الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[1227] باب منه
(منكر مقطوع).
أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (27/ 88): حدثني محمد بن عمارة الأسدي: ثنا سهل بن عامر: ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال:. . . فذكره موقوفاً عليه.
واعلم أن إيرادي لهذا الأثر في هذه «السلسلة» - وإن كان ليس من شرطي، فقد وجدت نفسي مضطراً لتخريجه والكشف عن وهائه -؛ لأنني رأيت بعض العلماء من المفسرين وغيرهم قد ساقوه مساق المسلمات؛ كالقرطبي في «جامعه» (10/ 289)، والشوكاني في «فتح القدير» (3/ 233)، والآلوسي في «روح المعاني» (14/ 119)! وفسروا به قوله تعالى لإبليس الرجيم في سورة الإسراء:{. . . وَشَارِكْهُمْ في الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ} بل وكذلك الحافظ ابن حجر في «الفتح» (9/ 229) لما ذكر اختلاف العلماء في تفسير قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لم يضره شيطان أبداً» ؛ في دعاء إتيان الرجل أهله (1)، فكان آخر ما ذكر منها قوله:«وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه كما جاء عن مجاهد. . . (فذكره. وقال): ولعل هذا أقرب الأجوبة» !
فأقول: قوله: «كما جاء. . .» بصيغة الجزم؛ يخالف حال إسناده! فكان
(1) متفق عليه من حديث ابن عباس، وهو مخرج في "الإرواء"(2012). [منه].
الواجب على الحافظ أن يشير إلى ذلك بقوله: «كما روي» ؛ كما هو المقرر في المصطلح، وكما هي عادته الغالبة، ولكن غلبته طبيعة كل إنسان، والكمال لله وحده.
على أنه لو صح ذلك عنه؛ فهو مقطوع موقوف عليه، فلا حجة فيه، ولو أنه رفعه؛ لكان مرسلاً، والمرسل ضعيف عند المحدثين، ولا سيما في مثل هذا الأمر الغيبي الغريب، وهذا كله لو صح السند بذلك إليه، فكيف وهو مقطوع واهٍ؟! وقد أشار العلامة الآلوسي إلى رده بقوله:«ثم إن دعوى أن الجن تجامع نساء البشر جماعاً حقيقياً مع أزواجهن إذا لم يذكروا اسم الله تعالى غير مسلّمة عند جميع العلماء، وقوله تعالى: {وَشَارِكْهُمْ في الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ} غير نصٍّ في المراد كما لا يخفى» .
وما قاله من التعميم مخالف لما تقدم، ووقع في وهم آخر، وهو أنه نسب أثر مجاهد للحسن أيضاً - وهو البصري -؛ قرنهما معاً!
وهذا خطأ؛ فإن أثر الحسن ذكره الحافظ قبيل أثر مجاهد بلفظ آخر نحو حديث ابن عباس المشار اليه آنفاً؛ إلا أنه قال في آخره: «فكان يرجى إن حملت أن يكون ولداً صالحاً» . وعزاه الحافظ لعبد الرزاق، وهو في «مصنفه» (6/ 194/10467) بسند صحيح عنه.
ثم إن الآلوسي رحمه الله جاء بغريبة أخرى؛ فقال: «ولا شك في إمكان جماع الجني إنسية بدون أن يكون مع زوجها الغير الذاكر اسم الله تعالى، ويدل على ذلك ما رواه أبو عثمان سعيد بن داود الزبيدي قال: كتب قوم من أهل اليمن إلى مالك يسألونه عن نكاح الجن، وقالوا إن هاهنا رجلاً من الجن يزعم أنه يريد الحلال؟ (!) فقال: ما أرى بذلك بأساً في الدين؛ ولكن أكره إذا وجدت امرأةُ
حامل قيل: من زوجكِ؟ قالت: من الجن! فيكثر الفساد في الإسلام».
ووجه الغرابة استدلاله على الإمكان المذكور بهذا الأثر عن مالك! وهو باطل - في نقدي - سنداً ومتناً.
أما السند؛ فإن سعيد بن داود الزبيدي ضعفه ابن المديني، وكذبه عبد الله ابن نافع الصائغ في قصةٍ مذكورة في ترجمته في «تاريخ بغداد» و «التهذيب». وقال الحاكم:«روى عن مالك أحاديث موضوعة» . وقال الخطيب وغيره: «حدث عن مالك، وفي أحاديثه نكارة» . وقال ابن حبان في «الضعفاء» (1/ 325): «لا تحل كتابة حديثه إلا على جهة الاعتبار» .
وأما المتن؛ فإني أستبعد جداً - على فقه الإمام مالك - أن يقول في تزويج الإنسية بالجني: «ما أرى بذلك بأساً في الدين» ! ذلك لأن من شروط النكاح - كما هو معلوم - الكفاءة في الدين على الأقل. فلا يجوز تزويج مسلمة بكافر، بل ولا بفاسق، فمن أين لوليها وللشهود أيضاً أن يعلموا أن هذا الجني كفؤ لها، وهم لا يعرفونه؟! فإنه قد ظهر لهم بصورة رجل خاطب وجميل! ولا يمكن رؤيته على حقيقته بنص القرآن.
وقد يتمثل بصورة أخرى إنسانية أو حيوانية، وحينئذٍ كيف يمكن تطبيق الأحكام المعروفة في الزوجين - كالطلاق والظهار والنفقة وغيرها - مع اختلاف طبيعة خلقهما؟! تالله! إنها من أغرب الغرائب أن يخفى مثل هذا البُطل - بل السُّخف - على العلامة الآلوسي - غفر الله لنا وله -. وأغرب من ذلك كله قول ابن تيمية في رسالة «إيضاح الدلالة في عموم الرسالة» (ص125 - مجموعة الرسائل المنيرية): «وقد يتناكح الإنس والجن، ويولد بينهما ولد، وهذا كثير