الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث في تأسيه عليه السلام
ش: التأسي هو الاتباع (1)، أي: في اتباعه عليه السلام لشرع من قبله من الأنبياء عليهم السلام.
الفرق بين هذا الفصل والذي قبله: أن التأسي فيما تقدم أضيف إلى المفعول، وها هنا في هذا الفصل أضيف إلى الفاعل، تقدير الفصل المتقدم: الفصل الثاني: في اتباع الأمة للنبي عليه السلام، وتقدير هذا الفصل الثالث: أي الفصل الثالث: في اتباع النبي عليه السلام لشرع من قبله من الأنبياء عليهم [السلام](2).
قوله: (مذهب مالك وأصحابه أنه لم يكن متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته، وقيل: كان متعبدًا).
ش: يقال: تعبد، إذا تلبس بالعبادة (3)، فهو متعبد بكسر الباء اسم
(1) ذكر هذا المعنى صاحب اللسان وصاحب التاج، والتأسي في التعزي أشهر منه في الاتباع، يقال: تأسى به أي: "تعزى".
أما الاتباع، فالأشهر فيه الاتساء، يقال: اتسى به، أي: اقتدى به، ومنه قولهم: لا تأتس بمن ليس لك بأسوة، أي: لا تقتد بمن ليس لك بقدوة.
انظر: اللسان، وتاج العروس، وصحاح الجوهري، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، والمشوف المعلم، والقاموس المحيط، كلها في مادة:(أسا).
(2)
غير موجودة بالأصل.
(3)
أصل التعبد هو التنسك. انظر: الصحاح، ومعجم المقاييس لابن فارس، مادة: عبد.
الفاعل، ويقال: تعبده الله بكذا، إذا كلفه عبادته فهو متعبد بفتح الباء اسم مفعول.
قال المؤلف في الشرح (1): المختار أن نقول: متعبد، بكسر الباء فيما قبل النبوة.
ونقول: متعبد، بفتح الباء فيما بعد النبوة، قال: وهو الصواب، وهو الذي يظهر لي.
قال: والدليل على ذلك أنه عليه السلام قبل النبوة كان ينظر إلى ما عليه الناس فيجدهم على حالة لا تليق لصانع العالم فكان يخرج إلى غار حراء يتحنث فيه أي: يتعبد ويقترح أشياء من ذاته لقربها من المناسب في اعتقاده، ويخشى ألا تكون مناسبة لصانع العالم، فكان من ذلك في أمر عظيم وكرب شديد، حتى بعثه الله سبحانه، وعلمه جميع طرق الهداية، وأوضح له جميع مسالك الضلالة، فزال عنه ذلك الثقل الذي كان يجده، وهو المراد بقوله تعالى:{وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} (2) على أحد التأويلات (3) أي: ووضعنا عنك الثقل الذي كنت تجده من أمر العبادة والتقرب.
وهذا يقتضي أن نقول: متعبد بكسر الباء؛ لأنه عليه السلام يقترح أشياء من ذاته لاعتقاده مناسبتها لجانب الربوبية، وذلك يقتضي أنه لم يكلف
(1) انظر: الشرح ص 295 - 296، وانظر أيضًا: شرح المسطاسي ص 48.
(2)
سورة الشرح الآيتان رقم 2، 3.
(3)
انظر: تفسير ابن كثير 4/ 524، والدر المنثور للسيوطي 6/ 363، وقد ذكر هذا التفسير عن مجاهد وغير واحد من السلف.
بها.
وأما إن قلنا: إنه متعبد بفتح الباء فيقتضي أنه تعبده الله تعالى بشريعة سابقة أي: كلفه بها، وإنما يستقيم ذلك بعد النبوة؛ فإن الله تعالى تعبده بشريعة من قبله بعد النبوة، على الخلاف في ذلك (1).
قوله: (مذهب مالك وأصحابه / 239/ أنه لم يكن متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته، وقيل: كان متعبدًا).
ذكر المؤلف في هذا الفصل مسألتين: الأولى: فيما قبل نبوته عليه السلام، والثانية: فيما بعد نبوته عليه السلام، فذكر فيما قبل النبوة (2) قولين، وفيه قول ثالث بالوقف (3)؛ ففيه إذًا ثلاثة أقوال.
(1) إلى هنا انتهى النقل من القرافي، وفيه تصرف وتقديم وتأخير.
(2)
انظر هذه المسألة في:
البرهان فقرة 417 وما بعدها، والمستصفى 1/ 246، المنخول ص 231، المحصول 1/ 3/ 397، العدة لأبي يعلى 3/ 765، التمهيد لأبي الخطاب 2/ 413، الإحكام للآمدي 4/ 137، نهاية السول 3/ 46، الإبهاج 2/ 302، الوجيز للكرماستي 162، تيسير التحرير 3/ 129، العضد على ابن الحاجب 2/ 286، المعتمد 2/ 900، وشرح القرافي 295، والمسطاسي ص 48، وشرح حلولو ص 251.
(3)
خلاصة الأقوال في هذه المسألة أربعة:
1 -
أنه غير متعبد بشرع مطلقًا، وبه تقول المالكية والمعتزلة ونسبه في المنخول للقاضي أبي بكر، وحكاه أَبو الخطاب في التمهيد عن الحنفية.
2 -
أنه متعبد، وهؤلاء اختلفوا على سبعة أقوال: قيل: بشريعة آدم، وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل عيسى، وقيل: بجميع الشرائع.
وقيل: بما ثبت أنه شرع في وقته، وهذا الأخير عليه كثير ممن نصر هذا القول، وهم أكثر الشافعية والحنابلة، وأومأ إليه الإمام أحمد في عدة روايات، واختاره البيضاوي. =
والقائلون بالتعبد اختلفوا في الشريعة التي تعبدها: فقيل: بجميع الشرائع، وقيل: بشريعة آدم، وقيل: بشريعة إبراهيم، وقيل: بشريعة نوح، وقيل: بشريعة موسى، وقيل: بشريعة عيسى.
وهي ستة أقوال (1).
حجة القول المشهور الذي عليه مالك وأصحابه رضي الله عنهم بعدم التعبد هي: قوله: (لنا أنه لو كان كذلك لافتخرت به أهل تلك الملة وليس فليس (2)).
معناه: لو قلنا: إنه عليه السلام متعبد بشريعة من قبله، لافتخر أهل تلك الشريعة به بعد بعثه، لعلو شأنه بنسبته إلى شريعتهم، مع أنه لم ينقل شيء من ذلك.
قوله: (وليس فليس).
= 3 - أن التعبد جائز عقلاً غير واقع شرعًا، نصر هذا القول القاضي أَبو بكر في التقريب والإرشاد كما حكاه ابن السبكي في الإبهاج، وبه قال جماعة من المتكلمين كعبد الجبار والغزالي في المستصفى واختاره الآمدي.
4 -
الوقف، وقد مال إليه إمام الحرمين، ورجحه الغزالي في المنخول، ونسبه صاحب التيسير لابن الأنباري.
انظر: البرهان فقرة 418، 423، والمستصفى 1/ 246، والمنخول ص 231 - 232، والمعتمد 2/ 900، والمحصول 1/ 3/ 397، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 413، والعدة 2/ 766، وإحكام الآمدي 4/ 137، وتيسير التحرير 3/ 129، 130، والإبهاج 2/ 302، وشرح المسطاسي ص 49، وشرح حلولو ص 251.
(1)
انظر: شرح المسطاسي ص 49.
(2)
انظر: المستصفى 1/ 246، والمحصول 1/ 3/ 398، وإحكام الآمدي 4/ 138، وشرح المسطاسي ص 49.
استعمل المؤلف ها هنا نوعًا من علم البديع وهو الترديد، وهو من الفصاحة اللفظية.
وهو أن تعلق الكلمة في المصراع - أو مثله من النثر - بمعنى ثم تعلقها فيه بمعنى آخر (1)، ومنه قوله تعالى:{حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} (2)، وقد يجتمع في مصراع واحد ترديدان كقوله:
ليس بما ليس به باس باس
…
ولا يضر المرء ما قال الناس (3)
وحجة ثانية أيضًا: أن الشرائع المتقدمة قد اندرست ولم يبق منها ما يتمسك به أهلها فضلاً عن غيرهم (4).
وحجة ثالثة أيضًا: أنه لو كان متعبدًا بشريعة من قبلنا لكان يراجع علماء تلك الشريعة ويسألهم؛ إذ لم يقع ذلك، ولو وقع لاشتهر، ولو اشتهر لنقل إلينا (5).
(1) قال ابن حجة في الخزانة: الترديد هو أن يعلق الشاعر لفظة في بيت واحد بمعنى، ثم يرددها فيه بعينها ويعلقها بمعنى آخر
…
والذي أقوله: إن الترديد والتكرار ليس تحتهما كبير أمر ولا بينهما وبين أنواع البديع قرب ولا نسبة لانحطاط قدرهما عن ذلك
…
وللترديد بعض مزية يتميز بها على التكرار، ويتحلى بشعارها. اهـ.
انظر: خزانة الأدب وغاية الأرب لتقي الدين ابن حجة الحموي ص 164.
وانظر أيضًا: تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن لابن أبي إصبع المصري ص 253.
(2)
سورة الأنعام آية رقم 124.
(3)
لم أجد هذا البيت في شيء من المراجع التي طالعتها.
(4)
انظر: شرح القرافي ص 296، والمسطاسي ص 49.
(5)
انظر: المعتمد 2/ 900، ونهاية السول 3/ 48، وشرح القرافي ص 296، وشرح المسطاسي ص 49.
وحجة رابعة أيضًا: ما تقدم لنا من أنه يقترح من ذاته أشياء يعتقد مناسبتها، ويخشى ألا تكون مناسبة، فلو كان متعبدًا بشرع من قبلنا (1) لما احتاج إلى ذلك (2).
وأما القائلون بالتعبد فحجتهم من وجهين:
أحدهما: أن شريعة من قبله عامة للأشخاص والأزمان، فوجب دخوله عليه السلام فيها ما لم يرد ناسخ، ولا ناسخ قبل نبوته، فوجب اندراجه فيها (3).
والوجه الثاني: أنه عليه السلام كان يأكل اللحم والفواكه، ويركب الدواب، ويطوف بالبيت، ويصل الرحم، ويتقي الفواحش ولا بد من ذلك من مستند، ولا مستند [إلا](4) الشرائع المتقدمة على مذهب أهل السنة القائلين بأن العقل لا يفيد الأحكام الشرعية، وإنما الذي يفيدها هو الشرائع (5).
أجيب عن الأول، الذي هو قولهم: شريعة من قبله عامة فيدخل فيها، بأن ذلك دعوى لا برهان لها؛ إذ لا نسلم عمومها، وأيضًا سلمنا عمومها،
(1) الأولى: "من قبله".
(2)
انظر: المسطاسي ص 49.
(3)
انظر: المستصفى 1/ 247، والمحصول 1/ 3/ 399، وشرح القرافي ص 296، والمسطاسي ص 49.
(4)
ليست في الأصل، والعبارة لا تستقيم بدونها، وهي في شرح القرافي ص 296، والمسطاسي ص 49 - 50.
(5)
يعني بذلك مذهب الأشاعرة في هذه المسألة.
فانظر: الإرشاد للجويني ص 8، وانظر: فتاوى ابن تيمية 6/ 469 وما بعدها.
فإن تلك الشرائع قد بدلت وغيرت، فلم يبق منها ما يوثق به، فانحسمت أبواب التوصل إليها، فكيف يكلف بها والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها (1).
وأجيب عن الوجه الثاني: الذي هو كونه عليه السلام يأكل اللحم والفواكه، ويركب الدواب، ويطوف بالبيت وشبه ذلك، بأن مستنده في ذلك البراءة الأصلية، وذلك كاف في مباشرة هذه الأفعال (2).
وأما طوافه بالبيت فلا حجة فيه؛ لأن العرب مازالوا يطوفون بالبيت ويتبركون (3) به ويعظمونه ولم يقتدوا في ذلك بشريعة، وإنما توارث ذلك أصاغرهم عن أكابرهم (4).
وأما صلة الرحم وتوقي الفواحش، فذلك مما جبلت عليه الطبائع الشريفة (5).
وها هنا تنبيهان:
الأول: قال المؤلف في الشرح: هذا الخلاف مخصوص بالفروع، وأما الأصول فلا خلاف في التكليف بها.
والدليل: أن أموات الكفار في الجاهلية يعذبون على تركها، ولولا
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 399، والآمدي في الإحكام 4/ 139، وشرح القرافي ص 296، والمسطاسي ص 50.
(2)
انظر: المستصفى 1/ 248، والإحكام للآمدي 4/ 139، وشرح القرافي ص 297، والمسطاسي ص 50.
(3)
في الأصل: "وتبركون".
(4)
انظر: المسطاسي ص 50.
(5)
انظر: المسطاسي ص 50.
التكليف بها لما عذبوا بتركها، وإنما الخلاف في الفروع خاصة، فإطلاق العلماء ها هنا مخصوص بالإجماع (1).
التنبيه الثاني: قال المازري، والأبياري (2) في شرح البرهان (3)، والإمام فخر الدين (4)، وإمام الحرمين (5)، والتبريزي (6): هذه المسألة لا تظهر ثمرة لا في الأصول ولا في الفروع البتة، بل تجري مجرى التواريخ (7) المنقولة، ولا يترتب عليها حكم في الشريعة البتة (8).
(1) انظر: شرح القرافي ص 297، والمسطاسي ص 158 من مخطوط مكناس رقم 352، وشرح حلولو ص 251.
(2)
في الأصل: "الأنباري" والأنباري "بنون وباء"، والصواب: الأبياري بالباء الموحدة والياء المثناة التحتانية نسبة إلى أبيار مدينة قرب الإسكندرية. انظر: شرح القرافي ص 297.
وهو أَبو الحسن علي بن إسماعيل بن علي بن حسن بن عطية، كان بارعًا في علوم شتى ودَرَّس بالاسكندرية فانتفع به خلق، له شرح البرهان المذكور، ويوجد منه مجلد مخطوط في مكتبة مكناس، وله أيضًا كتاب سفينة النجاة في المواعظ والأخلاق، توفي سنة 616 هـ، انظر: الديباج المذهب 2/ 121.
(3)
انظر: صفحة 287 من مخطوط شرح البرهان لأبي الحسن الأبياري، موجود بمكتبة الجامع الكبير بمكناس برقم 95.
(4)
لم أجد نصًا للفخر في هذا الموضوع ولا من نسب إليه هذا سوى القرافي في شرحه ص 297، والشوشاوي هنا.
(5)
انظر: البرهان فقرة 417.
(6)
قال التبريزي: لا أرى فيه فائدة، ثم لا دليل على ثبوته ولا على انتفائه إلا عدم الظفر بدليل ثبوته، فالخوض فيه تضييع، ولعل كتمان حاله فيه من جملة كراماته ومعجزاته.
انظر: تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه للتبريزي 2/ 320.
(7)
"التوارخ" في الأصل، والمثبت من البرهان. وشرح القرافي ص 297.
(8)
نقل القرافي في النفائس لوحة 255 قريبًا من هذا الكلام عن المازري والأبياري وإمام =
قوله: (وأما بعد ثبوته فمذهب مالك رحمه الله تعالى وجمهور أصحابه.
وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة (1) أنه متعبد بشرع من قبله، وكذلك أمته إِلا ما خصه الدليل، ومنع من ذلك (2) القاضي أَبو بكر [وغيره](3)(4).
لنا قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى (5) اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (6) وهو عام، لأنه اسم جنس أضيف).
ش: هذه هي المسألة الثانية (7)، وهذه المسألة هي التي يقول فيها الفقهاء: شرع من قبلنا هل هو مشروع لنا أم لا (8)؟
= الحرمين والتبريزي، فانظر: المخطوط برقم 8224 ف، وانظر: نهاية السول 3/ 48، والإبهاج 2/ 302، وشرح القرافي ص 297، وشرح المسطاسي ص 158 من مخطوط مكناس رقم 352، وشرح حلولو ص 252.
(1)
"وأصحاب أبي حنيفة" في ش.
(2)
"ومنع منه" في أوخ.
(3)
ساقط من خ.
(4)
"وجماعة من أصحابنا" زيادة في خ.
(5)
"هداهم" في أ.
(6)
سورة الأنعام آية رقم 90.
(7)
انظر المسألة في: المعتمد 2/ 901، العدة 3/ 753، البرهان فقرة 411، المستصفى 1/ 245، التمهيد لأبي الخطاب 2/ 416، المغني للخبازي ص 264، والمحصول 1/ 3/ 401، الوجيز للكرماستي ص 161، الإحكام للآمدي 4/ 140، روضة الناظر ص 160، التمهيد للإسنوي ص 441، نهاية السول 3/ 49، والمنخول ص 232، الوصول لابن برهان 1/ 382، وشرح العضد 2/ 286، والمسطاسي ص 50.
(8)
يذكر بعض الأصوليين هذه المسألة مع الأفعال أو بعدها، وبعضهم يذكرها مع الأدلة المختلف فيها كما صنع الغزالي في المستصفى، والآمدي، وابن الحاجب، وصاحب الروضة، وبعض الأصوليين يذكرها كمسألة مستقلة كصنيع أبي الخطاب في التمهيد.
ذكر المؤلف فيها قولين: قول بالتعبد (1)، وقول بعدم التعبد (2)، وفيها قول ثالث بالوقف (3).
فهي ثلاثة أقوال كالأقوال الثلاثة المتقدمة فيما قبل النبوة.
واعلم أن شرائع من قبلنا على ثلاثة أقسام (4):
قسم لا نكلف به باتفاق.
وقسم نكلف به باتفاق.
وقسم مختلف فيه.
فالقسم الذي لا نكلف به باتفاق، هو ما لا يعلم إلا بقولهم ومن جهة كتبهم المبدلة، فلا نكلف به لعدم صحته.
(1) وقد نسبه القرافي إلى مالك وجمهور أصحابه وأصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة كما مر، ونسبه إمام الحرمين والغزالي إلى الشافعي أخذًا من كلامه في كتاب الأطعمة، وهو ظاهر الرواية عن أحمد كما قرره صاحب العدة، وجعله صاحب الروضة إحدى الروايتين ونسبه للحنفية، والذي في كتبهم أن ما قص الله تعالى أو رسوله من غير إنكار يلزمنا على أنه شريعة لرسولنا، ذكره الخبازي في المغني، والكرماستي في الوجيز، وأشار إليه ابن برهان في الوصول.
انظر: البرهان فقرة ص 411، والمنخول ص 232، والعدة 3/ 753 - 756، وروضة الناظر ص 161، والمغني للخبازي ص 265، والوجيز للكرماستي ص 161، والوصول لابن برهان 1/ 383.
(2)
انظر: إحكام الآمدي 4/ 140، والمحصول 1/ 3/ 401، وقد نسبه لجمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء، وانظر: المستصفى 1/ 251، والمغني للخبازي ص 265، والعدة 3/ 756.
(3)
ذكره الآمدي 4/ 148، واستبعده، وذكره المسطاسي ص 50.
(4)
انظرها في شرح القرافي ص 298، والإبهاج لابن السبكي 2/ 308، وانظر أيضًا: شرح المسطاسي ص 51.
والقسم الذي نكلف به باتفاق، هو ما علم بشرعنا وأمرنا به، كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ
…
} (1) الآية، وقوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} (2).
والقسم المختلف فيه ما علم بشرعنا أنه مشروع لهم، ولم نؤمر به، فهذا القسم الثالث هو محل الخلاف: هل تعبدنا به، أم لا، أو الوقف؟
وهذا الخلاف أيضًا / 240/ فيما عدا الأصول وهي عقائد التوحيد والقواعد الكلية كما تقدم فيما قبل النبوة، فالخلاف إذًا إنما هو مخصوص بالفروع.
وهذا القسم المختلف فيه مثاله: قوله تعالى حكاية عن منادي يوسف عليه السلام: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} (3) والزعيم: هو الضامن (4).
هل يستدل بهذه الآية على وجوب الضمانة (5) أم لا؟
(1) سورة البقرة آية رقم 178.
(2)
سورة البقرة آية رقم 183.
(3)
سورة يوسف آية رقم 72.
(4)
ومنه الحديث: "الزعيم غارم"، وقولهم: زعيم القوم، أي: سيدهم؛ لأنه متكفل بأمورهم ضامن لها، فالزعيم هو الكفيل الضامن.
انظر: الصحاح، والقاموس المحيط، ومعجم المقاييس لابن فارس، مادة: زعم، وكفل.
(5)
الأصح: هل يستدل بها على جواز الكفالة والضمانة أو لا؟
والذي يصرح به العلماء هو الاستدلال بها على جواز الضمان ومشروعيته، ذكره ابن العربي في أحكام القرآن 3/ 1095، والجصاص في أحكام القرآن 3/ 75، ويفرق =
وكذلك قوله تعالى حكاية عن شعيب (1) وموسى عليهما السلام: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ
…
} (2) الآية.
هل يستدل بهذه الآية على جواز الإجارة أم لا؟
مذهب مالك وجمهور العلماء (3) أن النبي عليه السلام متعبد بشرع من قبلنا وكذلك أمته، معناه: أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما خصه الدليل، كالجمع بين الأختين وتزويج الأخت (4)، واسترقاق السارق كما في قوله تعالى: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ
= بعض العلماء بين الكفالة والضمان فيخصص الكفالة بضمان الأبدان، أي: بضمان صاحب الدين، ويجعل الضمان عامًا لضمان الدين نفسه وضمان صاحبه.
انظر: المغني 4/ 590.
أما أكثر الفقهاء فيجعلون الكفالة والضمان بمعنى واحد.
انظر: المحلى 8/ 111، والمغني 4/ 591، والكافي لابن عبد البر 2/ 793.
(1)
كون شعيب هو صاحب موسى في هذه القصة هو المشهور عن أكثر المفسرين، ونص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس وغيرهما.
وقال آخرون: اسمه شعيب ولكنه غير النبي عليه السلام، بل هو: سيد الماء.
وقيل: هو ابن أخي شعيب عليه السلام، وقيل: ابن عمه، وقيل: رجل مؤمن من قومه.
قال ابن كثير وغيره: الذي في كتب أهل الكتاب اسمه: ثيرون كاهن أهل مدين، أي: عالمها وكبيرها. اهـ.
انظر: تفسير ابن كثير 3/ 384، والدر المنثور 5/ 126، والبداية والنهاية 2/ 244.
(2)
سورة القصص آية رقم 27.
(3)
انظر: المحصول 1/ 3/ 401، والإحكام للآمدي 4/ 140.
(4)
هكذا في الأصل، ولعلها: وتزوج الأخت.
فَهُوَ جَزَاؤُهُ} (1) معناه: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، وقوله: فهو جزاؤه تكرار لتأكيد البيان، وقيل: تقديره: من وجد في رحله فاسترقاقه جزاؤه، فالخبر للمبتدأ على التقدير الأول مفرد، والخبر على التقدير الثاني جملة، مبتدأ (2) وخبر (3).
واختلف أصحاب هذا القول بالتعبد: هل بجميع الشرائع؟ أو بشريعة آدم؛ لأنها أول الشرائع (4)، أو بشريعة نوح (5)، أو بشريعة إبراهيم (6)، أو بشريعة موسى (7)، أو بشريعة عيسى (8)، كما تقدم فيما قبل النبوة (9).
حجة القول بالتعبد كما قال المؤلف: قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (10)؛ لأن قوله: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} اسم جنس أضيف، وهو عام للأقوال والأفعال والاعتقادات (11)، وكذلك قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا
…
} إلى قوله: {وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (12)،
(1) سورة يوسف آية رقم 75.
(2)
"مبتد" في الأصل.
(3)
انظر: البحر المحيط 5/ 331، وقد ذكر هناك تقديرين آخرين.
(4)
انظر: شرح القرافي ص 300.
(5)
انظر: المنخول ص 233.
(6)
انظر: البرهان فقرة 416، 419.
(7)
انظر: المحصول 1/ 3/ 401.
(8)
انظر: الوصول لابن برهان 1/ 387.
(9)
انظر: شرح القرافي ص 300، والمسطاسي ص 50.
(10)
سورة الأنعام آية رقم 90.
(11)
انظر: إحكام الآمدي 4/ 142، والوصول لابن برهان 1/ 387، وشرح القرافي ص 298، وشرح المسطاسي ص 50.
(12)
سورة الشورى آية رقم 13.
وهذا عام في جميع ما وصى به كل واحد منهم (1)، وكذلك قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ (2) الَّذِينَ أَسْلَمُوا} (3) ونبينا عليه السلام من جملتهم (4)، وكذلك قوله تعالى:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} (5)(6)، وكذلك قوله تعالى:{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} (7)(8)، وكذلك قوله تعالى:{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (9)(10)، وكذلك قوله تعالى:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ (11) مِنْ بَعْدِهِ} (12)(13).
وأجيب عن هذا الاستدلال بهذه الآيات كلها: بأنه يحتمل أن يكون
(1) انظر: البرهان فقرة 416، والمستصفى 1/ 257، وشرح القرافي ص 299، والمسطاسي ص 50.
(2)
في الأصل مهموزة وهي قراءة ورش عن نافع بهمز النبيء، كما سبقت الإشارة.
انظر: حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة ص 52، 98.
(3)
سورة المائدة آية رقم 44.
(4)
انظر: الإحكام للآمدي 4/ 142، ونهاية السول للإسنوي 3/ 52، والمسطاسي ص 50.
(5)
سورة النحل آية رقم 123.
(6)
انظر: الوصول لابن برهان 1/ 387، والمسطاسي ص 51.
(7)
سورة البقرة آية رقم 130.
(8)
انظر المستصفى 1/ 256، والمسطاسي ص 51.
(9)
سورة الحج آية رقم 78.
(10)
انظر: البرهان فقرة 416، وشرح القرافي ص 299، والمسطاسي ص 51.
(11)
في الأصل مهموز، وهي قراءة ورش عن نافع.
انظر: حجة القراءات ص 52، 98.
(12)
سورة النساء آية رقم 163.
(13)
انظر: الإحكام للآمدي 4/ 142.
المراد الاتباع في الأصول، والقواعد الكلية، دون الفروع (1).
وحجة القول بعدم التعبد أوجه:
أحدها: قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (2)(3).
الوجه الثاني: أنه لو كان متعبدًا بشرع من قبله لوجب عليه مراجعة علماء تلك الشريعة ولا يتوقف إلى نزول الوحي عليه؛ إذ لو فعل ذلك لاشتهر، ولو اشتهر لنقل إلينا (4).
الوجه الثالث: أنه لو تعبدنا بشرع من قبلنا لوجب على علمائنا مراجعة علماء تلك الشرائع، وليس فليس (5).
الوجه الرابع: قوله عليه السلام لمعاذ بن جبل (6) رضي الله عنه: "بم
(1) انظر: المعتمد 2/ 904، والمحصول 1/ 3/ 414، والبرهان فقرة ص 416، والمستصفى 1/ 257، والوصول لابن برهان 1/ 387، ونهاية السول للإسنوي 3/ 52، والإحكام للآمدي 4/ 144، وشرح القرافي ص 299، والمسطاسي ص 51.
(2)
سورة المائدة آية رقم 48.
(3)
انظر: المستصفى 1/ 253، وروضة الناظر ص 161.
(4)
انظر: المعتمد 2/ 902، والمحصول 1/ 3/ 402، والإحكام للآمدي 4/ 140، وشرح القرافي ص 299، والمسطاسي ص 51.
(5)
انظر: البرهان فقرة 414، والمنخول ص 233، والمستصفى 1/ 253، وشرح القرافي ص 299، وشرح المسطاسي ص 51.
(6)
هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، وكان أعلم الصحابة بالحلال والحرام، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن عاملاً وقاضيًا ولم يرجع إلا في خلافة أبي بكر، توفي رضي الله عنه في طاعون عمواس في الشام سنة 18 هـ، وعمره 34 سنة.
انظر: الاستيعاب 3/ 355، والإصابة 3/ 426.
تحكم يا معاذ؟ "، فقال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي، فقال النبي عليه السلام: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله" (1)، فدل ذلك على عدم اعتبار الشرائع المتقدمة (2).
الوجه الخامس: اتفاق العلماء على إضافة جميع الأحكام إلى شريعته عليه السلام دون الشرائع المتقدمة، ولو تعبدنا بالشرائع المتقدمة لأضيف ذلك إليها لا إلى شرعنا (3).
(1) حديث مشهور يحتج به الأصوليون في أبواب كثيرة.
أخرجه جماعة من المحدثين منهم: الترمذي في الأحكام برقم 1327، والخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 855، وأبو داود في الأقضية برقم 3592، وغيرهم من طرق عدة إلى شعبة عن أبي العون عن الحارث بن عمرو عن أصحاب معاذ عن معاذ، وهناك طريق آخر نقله ابن حجر عن ابن طاهر وهو عن محمد بن جابر عن أشعث بن أبي الشعثاء عن رجل من ثقيف عن معاذ.
وقد ذكروا أن له طريقًا ثالثة عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم، وليس فيه ذكر الكتاب والسنة والاجتهاد.
وقد ضعف العلماء هذا الحديث بطرقه الثلاث، أما الأوليان فللجهالة بأصحاب معاذ وبالرجل الثقفي، وأما الثالثة فلوجود كذاب فيها وهو محمد بن سعيد المعروف بالمصلوب، وممن ضعفه البخاري والترمذي والدارقطني والحافظ العراقي وغيرهم.
وقد رضي جماعة من العلماء الاحتجاج بهذا الحديث كالخطيب البغدادي، وجماعة من الفقهاء وكثير من الأصوليين، استنادًا إلى صحة معناه، وتلقي الأمة له بالقبول، فانظر الكلام على الحديث في: التلخيص الحبير لابن حجر 4/ 182، والفقيه والمتفقه 1/ 189، والمعتبر للزركشي ص 63، وتخريج أحاديث اللمع ص 299، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني الحديث رقم 881.
(2)
انظر: المستصفى 1/ 251، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 419، وشرح القرافي ص 300، وشرح المسطاسي ص 51.
(3)
انظر: المعتمد 2/ 904، وروضة الناظر ص 162، وشرح المسطاسي ص 51.
وأجيب عن قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (1) بأن المراد بالشريعة والمنهاج هو القرآن؛ لأنه يخاطب به جميع الناس، ولم يرد بذلك الكتب المتقدمة قبله.
وأجيب عن عدم مراجعته عليه السلام وعن مراجعة علمائنا إلى (2) تلك الشرائع: لعدم التوثق بهم (3).
وأجيب عن حديث معاذ: بأنه خبر آحاد، وأيضًا كتابنا وكتبهم جميع ذلك هو كتاب الله؛ فإن كتابنا يدل على الكتب المتقدمة (4).
وأجيب عن إضافة الأحكام إلى شريعته عليه السلام دون سائر الشرائع المتقدمة: لكونه أحياها وبينها، لا لكونه غير مخاطب بها (5)، وبالله التوفيق بمنه.
…
(1) سورة المائدة آية رقم 48.
(2)
كذا في الأصل، والأولى حذفها.
(3)
انظر: الإحكام للآمدي 4/ 141، وشرح القرافي ص 300، وهو بنصه من شرح المسطاسي ص 51.
(4)
انظر: الإحكام للآمدي 4/ 141، والمستصفى 1/ 251، وروضة الناظر ص 162، وشرح القرافي ص 300، وانظر كلا الجوابين في المسطاسي ص 51.
(5)
انظر: المسطاسي ص 51.