الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-119 -
هجوم على الأطبّاء
من كان يشكّ في شجاعتي وأني أقحم الأهوال وأنازل الرجال، فسأُريه اليوم أني أصنع هذا كله حين ألِجُ باختياري عرين الآساد، أُعرّض نفسي لمخالبَ تُمزّق جلد التمساح وأنياب تفتّت صُمّ الجنادل، بل بما هو أشدّ
…
أريد اليوم أن أهجم على الأطبّاء.
وأنا من غير أن أهجم عليهم ما نجوت من سكاكينهم ومباضعهم، ولا تزال آثارها في بطني خطوطاً لم تمحُها الأيام. فكيف إذا فتحت عليهم باب القتال ودعوتهم إلى النزال؟ على أنها مباسطة لا إيذاء، وأنها مداعبة لا هجاء، والكلام فيها عامّ فكل واحد من الأطبّاء يرمي التبعة على غيره، فتضيع بينهم وتُقيَّد «جريمة ضدّ مجهول» .
لمّا كنّا صغاراً في الشام كان الأطبّاء عندنا معدودين، وكانوا كلهم من السِّمان، أي أنهم من «الوزن الثقيل» . فاستقرّ في ذهني أن من شروط الطبيب أن يكون متراكب الشحم واللحم، فإن كان هزيلاً لم يكن طبيباً حاذقاً. وكان من الأطبّاء واحد مشهور يزيد
وزنه على مئة وأربعين كيلاً. ولم تكن السيارات يومئذ كثيرة في الشام فكان الناس يركبون العربات التي تجرّها الخيل، فكنّا نراه إذا وضع رجله على درجة العربة ليركب فيها مالت به من ثقله.
ومن أطرف الحوادث أن شاباً صغيراً كان يركب دراجة، ولم يكن ماهراً بركوبها فصدم زوجة ضابط فرنسي كانت تمشي معه، لم يؤذِها ولكن أفسد ثوبها وكشط جلد ساقها. فأمسك به الضابط وسأله: ما اسمك؟ قال: إبراهيم الساطي (وهذا هو اسم الطبيب المشهور). فقال له: وأين تسكن؟ فأعطاه عنوان الدكتور الساطي.
ولمّا وصلت القضية إلى حاكم الصلح (الفرنسي) بعث يدعو الدكتور إبراهيم الساطي، فحضر المحاكمة وكان يلهث وينفخ من التعب كأنه قطار الزبداني (أكبر قطارات الأرض عمراً ولا يزال يمشي، ما قعد ولا تقاعد)، وسأله متعجّباً: لماذا دُعيتُ، وما الذي وقع مني؟ فقال له القاضي: إنك صدمت السيدة المدّعية بدرّاجتك. فقال: بدرّاجتي؟!
وضجّ كل من في المحكمة بالضحك ودُهشت المرأة المدّعية وزوجها. وقال الدكتور ضاحكاً: أيّ دراجة تحملني؟ فتنبّه الضابط وزوجته إلى النكتة التي وقعا فيها، وقال القاضي: إني معجب بذكاء هذا الفتى، وإذا كان حاضراً وعرّف بنفسه فإنني أسامحه وأُسقِط الدعوى عنه. فخرج من بين الناس وقدّم نفسه إليه معتذراً عمّا وقع منه، فسامحه وأسقط الدعوى عنه.
وكان طبيب أسرتنا حاذقاً خبيراً بمهنته ولكنه كان نحيفاً،
اسمه الدكتور صادق اللبابيدي، وكانت عيادته في باب البريد في دمشق. فكنت كلّما ذهبت إليه أتعجّب منه ولا أصدق بأنه طبيب لأن من سمات الأطبّاء أن يكونوا من الوزن الثقيل.
* * *
ولما ذهبت إلى مصر للدراسة فيها سنة 1928 شكوت ألماً في مفاصلي، فأخذني شريك خالي وزوج أختي عبد الفتاح قَتْلان (رحمة الله عليه) إلى طبيب يونانيّ سمين جداً لا يعرف العربية، فاجتمعَت فيه صفات البراعة كلها وهي: الشحم واللحم وأن يكون «خواجة» أجنبياً، لأننا كنّا مع الأسف نعتقد أن كل شيء أجنبي هو أفضل وأرقى من الوطني.
هذا ما يعتقده العامّة والجَهَلة من الناس والأطفالُ الصغار، وكنت واحداً منهم. فلما كشف عليّ وجسّ نبضي شكوت إليه ما بي، فأظهر الفزع والدهشة وسأل: لماذا تأخّرت إلى الآن؟ وكان الذي ينقل كلامه ترجمان لا يكاد يُحسِن العربية أيضاً، فأدخل الرعب في قلبي. وتكلّم الطبيب كلاماً كثيراً فهمت منه أن عظامي ينقصها الكلس وأنني إذا أكثرت الحركة أو حملت شيئاً ثقيلاً انقصفَت عظامي. فذهبت إلى الدار، وكنت أنزل عند خالي مُحبّ الدين الخطيب في شارع الاستئناف في باب الخلق، وخالي لم يراجع في عمره طبيباً، كانت حرارته تصل إلى الأربعين وهو منغمس في عمله لا يجد (كما كان يقول) وقتاً للمرض. فلما جئته واضطجعت على السرير وأبيت أن أتحرّك سخر مني ومن الطبيب الذي أمرني بهذا. ولكني لم أبالِ يومئذ بسخريته لِما استقرّ في
نفسي من أثر كلام الطبيب.
ثم مرّت الأيام والسنون ومارست أنواعاً من الرياضة ومشيت كثيراً وصعدت ذُرى الجبال وحملت الأثقال، ولم ينكسر لي بحمد الله عظم، بل ازداد قوّة وأَيْداً.
فأول ما أهجم به على الأطبّاء أن بعضهم يخوّف المريض، فإذا خاف ذهبَت مقاومته وتغلّب عليه المرض.
وممّا وقع لي من هذا الباب أنني عملت سنة 1956 عمليات كثيرة في بطني سأعرض لذكرها إذا جاءت مناسبتها، وكان الشقّ لا يزال مفتوحاً ولكنني هربت من المستشفى وجئت إلى بيتي وذهبت لزياراتي المعتادة، لأن من يقيم في المستشفى لا يجد إلاّ ما يذكّره بالمرض ويُبعِد عنه الشفاء، فلما خرجت وخالطت الناس كما كنت أفعل، ودخلت في مناظرات علمية وأحاديث اجتماعية نسيت مرضي.
وذهبت وأنا في هذه الحال أزور صديقاً لنا كان مسكنه في الطبقة الرابعة، ولم يكن للعمارة مصعد فصعدت الأدراج كلها على قدمي، فلما ضمّنا المجلس عرّفنا بولد له عاد حديثاً من دراسة الطبّ والاختصاص في الجراحة، فأحببت أن أناقله الحديث فلم أجد إلاّ أن أصف له ما أُحِسّ به وما يقع لي، فما فتح الله عليه بشيء إلاّ أن قال لي: إن ما وقع لك ربما يؤدي إلى سُلّ في العمود الفقري.
لم أستطع أن أفهم بقية الكلام لأن الرعب الذي أدخله عليّ سدّ مسالك الفهم أمامي، وكنت قاعداً مستوي الظهر أتكلّم كما
يتكلّم الأصحاب، فما أحسست إلاّ وقد سقطت منهاراً، ولم أعُد أقدر على النزول إلى الشارع إلاّ بمساعدة الإخوان، يمسكون بكتفي ويعينونني على النزول، مع أنني صعدت على قدمي كما يصعد الناس. وعدت إلى المستشفى أُخبِر الطبيب الذي كان يقوم عليّ والذي أجرى العمليات لي (وهو جرّاح ماهر اسمه الدكتور مظهر المهايني) وكبير أطبّاء الشام الدكتور حسني سبح (رئيس مجمع اللغة العربية الآن في دمشق) والأستاذ الكبير الدكتور حمدي الخياط
…
فلبثوا جميعاً أياماً حتّى استطاعوا أن يُزيلوا من نفسي أثر هذه الكلمة التي قالها الطبيب الشاب، جهلاً من غير علم ومن غير تحقيق.
* * *
ومن الأطبّاء الذين عرفتهم من يكشف على المريض، فإذا سأله عن مرضه لم يخبره بشيء بل طمأنه بكلام عامّ. فإذا كان المريض متعلّماً لم يقنعه هذا من الطبيب، لأنه يريد أن يُرضي غرور نفسه ورغبته في الاطلاع فيعرف شيئاً عن المرض. ومن أطبّائنا من يمشي على طريقة الإفرنج فيشرح للمريض حقيقة مرضه والأعراض التي يمكن أن تنشأ عنه، وربما كان في هذا الشرح والبيان ما لا يحتمله المريض. كما وقع لصديق لنا، أستاذ من أبرع الأساتذة، شابّ صغير السن كبير العلم، كان يدرّس في جامعة الرياض، فأصابه المرض الخبيث، فجاء طبيب غير عربي فخبّره به، فإذا بالوهم يوهن صحّته حتّى صار جلداً على عظم ولم يعُد يُعرف له لون، وما زال يذوي كما يذوي الغصن ويذوب كما تذوب الشمعة حتّى تُوفّي وذهب إلى رحمة الله.
فعلى الطبيب أن يكون نبيهاً، فمَن كان من المرضى على شيء من العلم شرح له مرضه شرحاً لا يُخيفه ولا يُبقيه في جهالة، وهذا ما يصنعه صديق لنا من الأطبّاء كان أستاذاً في كلّية الطبّ في دمشق هو الدكتور عارف الطّرَقْجي. أي أنّ على الطبيب أن يداوي بنباهته وذكائه ولطف حِسّه وصفاء نفسه ومعرفته بأصناف المرضى قبل أن يداوي بطبّه وبعقاقيره.
وممّن عرفت من الأطبّاء قوم لا يستطيعون أن يَصلوا إلى معرفة المرض ولا يجرؤون على الإقرار بالجهل، فهم يكدّسون في وصفة الدواء أنواعاً من المسكّنات التي تذهب بالألم ولكنها لا تأتي بالشفاء.
وهذا في رأيي أقرب إلى أن يكون خيانة من الطبيب، ذلك لأن الألم جعله الله علامة على المرض، فإذا جاء الطبيب فمحاه لم يعُد يَعرف المريضُ مكانَ مرضه ولا الطبيبُ طريقَ علاجه. فمثال هذا الطبيب الذي يعمد إلى المسكّنات وحدها كمثل لصّ دخل الدار فترك آثار أقدامه وبصمات أصابعه، فدعوت شرطياً، فبدلاً من أن يصل منها إلى معرفة اللصّ جاء بخرقة وصابون فمسحها ونظّف البيت وأزال هذه الآثار! أي أنه تحوّل من شرطي يحفظ الأمن إلى خادم ينظّف البيت، ولو اقتصر الأمر على هذا لهان، ولكنه أجرم جريمة حين محا العلامات التي تدلّ على المجرم.
وممّن عرفت من الأطبّاء من يجمع عدداً من أدوية المرض، بعد أن يخبره به المريض بلسانه أو يصل هو إلى معرفته بتشخيصه؛ لا يكتفي بالعقّار الواحد بل يجمع عدداً منها خوفاً
من أن يعجز أحدها عن الشفاء فيقوم به الآخر. وأنا بمقدار علمي القليل أعرف أن لكل دواء من الأدوية أو عَقّار (1) من العقاقير أثراً مقصوداً وآثاراً جانبية أخرى، وأن عمله وحده قد يختلف عن عمله إذا رُكِّب مع غيره. فهؤلاء الأطبّاء الذين يجمعون عدداً من الأدوية للمرض الواحد ولا يعرفون تأثير تركيبها الكيميائي إذا اجتمعت، قد يضرّون من حيث يقدّرون أنهم ينفعون.
ومنهم من يستر عجزه عن معرفة المرض بستار كثيف عريض طويل فيقول لك: إنها «حساسية» وليست مرضاً، وفي دعوى الحساسية متسَع للجميع.
وممّا لا ينتبه له كثير ممّن عرفت من الأطبّاء أنهم يصفون دواء لمرض ربما كان في جسد المريض مانع من استعماله. كان عندنا في كلية التربية في مكّة من أكثر من عشر سنين أستاذ سوداني، كان -كما أظنّ- رئيساً لقسم علم النفس في الكلّية. وكان رجلاً عالِماً صالحاً ديّناً، وكان يشكو من البول السكري، فذهب إلى أحد المستشفيات فوصف له طبيب دواء وأمره باستعماله، فقال له إن هذا الدواء لا يُستعمَل في مثل حالته ونبهه إلى أن ذلك مكتوب في الورقة التي تكون عادة في علبة الدواء، ولكن الطبيب أصر على وجوب استعماله وأعطاه شيئاً منه، فما أمسى على الأستاذ المساء حتّى أدركته الوفاة. وكان هذا الطبيب مُعاقَداً معه، وقد فُصل وأظن أنه عوقب، ولكن ما الفائدة وقد مات الأستاذ؟
(1) عقّار على وزن خبّاز وجزّار.
وبعض من عرفنا من الأطبّاء يصنعون صنع المنجّم الذي سقط في الحفرة؛ ذلك أن رجلاً كان يمشي في البرية وهو يراقب النجوم، وكان أمامه حفرة فسقط فيها ولم يستطع الخروج منها وجاء يصيح ويستنجد، فجاء من أخرجه منها وقال له: قبل أن تنظر إلى النجم البعيد فوق رأسك انظر إلى الثرى القريب تحت قدميك.
لما فشت الكوليرا في مصر سنة 1947 كنت تلك السنة كلها مقيماً فيها، في بعثة من وزارة العدل في الشام إلى وزارة العدل في القاهرة لإعداد بعض القوانين. ولما طال أمد المرض جاءت بعثات طبية من البلاد العربية لتساعد أطبّاء مصر (على كثرتهم وعلو كعبهم في طبّهم) في مكافحة الداء. وكنت أزور البعثة السورية في فندق الكونتيننتال في ميدان الأوبرا فأبقى معهم، وكنت أشكو صداعاً ملازماً لا يكاد يفارقني، فقلت لهم يوماً: يا إخواننا، أنتم أطبّاء كبار وأنا أشترك معكم في الحديث وأنفرد وحدي بالألم، أفلا تعرفون طريقاً لإزالة هذا الصداع وإراحتي منه؟
فاهتموا وجعلوا يسألونني ويتدارسون الأمر بينهم، ويفترضون أبعد الفروض ويذكرون أمراضاً سمعت بها وأمراضاً لم أسمع بها، كأن كل واحد منهم كان يريد أن يُظهِر علمه على حسابي أنا! وانتهى الأمر بهم أن كتبوا لي دواء اتفقوا عليه وزعموا بأنه هو الذي يشفي ما بي ويُريحني من آلامي وأوصابي. فأخذت الوصفة وذهبت أفتّش عنه فلم أجده، وانقطعت عنهم أياماً، وشعرت كأن أمعائي في حاجة إلى مسهل فأخذت أحد المسهلات
المعروفة، فذهب الصداع. فرجعت إليهم وقلت لهم: إن مثلكم مثل هذا الفلكي الذي رأى النجم ولم يرَ الحفرة القريبة.
فبعض مَن عرفت من الأطبّاء يتركون الدواء القريب ويصفون الأدوية الصعبة النادرة، أو يفترضون الأمراض المعضلة والأمر أهون من ذلك وأقرب.
وممّن عرفت من الأطبّاء مَن هَمّه الاستكثار من الزبائن وجمع المال، فإذا كان يومه يتسع لفحص عشرة من المرضى يضرب موعداً لعشرين.
ومنهم أساتذة كبار يأتون من بلادهم إلى بلاد أخرى، فيستقبلهم المستشفى الذي دعاهم بدعاية ضخمة وإعلان طويل عن مرتبة هذا الطبيب العلمية وعن شهاداته وعن منزلته، وربما كان ذلك كله حقاً، ولكن المصيبة أنهم يفحصون المريض فحصاً عاجلاً لا يستطيعون به أن يدركوا حقيقة مرضه، وربما احتاج الأمر إلى عيادة أخرى بعد أمد فيكون الطبيب قد رجع إلى بلده. ومنهم من يتخذ من هذه الزيارة سبباً مادياً للربح فيوهم المريض أن مرضه يستدعي عملية جراحية أو إقامة طويلة في المستشفى، ولا يكون ذلك إلاّ في بلد هذا الطبيب وبإشرافه، فيصدق المريض هذا الكلام فيضيع وقته ويذهب ماله ويدع عياله ويسافر، والأمر كله لا ضرورة له ولا حاجة إليه.
أي أن ممّن عرفنا من الأطبّاء من له علم ولكن ليس له ضمير. وقد بلغني أن هذا الداء قد وصل إلى لندن، وكنّا قديماً نضرب الأمثال بأخلاق الإنكليز حتّى إن حافظ عفيفي باشا ألف
كتابه المعروف «الإنكليز في بلادهم» فصوّرهم فيها كأنهم أشباه ملائكة يمشون على الأرض! ولمّا كنّا صغاراً صدر كتاب «التربية الحديثة» لإدمون ديمولان، ومن قبل ذلك أُعجِب فولتير ثم أندريه موروا بالإنكليز وكتب عنهم، ولكن يظهر أن حبّ المال يُفسِد الأفراد والشعوب، فصار الطبّ كما سمعنا الآن في تلك البلاد وسيلة لابتزاز المال وسلعة تُباع في الأسواق.
ومن عيوب كثير ممّن عرفنا من الأطبّاء إخلاف المواعيد؛ فهو يَعِد المريض الساعة الثامنة صباحاً وهو يعلم أن الكشف عن مرضه يستلزم نصف ساعة أو ساعة، وأن عليه أن يَعِد المريض الذي بعده في الساعة الثامنة والنصف والمريض الثالث في الساعة التاسعة
…
ولكن كثيراً من الأطبّاء يضربون موعداً واحداً لجماعة من المرضى حتّى يُجبِروهم على الانتظار، وأكثر ما يكون ذلك عند أطبّاء العيون والأسنان.
وقد ذهبت مرة إلى طبيب عيون في مصر وراء باب اللوق (الذي سُمّي تارة ميدان الفلكي وتارة ميدان الأزهار)، فوجدت غرفة الانتظار ممتلئة بالناس، فيها أكثر من عشرين مريضاً يرقب كلٌّ موعدَه والطبيب لا يستدعي أحداً منهم. فلما طال الانتظار سألت من هو إلى جانبي: متى موعدك مع الطبيب؟ فقال: الآن. وسألت غيره فقال: الآن
…
وإذا الطبيب قد أعطاهم جميعاً موعداً واحداً!
ولمّا طال الأمر ولم يُدعَ أحدٌ من المرضى غضبت ونسيت أصول اللباقة وقواعد السلوك واقتحمت على الطبيب غرفته،
وإذا هو مع صديق له يشربان القهوة ويتحدّثان ويتقارضان النكت ويضحكان! فأراد أن يثور بي أني دخلت عليه بلا إذن، ولكن غضبي والحقّ الذي كنت أراه معي قابلها بثورة أعنف منها بعشرين مرّة، فابتلعَتها وأخفَتها وجعلَت الطبيب يتضاءل ويعتذر فلا ينفعه الاعتذار، لا لقوّتي وضعفه بل لأن الحقّ معي والباطل معه. ثم خرجت على المنتظرين فقصصت عليهم ما كان وعرّفتُهم ماذا يصنع الطبيب، فخرجوا جميعاً ولم يبقَ في غرفة الانتظار أحد.
ومن الأطبّاء الذين عرفتهم مَن يفخر بكثرة المنتظرين في عيادته، يؤخّرهم عمداً ليوهم الناس أنه طبيب مقصود وأنه كثير الزبائن.
* * *
والحديث عن الأطبّاء يجرّ الحديث عن الممرّضات. وهو حديث طويل لا تكفي فيه فقرة عارضة في مثل هذه الحلقة، بل لا بدّ له من حلقة كاملة بل حلقات. أضرب مثلاً قريباً جداً: إحدى حفيداتي عَرضَت لها الولادة، ولم تكن ولادتها الأولى بل الثانية، فذهبوا بها إلى مستشفى أقامته الدولة للولادة، جعلَته بوسائله وتجهيزاته لا يقلّ عن المستشفيات العظيمة في البلاد التي نسمّيها متمدّنة ونُكبر أهلها ونعظّمهم في قرارة نفوسنا، مستشفيات أوربّا وأميركا، أنفقَت الدولة عليه وعلى أمثاله الأموال الطائلة وهي تستطيع ذلك، ووضعت فيه أحدث الوسائل وأغلاها وأعلاها وهي تستطيع ذلك، لم تدّخر جهداً ولم تقصر في إقامة المستشفى وتجهيزه، ولكن الدولة التي تقدر أن تصنع هذا كله لا تقدر أن
تصنع الضمائر لمن ليس له ضمير ولا أن تضع اللطف والإنسانية فيمن حرمه الله الإنسانية واللطف!
وجدنا في هذا المستشفى ممرّضات لا يعرفن لغة المريضة ولا يفهمن عنها ما تقول. وأول شرط في الممرضة وفي الطبيب أن يعرف كيف يصل إلى قلب المريض. وكيف يصل إليه ويعرف آلامه ليعمل على إزالتها إذا كان لا يفهم لسانه؟ ووجدنا أن كثيرات منهن فقدن لُطف المرأة ورقّتها وفقدن المشاعر الإنسانية وسموّها، وكان مثَلهن كمثل جهاز صغير فاسد ثمنه ألف ريال وُضع في مصنع كبير كلف الملايين فأفسده ووَقَف حركتَه. ولا أريد الآن أن أذكر تفصيل ما كان، بل سأرفعه إلى أولياء الأمر في هذا البلد الذين يحرصون على إرضاء الله أولاً ثم على راحة الناس وإسعادهم، لذلك ينفقون الأموال ولذلك يقومون بالمشروعات، ولذلك يسهرون ويخطّطون ويدأبون. فهل يُعقَل أن يذهب بهذا كله ممرضةٌ لا ضمير لها، أو طبيب إنما جاء ليقضي أياماً معدودة يجمع فيها أكبر قدر من المال ثم يمضي به، لا يهمّه صحّة البلد ولا سلامة أهله، وآخَر من أهل البلد ولكنه ليس من أهل الأمانة والدين؟
هذه كلمة عارضة قلتها امتثالاً لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قال: «الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» ، كلام قلته الآن موجَزاً وإذا اقتضى المقام عدت إليه مفصَّلاً ومبيَّناً.
وأنا أعلم أن قضية الممرّضات مشكلة من المشكلات. وقد
وقعنا فيها من قبل في الشام فجرَّبوا تجارِب كثيرة، منها أنهم اتفقوا مرة مع الراهبات. وقد قضيت شهوراً في مستشفى الحكومة في السنة التي أشرت إليها (1956) ورأيت هؤلاء الراهبات: إنهنّ متسترات لا يبدو منهن إلاّ الوجه والكفان فقط، ثيابهن نظيفة أبداً وعملهنّ غالباً مضبوط، ولكن الضرر منهن أكبر مرّات ومرات من النفع بهن لأنهن لا يَنسين دينهنّ وأنهنّ داعيات إلى النصرانية وأن عملهنّ الأول أن يُدخِلن المريضات في النصرانية، فإن لم يستطعن عملنَ على إخراجهن من الإسلام، فإن لم يقدرن على ذلك سعين بمهارة شيطانية إلى إضعاف الإيمان في نفوسهن.
فلا الممرّضات المدَنيات نفعْنَنا ولا الراهبات أفدنَنا، فما العمل إذن؟
هذه مشكلة لا أستطيع أنا وحدي حلّها، ولا بد لها من مؤتمر أو مؤتمرات تفتّش عن طريق يوصل إلى الغاية المطلوبة ولا يمرّ بسالكه على جهنم، ذلك لأن صحة الأبدان لا يجوز أن تكون وسيلة لإضاعة الأديان، والمسلم يتقيد بأحكام دينه، يترك الحرام ويقوم بالواجب في جميع الأمكنة والأزمنة، في كل الحالات والمقامات.
وأول ما يخطر على البال هو هذا السؤال: لماذا لا يكون في مستشفيات الرجال ويقوم على تمريض الرجال ممرّضون من الرجال؟ مَن يقدر أن يأتيني بحُجّة مقنعة واضحة بأن الرجل لا يستطيع أن يكون ممرّضاً وأنه لا بد من امرأة تكشف على عورات المرضى الأجانب وتكون معهم، وربما كانت مناوبة فباتت مع
الطبيب المناوب وحدهما بالمستشفى؟
التمريض ضروري والمهنة لا بدّ منها، لكن بشرط أن نبقى متمسّكين بأحكام ديننا فلا نُغضِب ربّنا لنشفي مرضانا، والشفاء من الله، والله لا يشفي بمعصيته بل يشفي بطاعته. وإذا زال المرض من الجسد مؤقتاً في هذه الدنيا بالمعصية فإن الحياة الحقيقية الطويلة هي الحياة الآخرة، فماذا ينفعنا شفاء المرض هنا وأن نُبتلى بمرض الحريق بنار جهنم؟
تقولون: لقد خرجت عن الموضوع
…
نعم. وإن هذه لم تعُد ذكريات وإنما صارت مواعظ
…
نعم، هذا صحيح. ولكن مَن قال لكم إن المواعظ مذمومة دائماً وإنه يجب الإعراض عنها وتركها دائماً، ولو توقفت عليها حياتنا وسعادتنا ورِضا ربنا؟
وبعد، فقد خرجت عن الموضوع حقيقة، ولكني سأعود إن شاء الله إليه فأسرد من الذكريات ما هو للأطبّاء، كما سردت في هذه الحلقة بعض ما هو عليهم.
* * *