب الأباضية الوهبية، وهم كما سبق القول يطلقون على الموحد العاصي كلمة كافر، ويعنون بها كافر النعمة ويجرون عليه أحكام الموحدين، ويقسمون الكفر إلى قسمين: كفر نعمة ونفاق وهو هذا الذي نتحدث عنه، وكفر شرك وجحود وهو المخرج من الملة الإسلامية.

وقد قارن الشيخ أطفيش في تفسير قوله تعالى: {وَيُؤْمِنُونَ بالغيب} 1، بين آراء المذاهب فقال: "ثم إنه لا يخفى أن الحق معنا في قولنا: إن مرتكب الكبيرة كافر كفر نفاق وهو كفر نعمة، موحد، إيمانه ناقص، لا كما زعمت المرجئة أنه مؤمن كامل الإيمان ولا كما زعمت المعتزلة أنه لا كافر ولا مؤمن، فإن أرادوا: لا مؤمن إيمانا كاملا ولا كافر كفر شرك فقد صدقوا، وإن أرادوا نفي اسم الكفر عنه مطلقا كذبتهم آثار وأحاديث جمعتها في بعض ما منَّ الله به عليَّ من التأليف

ولا كما قالت المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية: إنه لا يسمى باسم كافر أصلا، ووافقنا محققوهم على أنه يسمى به على معنى كفر النعمة، ولا كما زعمت الصفرية من أنه مشرك، ولا كما زعم بعض الصفرية أنه مشرك بالمعصية مطلقا ولو لم تكن كبيرة"2.

ويظهر لي والله أعلم أن الخلاف في هذه الجزئية لفظي؛ ذلكم أن أهل السنة يصفون مرتكب الكبيرة بأنه مؤمن ناقص الإيمان، أما الأباضية -والشيخ أطفيش من أئمتهم- فيعتقد أنه يجوز نفي الإيمان عن ناقص الإيمان باعتبار الكمال، فهؤلاء سموه ناقص الإيمان ووقفوا وهؤلاء قالوا: إنه غير مؤمن بل كافر كفر نعمة لا كفر شرك، لا يخرج من الملة ولا يحكم عليه بأحكام المرتدين ويعامل معاملة الموحدين، وهذا كلام الشيخ أطفيش في تفسير إحدى الآيات حيث يقول: "إنه يجوز نفي الإيمان عن ناقص الإيمان باعتبار الكمال كما في قوله صلى

1 سورة البقرة: من الآية 3.

2 هميان الزاد: ج1 ص204.

ص: 340

تائب يرجى له أنه إن شاء الله عذبه بقدر ذنبه وأدخله النار، وإن شاء غفر له، ومذهبنا أن من مات على كبيرة غير تائب لا يرجى له"1.

أما إذا صدمته بالآية التي تنص على مغفرة الله لمن يشاء وتعذيبه لمن يشاء في قوله سبحانه: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} قال: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} الغفران له: أن يوفقه للتوبة {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} تعذيبه بأن لا يوفقه. وليس من الحكمة أن يعذب المطيع الموفي وليس منها أن يرحم العاصي المصر وقد انتفى الله من أن يكون ظالما وعد من الظلم النقص من حسنات المحسن والزيادة في سيئات المسيء وليس من الجائز عليه ذلك خلافا للأشعرية في قوله2: يجوز أن يدخل الجنة جميع المشركين والنار جميع الأبرار، وقد أخطئوا في ذلك لا يجوز ذلك ولو شخص واحد"3.

هذا هو الخلاف الأول نحو مرتكب الكبيرة، فأهل السنة كما ذكرنا قالوا: إنه تحت المشيئة والأباضية قالوا: لا يغفر له إلا بالتوبة، أما الخلاف الثاني ففي خلوده في النار بعد دخوله.

خلود مرتكب الكبيرة في النار:

أما أهل السنة فيعتقدون أن أصحاب الكبائر في النار لا يخلدون، هذا إن أدخلهم الله إياها ولم يغفر لهم قبل الدخول، أما الأباضية فيعتقدون خلود أصحاب الكبائر في النار لا يفنون ولا تفنى، ففي تفسير قوله تعالى:{بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 4، قال: "لا يخرجون منها: المشركون والفاسقون والأصل في الخلود الدوام، وحمله على المكث الطويل إنما يصح لدليل ولا خلاف في دوام المشرك في النار، ومعنى إحاطة الخطيئة به أنها أهلكته إذ لم يتخلص منها بالتوبة، وليس المراد أنها به بمعنى

1 هميان الزاد: ج12 ص73.

2 كذا بالإفراد، والضمير يرجع للأشعرية.

3 هميان الزاد: ج4 ص240 و241.

4 سورة البقرة: الآية 81.

ص: 342

أنها في قلبه وجوارحه، فلا دليل في الآية على أن الخلود إنما هو لمن عمَّت1 قلبه بالشرك؛ لأنه إذا صرنا إلى معنى تعميم البدن بالمعصية، ورد علينا أن من جسد الكافر ما لم تصدر منه معصية مثل عنقه وأعلى صدره إذا لم تصدر منهما"2.

وفسر الخلود بالدوام في قوله تعالى: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 3، حيث قال:"دائمون، وخلود أهل النار فيها وأهل الجنة فيها دوام"4.

وقال في تفسير قوله تعالى عن آكلي الربا: {وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 5: وأصحاب الكبائر من أهل التوحيد مخلدون.

أما الخلاف الثالث في حق مرتكب الكبيرة بين أهل السنة والأباضية، ففي الشفاعة لأصحاب الكبائر إذ ينكرها الأباضية إلا للموحدين، لا لأصحاب الكبائر ولا للمشركين.

الشفاعة:

أما أهل السنة، فيعتقدون شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته ويشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضا6، أما الأباضية فقال الشيخ أطفيش في تفسير قوله تعالى:{وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} 7: والآية دليل لنا وللمعتزلة على أن لا شفاعة لأهل الكبائر؛ لأن الآية ولو كانت في المشركين لكنها في صفة يوم من شأنه أنه لا شفاعة فيه بدفع العذاب عن مستحقه، ولا مقام أو زمان من مقامات الموقف وأزمنته نص

1 أي: الخطيئة.

2 تيسير التفسير: ج1 ص113 و114.

3 سورة البقرة: من الآية 81.

4 تيسير التفسير: ج1 ص114.

5 سورة البقرة: من الآية 275.

6 انظر شرح الطحاوية ص258.

7 سورة البقرة: من الآية 48.

ص: 343

فيهما على ثبوتها للفساق1، ولا الشخص المصر2.

وقال في تفسير قوله تعالى: {وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَة} 3، قال:"وذلك مخصوص بالمشرك، فإنه لا شفاعة له هنالك إلا شفاعة القيام لدخول النار، ولا نفع له في دخول النار وإنما الشفاعة للموحد التائب"4.

وفي تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} 5، قال:"فالآية نص أو كالنص في أن لا شفاعة لأهل الكبائر، أي: أنت بريء منهم على كل وجه"6.

إذن: فخلاصة رأي الشيخ أطفيش في تفسيريه بل مذهبه الأباضي أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة، لا يغفر الله له إن لم يتب، خالد في النار لا تفنى ولا يفنى، ولا يشفع له فيخرج منها أو يخفف عنه، والله أرحم مما قالوا.

خلق أفعال العباد:

يعتقد المؤلف أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد، وأن وقوع المعاصي بإرادته ومشيئته مع اختيار العاصي جاء ذلك في تفسيره لقوله تعالى:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} 7، حيث قال: "ولو شاء الله عدم إشراكهم بالله تعالى ما أشركوا به تعالى شيئا، فالآية دليل على أن إشراكهم بإرادة الله ومشيئته، وفيه رد على المعتزلة في قولهم: لم يرد معصية العاصي

وزعموا أن المعنى لو شاء الله لأكرههم على عدم الإشراك، ولزم

1 بل ثبت بالتواتر عند أهل السنة ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر. انظر شرح الطحاوية ص258.

2 تيسير التفسير: ج1 ص71.

3 سورة البقرة: من الآية 123.

4 هميان الزاد: ج2 ص299.

5 سورة الأنعام: من الآية 159.

6 هميان الزاد: ج6 ص274.

7 سورة الأنعام: من الآية 107.

ص: 344

عليهم أن يكون مغلوبا على أمره إذا عصى ولم يرد المعصية، بل أراد الإيمان منهم ولم يقع -تعالى الله عن ذلك- والحق أن المعصية بإرادته ومشيئته مع اختيار العاصي، لا جبر، للذم عليها والعقاب والنهي عنها"1.

وكذا عند تفسيره لقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} 2، قال:"من إيمان وكفر وخير وشر، مما هو كائن دنيا وأخرى"3.

أما الإرادة في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} 4، فقال:" {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} في دينه أي: بشرعه، وهو مراد أبي حيان إذ فسر الإرادة بالطلب، قال ذلك خروجا عن تبديل الإرادة فإن إرادة الله لا تتبدل وذلك منه خروج عن مذهب الاعتزال، إذ زعمت المعتزلة أن إرادته تعالى قد يخالفها العبد وتبطل"5.

موقفه من الصحابة، رضوان الله عليهم:

هم يوالون أبا بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما ويذمون عثمان وعليا رضي الله عنهما وهذا أطفيش يقول في تفسير قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} 6، فقال:"قال المخالفون عن الضحاك: إن {الَّذِينَ آمَنُوا} هم عمر وأبو بكر وعثمان وعلي، وإن استخلافهم إمامتهم العظمى وسيأتي -وقد مر أيضا- ما يدل على بطلان دخول عثمان وعلي في ذلك"7.

وقال أيضا: "وفي أيام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بعدهم كانت الفتوح العظيمة، وتمكن الدين لأهله، لكن لا دليل في ذلك على إصابة عثمان وعلي فإنهما

1 هميان الزاد: ج6 ص68.

2 سورة الزمر: من الآية 62.

3 هميان الزاد: ج12 ص77.

4 سورة البقرة: من الآية 185.

5 تيسير التفسير: ج1 ص267.

6 سورة النور: من الآية 55.

7 هميان الزاد: ج10 ص280.

ص: 345

-ولو كانت خلافتهما حقا برضى الصحابة- لكن ما ماتا إلا وقد بدلا وغيرا فسحقا"1 "!! ".

أما ما قاله في عثمان رضي الله عنه وحده، فمنه ما قاله في تفسير قوله تعالى:{فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} ، من الآية السابقة حيث قال:"وأقول والله أعلم بغيبه: إن أول من كفر تلك النعمة وجحد حقها عثمان بن عفان"2، ثم ذهب يذكر من مثالبه ما هو منه بريء أو لا يصل به رضي الله عنه إلى حد الجرأة على ذمه وقدحه.

وكعادته في تأويل ما يخالف مذهبه من الآي أو الحديث، ذهب يؤول تأويلا باطلا ما ورد من الحديث في فضل عثمان رضي الله عنه من مثل ما قاله فيه صلى الله عليه وسلم بعد أن جهز عثمان جيش العسرة، فقال عليه الصلاة والسلام:"ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" فقال في تأويل ذلك مشككا في صحة الحديث: "فإن صح هذا، فذلك أيضا دعاء"3.

وقال في الحديث الآخر في ذلك أيضا: "لا يضر عثمان ما عمل بعدها"، قال:"فإن صح ذلك فمعنى ذلك الدعاء له بالخير، لا القطع بأنه من أهل الجنة"3.

ولن نذهب نذكر درجة هذين الحديثين ومدى دلالتهما في البشارة لعثمان رضي الله عنه بالجنة ولكن نذكر حديثا رواه البخاري في صحيحه، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من يحفر بئر رومة فله الجنة" فحفرها عثمان، وقال:"من جهز جيش العسرة فله الجنة" فجهزه عثمان4.

ولا ننسى الحديث الآخر الذي رواه البخاري أيضا في صحيحه عن

1 المرجع السابق ج10 ص281.

2 هميان الزاد: ج10 ص282.

3 المرجع السابق ج7 ص313.

4 رواه البخاري، كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب عثمان رضي الله عنه ج4 ص202.

ص: 346

النبي صلى الله عليه وسلم حين صعد أحدا فرجف، فقال عليه الصلاة والسلام:"اسكن أحد، فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان"1.

هذا من ناحية عثمان رضي الله عنه أما ما قال في علي رضي الله عنه فمنه ما قد مر بنا من وصفه للخوارج بأنهم: "الذين خرجوا عن ضلالة علي"2، وقال في موضع آخر معرضا بعلي، رضي الله عنه:"وأيضا الباغي من يرى التحكيم فيما كان لله فيه حكم، والسافك دماء من لم يتبعه على هذه الزلة"3.

وعند استدلال علي رضي الله عنه بحديث سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء

" إلخ الحديث. علق الشيخ أطفيش على هذا الاستدلال قائلا: "فترى علي بن أبي طالب وهو خصم يتأول الحديث فيمن خاصموه، أعني غلبوه في الخصومة فخصموه، والحمد لله رب العالمين وهو مدع ويأتيك ما يبطل هذه الدعوى، ولا يخفي بطلانها"4.

وقال في بعض الأحاديث في فضل آل محمد: "وذلك كله صحيح الرواية، لكن المراد بآله: آله الذين لم يبدلوا، فخرج علي ونحوه ممن بدل فإنه قتل من قال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل قاتله الجنة" 5.

وهكذا بعد عثمان وعلي رضي الله عنهما سلك الأباضية في بقية الصحابة، فجعلوا القياس من بعدهما التحكيم، فمن رضي بالتحكيم فهو مبطل وذموه، وصرح بهذا الشيخ أطفيش في تأويله لقوله تعالى:{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} 6.

1 المرجع السابق: ج4 ص204.

2 هميان الزاد: ج1 ص195.

3 المرجع السابق: ج9 ص183 و184.

4 المرجع السابق: ج4 ص185.

5 هميان الزاد: ج12 ص227.

6 سورة آل عمران: من الآية 105.

ص: 347

فقال: "إن الراضين بالتحكيم هم المبطلون"1.

إشادته بمذهبه:

كثيرا ما يشيد الشيخ أطفيش بمذهبه الأباضي الوهبي ويحسنه ويرجح أدلته ويصفه بالحق وأهله أهل الحق، وها هو في تفسير قوله تعالى:{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت َ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} 2 يقول: "واعلم يا أخي -رحمك الله- أني استقريت المذاهب المعتبرة كمذهبنا معشر الأباضية ومذهب المالكية ومذهب الشافعية ومذهب الحنفية ومذهب الحنبلية بالمنقول والمفعول3، ولم أر مستقيما منها في علم التوحيد والصفات سوى مذهبنا؛ فإنه مستقيم خالٍ عن التشبيه والتعطيل، حججه لا تقاومها حجة ولا تثبت لها، والحمد لله وحده"4.

ومن قام بالقرآن والسنة فهو الجماعة والسواد الأعظم وأهل السنة ولو كان واحدا ومن خالفهما فهو مبتدع ضال. ولذا فهو يرى أن الأباضية هم الجماعة والسواد الأعظم وهم أهل السنة أيضا، وها هو يقول في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا

} الآية5، فقال: والآية مانعة لمن قدر على الاجتهاد من التقليد ومانعة لمن قدر على النظر والترجيح أن يقلد قولا من الأقوال ويترك نظره وترجيح ما يظهر ترجيحه له واتباع القرآن والسنة ليس تقليدا، واعلم أن الحق هو القرآن والسنة وما لم يخالفها من الآثار، فمن قام بذلك فهو الجماعة والسواد الأعظم ولو كان واحدا؛ لأنه نائب النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين الذين اهتدوا وكل مهتد، ومن خالف ذلك فهو مبتدع ضال ولو كان جمهورا، هذا ما يظهر لي بالاجتهاد وكنت أقرره للتلاميذ عام تسعة وسبعين ومائتين وألف، فأصحابنا الأباضية الوهبية هم

1 هميان الزاد: ج4 ص186.

2 سورة هود: من الآية 112.

3 هكذا وردت، وصحة العبارة: والمعقول.

4 هميان الزاد: ج8 ص212 و213.

5 سورة البقرة: من الآية 170.

ص: 348

الجماعة والسواد الأعظم وهم أهل السنة، ولو كانوا أقل الناس؛ لأنهم المصيبون في أمر التوحيد وعلم الكلام والولاية والبراءة والأصول دون غيرهم، وأما الفروع فقولهم فيها أصح لأدلته، لكن قد يشاركهم غيرهم في الصحة فيما خالفهم، ثم اطلعت بعد ذلك بنحو عامين على ما ذكرته ووجدته نصا للثوري، قال الشعراني: كان سفيان الثوري يقول: المراد بالسواد الأعظم هم من كان من أهل السنة والجماعة ولو كان واحدا، والحمد لله والشاهد في قوله: ولو كان واحدا مع حقيقة قوله: أهل السنة والجماعة الصادقة على أصحابنا ولو أراد هو أهل المذاهب الأربعة وهم أهل أهواء"1!!

موقفه من المذاهب الأخرى:

جرى المؤلف على إطلاق لقب "أصحابنا" ويريد به أتباع المذهب الأباضي. أما أهل السنة والجماعة فيسميهم"القوم" أو "قومنا" ويطلق عليهم غالبا التقسيم الفقهي: "الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية" فيقول مثلا وهو يبحث في العقيدة لا الفقه: "لا كما قالت المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية"2. يقول هذا تهربا من إطلاق وصف أهل السنة، أما إذا أراد أن يذكر هذا اللقب فإنه يقول: "ووافقنا على ذلك محققو المتسمين بأهل السنة"3؛ لأن أهل السنة عنده -كما مر آنفا- هم الأباضية.

وهو مع هذا يخصهم بمزية من بين المذاهب الأخرى، فهو يقدم أقوال أهل السنة بقوله:"قالوا" أو "وقال" أما بقية المذاهب الأخرى فيقدم أقوالهم بالزعم فيقول: وزعمت المرجئة، وزعمت المعتزلة وزعمت الشيعة وزعمت الصفرية ونحو ذلك4، وهو أحيانا يتجاوز هذا كله ويتعصب ضدهم بشدة ويصف أهل المذاهب الأربعة بأنهم أهل أهواء5 ولكن هذا في تفسيريه قليل.

1 هميان الزاد: ج2 ص445 و456.

2 هميان الزاد: ج1 ص204.

3 المرجع السابق: ج1 ص202.

4 انظر مثلا هميان الزاد: ج1 ص204؛ وج5 ص376.

5 هميان الزاد: ج2 ص456.

ص: 349

المعتزلة:

وتأثر الشيخ أطفيش، بل المذهب الأباضي بالمعتزلة واضح بين في بعض العقائد، بل حرص المؤلف على النص في مقدمته القصيرة لتفسيره:"هميان الزاد" حرص على أن ينص على أنه "يوافق نظر جار الله والقاضي وهو الغالب والحمد لله، وتارة يخالفهما ويوافق وجها أحسن مما أثبتاه أو مثله"1.

لذا فقد وافق المعتزلة مثلا في أنه "لو لم يبعث الله رسلا ولا كتبا لوجب الإيمان من العقل كما قال: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون} لما نصب من الأدلة في أنفسهم وفي غيرهم وإنما الرسل والكتب لتفصيل الأحكام والشريعة، هذا تحقيق المقام ولو اشتهر في المذهب أن حجة الله الكتب والرسل"2.

ووافقهم أيضا في صفات الله تعالى وفي إنكار الرؤية وفي القول بخلق القرآن وفي خلود أهل الكبائر في النار وإنكار الشفاعة لأهل الكبائر وفي التهجم على بعض الصحابة رضي الله عنهم وفي غير ذلك.

وهو مع هذا يخالفهم في بعض الأمور مثل أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة لا كما قالت المعتزلة لا كافر ولا مؤمن، بل منزلة بين المنزلتين، ويخالفهم أيضا في نحو أن العبد يخلق فعله فهو يرى -كما مر- أن الله هو خالق الأفعال من غير إنكار اختيار العبد، وغير ذلك.

الصفرية:

وهي إحدى فرق الخوارج، فإن المؤلف كثيرا ما يرد أقوال هذه الفرقة ويصفها بالزعم ويخصها بالأحاديث الواردة عن الخوارج، ومن ذلك أنه أورد الحديث الذي رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه "أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس

1 هميان الزاد: ج1 ص5.

2 هميان الزاد: ج1 ص490.

ص: 350

قراءتكم إلى قراءتهم، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء" 1. فيعلق أطفيش على هذا الحديث بقوله:"فلعل الحديث فيمن رضي بالتحكيم بعد زمان علي من المخالفين الفائقين في العبادة المصوبين للتحكيم الذي أخذوا به وفي الصفرية ونحوهم"2. ثم أضاف حديثا آخر خصهم به فقال: "ومن ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأهوى بيده إلى العراق: "يخرج منه قوم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية" 3 هذا نفس الحديث فأخطأ سهل بن حنيف في تأويله هذا الحديث بمن لم يرض الحكومة وإنما هو في الصفرية4، وهو كثيرا ما يرد أقوالهم وينكر عليهم ويذمهم5.

الصوفية:

أما التصوف والصوفية وتفسيرها، فقد أنحى عليهم باللائمة وذمهم ولم يعذرهم، وأعلن أنه لا يقبل شهادتهم ويتقرب إلى الله ببغضهم والبراءة منهم، وأن تفاسيرهم لم يأذن الشرع بها، بل يضعف الأقوال بمقدار قربها من تفسير الصوفية، ولعلي أكتفي بعد هذه المقدمة بسوق النصوص.

قال في تفسير قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون} 6: "وقيل: المعنى: ومما خصصناهم به من أنوار معرفة الله جل وعلا يفيضون، وهذا القول الذي قبله7 أظنهما للصوفية أو لمن يتصوف وليس تفسير الصوفية عندي مقبولا إذا خالف الظاهر وكان تكلفا أو خالف أسلوب العربية، ولا أعذر من يفسر به ولا أقبل شهادته وأتقرب إلى الله تعالى ببغضه والبراءة منه، فإنه لو كان في نفسه

1 رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب 48 ج2 ص748.

2 هميان الزاد: ج4 ص185.

3 صحيح البخاري، كتاب الاستتابة ج8 ص53.

4 هميان الزاد: ج4 ص185.

5 انظر مثلا: هميان الزاد ج1 ص204؛ وتيسير التفسير ج1 ص253.

6 سورة البقرة: من الآية 3.

7 هكذا وردت في الطبعتين، ولعله بالعطف أي: والذي قبله.

ص: 351

حقا، لكن جعله معنى للآية أو للحديث خطأ؛ لأنه خروج عن الظاهر وأساليب العرب الذين يتخاطبون بها، وتكلف من التكلف الذي يبغضه الله"1.

وفي تفسير قوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} 2، أنكر تفسيرها بـ"أن هذا3 رزقناه في الجنة هو الذي يرزقنا الله في الدنيا من المعارف والطاعات أي: جزاؤها، فهو يتفاوت بتفاوتها في اللذة ووجه الشبه والشرف والمزية وعلو الطبقة" أنكر هذا التفسير وقال:"وتفسيرها بهذا قريب من تفاسير الصوفية وبمقدار قربها منها يضعف؛ لأن تفاسيرهم لم يأذن الشرع بها، وبها خرجوا عنه إذا اعتقدوا أنها معانٍ نزل القرآن على إرادتها، أعاذنا الله -جل وعلا- والله أعلم"4.

وفي تفسير قوله تعالى: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه} 5 قال: "وقيل: المعنى أخرجهما من رفعة المنزل إلى سفالة الذنب، وهذا ضعيف قريب من تفسير الصوفية لا يتبادر من اللغة العربية ولا يرد فيها"6.

حكم اتباع هذه المذاهب:

رد الشيخ أطفيش حديث علي رضي الله عنه السابق عن الخوارج أنهم "يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء" رد تأويله بأنهم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه لأن عباد أهل السنة وقراءهم أكثر عبادة وقراءة فقال: "فإن عباد قومنا -يعني أهل السنة- فيما نرى من اجتهادهم في كتب القوم أكثر عبادة وقراءة وهم المعروفون بذلك أكثر وليس نافع لهم مع بغضهم المسلمين واعتقادهم

1 هميان الزاد: ج1 ص216.

2 سورة البقرة: من الآية 25.

3 هكذا وردت ولعلها: أن هذا الذي

4 هميان الزاد: ج1 ص372.

5 سورة البقرة: من الآية 36.

6 هميان الزاد: ج1 ص472.

ص: 352

‌منهجه في التفسير:

الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، أي: لا يزني وهو مؤمن إيمانا كاملا بل ناقصا، فحينئذ يقال له: آمن ولا يقال: مؤمن كما نفى عنه في الحديث اسم مؤمن؛ لأنه يوهم كمال إيمانه إلا بقيد، فيجوز: مؤمن ناقص الإيمان"1.

إذن: فالخلاف بين الفريقين لفظي، هؤلاء سموه ناقص الإيمان وهؤلاء قالوا: إن ناقص الإيمان لا يسمى مؤمنا لتوهم كمال الإيمان، فيجوز: ناقص الإيمان، وسموه هم كافر نعمة لا كافر شرك.

لكن الخلاف الشديد بين الفريقين في عقاب مرتكب الكبيرة، وهو حتما ليس خلافا لفظيا.

لا يغفر لصاحب الكبيرة ما لم يتب:

هذا أول خلاف بين الفريقين، ذلكم أن الأباضية يرفضون قول أهل السنة بأن صاحب الكبيرة تحت المشيئة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.

فالشيخ أطفيش مثلا في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} 2 يقول: "ولا دليل في الآية على جواز المغفرة لصاحب الكبيرة الميت بلا توبة منها، كما زعم غيرنا لحديث: "هلك المصرون""3، وكذا قال في تفسير قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} 4: "والمراد بالآية التنبيه على أنه لا يجوز لمن عصى الله -أي عصيان كان- أن يظن أنه لا يغفر له ولا تقبل توبته، وذلك مذهبنا معشر الأباضية، وزعم القاضي -يقصد البيضاوي- وغيره أن غير الشرك يغفر بلا توبة، ومشهور مذهب القوم -يريد أهل السنة- أن الموحد إذا مات غير

1 هميان الزاد ج1 ص202.

2 سورة البقرة: من الآية 284.

3 هميان الزاد: ج3 ص443.

4 سورة الزمر: من الآية 53.

ص: 241