الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ: فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ
وَحُكْمِ الْفَوَاتِ وَقَدْ بَدَأَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: (وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا أُمُورٌ كَثِيرَةٌ الْمَذْكُورُ مِنْهَا هُنَا (عَشْرَةُ أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (لُبْسُ الْمَخِيطِ) وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالْمَنْسُوجِ عَلَى هَيْئَتِهِ وَالْمَلْزُوقِ وَاللَّبِدِ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ قُطْنٍ أَمْ مِنْ جِلْدٍ أَمْ غَيْرِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ إذَا كَانَ مَعْمُولًا عَلَى قَدْرِهِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَأْلُوفَةِ فِيهِ لِيَخْرُجَ مَا إذَا ارْتَدَى بِقَمِيصٍ أَوْ قَبَاءٍ أَوْ اتَّزَرَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
يُحْرِمُ بِالْإِحْرَامِ كَالْمَدَاسِ وَالتَّاسُومَةُ وَالْقَبْقَابُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْتُرْنَ جَمِيعَ أَصَابِعِ الرِّجْلِ وَإِلَّا حُرِّمَ الْجَمِيعُ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَاحْتَاجَ لِلُّبْسِ الْخُفَّيْنِ وَقَطَعَهُمَا فَلَا فِدْيَةَ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ، أَيْ قَوْلُهُ فَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَالِاحْتِيَاجُ وَالْقَطْعُ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَيُسَنُّ لُبْسُ نَعْلَيْنِ لِخَبَرِ: «لِيُحْرِمَ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» انْتَهَتْ. فَقَوْلُ ق ل إنَّ عَطْفَهُمَا عَلَى إزَارٍ يَقْتَضِي نَدْبَ لُبْسِهِمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّمْسُ م ر.
[فَصْلٌ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ]
ِ إلَخْ أَيْ مَا يَحْرُمُ بِسَبَبِهِ، فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ. وَكُلُّهَا صَغَائِرُ إلَّا قَتْلَ الْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ وَالْجِمَاعَ الْمُفْسِدَ فَإِنَّهُمَا مِنْ الْكَبَائِرِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مِنْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ فَقَطْ كَسَتْرِ بَعْضِ رَأْسِهِ وَلُبْسِ الْمَخِيطِ، وَمِنْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَطْ كَسَتْرِ بَعْضِ وَجْهِهَا وَالْقُفَّازِ، وَمِنْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا كَبَاقِي الْمُحَرَّمَاتِ. وَقَدْ نَظَمَهَا م د بِقَوْلِهِ:
يَحْرُمُ بِالْإِحْرَامِ لُبْسُ رَجُلٍ
…
لِمَا يَخِيطُ مَعَ سَتْرِ الرَّاسِ
كَذَاك سَتْرُ امْرَأَةٍ لِوَجْهِهَا
…
قُفَّازُهَا لَا غَيْرَ مِنْ لِبَاسِ
وَامْنَعَنَّ الطِّيبَ لِكُلِّ مُحْرِمٍ
…
وَدَهْنِ شَعْرِ وَجْهِهِ أَوْ رَاسٍ
وَأَنْ يُزِيلَ شَعْرًا وَظُفْرًا
…
وَالْوَطْءُ وَالْوَدَاعُ لَا مِنْ نَاسِي
كَذَا تَعَرُّضٌ لِصَيْدِ بَرٍّ
…
يُؤْكَلُ ذُو تَوَحُّشٍ بِبَاسِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ مُطْلَقًا وَلَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا وَهُوَ الْإِتْلَافُ، كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقِسْمٌ لَا فِدْيَةَ فِيهِ وَإِنْ تَعَمَّدَ وَهُوَ عَقْدُ النِّكَاحِ وَإِنْ حَرُمَ عَلَى الْعَالِمِ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا وَقِسْمٌ إنْ تَعَمَّدَ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا، كَالتَّرَفُّهَاتِ كَالدَّهْنِ وَاللُّبْثِ وَالطِّيبِ اهـ قَوْلُهُ:(وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ إحْرَامُهُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا، وَسَوَاءٌ كَانَ فَسَادُهُ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ فِي الدَّوَامِ.
قَوْلُهُ: (لُبْسُ الْمَخِيطِ) أَيْ عَلَى الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ، فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ تَقْيِيدُهُ بِالرَّجُلِ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي فِي تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ. قَوْلُهُ وَاللِّبْدُ بِكَسْرِ اللَّامِ بِوَزْنِ حِمْلٍ وَهُوَ مَا تَلَبَّدَ مِنْ شَعْرٍ أَوْ صُوفٍ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، فَقَوْلُ م د إنَّ عَطْفَ اللِّبْدِ عَلَى الْمَلْزُوقِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، إذْ هُوَ مِنْ الْمَلْزُوقِ وَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْمَلْزُوقِ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَطْفُ مُرَادِفٍ، وَعَلَى كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ يَكُونُ عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ شَامِلًا لِلْمَلْزُوقِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللِّبْدَ عَلَى نَوْعَيْنِ نَوْعٌ مَعْقُودٌ وَنَوْعٌ مَلْزُوقٌ. قَوْلُهُ: (فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ) أَيْ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ بَدَنِهِ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا هُوَ لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ وَتَغْطِيَةُ الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَ مَعْمُولًا عَلَى قَدْرِهِ) لَيْسَ قَيْدًا؛ نَعَمْ الْوَجْهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى قَدْرِهِ لَا أَزْيَدَ، وَحِينَئِذٍ فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّ الزَّائِدَ يَحْرُمُ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ وَلَا يَحْرُمُ فِي الْوَجْهِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ وَضَعَ شَيْئًا لَا عَلَى وَجْهِهِ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا فِدْيَةَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَأْلُوفَةِ) مُتَعَلِّقٌ ب " لُبْسِ " الَّذِي فِي الْمَتْنِ. قَوْلُهُ أَوْ قَبَاءٍ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُفْطَانِ الَّذِي يُلْبَسُ مَفْتُوحًا فَإِنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَالْقَبَا بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ قِيلَ هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَقِيلَ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنْ قَبَوْتُ
بِسَرَاوِيلَ فَإِنَّهُ لَا فِدْيَةَ فِي ذَلِكَ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَحَدًا لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ» زَادَ الْبُخَارِيُّ «وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» . فَإِنْ قِيلَ السُّؤَالُ عَمَّا يُلْبَسُ فَأُجِيبَ بِمَا لَا يُلْبَسُ مَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مَا لَا يُلْبَسُ مَحْصُورٌ بِخِلَافِ مَا يُلْبَسُ إذْ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي السُّؤَالُ عَمَّا لَا يُلْبَسُ وَبِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجَوَابِ مَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ السُّؤَالَ صَرِيحًا.
(وَ) الثَّانِي (تَغْطِيَةُ) بَعْضِ (الرَّأْسِ مِنْ الرَّجُلِ) وَلَوْ الْبَيَاضُ الَّذِي وَرَاءَ الْأُذُنِ سَوَاءٌ أَسَتَرَ الْبَعْضَ الْآخَرَ أَمْ لَا بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا، مَخِيطًا أَوْ غَيْرَهُ كَالْعِمَامَةِ وَالطَّيْلَسَانِ، وَكَذَا الطِّينُ وَالْحِنَّاءُ الثَّخِينَانِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي خَرَّ مِنْ عَلَى بَعِيرِهِ مَيِّتًا: لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» بِخِلَافِ مَا لَا يُعَدُّ سَاتِرًا كَاسْتِظْلَالٍ بِمَحْمِلٍ وَإِنْ مَسَّهُ، فَإِنْ لَبِسَ أَوْ سَتَرَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عُذْرٍ حَرُمَ عَلَيْهِ وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مُدَاوَاةٍ كَأَنْ جُرِحَ رَأْسُهُ فَشَدَّ عَلَيْهِ خِرْقَةً فَيَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] لَكِنْ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ قِيَاسًا عَلَى الْحَلْقِ بِسَبَبِ الْأَذَى.
(وَ) الثَّالِثُ سَتْرُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الشَّيْءَ إذَا ضَمَمْتَ أَصَابِعَك عَلَيْهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْضِمَامِ أَطْرَافِهِ. وَرُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ لَبِسَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد عليهما السلام كَمَا فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَالْأَوْلَى فِي الْمُقَابَلَةِ فَلَا حُرْمَةَ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ " وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ " أَيْ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَقَوْلُهُ " أَنَّ رَجُلًا " اُنْظُرْ مَا اسْمُهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَا يَلْبَسُ إلَخْ) حَاصِلُ مَا أَجَابَ بِهِ سَبْعَةٌ، وَقَوْلُهُ " الْقُمُصَ " بِصِيغَةِ الْجَمْعِ جَمْعُ قَمِيصٍ، وَقَوْلُهُ " لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ " أَيْ جَائِزَيْنِ كَالتَّاسُومَةِ، قَوْلُهُ:(وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ إلَخْ) بِأَنْ يَجْعَلَهُمَا كَالْبَابُوجِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الِاكْتِفَاءِ بِقَطْعِهِ الْخُفَّ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يُحِيطُ بِالْعَقِبِ وَالْأَصَابِعِ وَظَهْرِ الْقَدَمَيْنِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يُنَافِي تَحْرِيمَ السُّرْمُوجَةِ لِأَنَّهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا اهـ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " وَلْيَقْطَعْهُمَا " أَيْ قَبْلَ لُبْسِهِمَا، فَهُوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.
وَمَحَلُّ جَوَازِ لُبْسِهِمَا بَعْدَ الْقَطْعِ عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهِمَا وَعِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ " إلَّا أَحَدًا لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ " كَمَا فِي م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ إلَخْ) فَإِنْ لَبِسَهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُعْتَادَةِ حَرُمَ مِنْ جِهَتَيْنِ اللُّبْسِ وَالطِّيبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُعْتَادِ فِي لُبْسِهِ حَرُمَ مِنْ جِهَةِ الطِّيبِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الرَّجُلِ) رَاجِعٌ لِلُبْسِ الْمَخِيطِ وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ.
قَوْلُهُ: (وَرَاءَ الْأُذُنِ) نَعَمْ لَا يَحْرُمُ سَتْرُ شَعْرٍ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا) وَإِنْ حَكَى الْبَشَرَةَ كَثَوْبٍ رَقِيقٍ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاتِرًا هُنَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (وَالطَّيْلَسَانُ) مَا يُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ كَالشَّالِ. قَوْلُهُ: (الثَّخِينَانِ) فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الثَّخِينَيْنِ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ قَطْعَ النَّعْتِ لَا يَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذَا، بِخِلَافِ الرَّقِيقَيْنِ وَالْمَاءِ الْكَدِرِ فَلَا يَحْرُمُ انْغِمَاسُهُ فِي مَاءٍ كَدِرٍ، وَكَذَا وَضْعُ يَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ السَّتْرَ، وَكَذَا وَضْعُ نَحْوِ قُفَّةٍ عَلَى رَأْسِهِ لَمْ يَعُمَّهَا أَوْ غَالِبَهَا وَلَمْ يَقْصِدْ السَّتْرَ، شَرَحَ م ر. قَوْلُهُ (مِنْ عَلَى بَعِيرِهِ) أَيْ مِنْ فَوْقِهِ فَعَلَى اسْمٌ.
قَوْلُهُ: (كَاسْتِظْلَالٍ بِمَحْمِلٍ) أَيْ وَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ السَّتْرَ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا. وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ قَصْدِ السَّتْرِ فَيَفْدِي وَإِلَّا فَلَا قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ زِنْبِيلًا، وَرُدَّ بِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ إذْ السَّاتِرُ مَا يَشْمَلُ الْمَسْتُورَ لُبْسًا أَوْ نَحْوَهُ وَنَحْوُ الزِّنْبِيلِ يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ، فَأَثَرُ الْقَصْدِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْهَوْدَجِ، اهـ شَرْحُ الْعُبَابِ. قَوْلُهُ:(وَإِنْ مَسَّهُ) غَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَبِسَ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِلرَّجُلِ الْمُحْرِمِ، وَقَوْلُهُ " أَوْ سَتَرَ ذَلِكَ " أَيْ الْمُحِيطَ بِالنَّظَرِ لِلُّبْسِ أَوْ بَعْضَ الرَّأْسِ بِالنَّظَرِ لِلسَّتْرِ، فَالْفِعْلَانِ تَنَازَعَا فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِبَعْضِ الرَّأْسِ، وَمَفْعُولُ
بَعْضِ (الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ الْمَرْأَةِ) وَلَوْ أَمَةً كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا إلَّا لِحَاجَةٍ فَيَجُوزُ مَعَ الْفِدْيَةِ، وَعَلَى الْحُرَّةِ أَنْ تَسْتُرَ مِنْهُ مَا لَا يَتَأَتَّى سَتْرُ جَمِيعِ رَأْسِهَا إلَّا بِهِ احْتِيَاطًا لِلرَّأْسِ إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ سَتْرِهِ إلَّا بِسَتْرِ قَدْرٍ يَسِيرٍ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى سَتْرِهِ بِكَمَالِهِ لِكَوْنِهِ عَوْرَةً أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى كَشْفِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْوَجْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ الْأَمَةَ لَا تَسْتُرُ ذَلِكَ لِأَنَّ رَأْسَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَإِذَا أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ سَتْرَ وَجْهِهَا عَنْ النَّاسِ أَرْخَتْ عَلَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ بِنَحْوِ ثَوْبٍ مُتَجَافٍ عَنْهُ بِنَحْوِ خَشَبَةٍ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ عَلَى الْبَشَرَةِ وَسَوَاءٌ فَعَلَته لِحَاجَةٍ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ أَمْ لَا، وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيطِ وَغَيْرِهِ فِي الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ إلَّا الْقُفَّازَ فَلَيْسَ لَهَا سَتْرُ الْكَفَّيْنِ وَلَا أَحَدِهِمَا بِهِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ يُحْشَى بِقُطْنٍ وَيَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ تَزُرُّ عَلَى السَّاعِدَيْنِ مِنْ الْبَرْدِ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فِي يَدَيْهَا. وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ مَا يَشْمَلُ الْمَحْشُوَّ وَغَيْرَهُ. تَنْبِيهٌ: يَحْرُمُ عَلَى الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ سَتْرُ وَجْهِهِ مَعَ رَأْسِهِ وَيَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ، وَلَهُ سَتْرُ وَجْهِهِ مَعَ كَشْفِ رَأْسِهِ وَلَا فِدْيَةَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لَبِسَ " مَحْذُوفٌ أَيْ الْمَخِيطَ، وَلَا يُقَالُ إنَّ هَذَا مِنْ التَّنَازُعِ لِاخْتِلَافِ مَرْجِعِ اسْمِ الْإِشَارَةِ.
1 -
فَرْعٌ: إذَا لَبِسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا فَوْقَ ثَوْبٍ مَعَ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ فَإِنْ سَتَرَ الثَّانِي مَا لَمْ يَسْتُرْهُ الْأَوَّلُ تَعَدَّدَتْ الْفِدْيَةُ وَإِلَّا فَلَا، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ مَا لَوْ سَتَرَ رَأْسَهُ بِسَاتِرٍ فَوْقَ سَاتِرٍ. سم عَنْ م ر.
قَوْلُهُ: (سَتْرُ بَعْضِ الْوَجْهِ إلَخْ) الْأَوْلَى تَغْطِيَةٌ لِأَنَّهَا الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْكَفَّيْنِ) كَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ وَبِإِسْقَاطِهَا عَلَى مَا قَالَهُ الْغَزِّيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ، إذْ لِلْمَرْأَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ لُبْسُ الْمَخِيطِ وَغَيْرِهِ فِي الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ إلَّا الْقُفَّازَ فَلَيْسَ لَهَا سَتْرُ الْكَفَّيْنِ وَلَا إحْدَاهُمَا بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَتَرَتْ كَفَّيْهَا بِكُمَّيْهَا أَوْ بِخِرْقَةٍ لَفَّتْهَا فَلَا يَحْرُمُ م د. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " وَالْكَفَّيْنِ " أَيْ بِالْقُفَّازَيْنِ خَاصَّةً لَا بِنَحْوِ كُمَّيْهَا فَلَا يَحْرُمُ، وَحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ الْأَوْلَى حَذْفُهُمَا؛ بِشْبِيشِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْمَرْأَةِ) رَاجِعً لِلْأَمْرَيْنِ قَبْلَهُ، وَهُوَ لَيْسَ قَيْدًا لِأَنَّهُمَا حَرَامَانِ عَلَى الرَّجُلِ أَيْضًا إذَا كَانَا مَخِيطَيْنِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَرْقًا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا فِي الْكَفَّيْنِ إلَّا الْقُفَّازَانِ بِخِلَافِ الرَّجُلِ يَحْرُمَانِ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ كُلِّ مَخِيطٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَمَةً) أَيْ مَعَ أَنَّ الْأَمَةَ. تُوُسِّعَ فِيهَا فِي الصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَوْرَةِ لَكِنْ لَمْ يُتَوَسَّعْ فِيهَا هُنَا، بَلْ كَانَتْ كَالْحُرَّةِ، وَبِهَذَا صَحَّ جَعْلُهَا غَايَةً.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْحُرَّةِ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ وَجَبَ عَلَيْهَا سَتْرُ رَأْسِهَا وَيَجِبُ عَلَيْهَا كَشْفُ وَجْهِهَا لِلْإِحْرَامِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهَا سَتْرُ رَأْسِهَا إلَّا بِسَتْرِ شَيْءٍ مِنْ وَجْهِهَا فَقَدْ تَعَارَضَ عَلَيْهَا وَاجِبَانِ الصَّلَاةُ وَالْإِحْرَامُ فَمَا الْمُخَلِّصُ لَهَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهَا تُرَاعِي الصَّلَاةَ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ) فِيهِ أَنَّ مَا يَلِي الْوَجْهَ مِنْ الرَّأْسِ؛ وَلَا مَعْنَى لَهُ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ، أَوْ يَقُولُ: مِنْ الْوَجْهِ. وَعِبَارَةُ م ر: مِمَّا يَلِيهِ، أَيْ الرَّأْسِ مِنْ الْوَجْهِ، وَهِيَ أَوْلَى بَلْ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ مَا يَلِي الْوَجْهَ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهَا تَسْتُرُ مِنْ الْوَجْهِ مَا لَا يَتِمُّ سَتْرُ الرَّأْسِ إلَّا بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُحَافَظَةُ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: لَا يُقَالُ لِمَ لَا عَكَسَ ذَلِكَ بِأَنْ تَكْشِفَ مِنْ رَأْسِهَا مَا لَا يَتَأَتَّى كَشْفُ وَجْهِهَا إلَّا بِهِ؟ لِأَنَّا نَقُولُ السَّتْرُ أَحْوَطُ مِنْ الْكَشْفِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى سَتْرِهِ) أَيْ الرَّأْسِ.
قَوْلُهُ: (لِكَوْنِهِ عَوْرَةً) أَيْ فِي الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ رَأْسَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ لَا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ سَتْرَ وَجْهِهَا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى وُجُوبِ كَشْفِ وَجْهِهَا وَلَوْ بِحَضْرَةِ الْأَجَانِبِ وَمَعَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ غَضُّ الْبَصَرِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ. وَالْمُتَّجَهُ فِي هَذِهِ وُجُوبُ السَّتْرِ عَلَيْهَا بِمَا لَا يَمَسُّهُ الْآتِي. اهـ. ق ل. قَوْلُهُ:(بِثَوْبٍ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ الْبَاءِ، مَرْحُومِيٌّ؛ لِأَنَّ " ثَوْبًا " بَدَلٌ مِنْ مَا. قَوْلُهُ:(بِحَيْثُ لَا يَقَعُ) أَيْ نَحْوُ الثَّوْبِ عَلَى الْبَشَرَةِ، فَإِنْ وَقَعَ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهَا أَوْ اسْتِدَامَتِهِ لَزِمَتْهَا الْفِدْيَةُ وَإِلَّا بِأَنْ سَقَطَ قَهْرًا وَرَفَعَتْهُ حَالًا فَلَا فِدْيَةَ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ أَفَعَلْته إلَخْ) لَا يُلَائِمُ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّ مَا قَبْلَهُ مُقَيَّدٌ بِالْحَاجَةِ، إذْ سَتْرُ الْوَجْهِ عَنْ النَّاسِ مِنْ السَّتْرِ لِحَاجَةٍ؛ فَالْمُنَاسِبُ لَفْظًا أَنْ يُطْلَقَ أَوَّلًا فِي السَّتْرِ كَأَنْ يَقُولَ: فَإِذَا أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ سَتْرَ وَجْهِهَا أَرْخَتْ إلَخْ، ثُمَّ يَقُولُ: وَسَوَاءٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (يَحْرُمُ عَلَى الْخُنْثَى إلَخْ) لِأَنَّهُ إمَّا أُنْثَى أَوْ ذَكَرٌ. قَوْلُهُ: (وَلَهُ سَتْرُ وَجْهِهِ إلَخْ) ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ
عَلَيْهِ لِأَنَّا لَا نُوجِبُهَا بِالشَّكِّ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَسْتَتِرَ بِالْمَخِيطِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ رَجُلًا وَيُمْكِنُ سَتْرُهُ بِغَيْرِهِ.
(وَ) الرَّابِعُ (تَرْجِيلُ) أَيْ تَسْرِيحُ (الشَّعْرِ) أَيْ شَعْرِ رَأْسِ الْمُحْرِمِ أَوْ لِحْيَتِهِ وَلَوْ مِنْ امْرَأَةٍ (بِالدُّهْنِ) وَلَوْ غَيْرَ مُطَيَّبٍ كَزَيْتٍ وَشَمْعٍ مُذَابٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّزْيِينِ الْمُنَافِي لِحَالِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّهُ أَشْعَثُ أَغْبَرُ كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ، وَلَا فَرْقَ فِي الشَّعْرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَلَوْ وَاحِدَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَلَوْ كَانَ شَعْرُ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَزْيِينِ الشَّعْرِ وَتَنْمِيَتِهِ بِخِلَافِ رَأْسِ الْأَقْرَعِ وَالْأَصْلَعِ وَذَقَنِ الْأَمْرَدِ لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى، وَلَهُ دَهْنُ بَدَنِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَسَائِرِ شَعْرِهِ بِذَلِكَ، وَلَهُ أَكْلُهُ وَجَعْلُهُ فِي شَجَّةٍ وَلَوْ بِرَأْسِهِ، وَأَلْحَقَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِشَعْرِ اللِّحْيَةِ شَعْرَ الْوَجْهِ كَحَاجِبٍ وَشَارِبٍ وَعَنْفَقَةٍ، وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: التَّحْرِيمُ ظَاهِرٌ فِيمَا اتَّصَلَ بِاللِّحْيَةِ كَالشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ وَالْعِذَارِ، وَأَمَّا الْحَاجِبُ وَالْهُدْبُ وَمَا عَلَى الْجَبْهَةِ أَيْ وَالْخَدِّ فَفِيهِ بُعْدٌ انْتَهَى وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَزَيَّنُ بِهِ، وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ بِخَطْمِيٍّ وَنَحْوِهِ كَسِدْرٍ مِنْ غَيْرِ نَتْفِ شَعْرٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ لَا لِلتَّزْيِينِ وَالتَّنْمِيَةِ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ وَتَرْكُ الِاكْتِحَالِ الَّذِي لَا طِيبَ فِيهِ، وَلِلْمُحْرِمِ الِاحْتِجَامُ وَالْفَصْدُ مَا لَمْ يُقْطَعْ بِهِمَا شَعْرٌ.
(وَ) الْخَامِسُ (حَلْقُهُ) أَيْ الشَّعْرِ مِنْ سَائِرِ جَسَدِهِ وَمِثْلُ الْحَلْقِ النَّتْفُ وَالْإِحْرَاقُ وَنَحْوُ ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ} [البقرة: 196] أَيْ شَعْرَهَا، وَشَعْرُ سَائِرِ الْجَسَدِ مُلْحَقٌ بِهِ.
(وَ) السَّادِسُ (تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ)
ــ
[حاشية البجيرمي]
ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْأُنْثَى. وَعِبَارَةُ م ر: وَلَيْسَ لَهُ سَتْرُ وَجْهِهِ مَعَ كَشْفِ رَأْسِهِ خِلَافًا لِمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ.
قَالَ ق ل: وَلَعَلَّ كَلَامَ الشَّارِحِ سَبْقُ قَلَمٍ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ كَشْفُ وَجْهِهِ وَسَتْرُ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَرْأَةِ هُنَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. وَحَاصِلُ مَسْأَلَةِ الْخُنْثَى أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَسْتُرَ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ أَوْ يَكْشِفَهُمَا أَوْ يَسْتُرَ الْوَجْهَ وَيَكْشِفَ الرَّأْسَ أَوْ يَعْكِسَ، فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى يَأْثَمُ وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ يَأْثَمُ وَلَا فِدْيَةَ، وَفِي الرَّابِعَةِ لَا إثْمَ وَلَا فِدْيَةَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف؛ لِأَنَّ الرَّابِعَةَ هِيَ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ ق ل. قَوْلُهُ:(لَا نُوجِبُهَا بِالشَّكِّ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ذَكَرٌ. قَوْلُهُ (وَأَنْ لَا يَسْتَتِرَ) لَوْ قَالَ أَنْ لَا يَلْبَسَ الْمَخِيطَ لَكَانَ أَوْلَى ق ل؛ لِأَنَّ السَّتْرَ يَصْدُقُ بِمَا إذَا اتَّزَرَ بِسَرَاوِيلَ أَوْ ارْتَدَى بِقَمِيصٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَتَرْجِيلُ الشَّعْرِ) أَيْ تَسْرِيحُهُ؛ وَالْأَوْلَى حَذْفُ (تَرْجِيلُ) بِأَنْ يَقُولَ: وَدَهْنُ الشَّعْرِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ اسْتِعْمَالُ الدُّهْنِ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ الْوَجْهِ وَلَوْ بَعْضَ شَعْرَةٍ ق ل بِالْمَعْنَى. فَالْمَدَارُ هُنَا عَلَى التَّدْهِينِ وَالتَّرْجِيلِ لَيْسَ قَيْدًا، وَمِنْ هُنَا إلَى آخِرِ الْمُحَرَّمَاتِ عَامٌّ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَمَا تَقَدَّمَ عَلَى التَّوْزِيعِ الْأَوَّلَانِ لِلرَّجُلِ وَمَا بَعْدَهُمَا إلَى هُنَا لِلْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (بِالدُّهْنِ) بِالضَّمِّ مَا يُدْهَنُ بِهِ، وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَهُوَ الْفِعْلُ أَعْنِي التَّدْهِينَ أج.
قَوْلُهُ: (وَشَمَعٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ السُّيُوطِيّ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَاحِدَةً) أَيْ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ التَّزْيِينُ كَشَعْرِ اللِّحْيَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ مَنَاطُ التَّحْرِيمِ، مَرْحُومِيٌّ؛ أَيْ بِخِلَافِ وَاحِدَةٍ مِنْ الْإِبْطِ أَوْ الْعَانَةِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهِ) أَيْ تَرْجِيلِ الشَّعْرِ بِالدُّهْنِ، وَقَوْلُهُ " مِنْ تَزْيِينٍ " أَيْ وَلَوْ بَعْدَ طُلُوعِهِ.
قَوْلُهُ: (الْأَقْرَعِ) أَيْ الَّذِي لَا يُنْبِتُ، وَقَوْلُهُ " وَالْأَصْلَعِ " أَيْ فِي مَحَلِّ الصَّلَعِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ " وَذَقَنِ الْأَمْرَدِ " أَيْ إذَا لَمْ يَبْلُغْ أَوَانُ نَبَاتِ لِحْيَتِهِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ كَالرَّأْسِ الْمَحْلُوقِ م ر. فَإِذَا بَلَغَ أَوَانُ الطُّلُوعِ وَلَمْ يَلْتَحِ يُقَالُ لَهُ ثَطٌّ.
قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى) أَيْ التَّزْيِينِ وَالتَّنْمِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَبَاطِنًا) كَبَاطِنِ أَنْفِهِ وَأُذُنَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَكْلُهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَمَسَّ شَيْئًا مِنْ نَحْوِ شَارِبِهِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ ق ل، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَشَارِبٍ) وَحِينَئِذٍ فَلْيُتَنَبَّهْ لِمَا يُغْفَلُ عَنْهُ كَثِيرًا مِنْ تَلْوِيثِ الشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ بِالدُّهْنِ عِنْدَ أَكْلِ اللَّحْمِ، فَإِنَّهُ مَعَ الْعِلْمِ وَالتَّعَمُّدِ حَرَامٌ فِيهِ الْفِدْيَةُ، شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ مَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّ مِنْ التَّفْصِيلِ. فَجُمْلَةُ الْأَقْوَالِ ثَلَاثَةٌ فِي شَعْرِ الْوَجْهِ الْحُرْمَةُ وَعَدَمُهَا وَالتَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ؛ لَكِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَدُّ عِنْدَ م ر مَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (غَسْلُ بَدَنِهِ) أَيْ وَمَلْبُوسِهِ. قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ نَتْفٍ) أَمَّا بِنَتْفٍ فَحَرَامٌ. قَوْلُهُ: (الَّذِي لَا طِيبَ فِيهِ) أَمَّا مَا فِيهِ طِيبٌ فَحَرَامٌ. قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يُقْطَعْ بِهِمَا شَعْرٌ) وَإِلَّا حَرُمَا.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ الْحَلْقِ النَّتْفُ) وَلَوْ كَشَطَ الْمُحْرِمُ جِلْدَةَ الرَّأْسِ فَلَا
قِيَاسًا عَلَى الشَّعْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِبَعْضِ شَعْرَةٍ أَوْ ظُفْرٍ.
(وَ) السَّابِعُ (الطِّيبُ) سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُحْرِمُ ذَكَرًا أَمْ غَيْرَهُ وَلَوْ أَخْشَمَ، بِمَا يُقْصَدُ مِنْهُ رَائِحَتُهُ غَالِبًا وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ كَالْمِسْكِ وَالْعُودِ وَالْكَافُورِ وَالْوَرْسِ وَهُوَ أَشْهُرُ طِيبٍ بِبِلَادِ الْيَمَنِ وَالزَّعْفَرَانِ وَإِنْ كَانَ يُطْلَبُ لِلصَّبْغِ وَالتَّدَاوِي أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَلْبُوسِهِ كَثَوْبِهِ أَمْ فِي بَدَنِهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الْمَارِّ «وَلَا يَلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ مَا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ» وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِأَكْلٍ أَوْ إسْعَاطٍ أَمْ احْتِقَانٍ فَيَجِبُ مَعَ التَّحْرِيمِ فِي ذَلِكَ الْفِدْيَةُ، وَاسْتِعْمَالُهُ أَنْ يُلْصِقَ الطِّيبَ بِبَدَنِهِ أَوْ مَلْبُوسِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ مَأْذُونِهِ، وَلَوْ اُسْتُهْلِكَ الطِّيبُ فِي الْمُخَالِطِ لَهُ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ رِيحٌ وَلَا طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ كَأَنْ اُسْتُعْمِلَ فِي دَوَاءٍ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ وَأَكْلُهُ وَلَا فِدْيَةَ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْأَكْلُ أَوْ التَّدَاوِي وَإِنْ كَانَ لَهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ كَالتُّفَّاحِ وَالسُّنْبُلِ وَسَائِرِ الْأَبَازِيرِ الطَّيِّبَةِ كَالْمُصْطَكَى لَمْ يَحْرُمْ، وَلَمْ يَجِبْ فِيهِ فِدْيَةٌ لِأَنَّ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْأَكْلُ أَوْ التَّدَاوِي لَا فِدْيَةَ فِيهِ.
(وَ) الثَّامِنُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ (قَتْلُ الصَّيْدِ) إذَا كَانَ مَأْكُولًا بَرِّيًّا وَحْشِيًّا كَبَقَرِ وَحْشِيٍّ وَدَجَاجَةٍ أَوْ كَانَ مُتَوَلِّدًا بَيْنَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِدْيَةَ، إذْ الشَّعْرُ تَابِعٌ؛ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الصَّادِقُ بِبَعْضِ شَعْرَةٍ) كَيْفَ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ: " وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْفِدْيَةُ " مَعَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ فِيهَا مُدٌّ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِدْيَةِ مَا يَشْمَلُ الْمُدَّ، أَوْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْحُرْمَةِ وَتَكْمُلُ الْفِدْيَةُ فِي ثَلَاثٍ فَأَكْثَرَ، بِخِلَافِ الدَّهْنِ فَإِنَّ فِيهِ الْفِدْيَةَ وَلَوْ لِبَعْضِ شَعْرَةٍ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ وَجْهِهِ لِحُصُولِ التَّرَفُّهِ بِذَلِكَ ق ل وأج.
قَوْلُهُ: (وَالطِّيبُ) أَيْ التَّطَيُّبُ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْلُوفِ فِيهِ كَالتَّبَخُّرِ بِالْعُودِ، بِخِلَافِ أَكْلِهِ وَحَمْلِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِأَيِّ شَيْءٍ حُرِّمَ الطِّيبُ عَلَى الْمُحْرِمِ مَعَ أَنَّهُ فِي حَضْرَةِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالطِّيبُ مُسْتَحَبٌّ فِي الْجُمُعَةِ؟ فَالْجَوَابُ إنَّمَا حُرِّمَ ذَلِكَ لِحَدِيثِ: " الْمُحْرِمُ أَشْعَثُ أَغْبَرُ " وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْمُحْرِمِ إظْهَارُ الذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ وَاسْتِشْعَارُ الْخَجَلِ مِنْ الْحَقِّ تَعَالَى وَطَلَبُ الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ خَوْفًا مِنْ مُعَاجَلَةِ الْعُقُوبَةِ كَمَا وَرَدَ: «إنَّ السَّيِّدَ آدَمَ عليه الصلاة والسلام لَمَّا حَجَّ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ مَاشِيًا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي عَرَفَاتٍ وَتَلَقَّى هُنَاكَ كَلِمَاتِ الِاسْتِغْفَارِ بِقَوْلِهِ: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] » .
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ) الْمُنَاسِبُ: " وَلَوْ مَعَ غَيْرِهَا " أَيْ الرَّائِحَةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، أَيْ وَلَوْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ رَائِحَتُهُ مَعَ غَيْرِهِ كَالتَّدَاوِي فَيَكُونُ غَايَةً فِي يُقْصَدُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدُ: وَإِنْ كَانَ يُطْلَبُ لِلصَّبْغِ وَالتَّدَاوِي أَيْضًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَلَوْ اسْتَعْمَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ كَأَنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِهِ وَتَطَيَّبَ بِهِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، وَرُبَّمَا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ الْآتِي: وَلَوْ اسْتَهْلَكَ الطِّيبَ إلَخْ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ (أَشْهَرُ طِيبٍ إلَخْ) وَهُوَ نَبْتٌ أَصْفَرُ يُزْرَعُ بِالْيَمَنِ وَيُصْبَغُ بِهِ، قِيلَ: وَهُوَ صِنْفٌ مِنْ الْكُرْكُمِ، وَقِيلَ: يُشْبِهُهُ. اهـ. مِصْبَاحٌ. قَوْلُهُ: (فِي مَلْبُوسِهِ) أَيْ وَلَوْ نَعْلًا.
قَوْلُهُ: (بِأَكْلٍ) أَيْ اُعْتِيدَ الطِّيبُ بِهِ لِذَلِكَ كَالْمِسْكِ، بِخِلَافِ أَكْلِ الْعُودِ.
قَوْلُهُ: أَوْ إسْعَاطٌ هُوَ الْإِدْخَالُ فِي الْأَنْفِ قَوْلُهُ: (أَيْنَ يُلْصَقُ) وَمِنْ ذَلِكَ الْبَخُورُ بِنَحْوِ الْعُودِ فَإِنَّ فِيهِ لَصْقَ أَجْزَاءِ الدُّخَانِ بِبَدَنِهِ أَوْ مَلْبُوسِهِ وَخَرَجَ بِهِ مُجَرَّدُ الشَّمِّ كَمَا فِي م ر وَمَا إذَا أَلْقَتْهُ عَلَيْهِ الرِّيحُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا لَوْنَ) اعْتَمَدَ م ر. أَنَّهُ لَا ضَرَرَ بِبَقَاءِ اللَّوْنِ، وَعِبَارَتُهُ: فَلَوْ كَانَ فِي مَأْكُولٍ بَقِيَ فِيهِ رِيحُ الطِّيبِ أَوْ طَعْمُهُ حَرُمَ لِأَنَّ الرِّيحَ هُوَ الْغَرَضُ الْأَعْظَمُ مِنْ الطِّيبِ وَالطَّعْمُ مَقْصُودٌ مِنْهُ أَيْضًا، بِخِلَافِ اللَّوْنِ وَحْدَهُ. قَوْلُهُ:(وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْأَكْلُ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ بِمَا يُقْصَدُ مِنْهُ رَائِحَتُهُ.
قَوْلُهُ: (الْأَبَازِيرُ) أَيْ أَنْوَاعُ الرَّوَائِحِ وَهُوَ جَمْعُ بِزْرٍ كَحَبَّهَانَ. وَفِي إطْلَاقِ الْأَبَازِيرِ عَلَى الْمُصْطَكَى تَغْلِيبٌ لِأَنَّ الْمُصْطَكَى لَيْسَ لَهَا بِزْرٌ، وَكَذَا الْمِسْكُ، ثُمَّ رَأَيْت الْمَرْحُومِيَّ قَالَ: قَوْلُهُ " كَالْمُصْطَكَى " تَنْظِيرٌ لَا تَمْثِيلٌ اهـ. وَالْمُصْطَكَى بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَالْقَصْرُ أَكْثَرُ مِنْ الْمَدِّ قَالَ بَعْضُهُمْ تُشَدَّدُ فَتُقْصَرُ وَتُخَفَّفُ فَتُمَدُّ وَحَكَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فَتْحَ الْمِيمِ وَالتَّخْفِيفَ وَالْمَدَّ وَذَكَرَ غَيْرُهُ الْقَصْرَ أَيْضًا وَيُقَالُ مُصْتَكَى بِالتَّاءِ. اهـ. مِصْبَاحٌ.
قَوْلُهُ: (يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ) لَا حَاجَةَ لِهَذَا لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ، وَانْظُرْ لِمَ صَرَّحَ بِهِ فِي هَذَا دُونَ غَيْرِهِ.
الْمَأْكُولِ الْبَرِّيِّ الْوَحْشِيِّ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ وَحِمَارٍ أَهْلِيٍّ أَوْ بَيْنَ شَاةٍ وَظَبْيٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} [المائدة: 96] أَيْ أَخْذُهُ {مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] وَأَمَّا الثَّانِي فَلِلِاحْتِيَاطِ. وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ وَحْشِيٍّ غَيْرِ مَأْكُولٍ وَإِنْسِيٍّ مَأْكُولٍ، كَالتَّوَلُّدِ بَيْنَ ذِئْبٍ وَشَاةٍ، وَمَا تَوَلَّدَ بَيْنَ غَيْرِ مَأْكُولَيْنِ أَحَدُهُمَا وَحْشِيٌّ كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ حِمَارٍ وَذِئْبٍ وَمَا تَوَلَّدَ بَيْنَ أَهْلِيَّيْنِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ مَأْكُولٍ كَبَغْلٍ فَلَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْهَا، وَيَحْرُمُ أَيْضًا اصْطِيَادُ الْمَأْكُولِ الْبَرِّيِّ وَالْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ فِي الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا مُلْتَزِمَ الْأَحْكَامِ وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ (ص) يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ قَالَ:«إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ» أَيْ لَا يَجُوزُ تَنْفِيرُ صَيْدِهِ لِمُحْرِمٍ وَلَا لِحَلَالٍ فَغَيْرُ التَّنْفِيرِ أَوْلَى وَقِيسَ بِمَكَّةَ بَاقِي الْحَرَمِ.
(وَ) التَّاسِعُ (عَقْدُ النِّكَاحِ) بِوِلَايَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ، وَكَذَا قَبُولُهُ لَهُ أَوْ لِوَكِيلِهِ، وَاحْتَرَزَ بِالْعَقْدِ عَنْ الرَّجْعَةِ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهَا اسْتِدَامَةُ نِكَاحٍ.
(وَ) الْعَاشِرُ (الْوَطْءُ) بِإِدْخَالِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحَلَالِ تَمْكِينُ زَوْجِهَا الْمُحْرِمِ مِنْ الْجِمَاعِ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ جِمَاعُ زَوْجَتِهِ الْمُحْرِمَةِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَلَعَلَّهُ لِأَجْلِ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ " إذَا كَانَ إلَخْ " أَوْ اعْتِنَاءً بِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ.
قَوْلُهُ: (قَتْلُ الصَّيْدِ) الْقَتْلُ لَيْسَ قَيْدًا إذْ يَحْرُمُ أَيْضًا التَّعَرُّضُ لَهُ بِاصْطِيَادٍ أَوْ نَحْوِهِ، نَعَمْ الْفِدْيَةُ إنَّمَا هِيَ فِي قَتْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ. قَوْلُهُ:(مَأْكُولًا) أَيْ يَقِينًا ح ف. وَقَوْلُهُ " وَحْشِيًّا " أَيْ أَصَالَةً وَإِنْ تَأَنَّسَ بِخِلَافِ الْإِنْسِيِّ وَإِنْ تَوَحَّشَ نَظَرًا لِأَصْلِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدَ الْبَرِّ إلَخْ) قَالَ الْقَفَّالُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَرِّيِّ وَالْبَحْرِيِّ: إنَّ الْبَرِّيَّ إنَّمَا يُصَادُ غَالِبًا لِلتَّنَزُّهِ وَالتَّفَرُّجِ وَالْإِحْرَامُ يُنَافِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْبَحْرِيِّ فَإِنَّهُ يُصَادُ غَالِبًا لِلِاضْطِرَارِ وَالْمَسْكَنَةِ فَحَلَّ مُطْلَقًا حِينَئِذٍ م ر اهـ.
قَوْلُهُ: (أَيْ أَخْذُهُ) حَمَلَ الشَّارِحُ الصَّيْدَ عَلَى الْمَصِيدِ فَاحْتَاجَ إلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ لَا بِالذَّوَاتِ، وَلَوْ حَمَلَهُ عَلَى الِاصْطِيَادِ لَاسْتَغْنَى عَنْ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ ذِئْبٍ) فَالذِّئْبُ وَحْشِيٌّ لِأَنَّهُ لَا يُؤْنَسُ بِهِ. فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ ذِئْبٍ وَشَاةٍ وَبَيْنَ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ وَحِمَارٍ وَحْشِيٍّ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَوَلِّدٌ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ وَبَيْنَ وَحْشِيٍّ وَغَيْرِهِ؟ قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّ الذِّئْبَ وَحْشِيٌّ غَيْرُ مَأْكُولٍ وَالْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ مَأْكُولٌ، وَقَوْلُهُ " كَبَغْلٍ " فَإِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ بَيْنَ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ وَفَرَسٍ.
قَوْلُهُ: (مُلْتَزِمَ الْأَحْكَامِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ إلَّا مِنْ حَيْثُ الضَّمَانُ. قَوْلُهُ: (بِحُرْمَةِ اللَّهِ) أَيْ بِحُكْمِهِ الْأَزَلِيِّ الْقَدِيمِ. قَوْلُهُ: (وَقِيسَ بِمَكَّةَ بَاقِي الْحَرَمِ) يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْبَلَدِ مَا يَشْمَلُ الْحَرَمَ، فَلَا حَاجَةَ لِلْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا قَبُولُهُ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ يَشْمَلُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَشْمَلُ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ، وَمِثْلُ الْعَقْدُ الْإِذْنُ فِيهِ. نَعَمْ لَا يَمْتَنِعُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى نَائِبِ الْإِمَامِ وَالْقَاضِي بِإِحْرَامِهِمَا. وَبِهَذَا يَلْغُو وَيُقَالُ: لَنَا رَجُلٌ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ يَعْقِدُ نَائِبُهُ النِّكَاحَ وَيَصِحُّ مِنْهُ وَهُوَ عَامِدٌ عَالِمٌ ذَاكِرٌ مُخْتَارٌ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (أَوْ لِوَكِيلِهِ) صَوَابُهُ أَوْ لِمُوَكِّلِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا وَالْوَكِيلُ مُحْرِمٌ وَلَا بُدَّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الرَّجْعَةِ) وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى الْعَقْدِ وَزِفَافُ الْمُحْرِمَةِ لِلْحَلَالِ، وَعَكْسُهُ ق ل. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَنُدِبَ لَهُ تَرْكُ الْخِطْبَةِ وَكُرِهَتْ رَجْعَتُهُ، وَجَازَ كَوْنُهُ شَاهِدًا فِي نِكَاحِ الْحَلَالَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَطْءُ) فَيَحْرُمُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُحْرِمِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا حَتَّى يَحْرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحَلَالِ تَمْكِينُ الْمُحْرِمِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ الْحَلَالِ أَيْضًا حَالَ إحْرَامِ الْمَرْأَةِ مَا لَمْ يُرِدْ تَحْلِيلَهَا بِشَرْطِهِ اهـ. وَمَحَلُّ حُرْمَتِهِ وَإِفْسَادِهِ الْحَجَّ إذَا كَانَ مِنْ عَاقِلٍ عَالِمٍ مُخْتَارٍ، فَإِنْ فُقِدَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا إفْسَادَ. قَوْلُهُ:(فِي قُبُلٍ) أَيْ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ ق ل. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَوَطْءٌ، أَيْ وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ بِذَكَرٍ مُتَّصِلٍ أَوْ بِمَقْطُوعٍ وَلَوْ مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ مِنْ قَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ فَاقِدِهَا اهـ. وَكَتَبَ الرَّشِيدِيُّ عَلَى قَوْلِهِ " أَوْ بِمَقْطُوعٍ ": أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ،
(وَ) كَذَا (الْمُبَاشَرَةُ) قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ (بِشَهْوَةٍ) لَا بِغَيْرِهَا وَكَذَا يَحْرُمُ الِاسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ (وَ) يَجِبُ (فِي) كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ (جَمِيعِ ذَلِكَ) أَيْ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَذْكُورَةِ (الْفِدْيَةُ) الْآتِي بَيَانُهَا فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ (إلَّا عَقْدَ النِّكَاحِ) أَوْ قَبُولَهُ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ (فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ) فَوُجُودُهُ كَالْعَدَمِ، وَلَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْمُبَاشَرَةِ بِشَهْوَةٍ أَوْ الِاسْتِمْنَاءِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْفِدْيَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ لِدُخُولِهَا فِي فِدْيَةِ الْجِمَاعِ (وَلَا يُفْسِدُهُ) أَيْ الْإِحْرَامَ شَيْءٌ مِنْ مُحَرَّمَاتِهِ (إلَّا الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ) فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ إذَا وَقَعَ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَفِي الْحَجِّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِالْإِجْمَاعِ وَبَعْدَهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا صَحِيحًا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَ الْمُجَامِعُ فِي الْعُمْرَةِ أَوْ الْحَجِّ رَقِيقًا أَوْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلا رَفَثَ} [البقرة: 197] أَيْ لَا تَرْفُثُوا فَلَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ، وَلَوْ بَقِيَ عَلَى الْخَبَرِ امْتَنَعَ وُقُوعُهُ فِي الْحَجِّ لِأَنَّ إخْبَارَ اللَّهِ تَعَالَى صِدْقٌ قَطْعًا مَعَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ كَثِيرًا، وَالْأَصْلُ فِي النَّهْيِ اقْتِضَاءُ الْفَسَادِ. وَقَاسُوا الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ فَلَا يَفْسُدُ ذَلِكَ بِجِمَاعِهِ، وَكَذَا النَّاسِي وَالْجَاهِلُ وَالْمُكْرَهُ، وَلَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ عَلَى
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِأَنْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرًا مَقْطُوعًا فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا وَيَفْسُدُ حَجُّهَا وَإِنْ كَانَتْ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْفِدْيَةُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْمُبَاشَرَةُ) أَشَارَ إلَى أَنَّ هَذَا مِنْ جَعْلِهِ الْعَشْرَ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَتَحْرُمُ مُقَدِّمَاتُهُ أَيْضًا كَقُبْلَةٍ وَنَظَرٍ وَلَمْسٍ وَمُعَانَقَةٍ بِشَهْوَةٍ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ إنْزَالٍ، أَوْ مَعَ حَائِلٍ وَلَا دَمَ فِي النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، وَالْقُبْلَةِ بِحَائِلٍ وَإِنْ أَنْزَلَ؛ بِخِلَافِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنَّ فِيهِ الدَّمَ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ إنْ بَاشَرَ عَمْدًا بِشَهْوَةٍ اهـ. وَالدَّمُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ الْمُبَاشَرَةُ عَمْدًا وَالشَّهْوَةُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ التَّحَلُّلِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا يَحْرُمُ الِاسْتِمْنَاءُ) وَلَا تَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ إلَّا إذَا أَنْزَلَ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِمْنَاءَ بِيَدِ غَيْرِ الْحَلِيلَةِ حَرَامٌ مُطْلَقًا، وَكَذَا بِيَدِ حَلِيلَتِهِ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ صَوْمِ الْفَرْضِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْمُحَرَّمَاتِ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ الْمُفْرَدِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّ " ذَا " لَا يُشَارُ بِهِ إلَّا لِلْمُفْرَدِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُشَارُ بِهَا عَلَى كَلَامِهِ جَمْعٌ، وَلَوْ فَسَّرَهُ بِالْمَذْكُورِ وَبَيَّنَهُ بِالْمُحَرَّمَاتِ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَبُولُهُ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ) أَتَى الشَّارِحُ بِهَذَا لِيَحْسُنَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ، وَلَا مَعْنَى لِاسْتِثْنَاءِ عَدَمِ الِانْعِقَادِ مِنْ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ؛ فَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِثْنَاءِ.
قَوْلُهُ: (فِي فِدْيَةِ الْجِمَاعِ) أَيْ أَوْ بَدَلِهَا، وَكَذَا فِي شَاتِهِ كَالْوَاقِعِ بَعْدَ الْجِمَاعِ غَيْرِ الْمُفْسِدِ أَوْ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ سَوَاءٌ طَالَ الزَّمَنُ بَيْنَ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْجِمَاعِ أَمْ قَصُرَ، شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُفْسِدُهُ) اُنْظُرْ لَوْ عَلَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ حَرَكَةٌ وَلَمْ يُنْزِلْ، هَلْ يَجْرِي فِيهِ مَا فِي الصَّوْمِ مِنْ عَدَمِ فَسَادِ صَوْمِهِ وَعَدَمِ الْفِدْيَةِ،؟ لَا يَبْعُدُ الْجَرَيَانُ، حَرِّرْ
قَوْلُهُ: (أَيْ الْإِحْرَامُ) أَيْ إحْرَامُ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ، وَالْفِدْيَةُ خَاصَّةٌ بِالرَّجُلِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْوَطْءَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْخُنْثَى.
قَوْلُهُ: (إذَا وَقَعَ فِي الْعُمْرَةِ) أَيْ الْمُفْرَدَةِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُفْرَدَةِ فَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْحَجِّ صِحَّةً وَفَسَادًا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْحَجِّ) أَيْ إذَا وَقَعَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، إذَا تَكَرَّرَ الْجِمَاعُ حِينَئِذٍ وَجَبَ فِيمَا عَدَا الْأَوَّلِ فِي كُلِّ جِمَاعٍ شَاةٌ ح ل.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْوُقُوفِ) أَيْ يُفْسِدُهُ الْوَطْءُ إذَا وَقَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِإِجْمَاعٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ الْمُجَامِعُ إلَخْ) غَايَةٌ. وَعِبَارَةُ م ر: وَلَوْ كَانَ نُسُكُهُ تَطَوُّعًا مِنْ صَبِيٍّ أَوْ قِنٍّ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ وَتَطَوُّعُهُ كَتَطَوُّعِ الْبَالِغِ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَإِيجَابُهُ عَلَيْهِ لَيْسَ إيجَابَ تَكْلِيفٍ، بَلْ مَعْنَاهُ تَرَتُّبُهُ فِي ذِمَّتِهِ كَغَرَامَةِ مَا أَتْلَفَهُ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَفْسَدَهُ الْجِمَاعُ قَضَاءً وَجَبَ قَضَاءُ الْمَقْضِيِّ لَا الْقَضَاءِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ عَشْرَ مَرَّاتٍ وَأَفْسَدَ الْجَمِيعَ لَزِمَهُ قَضَاءٌ وَاحِدٌ عَنْ الْأَوَّلِ وَكَفَّارَةٌ لِكُلٍّ مِنْ الْعَشْرِ. قَوْلُهُ:{فَلا رَفَثَ} [البقرة: 197] أَيْ مَشْرُوعٌ وَجَائِزٌ. وَالرَّفَثُ الْجِمَاعُ وَالْفُسُوقُ الْمَعَاصِي وَالْجِدَالُ الْخِصَامُ اهـ أج. قَوْلُهُ: (فَلَا يَفْسُدُ ذَلِكَ بِجِمَاعِهِ) أَيْ وَلَا فِدْيَةَ أَيْضًا. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (صَحَّ) أَيْ إذَا قَصَدَ بِالنَّزْعِ تَرْكَ الْجِمَاعِ لَا الِاسْتِلْذَاذَ، فَإِنْ قَصَدَ
الْأَصَحُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ، وَلَوْ أَحْرَمَ حَالَ النَّزْعِ صَحَّ فِي أَحَدِ أَوْجُهٍ يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ لِأَنَّ النَّزْعَ لَيْسَ بِجِمَاعٍ.
تَنْبِيهٌ: يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ فِي الْحَجِّ بِفِعْلِ اثْنَيْنِ مِنْ ثَلَاثٍ وَهِيَ: رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ وَالطَّوَافُ الْمَتْبُوعُ بِالسَّعْيِ إنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَ قَبْلُ، وَيَحِلُّ بِهِ اللُّبْسُ وَسَتْرُ الرَّأْسِ لِلرَّجُلِ وَالْوَجْهِ لِلْمَرْأَةِ، وَالْحَلْقُ وَالْقَلْمُ وَالطِّيبُ وَالصَّيْدُ، وَلَا يَحِلُّ بِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ وَلَا الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» وَإِذَا فَعَلَ الثَّالِثَ بَعْدَ الِاثْنَيْنِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي وَحَلَّ بِهِ بَاقِي الْمُحَرَّمَاتِ بِالْإِجْمَاعِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِمَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَهُوَ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ كَمَا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى وَتُطْلَبُ مِنْهُ التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ، لَكِنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَهُنَاكَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ، أَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْحَجَّ يَطُولُ زَمَنُهُ وَتَكْثُرُ أَعْمَالُهُ فَأُبِيحَ بَعْضُ مُحَرَّمَاتِهِ فِي وَقْتٍ وَبَعْضُهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْحَيْضُ وَالْجَنَابَةُ لَمَّا طَالَ زَمَنُ الْحَيْضِ جُعِلَ لِارْتِفَاعِ مَحْظُورَاتِهِ مَحِلَّانِ انْقِطَاعُ الدَّمِ وَالِاغْتِسَالُ، وَالْجَنَابَةُ لَمَّا قَصُرَ زَمَنُهَا جُعِلَ لِارْتِفَاعِ مَحْظُورَاتِهَا مَحِلٌّ وَاحِدٌ.
(وَ) إذَا جَامَعَ الْمُحْرِمُ (لَا يَخْرُجُ مِنْهُ) أَيْ الْإِحْرَامُ (بِالْفَسَادِ) بَلْ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِ نُسُكِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الِاسْتِلْذَاذَ أَوْ أَطْلَقَ لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ م د.
قَوْلُهُ: (بِفِعْلِ اثْنَيْنِ) قَالَ فِي التَّنْبِيهِ: وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِنُسُكٍ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِوَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ الرَّمْيُ أَوْ الطَّوَافُ وَحَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ الثَّانِي بِالثَّانِي اهـ. وَيُتَّجَهُ مِثْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِرَأْسِهِ شَعْرٌ، شَوْبَرِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ. وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
رَمْيٌ وَحَلْقٌ مَعَ طَوَافٍ تُبِعَا
…
بِالسَّعْيِ ذِي ثَلَاثٌ فَاسْتَمِعَا
بِاثْنَيْنِ مِنْهَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ
…
إلَّا النَّسَا وَبِالثَّلَاثِ يَحْصُلُ
قَوْلُهُ: (وَالْقَلْمُ) أَيْ وَالدَّهْنُ، فَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُهُ فَجُمْلَةُ مَا يَحِلُّ بِهِ ثَمَانِيَةٌ. قَوْلُهُ:(وَلَا يَحِلُّ بِهِ) أَيْ لَا يَحِلُّ بِهِ الِاثْنَانِ الْبَاقِيَانِ مِنْ الْعَشَرَةِ، فَكَانَ حَقُّ الشَّارِحِ ذِكْرُ الْوَطْءِ لِأَنَّهُ الْعَاشِرُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوْ إطْلَاقُ الْمُبَاشَرَةِ عَنْ تَقْيِيدِهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ فَتَكُونُ شَامِلَةً لَهُ، فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ ق ل.
قَوْلُهُ: (إذَا رَمَيْتُمْ) أَيْ وَطُفْتُمْ أَوْ حَلَقْتُمْ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ وَفِي رِوَايَةٍ:«إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ» . قَوْلُهُ: (إلَّا النِّسَاءَ) أَيْ الْعَقْدَ عَلَيْهِنَّ وَوَطْأَهُنَّ وَمُقَدِّمَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الرَّمْيُ) أَيْ رَمْيُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
قَوْلُهُ: (تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ) وَهُوَ يَحْصُلُ بِأَعْمَالِهَا، أَعْنِي الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ. قَوْلُهُ:(مُحِلَّانِ) تَثْنِيَةُ مُحِلٍّ، اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَحَلَّ ضِدُّ حَرَّمَ م د.
قَوْلُهُ: (انْقِطَاعُ الدَّمِ) قَالَ فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ: وَإِذَا انْقَطَعَ لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ طُهْرٍ غَيْرُ صَوْمٍ وَطَلَاقٍ وَطُهْرٍ اهـ. وَمُرَادُهُ بِالطُّهْرِ الْأَوَّلِ الرَّافِعُ لِلْحَدَثِ، وَبِالثَّانِي غَيْرُهُ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا جَامَعَ الْمُحْرِمُ) أَيْ جِمَاعًا يُفْسِدُ نُسُكَهُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ رَقِيقًا. قَوْلُهُ: (بَلْ يَجِبُ) بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ حَيْثُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِالْفَسَادِ كَالصَّوْمِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ الْحَجَّ شَدِيدُ التَّعَلُّقِ وَاللُّزُومِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِالْمَوْتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا مَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَإِنَّ آثَارَهُ بَاقِيَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ:«لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» فَعَدَمُ خُرُوجِهِ مِنْهُ بِغَيْرِهِ أَوْلَى فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ اشْتِغَالِهِ بِأَعْمَالِهِ فَسَدَ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ، وَالْبَدَنَةُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ ثَانِيًا لِيَأْتِيَ بِحَجٍّ صَحِيحٍ وَيَتَخَلَّصَ مِنْ الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ شَدِيدُ التَّعَلُّقِ فَيَكُونُ لَازِمًا لِلْمُحْرِمِ حَتَّى يَأْتِيَ بِأَعْمَالِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي فَاسِدِ نُسُكِهِ) خَرَجَ بِالْفَاسِدِ الْبَاطِلُ كَأَنْ ارْتَدَّ فِيهِ، فَلَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ ق ل. وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الْفَاسِدِ
لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَصُورَةُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَاسِدًا أَنْ يُفْسِدَ الْعُمْرَةَ بِالْجِمَاعِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ وَيَنْعَقِدُ فَاسِدًا عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ. قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَإِذَا سُئِلْت عَنْ إحْرَامٍ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا فَهَذِهِ صُورَتُهُ وَلَا أَعْلَمُ لَهَا أُخْرَى اهـ. وَأَمَّا إذَا أَحْرَمَ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَلَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الْفَوَاتُ فَقَالَ: (وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ) بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَذَلِكَ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَ حُضُورِهِ عَرَفَاتٍ وَبِفَوَاتِهِ يَفُوتُ الْحَجُّ (تَحَلَّلَ) وُجُوبًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ لِئَلَّا يَصِيرَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، وَاسْتِدَامَةُ الْإِحْرَامِ كَابْتِدَائِهِ وَابْتِدَاؤُهُ حِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ وَلَمْ يَحْصُلْ التَّحَلُّلُ (بِعُمْرَةٍ) أَيْ بِعَمَلِهَا فَيَأْتِيَ بِأَرْكَانِهَا الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بَيَانُهَا. نَعَمْ شَرْطُ إيجَابِ السَّعْيِ أَنْ لَا يَكُونَ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ قُدُومٍ، فَإِنْ كَانَ سَعَى لَمْ يَحْتَجْ لِإِعَادَتِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) فَوْرًا مِنْ قَابِلٍ لِلْحَجِّ الَّذِي فَاتَهُ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ سَوَاءٌ كَانَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا كَمَا فِي الْإِفْسَادِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي فَوَاتٍ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ حَصْرٍ فَإِنْ نَشَأَ عَنْهُ بِأَنْ أُحْصِرَ فَسَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ فَفَاتَهُ الْحَجُّ وَتَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَا فِي وُسْعِهِ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تُوصَفُ حِجَّةُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالْبَاطِلِ. قَوْلُهُ: (وَصُورَةُ الْإِحْرَامِ إلَخْ) هَذِهِ فَائِدَةٌ جَدِيدَةٌ لَيْسَتْ تَصْوِيرًا لِمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا طَرَأَ فِيهِ الْفَسَادُ بَعْدَ صِحَّتِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) أَيْ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَصِحُّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا إذَا أَحْرَمَ وَهُوَ مُجَامِعٌ إلَخْ) هَذِهِ تَقَدَّمَتْ، وَغَرَضُهُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا الرَّدُّ عَلَى مَنْ جَعَلَهُ انْعَقَدَ فَاسِدًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " عَلَى الْأَصَحِّ ".
قَوْلُهُ: (وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ، أَمَّا مَعَ الْحَصْرِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي. قَوْلُهُ:(بِعُذْرٍ) أَيْ غَيْرِ الْحَصْرِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ حُضُورِهِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: " وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ ".
قَوْلُهُ: (تَحَلَّلَ وُجُوبًا) أَيْ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ، أَيْ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَجِّ عَلَى الْأَوْجَهِ ز ي؛ لِأَنَّهُ إذَا أَتَى بِأَعْمَالِهَا خَرَجَ مِنْ الْحَجِّ وَصَارَ حَلَالًا. وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْعُمْرَةِ كَمَا قَالَهُ ز ي؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا التَّحَلُّلُ، وَلَا تُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ كَمَا يَأْتِي، فَلَوْ اسْتَدَامَهُ أَيْ الْحَجَّ الْفَاسِدَ حَتَّى حَجَّ مِنْ قَابِلٍ لَمْ يُجْزِهِ مَا لَوْ وَقَفَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُصَابِرَ الْإِحْرَامَ لِلطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِبَقَاءِ وَقْتِهِمَا لِأَنَّهُ لَا آخِرَ لَهُ مَعَ تَبَعِيَّتِهِمَا لِلْوُقُوفِ، فَإِنَّهُ الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ. وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَابْتِدَاؤُهُ) أَيْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، وَقَوْلُهُ " لَا يَجُوزُ " أَيْ لِبَقَاءِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ عَلَيْهِ ح ل. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " وَابْتِدَاؤُهُ " أَيْ مِنْ هَذَا الْمُحْرِمِ أَوْ ابْتِدَاؤُهُ حَجًّا كَمَا قَالَهُ سُلْطَانُ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ وَيَنْعَقِدُ عُمْرَةً. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ: أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ ابْتِدَاءَهُ حِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لِهَذَا الْمُحْرِمِ أَوْ ابْتِدَاؤُهُ حَجًّا، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِشَخْصٍ آخَرَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَيَنْعَقِدُ عُمْرَةً، شَيْخُنَا. قَوْلُهُ:(أَيْ بِعَمَلِهَا) وَمَا فَعَلَهُ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَحْصُلُ بِوَاحِدٍ مِنْ الْحَلْقِ وَالطَّوَافِ الْمَتْبُوعِ بِالسَّعْيِ لِسُقُوطِ حُكْمِ الرَّمْيِ بِالْفَوَاتِ، فَصَارَ كَمَنْ رَمَى وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْعُمْرَةِ؛ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ بِهَا. قَالَ سم: يَنْبَغِي عِنْدَ كُلٍّ مِنْهَا أَيْ مِنْ أَعْمَالِهَا إذْ لَيْسَتْ عُمْرَةً حَتَّى يَكْفِي لَهَا نِيَّةٌ فِي أَوَّلِهَا.
قَوْلُهُ: (بِأَرْكَانِهَا الْخَمْسَةِ) لَوْ سَكَتَ عَنْ لَفْظِ خَمْسَةٍ لَكَانَ صَوَابًا، إذْ لَيْسَ هُنَا نِيَّةُ إحْرَامٍ بِهَا وَإِنَّمَا هُنَا نِيَّةُ تَحَلُّلٍ وَلَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِهَا م د.
قَوْلُهُ: (فَوْرًا) وَلَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِطَاعَةُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ مَاشِيًا، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ فَأَكْثَرَ؛ وَهَذِهِ الْعُمْرَةُ الَّتِي حَصَلَ التَّحَلُّلُ بِهَا لَهَا تَحَلُّلَانِ: الْأَوَّلُ: يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْحَلْقِ أَوْ الطَّوَافِ الْمَتْبُوعِ بِالسَّعْيِ إنْ كَانَ هُنَاكَ سَعْيٌ، وَالتَّحَلُّلُ الثَّانِي بِفِعْلِ الْآخَرِ؛ فَقَوْلُهُمْ " الْعُمْرَةُ لَهَا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ " أَيْ غَيْرُ عُمْرَةِ الْفَوَاتِ. قَوْلُهُ:(لِأَنَّهُ) أَيْ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ. قَوْلُهُ: (فَسَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ) أَيْ أَطْوَلَ مِنْ الْأَوَّلِ، أَمَّا لَوْ سَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ أَوْ أَقْرَبَ