الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أخبر أن الشيخ أبا داود، ذكر في كتابه الذي سماه "التنزيل" رسما مزيدًا له، أي: مرسومًا زاده على ما في "المقنع"، و"العقيلة" بمعنى أن جملة المرسوم التي اشتمل عليها التنزيل أكثر من جملة المرسوم التي اشتمل عليها قد انفرد عن الآخر بحروف، قال ابن بشكوال في كتاب "الصلة" سليمان بن أبي القاسم نجاح مولى أمير المؤمنين هشام المؤيد بالله سكن دانية وبلنسية، يكنى أبا داود روى عن أبي عمرو عثمان بن سعيد المقرئ وأكثر عنه، وهو أثبت الناس فيه، وكان من جملة المقرئين وعلمائهم عالما بالقرآن ورواياتها، حسن الضبط لها دينا فاضلا ثقة، له تآليف كثيرة في معاني القرآن العظيم وغيره، وكان حسن الخط، جيد الضبط، روى الناس عنه كثيرا، توفي يوم الأربعاء بعد صلاة الظهر، ودفن يوم الخميس لصلاة العصر بمدينة بلنسية، واحتفل الناس لجنازته، وتزاحموا على نعشه وذلك في رمضان ليست عشرة ليلة خلت منه سنة ست وتسعين وأربعمائة للهجرة، وكان مولده سنة ثلاث عشرة وأربعمائة للهجرة، فعمره ثلاث وثمانون سنة. "انتهى"
…
ومن أشهر كتبه "التنزيل"، ومنها "التبيين"، وهو الذي يشير إليه في التنزيل بالكتاب الكبير.
أسباب نظم الموجز:
ثم قال:
فجئت في ذاك بهذا الرجز
…
لخصت منهن بلفظ موجز
وفق قراءة أبي رؤيم
…
المدني ابن أبي نعيم
حسبما اشتهر في البلاد
…
بمغرب لحاضر وبادي
أخبر أنه جاء وأتى بهذا الرجز في ذاك، أي: الرسم المتقدم، وأنه لخص منهن، أي: من الكتب الثلاثة المتقدمة، وهي: المقنع، والعقيلة، والتنزيل، والتنزيل بلفظ موجز، أي: مختصر.
وقوله: وفق مفعول لخصت، أي: لخصت من الكتب الثلاثة بلفظ مختصر الرسم الموافق لقراءة أبي رؤيم المدني الذي، هو الإمام نافع بن أبي نعيم، وحسب من قوله حسبما بفتح السين بمعنى مثل صفة لموصوف محذوف، أي: تلخيصا، وما مصدرية وفاعل
اشتهر ضمير يعود على مقرئ نافع، وباء بمغرب بمعنى في، وهو بدل من قوله في البلاد، ولام الحاضر بمعنى عند، والحاضر ساكن الحاضرة، والبادي ساكن البادي البادية، والتقدير خصصت منهن مقرئ نافع بالذكر كما اختص بالشهرة في المغرب، ومعنى ما ذكر من تلخيصه الرسم الموافق لقراءة نافع من الكتب الثلاثة، أن تلك الكتب تعرض مؤلفوها لما خالفت فيه المصاحف العثمانية الرسم القياسي باعتبار قراءات الأئمة السبعة، والناظم لم يتعرض من ذلك إلا لما خالفته فيه باعتبار قراءة نافع المشتهرة بالمغرب.
والرجز أحد البحور الخمسة عشرة المشهورة، وأجزاؤه: مستفعلن ست مرات، وقد أتى الناظم بأبيات كثيرة من بحر السريع، وأجزاؤه: مستفعلن مستفلن مفعولات مرتين، كقوله:
أثبته وجاء ربانيون
…
عنه بحذف مع ربانيين
فأما أنه أراد بالرجز معناه اللغوي، وهو كل ما قصرت أجزاؤه، أو أنه غلب الرجز الاصطلاحي؛ لأن أبياته الواقعة في النظم أكثر من أبيات السريع.
وقوله: أبو رؤيم بالتصغير كنية لنافع، والمدني نسبة إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، ونافع: هو أحد الأئمة القراء السبعة الذين اشتهر ذكرهم في جميع الآفاق، ووقع على فضلهم وجلالتهم الاتفاق، وهو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم مولى جعونة بفتح وسكون العين، وفتح الواو ابن شعوب الليثي، وجعونة حليف حمزة بن عبد المطلب، وقيل غير ذلك.
وأصل نافع من أصبهان وهو من الطبقة الثانية بعد الصحابة، ويكنى بأبي رؤيم، وأبي نعيم وأبي عبد الله، وأبي عبد الرحمن، وأبي الحسن، والأولى أشهر كناه ولذا اقتصر عليها الناظم.
وكان رضي الله عنه عالما صالحا خاشعا مجابا في دعائه، إماما في علم القرآن، وعلم العربية، أم الناس في الصلاة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم ستين سنة قرأ على سبعين من التابعين، وقرأ على مالك الموطأ، وقرأ عليه مالك القرآن، وقال قراءة نافع سنة، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة المشرفة، وأجمع الناس عليه بعد شيخه أبي جعفر، وقرأ عليه: مائتان
وخمسون رجلا، وكان إذا تكلم تشم من فيه رائحة المسك، فقيل له: اتتطيب كلما قعدت تقرئ الناس؟ فقال: ما أمس طيبا، ولا أقرب طيبا، ولكني رأيت -فيما يرى النائم- النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في في، وفي رواية يتفل في فمي، فمن ذلك الوقت تشم من في هذه الرائحة، قال المسيبي: قلت لنافع ما أصبح وجهك وأحسن خلقك فقال: وكيف لا وقد صافحني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولد رضي الله عنه سنة سبعين، وتوفي بالمدينة سنة تسع وستين ومائة للهجرة في خلافة الهادي على الأصح، وروي أنه لما حضرته الوفاة، قال له أبناؤه، أوصنا، فقال: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، قال أبو محمد مكي في التبصرة، وكان -يعني نافعا- يقرئ الناس بكل ما قرئ الناس بكل ما قرئ عليه مما رواه ألا يسأله إنسان عن قراءته، فيأخذ عليه فلذلك كثر الاختلاف عنه، انتهى. وزاد في الإبانة إيضاحا فقال ما نصه: فإن يسأل سئل فقال: ما العلة التي من أجلها كثر الاختلاف عن هؤلاء الأئمة يعني السبعة، وكل ولحد منهم قد انفرد بقراءة اختارها مما قرأ به على أئمته، فالجواب أن كل واحد من الأئمة قرأ على جماعات بقراءات مختلفة، فنقل ذلك على ما قرأ، فكانوا في برهة من أعمارهم يقرئون الناس بما قرأوا فمن قرأوا عليهم بأي حرف كان لم يردوه عنه إذا كان ذلك مما قرأوا به على أئمتهم ألا ترى أن نافعا1 قال: قرأت على سبعين من التابعين فما اتفق على اثنان أخذته وما شذ فيه واحد تركته، وقد روي عنه أنه يقرئ الناس بكل ما قرأ به حتى يقال له: نريد أن نقرأ عليك باختيارك مما رويت، وهذا: قالون2 ربيبه وأخذ الناس به، وورش3 أشهر الناس في المتحملين عنه: اختلفا في أكثر
1 نافع المدني، هو نافع بن عبد الرحمن الليثي، أحد أصحاب القراءات السبع الصحيحة نشأ بالمدينة، أخذ العلم قراءة عن سبعين من التابعين، ومع هذا فلا بعد ثقة، ومن تلامذه الأصمعي وقالون عيسى بن ميناء، توفي سنة 169هـ 785م. ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري 4/ 87-2، والمشاهير لابن حبان: 141 وغاية النهاية لابن الجزري 2/ 330، وميزان الاعتدال للذهبي 3/ 227. والتهذيب لابن حجر 10/ 407، والأعلام للزركلي 8/ 317.
2 قالون: هو أبو موسى عيسى بن ميناء بن وردان أصله من المدينة، ولد سنة 120هـ/ 738م، وتتلمذ على نافع، كان يعد في عصره حجة في القراءات في الحجاز على الرغم من وقر في أذنه، توفي قالون رحمه الله سنة 220هـ/ 835م، ترجمته في: الفهرس لابن النديم: 28، والتيسير للداني: 4، وإرشاد الأريب للحموي: 4/ 103، وغاية النهاية لابن الجزري: 1/ 615، والنجوم الزاهرة لابن تغري: 3/ 235، والأعلام للزركلي: 5/ 297.
3 ورش: هو عثمان بن سعيد بن عبد الله القرشي المصري القيرواني، ولد في مصر سنة 110هـ. 728م، وتوفي بها أيضا سنة 197هـ/ 812م، تتلمذ على الإمام نافع، ترجمته في: التيسير للداني: 4، وغاية النهاية لابن الجزري: 1/ 502، والنجوم الزاهرة لابن تغري: 11/ 155، وشذرات الذهب لابن العماد: 1/ 349.