الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-103 -
من ذكريات البصرة
يقولون إن العلم في الصغر كالنقش على الحجر، أي أنه يبقى ويخلُد (لو كان شيءٌ يخلد في هذه الدنيا!)، ولكني طالما رأيت نقشاً قديماً على الحجر الصلد قد مُحي، أو مُحي أكثره ولم يبقَ منه إلاّ كلمات معدودة.
وذكرياتي عن البصرة ليست نقشاً على حجر، بل ليست كتابة على ورق، وإنما هي صور حملَتها الذاكرة هذه السنين الطوال فأضعت على الطريق أكثرها، لذلك أسألكم أن تسامحوني إذا عرضتها جملة ولم أعرض تفاصيلها ودقائقها.
* * *
وصلت المدرسة فوجدت باباً كبيراً عليه حارس نبيه، فلم يفتح لي حتّى عرف من أنا وماذا أريد. ولكني عرفت لمّا دخلت المدرسة أن ساحتها ليس لها جدار من الخلف، أي أنها كقبر جحا التركي في قونية الذي زعم مَن رآه أن عليه الأقفال الثقال ولكن ليس له جدران، فمن شاء دار من حوله فدخل، كما دار الألمان في الحرب الثانية حول خط ماجينو الذي قالوا إنه مستحيل
الاختراق، فجاؤوا من بلجيكا فدخلوا فرنسا من الشمال.
وكنت أعرف «الفصل» الذي كُلّفت بالتدريس فيه، فلم أدخل على المدير كما هو مطلوب من مثلي، بل دخلت الصفّ (أي الفصل) رأساً. وكنت من الحَرّ قد نزعت ردائي (جاكيتي) وحملته، وشَمّرت كُمّي عن طرَف ساعدي، كأنني طالب كبير. ولا ينبغي للمدرّس أن يصنع مثل هذا، لا سيما في دروسه الأولى قبل أن يعرفه الطلاّب ويثقوا من علمه وفضله، ويثق هو من أدبهم معه واحترامهم له، ولكني أذكر ما كان.
ولقد وقعت لي هنا حادثة، سألوني مرّة في مقابلة صحفية عن أطرف ما وقع لي في حياتي في التعليم فتحدّثت بها.
هي بإيجاز أنني دخلت وسط المحاضرة (وكان هذا خطأ مني)، فسمعت المدرّس يودّع الطلاّب ويوصيهم بخَلَفه (الذي هو أنا) ويسمّيه لهم ويُثني عليه ويمدحه، فأعجبني ذلك منه وتقدّمت خطوتين، فصاح بي: يا زمال (1)، فين داخل؟ تأتي في وسط المحاضرة وتدخل على هذه الحال من قلّة الأدب! (وأشهد الآن أن الحقّ كان معه). قال: وأظن أنك لم تحضّر درسك، هل تستطيع أن تلخّص ما قلته أمس عن البحتري؟ هيا تكلّم عن البحتري يا زمال!
وأخذت أتكلّم عن البحتري بلغة سليمة ولهجة موزونة وإحاطة بالموضوع، أستشهد في كلّ موضوع بما قاله هو وما قال
(1) أي يا حمار، ولعلّها محرَّفة عن الزاملة
الناس فيه، وأشرح ما أجيء به من الشواهد. وشُدِه (1) وتركني أتكلّم عشر دقائق أو ربع ساعة، كانت عيناه فيها مفتوحتين وشفتاه متباعدتين وحاجباه مرتفعَين، هيئةَ المدهوش الذي فاجأه ما لم يكن يتوقع. حتّى إذا وقفتُ وقفة تنبّه فيها ممّا كان فيه، وقال: مَن أنت وما اسمك؟ قلت: علي الطنطاوي.
وأنا أدع للقرّاء أن يتصوروا أثر ذلك في نفسه بعد الذي قاله عني والذي سمعه مني. وخرج الطلاّب يتحدثون بذلك، وشاع في البلد، فكانت نكتة تُروى كما كان ذلك دعاية لي.
* * *
وسرتُ مع طلاّب البصرة سيرتي مع طلاّب بغداد؛ كنت أمْحَضهم النصح وأُخلص معهم العمل وأريد لهم الفائدة، وكنت -لوفرة ما كان لديّ يومئذ من معارف- أحرص على أن أنقل إليهم معارفي كلها، فعاد إليّ دائي القديم الذي لا يزال ملازمي إلى اليوم، في خطبي ودروسي وأحاديثي في الإذاعة وفي الرائي، وهو الاستطراد. تُذكّرني المسألة بأختها أو بابنة عمّها، فأكره أن أستأثر بها وألاّ أشارك السامعين فيها، فينقطع مني الخيط الذي يربط حبّات الموضوع. وأحياناً أستطرد فينتهي الاستطراد وأنسى الموضوع الأصلي، وهذا جدّ معي الآن بعدما كبرت، ولم يكن
(1) شُدِه من الأفعال التي تأتي مبنيّة للمجهول، مثلها مثل اضطُرّ وجُنّ واستُهتر. وعندي رسالة اسمها «إتحاف الفاضل فيما بُني لغير الفاعل» جمع فيها طائفة منها. فإن ذُكر الفاعل قلنا اضطَرّ بفتح الطاء:{ثمّ نَضْطَرُّهم إلى عذابِ الجَحيمِ} .
في الأيام التي أتكلّم عنها في هذه الحلقة.
وأنا لا أحبّ نزول الفنادق وأفضّل عليها غرفة واحدة يكون معي مفتاحها لا يدخلها غيري، على أن تكون مَرافقها معها (المطبخ والمرحاض والمغسلة). ولقد نزلت أفخم الفنادق في مصر (أعني القاهرة، لأني لم أزُر الإسكندرية ولم أزُر بلدنا طنطا، مع أني أقمت في مصر سنوات متفرّقات) وفي مدن أوربّا وفي بومباي وفي دهلي وسنغافورة وجاكرتا، وما اطمأننت ولا سكنت إلى واحد منها ولا ذهب من نفسي كرهها.
لذلك فتّشت من يوم وصلت البصرة عن دار أستأجرها. وكان أحد زملائنا في بغداد قد دلّني على قريب له يعمل فيها معلّماً في الابتدائية أعزب، وكتب إليه فاستقبلني في المحطّة، وكان دليلي ومساعدي (فأنا من صغري لا أحبّ دخول الأسواق ولا أكاد أشتري بنفسي شيئاً). فوجد لي داراً عربية، وأسكنتُه معي على أن يُعِدّ لي الطعام ويمشي معي إن احتجت، ولا أرزؤه شيئاً بل تكون النفقة كلّها عليّ.
ثم إن من أسوأ عاداتي (أو لعلّها من أحسنها، لا أعرف الحقيقة) أني أبقى أكثر ساعات الليل والنهار في بيتي، لا أحبّ أن أزور أحداً إلاّ إذا اضطُررت إلى زيارته أو كان ممّن أعرفه وآلفه، ولا أقعد في مقهى ولا أؤمّ نادياً ولا ملهى. أمّا الدعوة إلى الطعام فأنا أفرّ منها، لأني أعلم أنه يُقدَّم في الدعوات طعام هو أطيب في العادة من طعامي في بيتي ولكني أُسلَب في الدعوات حرّيتي في اختيار الطعام، وحرّيتي في اختيار وقت الأكل، وحرّيتي في اختيار الآكلين.
وكان رفيقي الذي ساكنته يستأذنني ويذهب فيسهر وأبقى وحدي، كما كان يذهب إخواننا الذين كنت أسكن معهم في بغداد وأبقى وحدي. ولم يكن في الدار رادّ (راديو) أستمع إليه، ولم تكن هذه الروادّ الصغيرة التي تعمل بالمدّخرة (بالبطارية) بل كان الرادّ على الكهرباء، وكان كبير الحجم ضخماً غالي الثمن. وأنا لم أضع في الدار إلاّ سريراً من الحديد وكرسيَين من الخشب ومنضدة رخيصة أكتب عليها وآكل عليها. فأصابني أرق شديد، كنت أحاول أن أُكرِه نفسي على النوم فتأباه عليّ، أو تريد هي النوم فيأبى عليها، فأكبس رأسي على الوسادة، ثم أيأس فأقوم فأقرأ حتّى أملّ من القراءة. وما كان معي إلاّ كتب معدودة، وكان في صدر الحارة التي سكنّا فيها قهوة فيها رادّ أو حاكٍ (فونوغراف) لا يزال يصدح بالأغاني إلى مَوْهن من الليل (الموهن نصف الليل) بصوت يغطّي دائرةً قطرُها مئة متر، فيعطّل كل مشغول ويوقظ كلّ نائم ويُزعج كل مريض، وصاحب القهوة لِيَطرَب هو ومن عنده يُكرب هؤلاء جميعاً ومثلهم معهم.
وكنت أرى الأصوات وأنا مغمض العينين وأحسّ بها! نعم والله؛ فصوت رفيع ثاقب مثل سنان الرمح، وصوت حادّ مثل شفرة السيف، وصوت ضخم مثل صخرة الجبل، وصوت أجشّ مثل عربة دواليبُها من الحديد تمشي على أرض مبلّطة بالحجارة
…
أراها بالعين فلا أنام حتّى أشعر كأنّ أعصابي قد تمزقَت وتقطعَت، وأقوم لصلاة الفجر كالذي مشى عليه فيلٌ فحطّم عظامه، ثم أُصبِح فأغدو إلى المدرسة.
ولمّا طال عليّ الأمر ذهبت إلى المستشفى، وكان فيه («فيه»
لا «فيها» كما يقولون، لأن المستشفى مذكر) طبيب من الشام اسمه الدكتور حسن السعدي، فأعطاني بعض المهدّئات. وعندي إلى الآن بضعة أقراص من هذه المهدّئات، وهي الكاردينال (من عيار غرام كامل)، لو أخذها المعمل الذي صنعها فحلّلها لعلم ماذا صنعت خمسون سنة مرّت بتركيبها الكيميائي. ثم ما زالوا يُنقِصون مقدارها حتّى صار القرص بعُشر غرام (100 ملّيغرام) ثم أُلغيت واستُحدثت أدوية جديدة.
ولم أستفِد منه ولم أنم. فأخذوني إلى طبيب إنكليزي أحسب أنه داواني بالوهم، فأعطاني قرصاً واحداً، أي حبّة بيضاء. ولا أدري كيف أدخل في نفسي القناعة أن مَن أخذها نام بعد خمس دقائق ولم يُفِق إلاّ بعد سبع ساعات، وأوصاني ألاّ آخذها إلاّ عند الحاجة الشديدة. فوضعتها إلى جانب فراشي وانتظرت وقت الحاجة الشديدة لآخذها، فنمت وهي إلى جانبي. وبقيَت معي حتّى تركت البصرة! فكانت لي كدَخينة (أي سيجارة) بسمارك.
* * *
رأيت البصرة لمّا جئتها مدناً ثلاثاً صغاراً، بينها كما يقول علماء المعاني من البلاغيّين: شبه كمال الاتصال أو شبه كمال الانفصال؛ فلا هي مدن مستقلّة ولا هي أحياء مدينة واحدة. وهي: ماركيل والعشار والبصرة.
أمّا «ماركيل» الذي سُمّي باسمه حيّ المحطّة فهو مَعقل ابن يسار رضي الله عنه، مسخ اسمَه الإنكليزُ بلسانهم المعْوَجّ فصار معقل ماركيل! وأمّا العشار فلا أعرف من أين جاءت هذه التسمية. وكنت
أسمع أن البصرة القديمة التي قرأنا أخبارها وروينا تاريخها هي الزُّبَير، ولست أذكر الآن كم تبعد الزّبير عن البصرة: عشرين أم خمسة وعشرين كيلاً؟ وكنت أمشي مثل هذه المسافة ذهاباً وإياباً بسهولة، فأخذت بضعة طلاّب وذهبنا إليها مشياً على الأقدام.
ولست أذكر منها إلاّ قبر الزبَير رضي الله عنه. وأكثر أهل الزبَير من نجد، وهم سلفيون حملوا إليها هذه السلفية التي دعا فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب (مجدِّد الإسلام في القرن الثاني عشر بلا نزاع) إلى العودة إلى التوحيد الخالص. ومَن عرفت منهم كان يتردّد في إقامته وفي عمله بين الزبَير والعشار (في البصرة). ولقد أخذني أخي الداعية إلى الله الشيخ محمد محمود الصواف في زيارتي الثانية للبصرة سنة 1954 إلى جماعة من أفاضلهم، منهم الحاجّ عبد الله أبا الخيل وهو والد معالي الوزير السابق الشيخ عبدالرحمن، ولست أعلم ما صلته بمعالي وزير المالية الآن.
وقد كان عندنا في المدرسة اثنان هما أصلح وأتقى من عرفت من الطلاّب في البصرة في تلك الأيام، هما سعود العقيل وأخوه، وأظنّ أن اسم أخيه محمد، وهما من الزّبَير. ولست أعرف ما خبرهما بعد تلك السنة، وأسأل الله أن يوفّقهما ويوفّق كلّ من نشأ أو ينشأ مثلهما في طاعة الله. ووجدت في الزبَير أثراً للأستاذ تقي الدين الهلالي (مدّ الله في عمره) وبقايا من تلاميذه.
ولمّا عدنا بلغ منّا التعب والعطش، حتّى إني لمّا دخلت البصرة لم أعُد أستطيع الصبر، فطلبنا ماءً فلم نجد لأن رجوعنا كان في الليل والطريق كان خالياً وليس فيه سوق ولا دكاكين،
فقلت لمن معي من الطلاّب: اقرعوا أحد هذه الأبواب ليسقونا. قالوا: يا أستاذ كيف نقرع باباً لا نعرف صاحبه والدنيا ليل والناس نيام؟ قلت: يا جماعة، نحن في أول الليل. لقد أذّن العشاء من قليل، والمضطرّ معذور ونحن إنما نطلب شربة ماء.
فتهيّبوا ذلك. قلت: أنا أفعل. واخترت داراً يبدو على أهلها اليسار، فقرعت الباب فخرج رجل مشرق الوجه باسم الثغر، فقلت: السلام عليكم. قال: وعليكم السلام، أهلاً وسهلاً تفضّلوا. ولم نكن ننتظر أكثر من ذلك لنتفضّل، فتفضّلنا ودخلنا وقلت له: إبريق ماء أولاً ثم الكلام. قال: تكرمون.
وأسقانا على ظَمأٍ زُلالاً
…
ألذَّ من المُدامَةِ للنديمِ
وما ذقت بحمد الله المدامة ولا أعرفها، ولكني شربت عنده ألذّ شربة دخلت جوفي، فما أكملنا الشرب حتّى جاءنا بالشاي. وقلت: ألا تعرف أولاً من نحن؟ ألا تسألنا عن قصّتنا؟ قال: من عادة العرب اليوم أنهم لا يسألون الضيف عن اسمه، فإن شاء هو خبّرهم. فقلت: هل سمعت بالطفَيليّين؟ قال: نعم. وتبيّن لنا أنه رجل أديب مطّلع، فحدّثناه حديثنا فضحك وقال: انتم إذن بحاجة إلى طعام؟
قلت: لا، بل نحن بحاجة إلى ورق أبيض وقلم. فتعجّب وقال: ولِمَ؟ قلت: لنكتب وصايانا قبل أن نموت من الجوع، ولتعرف عنواني لتوصل ما معي -إن متّ- إلى أهلي. قال ضاحكاً: وهل معك مال كثير؟ قلت: لو كان معي مال لما تطفّلت عليك! وأمضينا سهرة ممتعة وصرنا أصحاباً.
وأرجو ألاّ تنسبوني إلى الجحود وإلى قلّة الوفاء إن قلت لكم إني نسيت اسمه. وما أنسانيهُ إلاّ الشيطان، وبُعد العهد، وكِبَر السنّ. ولكني لا أزال أذكر كرمه وفضله.
* * *
أنا ما زرت البندقية (فينيسيا) ولكن قرأت عنها وسمعت قصيدة «المهندس» فيها (1) التي غنّاها محمد عبد الوهاب.
طرق البندقية ماء وسياراتها الزوارق، وكذلك البصرة. وقريب منها أمستردام، وقد ذهبت إليها مرتين. وكلمة «دام» التي تنتهي بها أسماء مدن هولندا أو أكثرها معناها السدّ، لأن هولندا هي الأراضي المنخفضة، فهم يقيمون السدود ويسرقون الأرض من البحر. كما أن كلمة «بادن» التي تُختَم بها أسماء كثير من مدن ألمانيا معناها حَمّام، أي نبع معدني حارّ.
بين العشار والبصرة شارع إلى جنبه ممرّ مائي، فمن شاء ركب السيارة في البَرّ ومن شاء ركب الزورق في الماء. وبساتين النخيل في مدينة أبي الخصيب التي لا يُحصى عددها، لكل منها نهر صغير، أي مجرى ماء، يأتي من شطّ العرب. لا يجري ماؤها كالأنهار، بل يتحرك بالمدّ والجزر كمياه البحار. وكنت أعجب عندما أقرأ في الكتب أنه كان في البصرة عشرون ألف نهر وأقول:
(1) قصيدة «الجندول» للشاعر علي محمود طه، أما لقب «المهندس» فقد جاءه لأنه تخرج في مدرسة الهندسة التطبيقية. وقد كانت هذه القصيدة سبب شهرته (مجاهد).
ما هذه الأنهار؟ وأين تجري؟ فعرفت لمّا رأيت هذه الأقنية ماذا كانت تلك الأنهار.
وأقول -بالمناسبة- إنه كان في العراق قديماً نظام للريّ ما كان له نظير، حتّى إن لجنة من الخبراء أيام الإنكليز درست هذا النظام وكتبت عنه تقريراً نُشِر في ذلك الوقت، وبلغ عجب اللجنة بهذا النظام والإعجاب به الغاية. ولقد ازدادت الأنهار في الماضي حتّى صارت نوعاً من الترف، وحتى قال داود بن علي في خطبته المشهورة: إننا ما خرجنا لنحفر نهراً ولا لنبني قصراً (1).
«أبو الخصيب» هي الأُبُلّة، وهي أقدم من البصرة لأنها كانت قبل الفتح الإسلامي قاعدة عسكرية فارسية، والبصرة بُنيت بعدها على عهد عمر رضي الله عنه. وأبو الخصيب فيها أكثر من مئة نوع من التمر، أي مثل عدد أنواع العنب في الشام، ومنه شيء رأيناه كما قال ابن الرومي:«كأنه مَقامع البلّور» ، شفّاف مُلئ عسلاً مصفّى تبدو نواته ظاهرة من خلاله، وهذا الذي أقوله حقيقة لا مجاز.
وأكثر هذه الأقنية والأنهار تمشي فيه الزوارق الصغار، أما
(1) خطبة داود بن علي بن عبد الله بن العباس التي خطبها بمكة في أول موسم حج بعد تغلّب العباسيين، قال في أولها:"شكراً شكراً، إنّا والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهراً ولا لنبني فيكم قصراً، أَظَنّ عدوُّالله أن لن نقدر عليه حتى عثر في فضل زمامه؟ فالآن حيث أخذ القوسَ باريها ورجع المُلكُ في نصابه في أهل بيت النبوة والرحمة"، إلخ. وهي في «العقد الفريد» و «الكامل» للمبرّد وسواهما من مصادر الأدب (مجاهد).
القناة الكبرى بين العشار والبصرة ففيها زوارق دقيقة طويلة مكسوّة مقاعدها بالقماش الأبيض النظيف، تتمايل على ماء القناة مثل العروس يوم جلوتها، ليس بين ما يركبه الناس من مراكب شيء أمتع منها.
ومن غرائب الإنكليز (وليس هذا غريباً عند ذوي الأمزجة الشعرية) أنّ أحد زملائنا المدرّسين منهم لمّا جاءت عطلة نصف السنة استأجر زورقاً من بغداد، زورقاً نظيفاً أنيقاً مريحاً، وقعد فيه وتركه يسير مع الماء من بغداد إلى البصرة، فأمضى أيام العطلة مضطجعاً يتأمّل الضفتين، يقرأ في كتابه أو في كتاب الطبيعة التي طبعها الله ويفكّر، حتّى بلغ البصرة عند بلوغ العطلة نهايتها!
ولعلّ لياقوت الحُجّة حين قرّر أن متنزّهات الدنيا أربعة، هي: غوطة دمشق، والأبُلّة التي حَفر نهرها -كما قالوا- زياد أيام ولايته العراق، وشعب بَوّان. وقد نسيت الرابع (1). والغوطة أجملها لو كان فيها ماء، لكن أنهرها قد انقطع أكثرها لمّا سحبوا ماءها إلى بيوت دمشق، كما كانت الحال في مَرّ الظهران (أي وادي فاطمة). ولكن نابت عنها الآبار عليها المضخّات الكِبار، تُخرِج الماء ينابيع فوّارة وتُجريه سواقي غزيرة.
وماء البصرة كله من شطّ العرب، فهو المنظر العجب؛ بحرٌ ماؤه حلو وشواطئه جِنان تجري فيه البواخر الكبار. لكن ربان الباخرة يرفع يده عن قيادتها ويدع أمرها لناس من أهل البلد
(1) هو صُغد سمرقند. وانظر ما سبق من إشارة إلى هذه المتنزّهات في الحلقة التاسعة والخمسين من هذه الذكريات (مجاهد).
يعلمون كيف يسيّرونها، لأنهم يعرفون الممرّات العميقة التي تستطيع أن تجري فيها. ولقد خبّروني -لمّا كنت هناك- أن واحداً منهم استنكف عن أن يدع قيادة باخرته لمَن يراه دونه، وقادها بنفسه فوحلت الباخرة ووقفت وعجزت عن المسير.
* * *
بُني المَصران (الكوفة والبصرة) في وقت معاً، ونشأ في كلّ منهما علم كثير وأدب كثير، وكان النحو بصرياً وكوفياً. والشيء العجيب أن الكوفة قد تضاءلت وتضاءل نحوها حتّى كاد يُنسى، والبصرة قد اتّسعت وكبرَت وغلب نحوُها، فصار هو الذي يُدرَس وحده في المدارس!
* * *