الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(الخضر عليه السلام
[1291] باب إثبات نبوة الخضر عليه السلام
[قال الإمام]:
لقد أشار المؤلف الفاضل في أول كتابه [أي كتاب الأستاذ أحمد بن عبد العزيز الحصين "جزيرة فيلكا وخرافة أثر الخضر فيها"] إلى اختلاف العلماء في نبوة الخضر عليه الصلاة والسلام فقال «والراجح من أقوالهم أنه ليس نبياً» .
ولما كان هذا القول مرجوحاً عند العلماء المحققين، فقد رأيت أن أذكر شيئاً من أقوالهم وأدلتهم، تنبيهاً وتذكيراً، فأقول:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في أول رسالته «الزهر النضر» :
«باب ما ورد في كونه نبياً، قال الله تعالى في خبره عن موسى حكاية عنه:{وما فعلته عن أمري} ، وهذه ظاهرة أنه فعله بأمر من الله، والأصل عدم الوساطة، ويحتمل أن يكون بوساطة نبي آخر لم يذكره، وهو بعيد، ولا سبيل إلى القول بأنه إلهام، لأن ذلك لا يكون من غير نبي وحياً حتى يعمل به ما عمل؛ من قتل النفس، وتعريض الأنفس للغرق. فإن قلنا: إنه نبي، فلا إنكار في ذلك.
وأيضاً، كيف يكون غير النبي أعلم من النبي، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح (1):«أن الله تعالى قال لموسى: بلى عبدنا خضر» ؟!.
(1) أخرجه الشيخان، وهو في كتابي «مختصر صحيح البخاري» برقم (57)، وفي لفظ لهما. [منه].
وأيضا فكيف يكون النبي تابعاً لغير نبي؟! وقال الثعلبي: هو نبي في جميع الأقوال.
وكان بعض أكبر العلماء يقول: أول عقدة تحل من الزندقة اعتقاد كون الخضر نبياً، لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي! كما قال قائلهم (1):
مقام النبوة في برزخ
…
فويق الرسول ودون النبي
قلت: وهناك آية أخرى تدل على نبوته عليه الصلاة والسلام، وهي قوله تعالى في:{آتيناه رحمة من عندنا} ، فقد ذكر العلامة الآلوسي في تفسيرها ثلاثة أقوال، أشار إلى تضعيفها كلها، ثم قال:
«والجمهور على أنها الوحي والنبوة، وقد أطلقت على ذلك في مواضع من القرآن، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن ابن عباس،
…
والمنصور ما عليه الجمهور، وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين» (2).
قلت: ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن المتأمل في قصته مع موسى عليهما الصلاة والسلام يجد أن الخضر كان مظهراً على الغيب وليس ذلك لأحد من الأولياء، بدليل قوله تعالى:{عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحداً إلا من ارتضى من رسول} ، وذلك ظاهر في مواطن عدة من القصة، أذكر ما تيسر منها:
(1) قلت: هو ابن عربي صاحب «الفصوص» و «الفتوحات المكية» [منه]
(2)
روح المعاني (5/ 92 - 93). [منه]
1 -
قوله لموسى عندما طلب منه الصحبة {إنك لن تستطيع معي صبرا} فهذا الجزم منه عليه السلام لدليل واضح على أنه كان على علم بذلك، ولم يكن من باب الظن والتخرص منه، حاشاه، ويؤيده زيادة جاءت في بعض طرق الحديث عقب هذه الآية بلفظ:
«وكان رجلاً يعلم علم الغيب، قد علم ذلك» (1).
2 -
ومثله قوله في تأويله قتل الغلام:
«وأما الغلام فطبع يوم طبع كافراً، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك، أرهقهما طغياناً وكفراً، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً» . زاد في رواية: «ووقع أبوه على أمه فعلقت فولدت منه خيراً منه زكاة وأقرب رحماً» (2).
وإخباره عليه السلام أن الغلام طبع كافراً، وأن أباه وقع على أمه فحملت وولدت خيراً منه، لهو من الأمور الغيبية المحضة التي لا مجال للاطلاع عليها إلا من طريق النبوة والوحي، فذلك من أقوى الأدلة على أنه كان نبياً، إن لم يكن رسولا.
3 -
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لما لقي موسى الخضر عليهما السلام، جاء طير، فألقى منقاره في الماء فقال الخضر لموسى: تدري ما يقول هذا الطير؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول:
ما علمك وعلم موسى في علم الله إلا كما أخذ منقاري من الماء» (3).
(1) الدر المنثور (4/ 231). [منه]
(2)
أخرجه مسلم، والزيادة لعبد الله بن أحمد (5/ 118 - 119). [منه]
(3)
رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والسيوطي وهو مخرج في «الصحيحة» (2467)[منه].
فهذا صريح في أن الخضر، قد علم منطق الطير، وهو من الغيب الذي لا يعلمه البشر، فهو في هذا على نحو النبي سليمان عليه الصلاة والسلام الذي حكى الله عنه في القرآن:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} (النمل:16).
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الأدلة المتقدمة إذا تأملها المسلم ووعاها بقلبه، تيقن أن الصواب القول بنبوة الخضر كما ذهب إليه جمهور العلماء ولذلك فعل ما فعل من العجائب التي لم يصبر لها موسى عليه الصلاة والسلام، وهو كليم الله تعالى، وبه نستطيع أن نحل تلك العقدة من الزندقة التي أشار إليها الحافظ ابن حجر فيما سبق، ونحوها مما يعتقده كثير من الصوفية من الاعتقاد بالظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة التي أفسد عقيدة كثير من الخاصة فضلاً عن العامة، فاعتقدوا الصلاح بل الولاية في كثير من الفساق الذين لا يصلون ولا يشهدون جماعات المسلمين ولا أعيادهم بدعوى الظاهر، وأنهم في الباطن من كبار أولياء الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وما قصة شيخ الإسلام ابن تيمية مع البطائحية الذين كانوا يتظاهرون في دمشق بالولاية والكرامة في زمانه حتى نصره الله عليهم، وقضى على باطنهم وباطلهم عن القارئ ببعيد.
{إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق:37).
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
دمشق 9 ربيع الأول سنة 1394
محمد ناصر الدين الألباني
"حياة الألباني"(1/ 426 - 429).