الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَتِمَّةٌ: يُسَنُّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَتَضَرَّعَ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ عِنْدَ الزَّلَازِلِ وَنَحْوِهَا، كَالصَّوَاعِقِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ وَالْخَسْفِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي لِئَلَّا يَكُونَ غَافِلًا لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «كَانَ إذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا»
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
هُوَ لُغَةً طَلَبُ السُّقْيَا، وَشَرْعًا طَلَبُ سُقْيَا الْعِبَادِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الِاتِّبَاعُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ} [البقرة: 60] الْآيَةُ (وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ لَيْلَةَ السَّبْتِ لِثَمَانِ لَيَالٍ مِنْ شَهْرِ شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ وَأَلْفٍ وَدَامَتْ ثَلَاثَ دَرَجٍ فَغَرِقَ مِنْهَا سُفُنٌ كَثِيرَةٌ وَمَاتَ خَلْقٌ كَثِيرُونَ فِي الْبَحْرِ؛ خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِخَاتِمَةِ السَّعَادَةِ قَوْلُهُ: (وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الرِّيَاحَ أَرْبَعٌ: الصَّبَا وَهِيَ مِنْ تُجَاهِ الْكَعْبَةِ أَيْ قُدَّامِهَا، وَالدَّبُّورُ مِنْ وَرَائِهَا، وَالشِّمَالُ مِنْ جِهَةِ شِمَالِهَا، وَالْجَنُوبُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهَا. وَلِكُلٍّ مِنْهَا طَبْعٌ، فَالصَّبَا حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، وَالدَّبُّورُ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ، وَالْجَنُوبُ حَارَّةٌ رَطْبَةٌ، وَالشِّمَالُ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ، فَإِذَا أَرَدْت فَأَسْنِدْ ظَهْرَك لِبَابِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّ الشِّمَالَ عَنْ شِمَالِك. وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهَا سَبْعَةٌ؛ لِأَنَّ مَا زِيدَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ يَرْجِعُ إلَيْهَا. وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
صَبًّا وَدَبُورٌ وَالْجَنُوبُ وَشَمْأَلٌ
…
هِيَ الْأَرْبَعُ اللَّاتِي تَهُبُّ لِكَعْبَةِ
فَمِنْ وَجْهِهَا رِيحُ الصَّبَا وَهِيَ حَارَّةٌ
…
وَيَابِسَةٌ عَكْسُ الدَّبُورِ لِحِكْمَةِ
فَيُمْنَى جَنُوبٌ حَارَّةٌ وَهِيَ رَطْبَةٌ
…
شِمَالٌ بِعَكْسٍ لِلْجَنُوبِ وَتَمَّتْ
جَمْعُ الرِّيحِ أَرْوَاحٌ وَرِيَاحٌ. وَالْهَوَاءُ بِالْمَدِّ: الرِّيحُ الْهَابَّةُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْهَوَى بِالْقَصْرِ: الْعِشْقُ وَالْمَحَبَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ تَأْتِي فِي غَيْرِ الْكُسُوفَيْنِ كَالزَّلَازِلِ، لَكِنْ فُرَادَى لَا جَمَاعَةً ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ. وَتَقَدَّمَ عَنْ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِذَلِكَ صَلَاةٌ بَلْ إنَّمَا يُطْلَبُ الدُّعَاءُ عِنْدَهَا فَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَكُونَ) عِلَّةٌ لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ " غَافِلًا " أَيْ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَقَوْلُهُ " لِأَنَّهُ إلَخْ " سَقَطَ مِنْهُ الْعَاطِفُ. قَوْلُهُ:(اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا) أَيْ رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا أَيْ عَذَابًا إلَخْ. اُنْظُرْ وَجْهَ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَمْعِ حَيْثُ جَعَلَهُ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ وَجَعَلَ الْمُفْرَدَ بِمَعْنَى الْعَذَابِ مَعَ أَنَّ الرِّيَاحَ جَمْعُ رِيحٍ وَالرِّيحُ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لِشَفَقَةِ النَّبِيِّ يُجْعَلُ دُعَاءَهُ بِالرِّيَاحِ لِطَلَبِ الرَّحْمَةِ وَدُعَاءَهُ بِدَفْعِ الرِّيحِ بِمَعْنَى الْعَذَابِ، وَإِنَّمَا كَانَ الرِّيَاحُ لِطَلَبِ الرَّحْمَةِ لِأَنَّهَا تَكُونُ بَحَرِيَّةً وَغَرْبِيَّةً وَشَرْقِيَّةً وَقِبْلِيَّةً فَاخْتِلَافُهَا سَبَبٌ لِرَحْمَةِ النَّاسِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ يَطْلُبُ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْهَا.
[فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]
ِ وَشُرِعَتْ صَلَاتُهُ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ. قَوْلُهُ: (طَلَبُ السُّقْيَا) فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ، وَالسُّقْيَا إعْطَاءُ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا) لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ: يُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الْخِصْبِ أَنْ يَدْعُوا لِأَهْلِ الْجَدْبِ؛ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلصَّلَاةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَا تُشْرَعُ لَكِنْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ كَالْإِمَامِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ بِجَوَازِ فِعْلِهَا، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ الْإِجَابَةُ اسْتَسْقَوْا وَصَلَّوْا ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ التَّكْرَارَ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ. وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ: قَالَ أَصْبَغُ: اُسْتُسْقِيَ بِمِصْرَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً وَحَضَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَغَيْرُهُمْ.
مَسْنُونَةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِمَا مَرَّ وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ لِخَبَرِ: «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا» وَيَنْقَسِمُ أَيْ الِاسْتِسْقَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: أَدْنَاهَا يَكُونُ بِالدُّعَاءِ مُطْلَقًا عَمَّا يَأْتِي فُرَادَى أَوْ مُجْتَمِعِينَ، وَأَوْسَطُهَا يَكُونُ بِالدُّعَاءِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ فَرْضُهَا كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَنَفْلُهَا كَمَا فِي الْبَيَانِ وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَيَأْتِي بَيَانُهُمَا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُقِيمِ وَلَوْ بِقَرْيَةٍ أَوْ بَادِيَةٍ، وَالْمُسَافِرِ وَلَوْ سَفَرَ قَصْرٍ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا تُصَلَّى لِحَاجَةٍ مِنْ انْقِطَاعِ الْمَاءِ أَوْ قِلَّتِهِ بِحَيْثُ لَا يَكْفِي أَوْ مُلُوحَتِهِ وَلِاسْتِزَادَةٍ بِهَا نَفْعٌ بِخِلَافِ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا نَفْعَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَشَمِلَ مَا ذُكِرَ مَا لَوْ انْقَطَعَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَاجَتْ إلَيْهِ فَيُسَنُّ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا أَنْ يَسْتَسْقُوا لَهُمْ وَيَسْأَلُوا الزِّيَادَةَ النَّافِعَةَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَتُكَرَّرُ الصَّلَاةُ مَعَ الْخُطْبَتَيْنِ حَتَّى يُسْقَوْا، فَإِنْ سُقُوا قَبْلَهَا اجْتَمَعُوا لِشُكْرٍ وَدُعَاءٍ وَصَلَّوْا وَخَطَبَ بِهِمْ الْإِمَامُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَطَلَبًا لِلْمَزِيدِ قَالَ تَعَالَى {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] وَإِذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ لِلصَّلَاةِ (فَيَأْمُرُهُمْ الْإِمَامُ)
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَسَكَتَ الشَّيْخُ عَنْ إعَادَةِ الْخُطْبَةِ وَصَرَّحَ فِي الْحِكَايَةِ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَيُسْتَأْنَسُ) لَمْ يَقُلْ وَيُسْتَدَلُّ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْعُ مُوسَى عليه السلام وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ أَيْ دَلِيلٌ يُوَافِقُهُ، وَاَلَّذِي مِنْ خَصَائِصِنَا كَوْنُهَا بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءَ مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ.
قَوْلُهُ: (مَسْنُونَةٌ) أَيْ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهَا الْإِمَامُ وَإِلَّا وَجَبَتْ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهَا. قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ الِاتِّبَاعِ، وَهُوَ دَلِيلٌ لِلسُّنَّةِ لَا لِلتَّأْكِيدِ وَدَلِيلُهُ الْمُوَاظَبَةُ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْقَسِمُ أَيْ الِاسْتِسْقَاءُ) رَاجِعٌ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ الْمُنْقَسِمُ إلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ رَاجَعَا لِكَلَامِ الْمَتْنِ. وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ. وَكُلُّهَا ثَابِتَةٌ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ. قَوْلُهُ: (وَنَفْلُهَا كَمَا فِي الْبَيَانِ) أَيْ وَغَيْرُهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَهْجَةِ بِقَوْلِهِ:
سُنَّ لِلِاسْتِسْقَاءِ إكْثَارُ الدُّعَا
…
وَبَعْدَ مَا صَلَّى وَلَوْ تَطَوُّعًا
وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: إنَّهَا بِدْعَةٌ. وَكَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ تَبْلُغْهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْعَلُهَا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهَا فَإِنَّ عُمَرَ رضي الله عنه اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَصَلَّى عَامَ الرَّمَادَةِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَخُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا تُصَلَّى لِحَاجَةٍ) مُرْتَبِطٌ بِكَلَامِ الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ انْقِطَاعِ) مِنْ تَعْلِيلِيَّةٍ أَيْ مِنْ أَجْلِ انْقِطَاعِ إلَخْ لَا بَيَانِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ لَيْسَ نَفْسَ الْحَاجَةِ وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبُهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلِاسْتِزَادَةٍ) عَطْفٌ عَلَى لِحَاجَةٍ مَعَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (وَشَمِلَ مَا ذُكِرَ) أَيْ قَوْلُهُ لِحَاجَةٍ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ حَاجَةَ الْمُسْتَسْقِي وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ طَائِفَةٍ) أَيْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ بِدْعَةٍ أَوْ بَغْيٍ، وَإِلَّا لَمْ يُسَنَّ لِئَلَّا يُظَنَّ حُسْنُ طَرِيقَتِهِمْ اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) وَمِثْلُهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ إذَا سَأَلُونَا عَنْ السُّقْيَا لَهُمْ وَفَاءً بِذِمَّتِهِمْ، وَلَا يُتَوَهَّمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِعْلَنَا ذَلِكَ لِحُسْنِ حَالِهِمْ لِأَنَّ كُفْرَهُمْ مُحَقَّقٌ ع ش بِاخْتِصَارٍ.
قَوْلُهُ: (وَتُكَرَّرُ الصَّلَاةُ) أَيْ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَأَكْثَرَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى: يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ، وَالْمَرَّةُ الْأُولَى آكَدُ فِي الِاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ إذَا عَادُوا مِنْ الْغَدِ أَوْ بَعْدِهِ فَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونُوا صَائِمِينَ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَتَوَقَّفُ خُرُوجُهُمْ ثَانِيًا عَلَى صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَهُ أَوْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْت: قَالَ م ر: لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصَّانِ، فَنَصَّ مَرَّةً عَلَى تَقَدُّمِ صَوْمِ الثَّلَاثِ وَمَرَّةً أُخْرَى عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ، وَلَا خِلَافَ لِأَنَّهُمَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ مُنَزَّلَانِ عَلَى حَالَيْنِ: الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا اقْتَضَى الْحَالُ التَّأْخِيرَ فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ، وَالثَّانِي: عَلَى خِلَافِهِ؛ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَدُعَاءٍ) أَيْ بِالزِّيَادَةِ حَيْثُ لَمْ يَتَضَرَّرُوا بِهَا م ر.
قَوْلُهُ: (وَصَلَّوْا) أَيْ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ شُكْرًا اهـ. أَيْ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تُفْعَلُ شُكْرًا لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَأْمُرُهُمْ الْإِمَامُ) أَيْ نَدْبًا أج. قَالَ فِي الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ: وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ فَعَلَهُ
الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَيْهَا (بِالتَّوْبَةِ) مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى بِشُرُوطِهَا الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ: النَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ (وَ) بِالْإِكْثَارِ (مِنْ الصَّدَقَةِ) عَلَى الْمَحَاوِيجِ (وَ) بِالتَّوْبَةِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهِيَ الْمُبَادَرَةُ إلَى (الْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمْ مِنْ دَمٍ أَوْ عِرْضٍ أَوْ مَالٍ مُضَافًا ذَلِكَ إلَى الشُّرُوطِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
النَّاسُ مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ، لَكِنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إلَى الصَّحْرَاءِ إذَا كَانَ الْوَالِي بِالْبَلَدِ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُمْ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ اهـ. وَأَمْرُ الْإِمَامِ بِهَا تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهَا الشَّرْعِيِّ فَلَا يُشْكِلُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ وَإِنْ فَعَلَ مَا يُكَفِّرُهَا لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ. قَوْلُهُ:(الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ) لَوْ سَكَتَ عَنْ هَذَا لَكَانَ مُسْتَقِيمًا؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ عَامَّةٌ. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (بِشُرُوطِهَا الثَّلَاثَةِ) وَشَرْطُ صِحَّتِهَا صُدُورُهَا قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّ مِنْ يَوْمِ الطُّلُوعِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ أَحَدٍ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ:«فَمِنْ يَوْمِئِذٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ؛ قَالَهُ الْحَافِظُ حَجّ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (النَّدَمُ) وَهُوَ رُكْنُهَا الْأَعْظَمُ، لِأَنَّهُ الَّذِي يَطَّرِدُ فِي كُلِّ تَوْبَةٍ وَلَا يُغْنِي عَنْهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ، أَمَّا الْعَزْمُ أَنْ لَا يَعُودَ فَيُغْنِي عَنْهُ النَّدَمُ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ كَمَا عُرِفَ مِنْ تَعْرِيفِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لِلنَّدَمِ حَيْثُ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ تَحَزُّنٌ وَتَوَجُّعٌ لِمَا فَعَلَهُ وَتَمَنِّي كَوْنِهِ لَمْ يُفْعَلْ. وَلَا يَجِبُ عِنْدَنَا اسْتِدَامَةُ النَّدَمِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ بَلْ يَكْفِي اسْتِصْحَابُ النَّدَمِ حُكْمًا، وَأَمَّا الْإِقْلَاعُ فَإِنَّمَا يَتَأَتَّى إذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ بَاقِيَةً، وَأَمَّا رَدُّ الْمَظَالِمِ فَيَسْقُطُ إنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ وَلَا وَارِثَ لَهُ أَوْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ مَثَلًا؛ فَالْمُطَّرِدُ مِنْ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ هُوَ النَّدَمُ لَا غَيْرُ، وَتَحَقُّقُ التَّوْبَةِ بِمَا ذُكِرَ مَحَلُّهُ فِي التَّوْبَةِ بَاطِنًا أَمَّا فِي الظَّاهِرِ لِتُقْبَلَ شَهَادَتُهُ وَتَعُودَ وِلَايَتُهُ فَلَا بُدَّ فِي تَحَقُّقِهَا مَعَ ذَلِكَ فِي الْمَعْصِيَةِ الْقَوْلِيَّةِ مِنْ الْقَوْلِ، كَقَوْلِهِ فِي الْقَذْفِ: قَذْفِي بَاطِلٌ وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيْهِ وَلَا أَعُودُ إلَيْهِ وَلَا بُدَّ فِي الْفِعْلِيَّةِ كَالزِّنَا مِنْ اسْتِبْرَائِهِ سَنَةً، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِبْرَائِهِ سَنَةً فِي الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ. وَعِبَارَةُ ابْنِ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَعَ شَرْحِهَا لِلْمَحَلِّيِّ: وَهِيَ، أَيْ التَّوْبَةُ، النَّدَمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَعْصِيَةٌ، فَالنَّدَمُ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ لِإِضْرَارِهِ بِالْبَدَنِ لَيْسَ بِتَوْبَةٍ وَتَتَحَقَّقُ بِالْإِقْلَاعِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَعَزْمِ أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهَا، وَتَدَارُكُ مُمْكِنِ التَّدَارُكِ مِنْ الْحَقِّ النَّاشِئِ كَحَقِّ الْقَذْفِ فَيَتَدَارَكُهُ بِتَمْكِينِ مُسْتَحِقِّهِ مِنْ الْمَقْذُوفِ أَوْ؛ وَارِثِهِ لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَبْرَأَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَدَارُكُ الْحَقِّ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقُّهُ مَوْجُودًا سَقَطَ هَذَا الشَّرْطُ كَمَا يَسْقُطُ فِي تَوْبَةِ مَعْصِيَةٍ لَا يَنْشَأُ عَنْهَا حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، وَكَذَا يَسْقُطُ شَرْطُ الْإِقْلَاعِ فِي تَوْبَةِ مَعْصِيَةٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا كَشُرْبِ خَمْرٍ؛ فَالْمُرَادُ بِتَحَقُّقِ التَّوْبَةِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ فِيمَا يَتَحَقَّقُ بِهَا عَنْهَا لَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلِّ تَوْبَةٍ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَقَوْلُهُ: " وَتَتَحَقَّقُ بِالْإِقْلَاعِ " فِيهِ بَحْثٌ إذْ قَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الْأُمُورُ وَلَا يُوجَدُ النَّدَمُ، فَمَا مَعْنَى تَحَقُّقِهَا بِهَذِهِ الْأُمُورِ إلَّا أَنْ يُرَادَ تَحَقُّقُ اعْتِبَارِهَا وَالِاعْتِدَادُ بِهَا كَمَا فِي الشَّعْرَانِيِّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ. قَوْلُهُ:(وَالْإِقْلَاعُ) أَيْ الْخُرُوجُ مِنْ التَّلَبُّسِ بِهَا، فَلَوْ تَابَ مِنْ الزِّنَا وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الْإِقْلَاعِ، وَالْإِقْلَاعُ يَتَعَلَّقُ بِالْحَالِ وَالنَّدَمُ بِالْمَاضِي وَالْعَزْمُ بِالْمُسْتَقْبَلِ ز ي. قَوْلُهُ (وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ) إلَيْهَا أَيْ إلَى الْمَعْصِيَةِ أَيْ إنْ تَيَسَّرَ مِنْهُ وَإِلَّا كَمَجْبُوبٍ بَعْدَ زِنَاهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَتَصِحُّ مِنْ سَكْرَانٍ حَالَ سُكْرِهِ إنْ تَأَتَّى مِنْهُ الشُّرُوطُ الَّتِي مِنْهَا النَّدَمُ كَإِسْلَامِهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَبِالتَّوْبَةِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ) اقْتَضَى صَنِيعُهُ أَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ عَلَى التَّوْزِيعِ أَيْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَبِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، مَعَ أَنَّ التَّوْبَةَ بِمَعْنَى النَّدَمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ. وَمِمَّا يُقَوِّي الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مُضَافًا ذَلِكَ إلَى الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْمُبَادَرَةُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ هِيَ التَّوْبَةَ وَلَا حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ وَلَا الشَّرْطَ الرَّابِعَ لِلتَّوْبَةِ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُ اسْمِ الْإِشَارَةِ بَعْدَهُ إلَيْهَا، فَلَوْ قَالَ: وَيَأْمُرُهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ مُضَافًا إلَخْ، لَوَفَّى بِالْمُرَادِ ق ل. وَعِبَارَةُ حَجّ فِي شَرْحِ الزَّوَاجِرِ: قَالَ الزَّرْكَشِيّ: ثُمَّ رَأَيْت فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ لِلْغَزَالِيِّ أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَ الْعِبَادِ إمَّا فِي الْمَالِ فَيَجِبُ رَدُّهُ عِنْدَ الْمُكْنَةِ. فَإِنْ عَجَزَ لِفَقْرٍ اسْتَحْلَلَهُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِحْلَالِهِ لِغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ وَأَمْكَنَ التَّصَدُّقُ عَنْهُ فَعَلَهُ، وَإِلَّا فَلْيُكْثِرْ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَيَرْجِعْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَضَرَّعْ إلَيْهِ
الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ (وَ) بِالْمُبَادَرَةِ إلَى (مُصَالَحَةِ الْأَعْدَاءِ) الْمُتَشَاحِنِينَ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ وَلِحَظِّ نَفْسٍ لِتَحْرِيمِ الْهِجْرَانِ حِينَئِذٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ (وَ) بِالْمُبَادَرَةِ إلَى (صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) مُتَتَابِعَةٍ وَيَصُومُ مَعَهُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ مِيعَادِ يَوْمِ الْخُرُوجِ فَهِيَ بِهِ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّ لِكُلٍّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِي أَنْ يُرْضِيَهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَإِمَّا فِي النَّفْسِ فَيُمَكِّنُهُ أَوْ وَلِيَّهُ مِنْ الْقَوَدِ، فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إرْضَائِهِ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِمَّا فِي الْعِرْضِ فَإِنْ اغْتَبْتَهُ أَوْ شَتَمْتَهُ أَوْ امْتَهَنْتَهُ فَحَقُّك أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَك بَيْنَ يَدَيْ مَنْ فَعَلْت ذَلِكَ مَعَهُ إنْ أَمْكَنَك بِأَنْ لَمْ تَخْشَ زِيَادَةَ غَيْظٍ وَهِيَاجَ فِتْنَةٍ فِي إظْهَارِ ذَلِكَ، فَإِنْ خَشِيت ذَلِكَ فَالرُّجُوعُ إلَى اللَّهِ لِيُرْضِيَهُ عَنْك؛ وَأَمَّا فِي حُرَمِهِ فَإِنْ خُنْتَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا وَجْهَ لِلِاسْتِحْلَالِ وَالْإِظْهَارِ لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ فِتْنَةً وَغَيْظًا بَلْ يَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيُرْضِيَهُ وَيَجْعَلَ لَهُ خَيْرًا كَثِيرًا فِي مُقَابَلَتِهِ، فَإِنْ أَمِنَتْ الْفِتْنَةَ وَالْهِيَاجَ وَهُوَ نَادِرٌ فَتَسْتَحِلّ مِنْهُ؛ وَإِمَّا فِي الدِّينِ فَإِنْ كَفَّرْتَهُ أَوْ بَدَّعْتَهُ أَوْ ضَلَّلْتَهُ فَهُوَ أَصْعَبُ الْأَمْرِ فَتَحْتَاجُ إلَى تَكْذِيبِ نَفْسِك بَيْنَ يَدَيْ مَنْ قُلْت لَهُ ذَلِكَ، وَتَسْتَحِلُّ مِنْ صَاحِبِك إنْ أَمْكَنَك وَإِلَّا فَالِابْتِهَالُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى جِدًّا وَالنَّدَمِ عَلَى ذَلِكَ لِيُرْضِيَهُ عَنْك اهـ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ. وَقَضِيَّةُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحُرَمِ الشَّامِلِ لِلزَّوْجَةِ وَالْمَحَارِمِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ الزِّنَا وَاللِّوَاطَ فِيهِمَا حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ، فَتَتَوَقَّفُ التَّوْبَةُ مِنْهُمَا عَلَى اسْتِحْلَالِ أَقَارِبِ الْمَزْنِيِّ بِهَا أَوْ الْمَلُوطِ بِهِ وَعَلَى اسْتِحْلَالِ زَوْجِ الْمَزْنِيِّ بِهَا. هَذَا إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً، وَإِلَّا فَلْيَتَضَرَّعْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى: فِي إرْضَائِهِمْ عَنْهُ. وَيُوَجَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ فِي الزِّنَا وَاللِّوَاطِ إلْحَاقَ عَارٍ أَيِّ عَارٍ بِالْأَقَارِبِ وَتَلْطِيخِ فِرَاشِ الزَّوْجِ فَوَجَبَ اسْتِحْلَالُهُمْ حَيْثُ لَا عُذْرَ اهـ. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ وَلَا قَبُولِهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فَشَرَطَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70]{وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 71] وَوَرَدَ فِي الْخَبَرِ: «إنَّ لِلَّهِ مَلَكًا لَهُ جَنَاحَانِ، جَنَاحٌ بِالْمَغْرِبِ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَجَنَاحٌ بِالْمَشْرِقِ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ مُكَلَّلَةٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالْمَرْجَانِ، وَرَأْسُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَقَدَمَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ يُنَادِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى سُؤَالَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَيُتَابُ عَلَيْهِ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَطْلَعَ الْفَجْرُ» اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) فِيهِ تَغْيِيرُ الْعَامِلِ وَمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى التَّوْبَةِ مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ.
قَوْلُهُ: (مُضَافًا إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْإِقْلَاعَ شَامِلٌ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ تَدَبَّرْ قَوْلُهُ: (الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ) وَيُزَادُ شَرْطَانِ: أَنْ لَا تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَعَدَمُ وُصُولِهِ لِلْغَرْغَرَةِ أَوْ حَالَةٌ يُقْطَعُ بِمَوْتِهِ فِيهَا. فَفِي حَالِ الْغَرْغَرَةِ وَهِيَ حَالَةُ النَّزْعِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةٌ وَلَا غَيْرُهَا، كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ إذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا أُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ وَامْتَنَعَتْ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ تَابَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى:{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 158] هَذَا عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ الْغَرْغَرَةِ فِي الْكَافِرِ دُونَ الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَوْلُهُ:(إلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَلَوْ صَامَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمَأْمُورِ بِهَا عَنْ نَذْرٍ عَلَيْهِ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ كَفَّارَةٍ وَمِثْلُهُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسُ اُكْتُفِيَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ صَوْمٍ فِيهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ م ر ز ي. وَلَا يَجُوزُ فِيهَا الْفِطْرُ لِمُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى ق ل، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ وَيَجِبُ فِيهَا التَّبْيِيتُ كَمَا يَأْتِي وَلَكِنْ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا ح ل.
وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ أَمْرِ الْإِمَامِ بِهَا، وَلَوْ أَمَرَهُمْ بِالصَّوْمِ ثُمَّ سُقُوا قَبْلَ إتْمَامِهِ قَالَ م ر يَلْزَمُهُمْ بَقِيَّةُ الْأَيَّامِ؛ وَوَجَّهَهُ سم بِأَنَّ هُنَا الصَّوْمَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَأَفْتَى الزِّيَادِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُمْ بِالصَّوْمِ ثُمَّ رَجَعَ بِأَنَّهُ يَجِبُ الصَّوْمُ وَوَافَقَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ اهـ أج. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوْ بَعْدَهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ حَتَّى يَمْتَنِعَ عَلَى الْإِمَامِ الرُّجُوعُ عَنْهُ. وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ بِأَمْرِهِ فَيَجِبُ فِيهِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ وَالتَّعْيِينِ، وَإِذَا لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ وَنَوَى نَهَارًا وَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا وَأَجْزَأَ عَنْ الصَّوْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَتَبْيِيتُ النِّيَّةِ لِدَفْعِ الْحُرْمَةِ؛ وَإِذَا لَمْ
مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ أَثَرًا فِي إجَابَةِ الدُّعَاءِ قَالَ تَعَالَى {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [هود: 52] وَقَدْ يَكُونُ مَنْعُ الْغَيْثِ بِتَرْكِ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ:«وَلَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إلَّا حُبِسَ عَنْهُمْ الْمَطَرُ» وَفِي خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالْمَظْلُومُ» وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ «دَعْوَةُ الصَّائِمِ وَالْوَالِدِ وَالْمُسَافِرِ» وَإِذَا أَمَرَهُمْ الْإِمَامُ بِالصَّوْمِ لَزِمَهُمْ امْتِثَالُ أَمْرِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ} [النساء: 59] الْآيَةُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْقِيَاسُ طَرْدُهُ فِي جَمِيعِ الْمَأْمُورِ بِهِ هُنَا انْتَهَى وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ حُكْمَ الشَّرْعِ وَاخْتَارَ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَنْوِ نَهَارًا لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ لَوْ فَاتَ إذْ وُجُوبُهُ لَيْسَ لِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِعَارِضٍ، وَهُوَ أَمْرُ الْإِمَامِ وَالْقَصْدُ مِنْهُ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ لَا مُطْلَقًا؛ نَعَمْ إنْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِالْقَضَاءِ وَجَبَ.
قَوْلُهُ: (فَوْقَ ثَلَاثٍ) وَأَمَّا إذَا كَانَ الْهِجْرَانُ لِلَّهِ بِأَنْ كَانَ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
يَاهَا جَرَى فَوْقَ الثَّلَاثِ بِلَا سَبَبْ
…
خَالَفْت قَوْلَ نَبِيِّنَا أَزْكَى الْعَرَبْ
هَجْرُ الْفَتَى فَوْقَ الثَّلَاثِ مُحَرَّمٌ
…
مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِمَوْلَانَا غَضَبْ
قَوْلُهُ: (وَيَصُومُ مَعَهُمْ) أَيْ نَدْبًا عِنْدَ م ر وَوُجُوبًا عِنْدَ حَجّ. وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى الْإِمَامِ الْآمِرِ بِهِ لِبُعْدِ إيجَابِ الشَّخْصِ شَيْئًا عَلَى نَفْسِهِ. وَخَالَفَ حَجّ فِيهِ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ وُجُوبِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنْهُ أَوْ الْإِخْبَارِ؛ وَإِنْ قُلْنَا الْمُتَكَلِّمُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ لِأَنَّا إنَّمَا أَوْجَبْنَا الصَّوْمَ عَلَى غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ بَذْلًا لِطَاعَتِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ بَذْلُ طَاعَةِ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ اهـ. وَلَوْ أَمَرَ الْإِمَامُ أَوْلِيَاءَ الصِّبْيَانِ الْمُطِيقِينَ أَنْ يَأْمُرُوهُمْ فَالْمُتَّجَهُ الْوُجُوبُ سم أج قَوْلُهُ:(لِأَنَّ لِكُلِّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ أَثَرًا إلَخْ) وَأَيْضًا فَالصَّوْمُ لَهُ أَثَرٌ فِي اسْتِقَامَةِ الْقَلْبِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ تُوجِبُ اسْتِدَامَةَ الْكَرَامَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16] وَلَمْ يَقُلْ " سَقَيْنَاهُمْ " بَلْ " أَسْقَيْنَاهُمْ " إشَارَةً إلَى الدَّوَامِ.
قَوْلُهُ: (بِتَرْكِ ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ قَوْلُهُ: (وَالْمَظْلُومُ) وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ:
لَا تَظْلِمَنَّ إذَا مَا كُنْت مُقْتَدِرًا
…
فَالظُّلْمُ آخِرُهُ يَأْتِيك بِالنَّدَمِ
نَامَتْ جُفُونُك وَالْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ
…
يَدْعُو عَلَيْك وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمْ
وَلِلشَّيْخِ حَسَنِ الْبَدْرِيِّ:
وَسَبْعَةٌ لَا يَرُدُّ اللَّهُ دَعْوَتَهُمْ
…
مَظْلُومٌ وَالِدٌ ذُو صَوْمٍ وَذُو مَرَضِ
وَدَعْوَةٌ لِأَخٍ بِالْغَيْبِ ثُمَّ نَبِيٌّ
…
لِأُمَّةٍ ثُمَّ ذُو حَجٍّ بِذَاكَ قُضِيَ
قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَمَرَهُمْ الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مِنْهُ الْقَاضِيَ الْعَامَّ الْوِلَايَةَ لَا نَحْوَ وَالِي الشَّوْكَةِ، وَأَنَّ الْبِلَادَ الَّتِي لَا إمَامَ فِيهَا يُعْتَبَرُ ذُو الشَّوْكَةِ الْمُطَاعُ فِيهَا، شَوْبَرِيٌّ. وَأَمْرُهُ بِذَلِكَ يَعُمُّ مَنْ حَضَرَ وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ وَصَحَّحَهُ م ر قَوْلُهُ:(لَزِمَهُمْ امْتِثَالُ أَمْرِهِ) وَلَوْ مُسَافِرِينَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ شَعْبَانَ لِأَنَّهُ لِسَبَبِ أج. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَمَرَ بِوَاجِبٍ تَأَكَّدَ وُجُوبُهُ، وَإِنْ أَمَرَ بِمَنْدُوبٍ وَجَبَ، وَإِنْ أَمَرَ بِمُبَاحٍ فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ كَتَرْكِ شُرْبِ الدُّخَانِ وَجَبَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَ بِمُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ مُبَاحٍ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ عَامَّةً م د قَوْلُهُ:(وَالْقِيَاسُ طَرْدُهُ) أَيْ تَعْمِيمُهُ أَيْ الْإِيجَابِ وَشُمُولُهُ لِلْجَمِيعِ إلَخْ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: (تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ) اعْتَمَدَهُ م ر.
وُجُوبِ الصَّوْمِ كَمَا لَوْ أَمَرَهُمْ بِالْعِتْقِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ قَالَ الْغَزِّيُّ: وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ إخْرَاجُ مَالٍ وَقَدْ قَالُوا: إذَا أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِسْقَاءِ فِي الْجَدْبِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ فَيُقَاسُ الصَّوْمُ عَلَى الصَّلَاةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ لَا يَجِبُ امْتِثَالُهُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُمْ فِي الْإِمَامَةِ شَامِلًا لِذَلِكَ إذْ نَفْسُ وُجُوبِ الصَّوْمِ مُنَازَعٌ فِيهِ فَمَا بَالُك بِإِخْرَاجِ الْمَالِ الشَّاقِّ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ، وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ وَجَبَ فِيهِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَإِنْ اخْتَارَ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمَ الْوُجُوبِ وَقَالَ: يَبْعُدُ عَدَمُ صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ لَمْ يَنْوِ لَيْلًا كُلَّ الْبُعْدِ
(ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ) أَيْ بِالنَّاسِ (الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ إلَى الصَّحْرَاءِ حَيْثُ لَا عُذْرَ تَأَسِّيًا بِهِ صلى الله عليه وسلم، وَلِأَنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ فَلَا يَسَعُهُمْ الْمَسْجِدُ غَالِبًا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَإِنْ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مَكَّةَ وَبَيْتَ الْمُقَدَّسِ لِفَضْلِ الْبُقْعَةِ وَسَعَتِهَا وَلِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِإِحْضَارِ الصِّبْيَانِ وَمَأْمُورُونَ بِأَنْ نُجَنِّبَهُمْ الْمَسَاجِدَ (فِي) الْيَوْمِ (الرَّابِعِ) مِنْ صِيَامِهِمْ صِيَامًا لِحَدِيثِ «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ» الْمُتَقَدِّمِ وَيَنْبَغِي لِلْخَارِجِ أَنْ يُخَفِّفَ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَا أَمْكَنَ، وَيَخْرُجُونَ غَيْرَ مُتَطَيِّبِينَ وَلَا مُتَزَيِّنِينَ بَلْ (فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مِهْنَةٍ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إلَى صِفَتِهِ أَيْ مَا يُلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ فِي وَقْتِ الشُّغْلِ وَمُبَاشَرَةِ الْخِدْمَةِ وَتَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ (وَ) فِي (اسْتِكَانَةٍ) أَيْ خُشُوعٍ وَهُوَ حُضُورُ الْقَلْبِ وَسُكُونُ الْجَوَارِحِ وَخَفْضُ الصَّوْتِ وَيُرَادُ بِهِ أَيْضًا التَّذَلُّلُ (وَ) فِي (تَضَرُّعٍ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى: وَيُسَنُّ لَهُمْ التَّوَاضُعُ فِي كَلَامِهِمْ وَمَشْيِهِمْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَقَدْ قَالُوا إلَخْ) تَأْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: " وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ " لِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلْأَذْرَعِيِّ أَنْ يَقِيسَ الصَّوْمَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْوُجُوبِ بِأَمْرِ الْإِمَامِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ قَوْلُهُ:(فِي الْجَدْبِ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْقَحْطُ قَوْلُهُ: (لَا يَجِبُ امْتِثَالُهُ) الْمُعْتَمَدُ وُجُوبُ جَمِيعِ مَا أَمَرَ بِهِ الْإِمَامُ مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا أَوْ مَكْرُوهًا وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَوُجُوبُهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ لَا مُطْلَقًا، وَالْوَاجِبُ فِي التَّصَدُّقِ أَقَلُّ مُتَمَوَّلٍ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْإِمَامُ قَدْرًا وَقَدْ زَادَ عَلَى مَا يَجِبُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ إذَا فَضَلَ ذَلِكَ الْقَدْرُ عَنْ كِفَايَةِ الْعُمْرِ الْغَالِبِ. اهـ. ح ل قَوْلُهُ:(شَامِلًا لِذَلِكَ) أَيْ لِوُجُوبِ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ قَوْلُهُ: (وَجَبَ فِيهِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ) وَالتَّعْيِينُ، وَإِذَا لَمْ يُبَيِّتْ وَنَوَى نَهَارًا صَحَّ صَوْمُهُ وَوَقَعَ نَفْلًا وَقَامَ مَقَامَ الْوَاجِبِ؛ لَكِنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِ النِّيَّةِ. وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ حَنَفِيًّا يَرَى الِاكْتِفَاءَ بِالنِّيَّةِ نَهَارًا اكْتِفَاءً بِعَقِيدَةِ الْفَاعِلِ مَدَابِغِيٌّ قَوْلُهُ:(وَإِنْ اخْتَارَ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمَ الْوُجُوبِ) " أَيْ لِلتَّبْيِيتِ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ: (عَدَمُ صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ لَمْ يَنْوِ لَيْلًا) فِيهِ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ لَيْلًا لَا يَقُولُونَ بِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ لَمْ يَنْوِ لَيْلًا حَتَّى يَحْسُنَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُقَابِلًا لَهُ وَرَدًّا عَلَيْهِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ نُكْتَةُ إسْنَادِ هَذَا لِلْأَذْرَعِيِّ حَيْثُ قَالَ الشَّارِحُ: قَالَ وَيَبْعُدُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ) أَيْ وَيَأْمُرُهُمْ الْإِمَامُ بِالْخُرُوجِ وَحْدَهُمْ إلَى الصَّحْرَاءِ.
قَوْلُهُ: (تَأَسِّيًا بِهِ إلَخْ) أَقَامَ أَدِلَّةً ثَلَاثَةً: الْأَوَّلُ: التَّأَسِّي، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ وَلِأَنَّ النَّاسَ، وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ وَلِأَنَّا مَأْمُورُونَ إلَخْ قَوْلُهُ: (أَنَّهُ لَا فَرْقَ) أَيْ فِي خُرُوجِهِمْ إلَى الصَّحْرَاءِ قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهَا) مِنْ الْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمُقَدَّسِ قَوْلُهُ: (مَكَّةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ) أَيْ فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا إلَى الصَّحْرَاءِ بَلْ يُصَلُّونَ فِيهِمَا وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِيهِمَا لِفَضْلِهِمَا، شَيْخُنَا؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ:(صِيَامًا) حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي " ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ " وَيَاؤُهُ مُخَفَّفَةٌ أَوْ مُشَدَّدَةٌ. وَاقْتَصَرَ ق ل عَلَى قَوْلِهِ " بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ " أَيْ لِأَنَّ الْمُخَفَّفَ مَصْدَرٌ قَوْلُهُ: (مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ) لِأَنَّ بِذْلَةً بِمَعْنَى مُبْتَذَلَةٍ قَوْلُهُ: (مَا يُلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ) أَيْ الَّتِي لَمْ تَكُنْ جَدِيدَةً، فَقَدْ قَالَ الْقَمُولِيُّ: وَلَا يَلْبَسُ الْجَدِيدَ مِنْ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ أج. وَإِنَّمَا لَمْ تُطْلَبْ الزِّينَةُ هُنَا لِأَنَّ الْقَحْطَ وَنَحْوَهُ إنَّمَا نَشَأَ عَنْ ذَنْبٍ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ذَنْبٌ وَقِيلَ كَبِيرَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:«خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى الِاسْتِسْقَاءِ مُبْتَذِلًا مُتَوَاضِعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَلَمْ يَزَلْ فِي التَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيدَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَتَزَيَّنُونَ وَلَا يَتَطَيَّبُونَ بِالْمَاءِ وَالسِّوَاكِ وَقَطْعِ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ. وَفَارَقَ الْعِيدَ بِأَنَّهُ يَوْمُ الزِّينَةِ وَهَذَا يَوْمُ مَسْأَلَةٍ اهـ خ ض قَوْلُهُ:(وَفِي اسْتِكَانَةٍ)" فِي " بِمَعْنَى " مَعَ " أَوْ الظَّرْفِيَّةِ مَجَازِيَّةً، كَأَنَّ الِاسْتِكَانَةَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَفِي تَضَرُّعٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُرَادُ بِهِ) أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِكَانَةِ قَوْلُهُ: (لَا حُفَاةً) فَلَوْ خَرَجُوا حُفَاةً
وَجُلُوسِهِمْ لِلِاتِّبَاعِ، وَيَتَنَظَّفُونَ بِالسِّوَاكِ وَقَطْعِ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَبِالْغُسْلِ، وَيَخْرُجُونَ مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعُونَ فِي أُخْرَى مُشَاةً فِي ذَهَابِهِمْ إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ لَا حُفَاةً مَكْشُوفِينَ الرُّءُوسَ، وَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ نَدْبًا الصِّبْيَانُ وَالشُّيُوخُ وَالْعَجَائِزُ وَمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ وَالْخُنْثَى الْقَبِيحِ الْمَنْظَرِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ إذْ الْكَبِيرُ أَرَقُّ قَلْبًا وَالصَّغِيرُ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«وَهَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرُوِيَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «لَوْلَا شَبَابٌ خُشَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا» وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ:
لَوْلَا عِبَادٌ لِلْإِلَهِ رُكَّعٌ
…
وَصِبْيَةٌ مِنْ الْيَتَامَى رُضَّعُ
وَمُهْمَلَاتٌ فِي الْفَلَاةِ رُتَّعٌ
…
صُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ الْأَوْجَعُ
وَالْمُرَادُ بِالرُّكَّعِ الَّذِينَ انْحَنَتْ ظُهُورُهُمْ مِنْ الْكِبَرِ وَقِيلَ مِنْ الْعِبَادَةِ، وَيُسَنُّ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ لِأَنَّ الْجَدْبَ قَدْ أَصَابَهَا أَيْضًا وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ خَرَجَ لِيَسْتَسْقِيَ وَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ اُسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ شَأْنِ النَّمْلَةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ هُوَ سُلَيْمَانُ عليه السلام، وَأَنَّ النَّمْلَةَ وَقَعَتْ عَلَى ظَهْرِهَا وَرَفَعَتْ يَدَيْهَا وَقَالَتْ: اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتَنَا فَارْزُقْنَا وَإِلَّا فَأَهْلِكْنَا، قَالَ: وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِك لَا غِنَى لَنَا عَنْ رِزْقِك فَلَا تُهْلِكْنَا بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ وَتَقِفُ الْبَهَائِمُ مَعْزُولَةً عَنْ النَّاسِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَكْشُوفِينَ الرُّءُوسَ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْأَوْجَهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ التَّوَاضُعِ، قَالَهُ الزِّيَادِيُّ وَأَ ج وَاسْتَبْعَدَهُ م ر فِي شَرْحِهِ، فَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ قَوْلُهُ:(الصِّبْيَانُ) وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزِينَ، وَهَلْ مُؤْنَةُ إخْرَاجِهِمْ فِي مَالِهِمْ أَوْ فِي مَالِ الْوَالِي؟ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يَسْتَسْقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، فَالْمُؤْنَةُ فِي مَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ وَإِنْ كَانُوا يَسْتَسْقُونَ لِغَيْرِهِمْ فَمُؤْنَةُ إخْرَاجِهِمْ فِي مَالِ الْوَلِيِّ الْمُخْرِجِ لَهُمْ سم قَوْلُهُ:(وَهَلْ تُرْزَقُونَ إلَخْ) اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْيِ أَيْ مَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ قَوْلُهُ: (لَوْلَا شَبَابٌ إلَخْ) فِي شَرْحِ م ر إسْقَاطُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْجُمَلِ الثَّلَاثِ بَعْدَهَا، فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةً وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ لَفْظَ الْعِبَادِ فِي النَّظْمِ شَامِلٌ لِلشَّبَابِ وَالشُّيُوخِ فَحَصَلَتْ الْمُطَابَقَةُ اهـ.
قَوْلُهُ: (لَوْلَا عِبَادٌ إلَخْ) مَا ذَكَرَهُ فِي النَّظْمِ لَمْ يَسْتَوْفِ مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ إذْ فِيهِ أَرْبَعَةٌ وَفِي النَّظْمِ ثَلَاثَةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ لَفْظَ الْعِبَادِ فِي النَّظْمِ شَامِلٌ لِلشَّبَابِ وَالشُّيُوخِ فَحَصَلَتْ الْمُطَابَقَةُ أج؛.
لَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُ الشَّارِحِ: " وَالْمُرَادُ بِالرُّكَّعِ إلَخْ " لَكِنْ يُنَاسِبُهُ التَّفْسِيرُ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ) لَا يَبْعُدُ الشُّمُولُ لِنَحْوِ الْكِلَابِ لِأَنَّهَا مُسْتَرْزِقَةٌ عَلَيْهِ فَالْعَقُورُ مِنْهَا حَيْثُ تَأَخَّرَ قَتْلُهُ لِأَمْرٍ اقْتَضَاهُ، وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ النَّاسُ لَا يُسَنُّ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَخْرُجُ تَبَعًا سم قَوْلُهُ:(بِنَمْلَةٍ) تَاؤُهَا لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ كَتَاءِ قَمْلَةٍ وَاسْمُهَا حَرْمَلَةٌ أَوْ طَاخِيَةٌ وَكَانَتْ قَدْرَ السَّخْلَةِ. وَقَوْلُهُ " بِنَمْلَةٍ " أَيْ مُجْتَمِعٌ بِنَمْلَةٍ " وَإِذَا " فُجَائِيَّةٌ قَوْلُهُ: (وَرَفَعَتْ يَدَيْهَا) وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوَائِمِهَا فِيمَا مَرَّ قَوْلُهُ: (لَا غِنَى) بِالْقَصْرِ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْفَقْرِ، وَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْغِنَاءِ فَهُوَ بِالْمَدِّ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ مُوسَى عليه الصلاة والسلام اسْتَسْقَى لِقَوْمِهِ فَلَمْ يُسْقُوا فَقَالَ: يَا رَبِّ بِأَيِّ شَيْءٍ مَنَعْتَنَا الْغَيْثَ؟ فَقَالَ: يَا مُوسَى إنَّ فِيكُمْ رَجُلًا عَاصِيًا قَدْ بَارَزَنِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَطَلَعَ مُوسَى عَلَى تَلٍّ عَالٍ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَيُّهَا الْعَاصِي قَدْ مُنِعْنَا الْغَيْثَ بِسَبَبِك فَاخْرُجْ، فَنَظَرَ الْعَاصِي يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ يَرَ أَحَدًا خَرَجَ فَعَلِمَ أَنَّهُ الْمَطْلُوبُ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: إنْ خَرَجْت افْتَضَحْت وَإِنْ قَعَدْت مُنِعُوا مِنْ أَجْلِي، إلَهِي قَدْ تُبْت إلَيْك فَاقْبَلْنِي، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ الْغَيْثَ وَسُقُوا حَتَّى رَوُوا. فَتَعَجَّبَ مُوسَى فَقَالَ: يَا رَبِّ سَقَيْتَنَا وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْ بَيْنِنَا؟ فَقَالَ: يَا مُوسَى الَّذِي مَنَعْتُكُمْ بِهِ قَدْ تَابَ إلَيَّ وَرَجَعَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ دُلَّنِي عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُوسَى أَنْهَاكُمْ عَنْ النَّمِيمَةِ وَأَكُونُ نَمَّامًا؟ اهـ ذَكَرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَقَحَطَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَوَفَدَ عَلَيْهِ وَفْدٌ فَقَامَ خَطِيبُهُمْ: فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَيْنَاك عَنْ ضَرُورَةٍ قَدْ يَبِسَتْ جُلُودُنَا عَلَى أَجْسَادِنَا لِفَقْدِ الطَّعَامِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَالُ لِلَّهِ فَاَللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ لِعِبَادِ اللَّهِ فَإِنَّا إيَّاهُمْ، وَإِنْ كَانَ لَك فَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ، فَبَكَى عُمَرُ وَأَمَرَ بِكِفَايَتِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ قَالَ لِلْخَطِيبِ: كَمَا رَفَعْت حَاجَتَك إلَيْنَا فَارْفَعْ إلَى اللَّهِ حَاجَتِي، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اصْنَعْ مَعَ
الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ حَتَّى يَكْثُرَ الصِّيَاحُ وَالضَّجَّةُ وَالرِّقَّةُ فَيَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ، وَلَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْحُضُورَ لِأَنَّهُمْ مُسْتَرْزَقُونَ وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ، وَقَدْ يُجِيبُهُمْ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ وَيُكْرَهُ إخْرَاجُهُمْ لِلِاسْتِسْقَاءِ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا كَانُوا سَبَبَ الْقَحْطِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا أَكْرَهُ مِنْ إخْرَاجِ صِبْيَانِهِمْ مَا أَكْرَهُ مِنْ إخْرَاجِ كِبَارِهِمْ لِأَنَّ ذُنُوبَهُمْ أَقَلُّ لَكِنْ يُكْرَهُ لِكُفْرِهِمْ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا يَقْتَضِي كُفْرَ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ إذَا مَاتُوا فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إنَّهُمْ فِي النَّارِ وَطَائِفَةٌ لَا نَعْلَمُ حُكْمَهُمْ؛ وَالْمُحَقِّقُونَ إنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ وَوُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ انْتَهَى وَتَحْرِيرُ هَذَا أَنَّهُمْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا كُفَّارٌ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا يُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْآخِرَةِ مُسْلِمُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيُسَنُّ لِكُلٍّ أَحَدٍ مِمَّنْ يَسْتَسْقِي أَنْ يَسْتَشْفِعَ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ خَيْرٍ بِأَنْ يَذْكُرَهُ فِي نَفْسِهِ فَيَجْعَلَهُ شَافِعًا لِأَنَّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
عُمَرَ كَصُنْعِهِ مَعَ رَعِيَّتِهِ، فَمَا تَمَّ دُعَاؤُهُ حَتَّى أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ وَوَقَعَتْ بُرْمَةٌ فَانْكَسَرَتْ وَخَرَجَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا:" بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ النَّارِ " اهـ. وَسُئِلَ مَلِكٌ زَالَ عَنْهُ مُلْكُهُ: مَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لِاغْتِرَارِي بِالدَّوْلَةِ وَالْقَوْمِ وَرِضَايَ بِرَأْيِي وَتَرْكِ الْمَشُورَةِ وَتَوْلِيَتِي أَصَاغِرَ الْعُمَّالِ عَلَى أَكَابِرِ الْأَعْمَالِ وَتَشَاغُلِي عَنْ قَضَاءِ حَوَائِجِ الرَّعِيَّةِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالرِّقَّةُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ رِقَّةُ الْقُلُوبِ، وَفِي نُسْخَةٍ:" وَالرَّأْفَةُ " بَدَلَ " وَالرِّقَّةِ ".
قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْنَعُ) أَيْ الْإِمَامُ وَقَوْلُهُ أَهْلَ الذِّمَّةِ أَيْ وَلَا أَهْلَ الْعَهْدِ، لَكِنْ لَا يَخْتَلِطُونَ بِنَا وَلَا يَخْرُجُونَ مَعَنَا فِي يَوْمِنَا بَلْ يَخْرُجُونَ فِي يَوْمٍ آخَرَ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ. لَا يُقَالُ فِي خُرُوجِهِمْ وَحْدَهُمْ مَظِنَّةَ مَفْسَدَةٍ وَهُوَ مُصَادَفَةُ الْإِجَابَةِ فَيَظُنُّ ضُعَفَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ خَيْرًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ خُرُوجُهُمْ مَعَنَا مَفْسَدَةٌ مُحَقَّقَةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ، قَالَ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ: وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ. م ر قَوْلُهُ: (وَقَدْ يُجِيبُهُمْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ دُعَاءَ الْكَافِرِ يُجَابُ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى:{وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ} [الرعد: 14] فَالْمُرَادُ بِهِ الْعِبَادَةُ شَوْبَرِيٌّ. فَرْعٌ: فِي اسْتِجَابَةِ دُعَاءِ الْكَافِرِ خِلَافٌ، قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، قَالَ تَعَالَى:{وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ} [الرعد: 14] وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مُسْتَجَابٌ وَقَدْ اُسْتُجِيبَتْ دَعْوَةُ إبْلِيسَ فِي قَوْلِهِ: {أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الأعراف: 14] . وَوَاضِحٌ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الِاسْتِجَابَةِ بِمَعْنَى إيتَاءِ الْمَسْئُولِ، وَحِينَئِذٍ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قَدْ يُعْطَى سُؤَالُهُ اسْتِدْرَاجًا، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ لِإِبْلِيسَ. أَمَّا الِاسْتِجَابَةُ بِمَعْنَى، الْإِثَابَةِ عَلَيْهِ فَهِيَ مَنْفِيَّةٌ جَزْمًا، وَهَذَا مَحْمَلُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ. اهـ. ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْإِيعَابِ.
وَلَوْ قِيلَ فِي وَجْهِ الْحُرْمَةِ: إنَّ فِي التَّأْمِينِ عَلَى دُعَائِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَغْرِيرًا لَهُ وَلِلْعَامَّةِ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ لَكَانَ حَسَنًا. وَيَحْرُمُ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ بِالْمَغْفِرَةِ، نَعَمْ إنْ أَرَادَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ إنْ أَسْلَمَ أَوْ أَرَادَ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ سَبَبُهَا وَهُوَ الْإِسْلَامُ فَلَا يُتَّجَهُ إلَّا الْجَوَازُ. اهـ. إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ إخْرَاجُهُمْ) أَيْ أَمْرُهُمْ بِالْخُرُوجِ وَيُكْرَهُ أَيْضًا خُرُوجُهُمْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذُنُوبَهُمْ) أَيْ الصِّبْيَانِ أَقَلُّ أَيْ ذُنُوبَهُمْ صُورَةً؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا ذَنْبَ لَهُ قَوْلُهُ: (وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ) أَيْ اسْتِقْلَالًا عَلَى الرَّاجِحِ لَا خَدَمًا كَمَا قِيلَ، وَالْمُرَادُ بِالْخَدَمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ أَنَّهُمْ فِي مَرْتَبَةِ الْخَدَمِ إذْ الْجَنَّةُ لَا خِدْمَةَ فِيهَا مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلَا يَرِدُ الْوِلْدَانُ؛ إذْ هُنَاكَ مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ اهـ أج. وَظَاهِرُهُ كَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ جَارٍ فِي أَطْفَالِ كُفَّارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِي أَطْفَالِ كُفَّارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَقَطْ أَمَّا أَطْفَالُ كُفَّارِ غَيْرِهَا فَفِي النَّارِ كَمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ عَنْ مُعِينِ الدِّينِ الصَّفَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَتَحْرِيرُ هَذَا) أَيْ هَذَا الْمَقَامِ عَلَى الصَّحِيحِ قَوْلُهُ: (وَفِي الْآخِرَةِ مُسْلِمُونَ) أَيْ فِي حُكْمِهِمْ لِمَا قَالُوهُ إنَّ الْإِسْلَامَ
ذَلِكَ لَائِقٌ بِالشَّدَائِدِ كَمَا فِي خَبَرِ الَّذِينَ أَوَوْا فِي الْغَارِ، وَأَنْ يَسْتَشْفِعَ بِأَهْلِ الصَّلَاحِ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ لَا سِيَّمَا أَقَارِبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا اسْتَشْفَعَ عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ رضي الله عنهما، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا قَحَطْنَا، نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
خَاصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ أج.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَسْتَشْفِعَ) أَيْ يَتَوَسَّلَ قَوْلُهُ: كَمَا فِي خَبَرِ «الَّذِينَ أَوَوْا فِي الْغَارِ وَهُمْ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خَرَجُوا يَرْتَادُونَ لِأَهْلِهِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَمْشُونَ إذْ أَصَابَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ فَأَوَوْا إلَى الْكَهْفِ فَسَقَطَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ بَابَ الْغَارِ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: اُذْكُرُوا أَيَّكُمْ عَمِلَ حَسَنَةً لَعَلَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ عَنَّا، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: قَدْ عَمِلْت حَسَنَةً مِنْ وَاحِدٍ؛ كَانَ لِي أُجَرَاءُ يَعْمَلُونَ عَمَلًا اسْتَأْجَرْت كُلَّ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَطَ النَّهَارِ رَجُلٌ فَاسْتَأْجَرْتُهُ بِشَطْرِ أَصْحَابِهِ فَعَمِلَ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ كَمَا عَمِلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِي طُولِ نَهَارِهِ فَرَأَيْت أَنْ لَا أُنْقِصَهُ مِمَّا اسْتَأْجَرْت بِهِ أَصْحَابَهُ لِاجْتِهَادِهِ فِي عَمَلِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: أَتُعْطِي هَذَا مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَنِي؟ وَلَمْ يَعْمَلْ إلَّا نِصْفَ النَّهَارِ، فَقُلْت: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَمْ أُنْقِصْك مِنْ أُجْرَتِك شَيْئًا وَإِنَّمَا هُوَ مَالِي أَحْكُمُ فِيهِ بِمَا أَشَاءُ، فَغَضِبَ الرَّجُلُ وَذَهَبَ وَتَرَكَ أُجْرَتَهُ، فَوَضَعْت حَقَّهُ فِي جَانِبٍ مِنْ الْبَيْتِ. ثُمَّ مَرَّتْ بِي بَعْدَ ذَلِكَ بَقَرٌ فَاشْتَرَيْت لَهُ فَصِيلَةٌ بِأُجْرَتِهِ فَبَلَغَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَصِرْت أَزْرَعُ لَهُ بِأُجْرَتِهِ وَأَشْتَرِي لَهُ مِنْ رِيعِ الزَّرْعِ عِجْلَةً وَعَنْزًا وَسَخْلَةً وَتَرْعَى فِي كَلَأٍ مُبَاحٍ، فَزَادَتْ وَنَمَتْ. ثُمَّ مَرَّ بِي بَعْدَ حِينٍ شَيْخٌ ضَعِيفٌ لَا أَعْرِفُهُ فَقَالَ: إنَّ لِي عِنْدَك حَقًّا، ثُمَّ ذَكَرَهُ حَتَّى عَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: هَذِهِ الْبَهَائِمُ حَقُّكَ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْخَرْ بِي إنْ لَمْ تَتَصَدَّقْ عَلَيَّ فَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْت لَهُ: وَاَللَّهِ مَا أَسْخَرُ بِك وَإِنَّمَا هِيَ حَقُّك وَلَيْسَ لِي فِيهَا شَيْءٌ. فَدَفَعْت جَمِيعَ ذَلِكَ لَهُ؛ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءً لِوَجْهِك فَافْرِجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَ مِنْهَا ثُلُثُهَا. وَقَالَ الْآخَرُ: قَدْ عَمِلْت حَسَنَةً، كَانَ لِي مَالٌ وَرِزْقٌ رَزَقَنِي اللَّهُ بِهِ فَأَصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ فَجَاءَتْنِي امْرَأَةٌ تَطْلُبُ مِنِّي إحْسَانًا، فَقُلْت لَهَا: بِشَرْطِ أَنْ تُمَكِّنِينِي مِنْ نَفْسِك، فَأَبَتْ وَذَهَبَتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ ثَانِيًا وَطَلَبَتْ مِنِّي إحْسَانًا، فَقُلْت لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَبَتْ وَذَهَبَتْ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِزَوْجِهَا فَقَالَ لَهَا: مَكِّنِيهِ مِنْ نَفْسِك وَأَحْيِي أَوْلَادَك لِئَلَّا يَمُوتُوا جُوعًا، فَرَجَعَتْ إلَيَّ وَأَنْشَدَتْنِي بِاَللَّهِ أَنْ أُعْطِيَهَا، فَأَبَيْتُ عَلَيْهَا إلَّا بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ؛ فَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَيَّ، فَلَمَّا كَشَفْت عَوْرَتَهَا وَقَعَدْت مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنْ زَوْجَتِهِ ارْتَعَدَتْ فَقُلْت: مَا شَأْنُك؟ فَقَالَتْ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَقُلْت لَهَا: خِفْتِ فِي الشِّدَّةِ وَلَمْ أَخَفْهُ أَنَا فِي الرَّخَاءِ؟ فَتَرَكْتُهَا وَأَعْطَيْتُهَا مَا يَحِقُّ عَلَيَّ بِمَا كَشَفْتُهَا. اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْت ذَلِكَ ابْتِغَاءً لِوَجْهِك فَافْرِجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَ ثُلُثُهَا الثَّانِي وَتَبَيَّنَ لَهُمْ الضَّوْءُ. ثُمَّ قَالَ الْآخَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي عَمِلْت حَسَنَةً، كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَكَانَ لِي غَنَمٌ فَكُنْت أُطْعِمُ أَبَوَيَّ وَأَسْقِيهِمَا ثُمَّ أَرْجِعُ إلَى غَنَمِي، فَجَاءَ غَيْثٌ فَحَبَسَنِي فَأَتَيْت إلَى أَبَوَيَّ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَشَقَّ عَلَيَّ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَشَقَّ عَلَيَّ أَنْ أَتْرُكَ غَنَمِي، فَدُمْت وَاقِفًا عَلَى رَأْسِهِمَا وَمِحْلَبِي عَلَى يَدِي حَتَّى أَيْقَظَهُمَا الصُّبْحُ، فَسَقَيْتُهُمَا. اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْت ذَلِكَ ابْتِغَاءً لِوَجْهِك فَافْرِجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَتْ كُلُّهَا فَخَرَجُوا» .
وَلَوْ أَخْبَرَ مَعْصُومٌ بِالْقَطْعِ بِاسْتِجَابَةِ دُعَاءِ شَخْصٍ فِي الْحَالِ وَاضْطُرَّ النَّاسُ لِلسُّقْيَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ بِالسُّقْيَا؟ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ. اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَسْتَشْفِعَ بِأَهْلِ الصَّلَاحِ) أَيْ يَتَوَسَّلَ بِهِمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: " وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك إلَخْ " وَالتَّوَسُّلُ بِهِمْ بِأَنْ يُخْرِجَهُمْ لِلِاسْتِسْقَاءِ لِأَجْلِ دُعَائِهِمْ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، خُصُوصًا عُمَّارَ الْمَسَاجِدِ لِمَا وَرَدَ:«إنَّ اللَّهَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُنْزِلَ بِقَرْيَةٍ عَذَابًا نَظَرَ إلَى أَهْلِ الْمَسَاجِدِ فَصَرَفَ عَنْهَا» قَوْلُهُ: (لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي عَامٍ شَدِيدِ الْقَحْطِ، فَخَرَجَ النَّاسُ يَسْتَسْقُونَ وَخَرَجْت مَعَهُمْ، إذْ أَقْبَلَ عَلَيْنَا غُلَامٌ أَسْوَدُ عَلَيْهِ قِطْعَتَا خَيْشٍ قَدْ اتَّزَرَ بِإِحْدَاهُمَا وَوَضَعَ الْأُخْرَى عَلَى عَاتِقِهِ، فَجَلَسَ إلَى جَنْبِي فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إلَهِي اخْتَلَفَتْ الْوُجُوهُ بِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ وَالْمَسَاوِئِ وَقَدْ حَبَسْت عَنَّا غَيْثَ السَّمَاءِ لِتُؤَدِّبَ عِبَادَك، فَأَسْأَلُك يَا حَلِيمًا ذَا أَنَاةٍ يَا مَنْ لَا يَعْرِفُ عِبَادُهُ مِنْهُ إلَّا الْجَمِيلَ أَنْ تُسْقِيَهُمْ السَّاعَةَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ السَّاعَةَ السَّاعَةَ حَتَّى اكْتَسَتْ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَأَقْبَلَ الْمَطَرُ مِنْ كُلِّ مَكَان. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: فَجِئْت إلَى الْفُضَيْلِ رضي الله عنه فَقَالَ لِي: أَرَاك كَئِيبًا، فَقُلْت: قَدْ سَبَقَنَا إلَيْهِ غَيْرُنَا وَتَوَلَّاهُ دُونَنَا؛ وَقَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَصَاحَ الْفُضَيْلُ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ اهـ أج قَوْلُهُ:(كَمَا اسْتَشْفَعَ عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ) .
وَقَدْ
فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
(وَيُصَلِّي) الْإِمَامُ (بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) فِي كَيْفِيَّتِهِمَا مِنْ التَّكْبِيرِ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ وَالْقِرَاءَةِ سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَوُقُوفُهُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ كَآيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، وَالْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَى جَهْرًا بِسُورَةِ {ق} [ق: 1] ، وَفِي الثَّانِيَةِ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [القمر: 1] أَوْ سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةُ قِيَاسًا لَا نَصًّا، وَلَا تُؤَقَّتُ بِوَقْتِ عِيدٍ وَلَا غَيْرِهِ، فَتُصَلَّى فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ لِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ فَدَارَتْ مَعَ سَبَبِهَا (ثُمَّ يَخْطُبُ) الْإِمَامُ (بَعْدَهُمَا) أَيْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَتُجْزِئُ الْخُطْبَتَانِ قَبْلَهُمَا لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَيُبْدَلُ تَكْبِيرُهُمَا بِاسْتِغْفَارِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ سَعْدٍ: «أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ اسْتَسْقَى بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ تَتَابَعَتْ عَلَيْهِمْ سُنُونَ أَهْلَكَتْهُمْ، فَسَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ فِيكُمْ نَبِيًّا آنَ أَوَانُ خُرُوجِهِ بِهِ يَأْتِيكُمْ الْحَيَا وَالْخِصْبُ، فَاخْرُجُوا إلَى جَبَلِ أَبِي قَيْسٍ، فَتَقَدَّمَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو وَيَطْلُبُ الْغَوْثَ أَيْ الْإِجَابَةَ بِوَجْهِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَيْ مُتَوَسِّلًا بِهِ فَسُقُوا» . وَلِذَلِكَ يَقُولُ فِيهِ عَبْدُ الْمُطَّلِب.
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ
…
ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
قَوْلُهُ: (قَحَطْنَا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْحَاءِ، وَحَكَى الْفَرَّاءُ كَسْرَ الْحَاءِ، وَقُحِطَ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ؛ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ح ف عَلَى ابْنِ حَجَرٍ عَلَى الْهَمَزِيَّةِ قَوْلُهُ:(وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَخْ) وَحِكْمَةُ تَوَسُّلِهِ بِهِ دُونَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَنَّهُ أَعْظَمُ وَسِيلَةً حَيًّا وَمَيِّتًا الْإِشَارَةُ إلَى رِفْعَةِ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقُرْبِهِمْ مِنْ اللَّهِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ح ف فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْهَمَزِيَّةِ
قَوْلُهُ: (كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُزَادُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ. اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ. قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ لَمْ تَنْعَقِدْ اهـ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ شَرْحِ الرَّمْلِيِّ: أَنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، لَكِنْ لَمْ يَعْتَمِدْهُ ز ي لِكَوْنِهِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: لَكِنْ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا كَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا، وَكَلَامُ الزِّيَادِيِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِكَلَامِ الرَّمْلِيِّ مِنْ غَيْرِهِ فَافْهَمْ قَوْلُهُ:(قِيَاسًا لَا نَصًّا) يَرْجِعُ لِسَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِيهِمَا ضَعِيفٌ. وَعِبَارَةُ م ر: وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى جَهْرًا بِسُورَةِ " ق " وَفِي الثَّانِيَةِ " اقْتَرَبَتْ " أَوْ " سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةَ " قِيَاسًا وَلِوُرُودِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَقِيلَ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بَدَلَ " اقْتَرَبَتْ "{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} [نوح: 1] لِاشْتِمَالِهَا عَلَى اسْتِغْفَارٍ وَنُزُولِ الْمَطَرِ اللَّائِقِينَ بِالْحَالِ. وَرَدَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ. عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا مَا يَقْرَأُ فِي الْعِيدِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُؤَقَّتُ بِوَقْتِ عِيدٍ) أَيْ وَلَكِنْ لَا تُؤَقَّتُ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ. وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاخْتِلَافَ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا وَقْتَ لَهَا مُعَيَّنٌ وَأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِهَا كَالْعِيدِ، لَكِنَّهَا تُخَالِفُهُ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ؛ وَهَلْ تُصْنَعُ بِاللَّيْلِ؟ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ كَوْنِهِ صلى الله عليه وسلم جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا بِالنَّهَارِ أَنَّهَا نَهَارِيَّةٌ كَالْعِيدِ، وَنَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُصَلَّى فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ اهـ كَلَامُهُ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ. وَاعْتَمَدَ خ ض نَقْلًا عَنْ م ر أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا مَتَى شَاءَ وَلَوْ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ وَهُوَ الْحَاجَةُ فَدَارَتْ مَعَهُ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَوَافَقَهُمْ الشَّارِحُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ:(ثُمَّ يَخْطُبُ) أَيْ كَالْعِيدِ فِي الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ وَالسُّنَنِ. وَيُنْدَبُ أَنْ يَجْلِسَ أَوَّلَ مَا يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ ثُمَّ يَقُومَ لِيَخْطُبَ شَرْحُ م ر. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهِمَا، نَعَمْ إنْ نَذَرَهُمَا وَجَبَ الْقِيَامُ اهـ خ ض قَوْلُهُ:(وَتُجْزِئُ الْخُطْبَتَانِ قَبْلَهُمَا) وَلَا يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى خُطْبَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَدَابِغِيُّ، خِلَافًا لِلرَّحْمَانِيِّ وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالُوا: لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ إلَّا بِالنَّذْرِ، فَلَا تَكْفِي وَاحِدَةٌ، وَلَا يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهِمَا إلَّا إذَا نَذَرَهُمَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ.
قَوْلُهُ: (وَيُبْدِلُ إلَخْ) وَيُبْدَلُ أَيْضًا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِطْرَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِسْقَاءِ اهـ م د.
أَوَّلِهِمَا فَيَقُولُ: " أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ " بَدَلُ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَيُكْثِرُ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ مِنْ قَوْلِ {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] يُرْسِلُ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلُ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلُ لَكُمْ أَنْهَارًا وَمِنْ دُعَاءِ الْكَرْبِ، وَهُوَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ وَيَتَوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ مِنْ نَحْوِ ثُلُثِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ (وَيُحَوِّلُ) الْخَطِيبُ (رِدَاءَهُ) عِنْدَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِلتَّفَاؤُلِ بِتَحْوِيلِ الْحَالِ مِنْ الشِّدَّةِ إلَى الرَّخَاءِ، «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ:«وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ» وَيَجْعَلُ يَمِينَ رِدَائِهِ يَسَارَهُ وَعَكْسُهُ، وَيَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) وَلَمْ يَزَلْ لِأَنَّ " كَانَ " فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِلدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ قَوْلُهُ: (يُرْسِلْ السَّمَاءَ) أَيْ الْمَطَرَ، مِنْ إطْلَاقِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ؛ قَالَ م ر: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَطَرُ مَعَ السَّحَابِ. وَقَوْلُهُ " مِدْرَارًا " مِفْعَالًا صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، وَهُوَ حَالٌ أَيْ حَالُ كَوْنِهِ كَثِيرَ الدَّرِّ أَيْ الْمَاءِ وَيَقُولُ مَا قَالَ آدَم عليه السلام:{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] الْآيَةُ وَكَمَا قَالَ مُوسَى عليه السلام {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16] وَكَمَا قَالَ يُونُسُ عليه السلام: {لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] اهـ قَوْلُهُ: (وَمِنْ دُعَاءِ الْكَرْبِ) لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ يُذْكَرُ عِنْدَ الْكَرْبِ وَفِيهِ أَنَّهُ ذِكْرٌ لَا دُعَاءٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ طَلَبَ رَفْعِ الْكَرْبِ سُمِّيَ دُعَاءً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَإِنْ كَانَ مَدْلُولُهُ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، فَفِيهِ دُعَاءٌ ضِمْنًا أَوْ أَنَّهُ سَمَّاهُ دُعَاءً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ أَدْعِيَةٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَهَذَا كُلُّهُ طَرِيقَةُ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ فَعَادَتُهُمْ التَّسْلِيمُ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ لِلْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، قَالَ قَائِلُهُمْ:
سَلِّمْ لَهُ الْأَمْرَ عَلَّ تَسْلَمْ
…
وَاصْبِرْ عَلَى الدَّهْرِ إنْ تَمَادَى
لَا تَخْشَ نَارًا ذَكَتْ بِلَيْلِ
…
كَمْ جَمْرَةً أَصْبَحَتْ رَمَادَا
قَوْلُهُ: (وَيَجْعَلُ يَمِينَ رِدَائِهِ) كَانَ الْأَوْلَى عَطْفَهُ بِالْفَاءِ ق ل. وَحِكْمَةُ التَّحْوِيلِ التَّفَاؤُلُ بِتَغْيِيرِ الْحَالِ مِنْ الشِّدَّةِ إلَى الرَّخَاءِ فَيُغَيِّرُوا بَوَاطِنَهُمْ بِالتَّوْبَةِ وَظَوَاهِرَهُمْ بِتَحْوِيلِ أَرْدِيَتِهِمْ وَتَنْكِيسِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] وَهَذَا التَّحْوِيلُ خَاصٌّ بِالرَّجُلِ إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ دُونَ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يُشْعِرُ بِتَخْصِيصِهِ بِالْإِمَامِ كَالتَّنْكِيسِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ق ل: وَالتَّحْوِيلُ وَالتَّنْكِيسُ خَاصٌّ بِالرَّجُلِ مُطْلَقًا. وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي " وَيَفْعَلُ النَّاسُ إلَخْ " إلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِ مَا ذَكَرَ مِنْ التَّحْوِيلِ وَالتَّنْكِيسِ بِالْإِمَامِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، لَكِنْ يُقَيَّدُ كَلَامُ الشَّارِحِ فِيمَا يَأْتِي بِالذُّكُورِ فَقَطْ. وَيُتْرَكُ الرِّدَاءُ مُحَوَّلًا وَمُنَكَّسًا حَتَّى تُنْزَعَ الثِّيَابُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ. وَحَقِيقَةُ الرِّدَاءِ مَا يُوضَعُ عَلَى الْكَتِفِ، وَالطَّيْلَسَانِ مَا يُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ وَيُغَطَّى بِهِ بَعْضُ الْوَجْهِ، وَالْإِزَارِ مَا يُوضَعُ فِي الْوَسَطِ. وَكَانَ طُولُ رِدَائِهِ صلى الله عليه وسلم سِتَّةَ أَذْرُعٍ وَعَرْضُهُ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ وَشِبْرًا، وَكَانَ إزَارُهُ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَعَرْضُهُ ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرًا.
وَاخْتَلَفَ الْمُحَدِّثُونَ رضي الله عنهم فِي عِمَامَتِهِ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ كَانَتْ طُولًا وَعَرْضًا وَصِفَةً، ثُمَّ رَوَوْا عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَتْ عِمَامَتُهُ الشَّرِيفَةُ فِي سَفَرِهِ بَيْضَاءَ طُولُهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَعَرْضُهَا ذِرَاعٌ وَإِنَّ الْعَذَبَةَ مِنْ غَيْرِ الْعِمَامَةِ وَفِي الْحَضَرِ كَانَتْ عِمَامَتُهُ الشَّرِيفَةُ سَوْدَاءَ مِنْ صُوفٍ طُولُهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ذِرَاعٍ وَالْعَذَبَةُ مِنْ الْعِمَامَةِ؛ وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالْعَمَائِمِ فَإِنَّهَا سِيمَا الْمَلَائِكَةِ وَتِيجَانُ الْعَرَبِ، وَأَرْخُوهَا مِنْ خَلْفِ ظُهُورِكُمْ إلَى الْجِهَةِ الْيُسْرَى مِقْدَارَ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ» كَذَا ذَكَرَهُ وَلِيُّ اللَّهِ تَعَالَى مُحْيِي الدِّينِ مُحَمَّدٌ الْمَلِيجِيُّ الشَّافِعِيُّ الشَّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِالْمَتْنِ. وَفِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ لِلْمُنَاوِيِّ أَنَّ لُبْسَ النَّعْلِ الْأَصْفَرِ يُورِثُ السُّرُورَ بِدَلِيلِ: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} [البقرة: 69] إلَخْ. وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يُسَمِّي مَا يَلْبَسُهُ بِاسْمِهِ، وَلَمْ يَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ
وَعَكْسُهُ، وَالْأَوَّلُ تَحْوِيلٌ وَالثَّانِي تَنْكِيسٌ وَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ فِي الْأَوَّلِ، وَلِهَمِّهِ صلى الله عليه وسلم بِالثَّانِي فِيهِ، فَإِنَّهُ اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَحْصُلَانِ مَعًا بِجَعْلِ الطَّرَفِ الْأَسْفَلِ الَّذِي عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَعَكْسُهُ وَهَذَا فِي الرِّدَاءِ الْمُرَبَّعِ، وَأَمَّا الْمُدَوَّرُ وَالْمُثَلَّثُ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا التَّحْوِيلُ قَالَ الْقَمُولِيُّ: لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ فِيهِ التَّنْكِيسُ، وَكَذَا الرِّدَاءُ الطَّوِيلُ وَمُرَادُهُ كَغَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَسِّرٌ لَا مُتَعَذِّرٌ، وَيَفْعَلُ النَّاسُ وَهُمْ جُلُوسٌ مِثْلَهُ تَبَعًا لَهُ وَكُلُّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ (وَيُكْثِرُ) فِي الْخُطْبَتَيْنِ (مِنْ الدُّعَاءِ) وَيُبَالِغُ فِيهِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَيَرْفَعُ الْحَاضِرُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الدُّعَاءِ مُشِيرِينَ بِظُهُورِ أَكُفَّهُمْ إلَى السَّمَاءِ لِلِاتِّبَاعِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْقَصْدَ رَفْعُ الْبَلَاءِ بِخِلَافِ الْقَاصِدِ حُصُولَ شَيْءٍ (وَ) مِنْ (الِاسْتِغْفَارِ) وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَيْضًا لِأَنَّ ذَلِكَ أَرْجَى لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَيَدْعُو) فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى (بِدُعَاءِ) سَيِّدِنَا (رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) الَّذِي أَسْنَدَهُ إمَامُنَا الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ:«اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ» ) بِضَمِّ السِّينِ أَيْ اسْقِنَا سُقْيَا رَحْمَةٍ، فَمَحَلُّهُ نَصْبٌ بِالْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ «وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ» أَيْ وَلَا تَسْقِنَا سُقْيَا عَذَابٍ «وَلَا مَحْقٍ» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الْإِتْلَافُ وَذَهَابُ الْبَرَكَةِ (وَلَا بَلَاءٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمَدِّ هُوَ الِاخْتِبَارُ وَيَكُونُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا فِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَعَ كَوْنِهِ اتَّخَذَهَا وَأَمَرَ بِاِتِّخَاذِهَا اهـ كَلَامُهُ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ) هِيَ كِسَاءٌ أَسْوَدُ مُعَلَّمُ الطَّرَفَيْنِ يَكُونُ مِنْ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا فَلَيْسَ بِخَمِيصَةٍ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ) أَيْ لِعُذْرٍ قَامَ بِهِ، وَإِلَّا فَقُوَّتُهُ صلى الله عليه وسلم لَا تُضَاهَى، أَوْ أَنَّهُ أَظْهَرَ الْعَجْزَ هُنَا لِكَوْنِ الْمَقَامِ مَقَامَ تَذَلُّلٍ وَخُشُوعٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ؛ وَثِقَلُهَا كَانَ بِسَبَبِ الْمَطَرِ قَوْلُهُ:(عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ) أَيْ وَبِالْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا التَّحْوِيلُ) الْمُنَاسِبُ فَلَيْسَ فِيهِمَا ق ل؛ وَيُمْكِنُ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (وَيَفْعَلُ النَّاسُ) أَيْ الذُّكُورُ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ " مِثْلَهُ " أَيْ مِنْ التَّحْوِيلِ وَالتَّنْكِيسِ قَوْلُهُ:(وَيَرْفَعُ الْحَاضِرُونَ أَيْدِيَهُمْ) أَيْ مِنْ إمَامٍ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ: (مُشِيرِينَ بِظُهُورِ أَكُفِّهِمْ إلَى السَّمَاءِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حَتَّى فِي قَوْلِهِمْ " اسْقِنَا الْغَيْثَ " لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ بِهِ رَفْعَ الْبَلَاءِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " وَالْحِكْمَةُ إلَخْ " إطْفِيحِيٌّ؛ أَيْ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ طَالِبًا لِتَحْصِيلِ الْغَيْثِ ح ف؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَ الشَّارِحِ بِقَصْدِ الدَّاعِي. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ. وَعِنْدَ شَيْخِنَا وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالصِّيغَةِ فَعِنْدَ نَحْوِ " اسْقِنَا الْغَيْثَ " يَجْعَلُ بَطْنَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ، وَعِنْدَ نَحْوِ " ارْفَعْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ " يَجْعَلُ ظُهُورَهُمَا إلَيْهَا ق ل.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْقَاصِدِ حُصُولَ شَيْءٍ) فَيَجْعَلُ بَطْنَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ، فَلَوْ اجْتَمَعَ طَلَبُ حُصُولِ شَيْءٍ آخَرَ فِي دُعَائِهِ كَأَنْ كَتَبَ الْأَمْرَيْنِ فِي رُقْعَةٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك حُصُولَ مَا فِي هَذِهِ، فَأَيُّهُمَا يُرَاعِي قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: يُرَاعِي الرَّفْعَ فَيَجْعَلُ ظَهْرَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ اهـ أج.
لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ قَوْلُهُ: (وَمِنْ الِاسْتِغْفَارِ) عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ " وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ " يُوهِمُ عَدَمَ حَصْرِهِ مَعَ أَنَّهُ مَحْصُورٌ بِتِسْعِ مَرَّاتٍ فِي الْأُولَى وَبِسَبْعٍ فِي الثَّانِيَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ بَدَلُ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ؛ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الدُّعَاءِ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ اسْتِغْفَارًا. وَإِنَّمَا طُلِبَ ذَلِكَ كَثِيرًا لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالْحَاكِمِ:«مَنْ لَازَمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» سِيَّمَا وَالْقُرْآنُ الْعَزِيزُ مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] الْآيَةُ قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ) مَبْنِيٌّ عَلَى ضَمِّ الْهَاءِ وَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى ضَمٍّ مُقَدَّرٍ عَلَى الْمِيمِ؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ مِنْ حَرْفِ النِّدَاءِ وَلَيْسَ عِوَضًا عَنْ حَرْفٍ مِنْ الْكَلِمَةِ حَتَّى يَكُونَ الْبِنَاءُ مُقَدَّرًا قَوْلُهُ: (فَمَحَلُّهُ نَصْبٌ) صَوَابُهُ مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ مُعْرَبٌ، لَكِنَّهُمْ قَدْ يَحْكُمُونَ عَلَى مَا كَانَ إعْرَابُهُ مُقَدَّرًا بِأَنَّهُ فِي مَحَلٍّ لِعَدَمِ ظُهُورِ إعْرَابِهِ فَهُنَا كَذَلِكَ. اهـ. ق ل. فَقَدْ صَرَّحَ الْأُشْمُونِيُّ وَابْنُ قَاسِمٍ فِي بَابِ الْفَاعِلِ مِنْ شَرْحِ الْخُلَاصَةِ بِأَنَّ الْإِعْرَابَ الْمَحَلِّيَّ يَكُونُ فِي الْمُعْرَبَاتِ، أَيْ وَذَلِكَ كَمَا فِي
الصِّحَاحِ وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي (وَلَا هَدْمٍ) بِإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ ضَارٍّ يَهْدِمُ الْمَسَاكِنَ وَلَوْ تَضَرَّرُوا بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ رَفْعَهُ بِأَنْ يَقُولُوا كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم حِينَ اُشْتُكِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ:«اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالْآكَامِ» بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ ظَرِبٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ جَبَلٌ صَغِيرٌ، وَالْآكَامُ بِالْمَدِّ جَمْعُ أُكُمٍ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ إكَامٍ بِوَزْنِ كِتَابٍ جَمْعُ أَكَمٍ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَكَمَةٍ وَهُوَ التَّلُّ الْمُرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ إذَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ جَبَلًا «وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ» جَمْعُ وَادٍ وَهُوَ اسْمٌ لِلْحُفْرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ «اللَّهُمَّ» اجْعَلْ الْمَطَرَ «حَوَالَيْنَا» بِفَتْحِ اللَّامِ «وَلَا» تَجْعَلْهُ «عَلَيْنَا» فِي الْأَبْنِيَةِ وَالْبُيُوتِ، وَهُمَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَوْ الْمَفْعُولِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَلَا يُصَلِّي لِذَلِكَ لِعَدَمِ وُرُودِ الصَّلَاةِ لَهُ، وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا اسْتَسْقَى قَالَ:«اللَّهُمَّ» أَيْ يَا اللَّهُ «أَسْقِنَا» بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَسْقَى وَوَصْلِهَا مِنْ سَقَى، فَقَدْ وَرَدَ الْمَاضِي ثُلَاثِيًّا وَرُبَاعِيًّا قَالَ تَعَالَى {لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16] {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21](غَيْثًا) بِمُثَلَّثَةٍ أَيْ مَطَرًا «مُغِيثًا» بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ مُنْقِذًا مِنْ الشِّدَّةِ بِإِرْوَائِهِ «هَنِيئًا» بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ أَيْ طَيِّبًا لَا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ «مَرِيئًا» بِوَزْنِ هَنِيئًا أَيْ مَحْمُودَ الْعَاقِبَةِ «مَرِيعًا» بِفَتْحِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَاعِلٍ نَحْوِ كَفَى بِاَللَّهِ قَوْلُهُ: (أَيْ ضَارٍّ) أَيْ وَلَا سُقْيَا شَيْءٍ ضَارٍّ يَهْدِمُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَضَرَّرُوا إلَخْ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ قَوْلَهُ اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ إلَخْ، لَا يُقَالُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَيْ قَبْلَ نُزُولِ الْمَطَرِ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بَلْ عِنْدَ التَّضَرُّرِ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ؛ وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ ذَلِكَ عَنْ الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الْخُطْبَةِ بَلْ عِنْدَ التَّضَرُّرِ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ:(وَالْآكَامُ بِالْمَدِّ) فَأَقَلُّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ آكَامٌ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ أَكَمَةً وَأُكُمٌ عَلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَإِكَامٌ عَلَى تِسْعٍ وَأَكَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ جَمْعُ ثَمَرَةٍ عَلَى ثَمَرٍ كَشَجَرَةٍ وَشَجَرٍ وَجَمْعُ ثَمَرٍ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى ثِمَارٍ كَجَبَلٍ وَجِبَالٍ وَجَمْعُ ثِمَارٍ عَلَى ثَمَرٍ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ وَجَمْعُ ثَمَرٍ عَلَى أَثْمَارٍ كَعُنُقٍ وَأَعْنَاقٍ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ هِشَامٍ فِي شَرْحِ " بَانَتْ سُعَادُ " قَالَ: لَا أَعْرِفُ لَهُمَا أَيْ الْآكَامِ وَأَثْمَارٍ نَظِيرًا فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَقَدْ أَلْغَزَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ:
أَفِدْنِي مَا اسْمٌ مُفْرَدٌ جَاءَ جَمْعُهُ
…
وَقَدْ جَاءَ جَمْعُ الْجَمْعِ أَيْضًا مُقَرَّرَا
وَجَمْعُك جَمْعَ الْجَمْعِ أَيْضًا مُحَقَّقُ
…
وَمِنْ بَعْدِ هَذَا الْجَمْعِ جَمْعٌ تَحَرَّرَا
وَهَذِي جُمُوعٌ أَرْبَعٌ قَدْ تَرَتَّبَتْ
…
لَهَا مُفْرَدَاتٌ أَرْبَعٌ كُنَّ مُحَرِّرَا
وَاخْتَصَرَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
أَفِدْنِي جُمُوعًا أَرْبَعًا قَدْ تَرَتَّبَتْ
…
وَكُلٌّ غَدَا جَمْعًا لِمَا هُوَ قَبْلَهُ
وَقُلْت مُجِيبًا:
جَوَابُك فِي الْأَثْمَارِ يَبْدُو بِلَا خِفَا
…
كَذَلِكَ آكَامٌ بِمَدٍّ تَقَرَّرَا
قَوْلُهُ: (اسْمٌ لِلْحُفْرَةِ) وَالْمُرَادُ هُنَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. اهـ. ق ل.
وَالْمَشْهُورُ فِي الْعُرْفِ أَنَّ الْوَادِيَ الْمَحَلُّ الْوَاسِعُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَهُمَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ) هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ مَنْصُوبٌ بِالْيَاءِ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمُثَنَّى، وَقَالَ الرَّحْمَانِيُّ: إنَّهُ جَمْعٌ عَلَى صُورَةِ الْمُثَنَّى مُفْرَدُهُ حَوْلٌ وَحَوْلُ الشَّيْءِ مَا يُمْكِنُ تَحَوُّلُهُ إلَيْهِ، وَنُقِلَ عَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ مُثَنًّى مُفْرَدُهُ حَوَالٌ، وَقَوْلُهُ:" نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَوْ الْمَفْعُولِ " فِي كَلَامِهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، فَالظَّرْفِيَّةُ رَاجِعَةٌ لِقَوْلِهِ " حَوَالَيْنَا " وَالْمَفْعُولِيَّةُ لِقَوْلِهِ " عَلَيْنَا " أَيْ وَلَا تَجْعَلْهُ وَاقِعًا عَلَيْنَا، فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَفْعُولِ الْمُقَدَّرِ. " وَأَوْ " فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الشَّارِحِ. وَقَوْلُهُ " فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ " غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ حَوَالَيْنَا مَنْصُوبٌ بِالْيَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُصَلِّي لِذَلِكَ) أَيْ لِتَضَرُّرِهِمْ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ، أَيْ لَا يُصَلِّي جَمَاعَةً بَلْ فُرَادَى بِنِيَّةِ رَفْعِ الْمَطَرِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر
الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَيَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتٍ، أَيْ ذَا رِيعٍ أَيْ نَمَاءٍ، مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُرَاعَةِ وَرُوِيَ بِالْمُوَحَّدَةِ مِنْ تَحْتِ مِنْ قَوْلِهِمْ أَرْبَعَ الْبَعِيرُ يُرْبِعُ إذَا أَكَلَ الرَّبِيعَ، وَرُوِيَ أَيْضًا بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقِ مِنْ قَوْلِهِمْ رَتَعَتْ الْمَاشِيَةُ إذَا أَكَلَتْ مَا شَاءَتْ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ «غَدَقًا» بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ أَيْ كَثِيرَ الْمَاءِ وَالْخَيْرِ وَقِيلَ الَّذِي قَطْرُهُ كِبَارٌ ( «مُجَلِّلًا» بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ يُجَلِّلُ الْأَرْضَ أَيْ يَعُمُّهَا كَجُلِّ الْفَرَسِ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يُجَلِّلُ الْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ)«سَحًّا» بِفَتْحِ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ شَدِيدَ الْوَقْعِ عَلَى الْأَرْضِ يُقَالُ سَحَّ الْمَاءُ يَسِحُّ إذَا سَالَ مِنْ فَوْقٍ إلَى أَسْفَلَ وَسَاحَ يَسِيحُ إذَا جَرَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ «طَبَقًا» بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْبَاءِ أَيْ مُطْبِقًا عَلَى الْأَرْضِ أَيْ مُسْتَوْعِبًا لَهَا فَيَصِيرُ كَالطَّبَقِ عَلَيْهَا يُقَالُ هَذَا مُطَابِقٌ لَهُ أَيْ مُسَاوٍ لَهُ «دَائِمًا» أَيْ مُسْتَمِرًّا نَفْعُهُ إلَى انْتِهَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَإِنَّ دَوَامَهُ عَذَابٌ «اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ» تَقَدَّمَ شَرْحُهُ «وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ» أَيْ الْآيِسِينَ بِتَأْخِيرِ الْمَطَرِ «اللَّهُمَّ» يَا اللَّهُ «إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ» وَالْبَهَائِمِ وَالْخَلْقِ كَمَا فِي سِيَاقِ الْمُخْتَصَرِ «مِنْ الْجَهْدِ» بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا أَيْ الْمَشَقَّةِ وَقِيلَ الْبَلَاءُ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ وَقِيلَ هُوَ قِلَّةُ الْخَيْرِ وَالْهُزَالِ وَسُوءِ الْحَالِ «وَالْجُوعِ» لَفْظُ الْحَدِيثِ «وَاللَّأْوَاءِ» وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَبِالْهَمْزِ السَّاكِنِ وَالْمَدِّ شِدَّةُ الْجُوعِ فَعَبَّرَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِمَعْنَاهُ «وَالضَّنْكِ» بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ أَيْ الضِّيقِ «مَا لَا نَشْكُو إلَّا إلَيْك» لِأَنَّك الْقَادِرُ عَلَى النَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَنَشْكُو بِالنُّونِ فِي أَوَّلِهِ «اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ» بِاللَّبَنِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ مِنْ الْإِدْرَارِ وَهُوَ الْإِكْثَارُ وَالضَّرْعُ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ يُقَالُ أَضْرَعَتْ الشَّاةُ أَيْ نَزَلَ لَبَنُهَا قَبْلَ النِّتَاجِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ «وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ» أَيْ خَيْرَاتِهَا وَهُوَ الْمَطَرُ «وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ» أَيْ خَيْرَاتِهَا وَهُوَ النَّبَاتُ وَالثِّمَارُ، وَفِي بَرَكَاتٍ أَقْوَالٌ أُخَرُ حَكَاهَا الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ ثُمَّ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ السَّمَاءَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَبِ، وَالْأَرْضَ تَجْرِي مَجْرَى الْأُمِّ وَمِنْهُمَا حَصَلَ جَمِيعُ الْخَيْرَاتِ بِخَلْقِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ «وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ» بِالْمَدِّ أَيْ الْحَالَةِ الشَّاقَّةِ «مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك» وَفِي الْحَدِيثِ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَاكْشِفْ عَنَّا «اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ» «اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك» أَيْ نَطْلُبُ مَغْفِرَتَك بِكَرَمِك وَفَضْلِك «إنَّك كُنْت غَفَّارًا» أَيْ كَثِيرَ الْمَغْفِرَةِ فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86] أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ وُجِدَ فِيهِ ذِكْرٌ كَانَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قِيَاسًا عَلَى نَدْبِ ذَلِكَ لِلصَّوَاعِقِ وَالزَّلَازِلِ وَالْخُسُفِ قَوْلُهُ: (مِنْ الْمُرَاعَةِ) وَهِيَ الْخِصْبُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ ضِدُّ الْجَدْبِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَوْلُهُ: (وَرُوِيَ بِالْمُوَحَّدَةِ) أَيْ الْمَكْسُورَةِ مَعَ ضَمِّ الْمِيمِ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا. اهـ. ق ل.
أَيْ مُرَبِّعًا أَيْ يَكُونُ سَبَبًا فِي أَكْلِ الرَّبِيعِ. قَوْلُهُ: (مِنْ قَوْلِهِمْ رَتَعَتْ الْمَاشِيَةُ) عِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: مِنْ أَرَتَعَتْ الْمَاشِيَةُ بِالْهَمْزِ، وَهِيَ الْمُنَاسِبَةُ لِكَلَامِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ) فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا مُخْتَلِفٌ وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: وَكُلٌّ صَحِيحٌ مُنَاسِبٌ هُنَا قَوْلُهُ: (إذَا سَالَ إلَخْ) وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ شَدِيدَ الْوَقْعِ عَلَى الْأَرْضِ فَتَفْسِيرُهُ بِشَدِيدِ الْوَقْعِ عَلَى الْأَرْضِ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ قَوْلُهُ: (يَسِحُّ) بَابُهُ رَدَّ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ قَوْلُهُ: (مُطْبِقًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ أَطْبَقَ، قَوْلُهُ:(إنَّ بِالْعِبَادِ) هُوَ خَبَرُ " إنَّ " مُقَدَّمٌ وَقَوْلُهُ " مَا " مِنْ قَوْلِهِ مَا لَا نَشْكُو، اسْمُهَا، وَقَوْلُهُ " مِنْ الْجَهْدِ " بَيَانٌ لِمَا، مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا وَالتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِي لَا نَشْكُوهُ إلَّا إلَيْك مِنْ الْجَهْدِ وَمَا بَعْدَهُ وَاقِعٌ بِالْعِبَادِ إلَخْ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: (وَالْبِلَادِ) عَطْفُ الْبِلَادِ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ عَطْفِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ، وَلَعَلَّهُ احْتِرَازٌ مِنْ نَحْوِ أَهْلِ السَّمَاءِ. اهـ. ق ل قَوْلُهُ:(وَالْخَلْقِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّ لَفْظَ الْعِبَادِ يُغْنِي عَنْهُ، قَوْلُهُ:(وَأَدِرَّ) أَيْ اجْعَلْ الضَّرْعَ دَارًّا بِاللَّبَنِ، وَالضَّرْعُ الثَّدْيُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ نَزَلَ لَبَنُهَا قَبْلَ النِّتَاجِ) وَالْمُرَادُ إكْثَارُ لَبَنِهَا مُطْلَقًا قَوْلُهُ: (الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ) نُسْخَةُ أَبُو حَامِدٍ اهـ أج قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ) أَيْ وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَيْ تَخْصِيصِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِإِنْزَالِ الْبَرَكَاتِ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (تَجْرِي مَجْرَى الْأَبِ) فَالْمَطَرُ بِمَنْزِلَةِ النُّطْفَةِ وَالْأَرْضُ بِمَنْزِلَةِ رَحِمِ الْمَرْأَةِ، وَالْمُرَادُ يَجْرِيَانِ مَجْرَى الْأَبِ وَالْأُمِّ أَيْ لِلْخَيْرَاتِ
مَوْصُولًا بِاَللَّهِ سبحانه وتعالى يَصْلُحُ لِلْمَاضِي وَالْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ وَاذَا كَانَ مَوْصُولًا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْمَعْنَى «فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ» أَيْ الْمِظَلَّةَ لِأَنَّ الْمَطَرَ يَنْزِلُ مِنْهَا إلَى السَّحَابِ أَوْ السَّحَابَ نَفْسَهُ أَوْ الْمَطَرَ) «عَلَيْنَا مِدْرَارًا» بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ كَثِيرَ الدَّرِّ، وَالْمَعْنَى أَرْسِلْ عَلَيْنَا مَاءً كَثِيرًا
وَيُسَنُّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَظْهَرَ لِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ وَيَكْشِفَ مِنْ جَسَدِهِ غَيْرَ عَوْرَتِهِ لِيُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَطَرِ تَبَرُّكًا وَلِلِاتِّبَاعِ (وَيَغْتَسِلَ) أَوْ يَتَوَضَّأَ نَدْبًا كُلُّ أَحَدٍ (فِي الْوَادِي) وَمَرَّ تَفْسِيرُهُ (إذَا سَالَ) مَاؤُهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَالْمُتَّجَهُ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ الْجَمْعُ ثُمَّ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْغُسْلِ ثُمَّ عَلَى الْوُضُوءِ وَالْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا النِّيَّةُ وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يُصَادِفَ وَقْتَ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ، لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ هِيَ الْحِكْمَةُ فِي كَشْفِ الْبَدَنِ لِيَنَالَ أَوَّلَ مَطَرِ السَّنَةِ وَبَرَكَتَهُ (وَيُسَبِّحَ لِلرَّعْدِ) أَيْ عِنْدَ الرَّعْدِ (وَالْبَرْقِ) فَيَقُولَ:«سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ» كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَقِيسَ بِالرَّعْدِ الْبَرْقُ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَهُ:" سُبْحَانَ مَنْ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا " وَنَقَلَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ الثِّقَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ وَالْبَرْقَ أَجْنِحَتُهُ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَسْمُوعُ صَوْتُهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْحَاصِلَةِ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْمِظَلَّةَ) هُوَ الْجِرْمُ الْمَعْهُودُ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلسَّمَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ السَّحَابَ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْمِظَلَّةَ، وَكَذَا قَوْلُهُ " أَوْ الْمَطَرَ " كَمَا فِي قَوْلِهِ:
إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ
…
رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غَضَابَى
وَغَضَابَى بِفَتْحِ الْغَيْنِ كَنَدْمَانَ وَنَدَامَى.
قَوْلُهُ: (لِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ لِكَوْنِهِ الْآكَدَ.
قَوْلُهُ: (لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا النِّيَّةُ) مِثْلُهُ فِي شَرْحِ م ر فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، قَالَ ح ل: فِيهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْتِي فِي الْوُضُوءِ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْغَرَضُ إمْسَاسُ الْمَاءِ لِتِلْكَ الْأَعْضَاءِ فَهُوَ عَلَى صُورَةِ الْمُتَوَضِّئِ، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي مَاءِ السَّيْلِ لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ قَالَ: اُخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرُ مِنْهُ وَنَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ» وَهُوَ صَادِقٌ بِالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ. وَتَعْبِيرُ النَّوَوِيِّ هُنَا فِي الرَّوْضَةِ بِ " أَوْ " يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ أَحَدِهِمَا بِالْمَنْطُوقِ وَكِلَيْهِمَا بِمَفْهُومِ الْأُولَى، فَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ، فَقَالَ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَغْتَسِلَ فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْهُمَا فَلْيَتَوَضَّأْ؛ وَالْمُتَّجَهُ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْغُسْلِ ثُمَّ عَلَى الْوُضُوءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا نِيَّةٌ إلَّا إنْ صَادَفَ وَقْتَ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ؛ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ كَشْفُ الْبَدَنِ لِيَنَالَهُ أَوَّلُ مَطَرِ السَّنَةِ وَبَرَكَتُهُ. هَذَا مَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْخَطِيبُ وَالشَّيْخُ م ر.
وَخَالَفَهُمَا شَيْخُنَا ز ي وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ نِيَّةٍ وَاعْتَمَدَهُ وَجَزَمَ بِهِ وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ الَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَ مُرَادُهُ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ الشَّرْعِيَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ إمْسَاسَ الْبَدَنِ بِالْمَاءِ فَكَلَامُهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
قَوْلُهُ: (هِيَ الْحِكْمَةُ فِي كَشْفِ الْبَدَنِ) أَيْ وَلَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ إلَخْ) أَيْ يَقُولُهَا ثَلَاثًا كَمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: " كُنَّا مَعَ عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَنَا رَعْدٌ وَبَرْقٌ وَبَرْدٌ فَقَالَ لَنَا كَعْبٌ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الرَّعْدَ سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ إلَخْ عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ. فَقُلْنَا فَعُوفِينَا " اهـ. وَمَعْنَى يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ يُنَزِّهُهُ حَالَ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] وَقَوْلُهُ {مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 13] أَيْ مِنْ أَجْلِ خَوْفِهِمْ مِنْهُ تَعَالَى:. اهـ. شَرْحُ الْعُبَابِ لِابْنِ حَجَرٍ قَوْلُهُ: (فَالْمَسْمُوعُ صَوْتُهُ إلَخْ) وَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَلَامُ الْمَتْنِ مُحْتَاجًا لِتَقْدِيرٍ أَيْ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِهِ أَوْ صَوْتِ
أَوْ صَوْتُ سَوْقِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ وَإِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَى الرَّعْدِ مَجَازٌ وَرُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَعَثَ اللَّهُ السَّحَابَ فَنَطَقَتْ أَحْسَنَ النُّطْقِ وَضَحِكَتْ أَحْسَنَ الضَّحِكِ، فَالرَّعْدُ نُطْقُهَا وَالْبَرْقُ ضَحِكُهَا» وَيُنْدَبُ أَنْ لَا يُتْبِعَ بَصَرَهُ الْبَرْقَ لِأَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْإِشَارَةَ إلَى الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ، وَيَقُولُونَ عِنْدَ ذَلِكَ:" لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَيُخْتَارُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي ذَلِكَ وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ: " اللَّهُمَّ صَيِّبًا بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ مَطَرًا شَدِيدًا نَافِعًا " وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ: " إنَّ الدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: عِنْدَ الْتِقَاءِ الصُّفُوفِ وَنُزُولِ الْغَيْثِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَرُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ " وَأَنْ يَقُولَ فِي إثْرِ الْمَطَرِ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَرَحْمَتِهِ لَنَا، وَكُرِهَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا بِفَتْحِ نُونِهِ وَهَمْزِ آخِرِهِ أَيْ بِوَقْتِ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي إضَافَةِ الْأَمْطَارِ إلَى الْأَنْوَاءِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ النَّوْءَ فَاعِلُ الْمَطَرِ حَقِيقَةً، فَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ الْفَاعِلُ لَهُ حَقِيقَةً كَفَرَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
سَوْقِهِ فَأَطْلَقْنَا الرَّعْدَ عَلَى ذَلِكَ مَجَازًا مُرْسَلًا عَلَاقَتُهُ التَّعَلُّقُ. وَقَوْلُ الشَّارِحِ " فَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى الرَّعْدِ " الْعِبَارَةُ فِيهَا قَلْبٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَإِطْلَاقُ الرَّعْدِ عَلَى ذَلِكَ أَيْ الصَّوْتِ الْمَذْكُورِ مَجَازٌ كَمَا عَبَّرَ بِهِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَرُوِيَ إلَخْ) قَوْلٌ آخَرُ غَيْرُ مَا سَبَقَ قَوْلُهُ: (فَالرَّعْدُ نُطْقُهَا) أَيْ صَوْتُهُ، قَالَ السُّيُوطِيّ فِي الْإِتْقَانِ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الْبَرْقَ مَلَكٌ لَهُ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ: وَجْهُ إنْسَانٍ وَوَجْهُ ثَوْرٍ وَوَجْهُ نَسْرٍ وَوَجْهُ أَسَدٍ، فَإِذَا مَصَعَ بِذَنَبِهِ أَيْ حَرَّكَهُ فَذَلِكَ الْبَرْقُ أج قَوْلُهُ:(وَالْبَرْقُ ضَحِكُهَا) أَيْ لَمَعَانُهَا قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يُتْبِعَ بَصَرَهُ الْبَرْقَ) قَالَ تَعَالَى: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} [النور: 43] قَوْلُهُ: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَهُوَ سُبُّوحٌ وَقُدُّوسٌ بِضَمِّ الْأَوَّلِ أَيْ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَعَيْبٍ، قَالُوا: وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ فُعُّولٌ بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ إلَّا سَبُّوحٌ وَقُدُّوسٌ وَذُرُّوحٌ وَهُوَ دُوَيْبَّةٌ حَمْرَاءُ مُنَقَّطَةٌ بِسَوَادٍ تَطِيرُ، وَهِيَ مِنْ ذَاتِ السَّمُومِ، وَفَتْحُ الْفَاءِ فِي الثَّلَاثَةِ لُغَةً عَلَى غَيْرِ قِيَاسِ الْبَابِ، وَكَذَلِكَ سُتُّوقُ وَهُوَ الزَّيْفُ، وَفُلُّوقٌ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْخَوْخِ يَتَفَلَّقُ عَنْ نَوَاهُ لَكِنَّهُ بِالضَّمِّ لَا غَيْرُ اهـ وَذُرُّوحٌ اسْمٌ لِلطَّائِرِ الَّذِي بَعْدَهُ وَهُوَ بِضَمِّ الذَّالِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا) أَيْ اجْعَلْهُ صَيِّبًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ مَطَرًا شَدِيدًا نَافِعًا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَيْ مَطَرًا نَازِلًا مِنْ عُلُوٍّ إلَى أَسْفَلَ؛ لِأَنَّ الصَّيِّبَ مَعْنَاهُ النَّازِلُ مِنْ عُلُوٍّ إلَى أَسْفَلَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَيُمْكِنُ أَنَّ تَفْسِيرَ الشَّارِحِ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْتِقَاءِ الصُّفُوفِ) أَيْ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ لَا غَيْرُ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ) هَلْ الْمُرَادُ عِنْدَ الْقِيَامِ لَهَا أَوْ عِنْدَ ذِكْرِ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَكُرِهَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا) فَقَدْ «قَالَ صلى الله عليه وسلم صَبِيحَةَ لَيْلَةَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ: أَتَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ عز وجل: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَبِفَضْلِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاَللَّهِ وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا» وَفِي رِوَايَةٍ «بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ كَافِرٌ بِي» وَفِي التَّقْرِيبِ: وَالنَّوْءُ سُقُوطُ نَجْمٍ مِنْ الْمَنَازِلِ فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الْفَجْرِ وَطُلُوعُ رَقِيبِهِ مِنْ الْمَشْرِقِ؛ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَا بُدَّ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ مَطَرٍ أَوْ رِيحٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ لِلطَّالِعِ لِأَنَّهُ نَاءَ أَيْ نَهَضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْسُبُهُ لِلْغَارِبِ، فَنَفَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ. وَهَذَا عِنْدَ أَئِمَّتِنَا مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ نَسَبَهَا إلَى اللَّهِ وَالْكُفْرُ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ حَيْثُ نَسَبَهَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّجْمَ هُوَ الْفَاعِلُ كَانَ الْكُفْرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَهُوَ ضِدُّ الْإِيمَانِ. وَالْأَوَّلُ إنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِلَّا فَهَذَا التَّرْكِيبُ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَوْءُ كَذَا فَاعِلًا؛ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ مُطِرْنَا فِي نَوْءِ كَذَا أَيْ وَقْتِ نَوْءِ كَذَا لَمْ يُكْرَهْ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْأَنْوَاءُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ نَوْءًا أَيْ نَجْمًا، كَانَ الْعَرَبُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مِنْ ذَلِكَ يَحْدُثُ الْمَطَرُ أَوْ الرِّيحُ؛ وَفِي الْحَدِيثِ:«لَوْ حَبَسَ اللَّهُ الْقَطْرَ عَنْ النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ أَرْسَلَهُ أَصْبَحَ طَائِفَةٌ يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا» .