المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَلَا نَظَرَ إِلَى الْمَنَافِعِ الْمُتَوَقَّعَةِ بَعْدَ زَوَالِ اسْمِ الطَّبْلِ؛ لِأَنَّهُ - روضة الطالبين وعمدة المفتين - جـ ٦

[النووي]

فهرس الكتاب

- ‌كِتَابُ الْفَرَائِضِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْوَصَايَا

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصَلَ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصَّلً

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِنَصِيبَيْنِ مَعَ الْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ بَعْدَ كُلِّ نَصِيبٍ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصُلٌ: فِي الْوَصِيَّةِ بِالنَّصِيبِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ مِنَ الْمَالِ عَنْهُ

- ‌فَصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالنَّصِيبِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ مِمَّا تَبَقَّى مِنَ الْمَالِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالنَّصِيبِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ مِمَّا تَبَقَّى مِنْ جُزْءٍ مِنَ الْمَالِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ مِنَ الْمَالِ وَبِالنَّصِيبِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ مِنْ بَاقِي الْمَالِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ أَوْ عَدَدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ، إِلَّا مِثْلَ نَصِيبِ وَارِثٍ آخَرَ أَوْ عَدَدٍ مِنْهُمْ

- ‌فَصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالنَّصِيبِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ نَصِيبِ وَارِثٍ آخَرَ مِنْهُ وَجُزْءٍ شَائِعٍ أَيْضًا

- ‌فَصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالتَّكْمِلَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالنَّصِيبِ مُسْتَثْنًى مِنَ التَّكْمِلَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْوَصَايَا الْمُتَعَرِّضَةِ لِلْجُذُورِ وَالْكِعَابِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْوَصَايَا الْمُتَعَرِّضَةِ لِمُقَدَّرٍ مِنَ الْمَالِ مِنْ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ وَغَيْرِهِمَا

- ‌فَصْلٌ فِي نَوَادِرِ الْفُصُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْمَرِيضِ بِالْمُحَابَاةِ مَعَ حُدُوثِ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ

- ‌فَصْلٌ مُحَابَاةُ الْمُشْتَرِي تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ كَمُحَابَاةِ الْبَائِعِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ وَمِنْهَا الْهِبَةُ، فَإِذَا وَهَبَ مَرِيضٌ عَبْدًا، ثُمَّ رَجَعَ الْعَبْدُ أَوْ بَعْضُهُ إِلَى الْوَاهِبِ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، دَارَتِ الْمَسْأَلَةُ ; لِأَنَّ التَّرِكَةَ تَزِيدُ بِقَدْرِ الرَّاجِعِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْوَدِيعَةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصِلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

الفصل: وَلَا نَظَرَ إِلَى الْمَنَافِعِ الْمُتَوَقَّعَةِ بَعْدَ زَوَالِ اسْمِ الطَّبْلِ؛ لِأَنَّهُ

وَلَا نَظَرَ إِلَى الْمَنَافِعِ الْمُتَوَقَّعَةِ بَعْدَ زَوَالِ اسْمِ الطَّبْلِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَوْصَى بِالطَّبْلِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ: إِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِغَرَضٍ مُبَاحٍ مَعَ بَقَاءِ اسْمِ الطَّبْلِ، وَكَانَ لَا يَنْتَفِعُ إِلَّا بِرُضَاضِهِ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ الرُّضَاضُ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ نَفِيسٍ، كَذَهَبٍ أَوْ عُودٍ، فَتَنْزِلُ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ أَوْصَى بِرُضَاضِهِ إِذَا كُسِرَ، وَالْوَصِيَّةُ تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَبَقَ فِي بَيْعِ الْمَلَاهِي الَّتِي يُعَدُّ رُضَاضُهَا مَالًا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَتْ مُتَّخَذَةً مِنْ شَيْءٍ نَفِيسٍ صَحَّ، وَإِلَّا، فَلَا. فَإِنِ اكْتَفَيْنَا بِمَالِيَّةِ الرُّضَاضِ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ، فَكَذَا الْوَصِيَّةُ، وَإِلَّا فَلَا. فَإِذًا مَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَجْهَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَكَمَا أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ بُطْلَانَ الْبَيْعِ، فَكَذَا الْوَصِيَّةُ، وَكَمَا اخْتَارَ الْإِمَامُ صِحَّةَ الْبَيْعِ إِذَا كَانَ شَيْئًا نَفِيسًا، فَكَذَا صَحَّحَ الْوَصِيَّةَ فِيهِ.

‌فَصْلٌ

سَبَقَ أَنَّ الْمُوصَى بِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى ثُلُثِ الْمَالِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الثُّلُثِ شَيْئًا. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءَ اسْتَوْفَى الثُّلُثَ، وَإِلَّا فَيُسْتَحَبُّ النَّقْصُ مِنْهُ. وَبِأَيِّ يَوْمٍ يُعْتَبَرُ الْمَالُ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بِيَوْمِ الْوَصِيَّةِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِمَالِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: بِيَوْمِ الْمَوْتِ، إِذْ يَمْلِكُ بَعْدَ الْمَوْتِ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ زَادَ مَالُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، تَعَلَّقَتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ. وَكَذَا لَوْ هَلَكَ ثُمَّ كَسَبَ مَالًا، تَعَلَّقَتْ بِهِ. وَلَوْ أَوْصَى بِعَشَرَةٍ وَلَا مَالَ لَهُ، ثُمَّ كَسَبَهُ، تَعَلَّقَتْ بِهِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، كُلُّ ذَلِكَ بِخِلَافِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ فِي اعْتِبَارِ الْقَدْرِ بِيَوْمِ الْمَوْتِ وَخَصَّ الْخِلَافَ بِمَنْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا أَصْلًا ثُمَّ مَلَكَهُ.

ثُمَّ الثُّلُثُ الَّذِي تَنْفُذُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ هُوَ ثُلُثُ الْفَاضِلِ عَنِ الدُّيُونِ. فَلَوْ كَانَ

ص: 122

عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَمْ تُنَفَّذِ الْوَصِيَّةُ فِي شَيْءٍ، لَكِنْ يُحْكَمُ بِانْعِقَادِهَا فِي الْأَصْلِ حَتَّى يُنَفِّذَهَا لَوْ تَبَرَّعَ شَخْصٌ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ أَبْرَأَهُ الْمُسْتَحِقُّ.

فَرْعٌ

التَّبَرُّعَاتُ الْمُعَلَّقَةُ بِالْمَوْتِ - وَهِيَ الْوَصَايَا - مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ سَوَاءٌ أَوَصَى [بِهَا] فِي صِحَّتِهِ، أَوْ فِي مَرَضِهِ، وَكَذَا التَّبَرُّعَاتُ الْمُنْجَزَةُ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ. وَلَوْ وَهَبَهُ فِي صِحَّتِهِ، وَأَقْبَضَ فِي مَرَضِهِ، فَمِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ إِنَّمَا تُمْلَكَ بِالْقَبْضِ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَنَّ الْمَرَضَ الْمَخُوفَ مَاذَا؟ وَأَنَّ التَّبَرُّعَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمَحْسُوبَةَ مِنَ الثُّلُثِ مَا هِيَ؟ وَأَنَّهَا كَيْفَ تُحْسَبُ؟ فَنَعْقِدُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ فَصْلًا.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ فِي مَعْنَاهُ، وَبَيَانِ طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ عِنْدَ الْإِشْكَالِ، وَبَيَانِ مَا يُحْكَمُ بِهِ الْمَخُوفُ وَغَيْرُ الْمَخُوفِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ.

[أَمَّا] الْأَوَّلُ: فَمَا بِالْإِنْسَانِ مِنْ مَرَضٍ وَعِلَّةٍ، إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى حَالٍ يُقْطَعُ فِيهَا بِمَوْتِهِ مِنْهُ عَاجِلًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْخَصَ بَصَرُهُ عِنْدَ النَّزْعِ وَتَبْلُغَ الرُّوحُ الْحَنْجَرَةَ، أَوْ يُقْطَعَ حُلْقُومُهُ وَمَرِّيُّهُ، أَوْ يُشَقَّ بَطْنُهُ وَتَخْرُجَ حِشْوَتُهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أَوْ يَغْرَقُ فِي الْمَاءِ وَيَغْمُرُهُ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ السِّبَاحَةَ، فَلَا اعْتِبَارَ بِكَلَامِهِ وَوَصِيَّتِهِ وَغَيْرِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، حَتَّى لَا يَصِحَّ إِسْلَامُ الْكَافِرِ وَلَا تَوْبَةُ الْفَاسِقِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حَيِّزِ الْأَمْوَاتِ، وَحَرَكَتُهُ حَرَكَةُ الْمَذْبُوحِ.

ص: 123

قُلْتُ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ هَذِهِ هِيَ الْحَالُ الَّتِي قَالَ فِيهَا فِرْعَوْنُ: «آمَنْتُ» فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَإِمَّا أَنْ لَا يَنْتَهِيَ إِلَيْهَا، فَأَمَّا أَنْ يُخَافَ مِنْهُ الْمَوْتُ عَاجِلًا، وَهُوَ الْمَخُوفُ الَّذِي يَقْتَضِي الْحَجْرَ فِي التَّبَرُّعَاتِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصِّحَّةِ. هَذَا ضَابِطُهُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رضي الله عنهم فِي أَمْرَاضٍ خَاصَّةٍ مَخُوفَةٍ، وَغَيْرِ مَخُوفَةٍ.

فَمِنَ الْمَخُوفَةِ: الْقُولَنْجُ، وَهُوَ أَنْ تَنْعَقِدَ أَخْلَاطُ الطَّعَامِ فِي بَعْضِ الْأَمْعَاءِ فَلَا تَنْزِلُ، وَيَصْعَدُ بِسَبَبِهِ الْبُخَارُ إِلَى الدِّمَاغِ فَيُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاكِ.

وَمِنْهَا: ذَاتُ الْجَنْبِ، وَهِيَ قُرُوحٌ تَحْدُثُ فِي دَاخِلِ الْجَنْبِ بِوَجَعٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ يَنْفَتِحُ فِي الْجَنْبِ، وَيَسْكُنُ الْوَجَعُ، وَذَلِكَ وَقْتُ الْهَلَاكِ، وَكَذَلِكَ وَجَعُ الْخَاصِرَةِ. وَمِنْهَا: الرُّعَافُ الدَّائِمُ، لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الْقُوَّةَ، وَابْتِدَاؤُهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ. وَمِنْهَا: الْإِسْهَالُ، إِنْ كَانَ مُتَوَاتِرًا، فَمَخُوفٌ؛ لِأَنَّهُ يُنَشِّفُ رُطُوبَاتِ الْبَدَنِ. وَإِنْ كَانَ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ وَلَمْ يَدُمْ، فَلَيْسَ مَخُوفًا، إِلَّا إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ أَحَدُ أُمُورٍ.

أَحَدُهَا: أَنْ يَنْخَرِقَ الْبَطْنُ، فَلَا يُمْكِنُهُ الْإِمْسَاكُ وَيَخْرُجُ الطَّعَامُ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَهُ زَحِيرٌ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ بِشِدَّةٍ وَوَجَعٍ، أَوْ تَقْطِيعٍ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ كَذَلِكَ وَيَكُونُ مُنْقَطِعًا، وَقَدْ يُتَوَهَّمُ انْفِصَالُ شَيْءٍ كَثِيرٍ، فَإِذَا رَآهُ [نَظَرَهُ] كَانَ قَلِيلًا.

الثَّالِثُ: أَنْ يُعَجِّلَهُ وَيَمْنَعَهُ النَّوْمَ.

الرَّابِعُ: إِذَا كَانَ مَعَهُ دَمٌ، نَقَلَ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ. وَفِي «الْأُمِّ» أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَا يَأْتِي مَعَهُ دَمٌ، لَا يَكُونُ مَخُوفًا. وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ

ص: 124

مَعَ الدَّمِ مَخُوفٌ. فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: سَهَا الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ مَخُوفٌ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الْقُوَّةَ، قَالَهُ الْمَسْعُودِيُّ. وَتَأَوَّلَ الْأَكْثَرُونَ فَحَمَلُوا نَقْلَ الْمُزَنِيِّ عَلَى دَمٍ يَحْدُثُ مِنَ الْمَخْرَجِ مِنَ الْبَوَاسِيرِ وَنَحْوِهِ. وَنَصَّ فِي «الْأُمِّ» عَلَى دَمِ الْكَبِدِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ، فَهَذَا مَخُوفٌ، وَذَاكَ غَيْرُ مَخُوفٍ.

وَمِنْهَا: السُّلُّ، وَهُوَ دَاءٌ يُصِيبُ الرِّئَةَ، وَيَأْخُذُ الْبَدَنُ مِنْهُ فِي النُّقْصَانِ وَالِاصْفِرَارِ. وَقَدْ أَطْلَقَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ، فَأَخَذَ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ آخِذُونَ، حَتَّى قَالَ الْحَنَّاطِيُّ: إِنَّهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ لَا فِي أَوَّلِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ السُّلَّ وَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ صَاحِبُهُ غَالِبًا، فَإِنَّهُ لَا يُخْشَى مِنْهُ الْمَوْتُ عَاجِلًا، فَيَكُونُ كَالشَّيْخُوخَةِ وَالْهَرَمِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ (الْمُهَذَّبِ) وَالْغَزَالِيُّ: أَنَّهُ مَخُوفٌ فِي انْتِهَائِهِ دُونَ ابْتِدَائِهِ، وَعَكَسَهُ الْبَغَوِيُّ، وَالْأَشْبَهُ بِأَصْلِ الْمَذْهَبِ مَا قَالَهُ الْحَنَّاطِيُّ وَمُوَافِقُوهُ. وَمِنْهَا: الْفَالِجُ، وَسَبَبُهُ غَلَبَةُ الرُّطُوبَةِ وَالْبَلْغَمِ، وَابْتِدَاؤُهُ مَخُوفٌ. فَإِذَا اسْتَمَرَّ، فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ ارْتِعَاشٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ عَاجِلًا. وَفِي وَجْهٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ارْتِعَاشٌ، فَمَخُوفٌ.

وَمِنْهَا: الْحُمَّى الشَّدِيدَةُ، وَهِيَ ضَرْبَانِ: مُطْبِقَةٌ، وَغَيْرُهَا.

فَالْمُطْبِقَةُ: هِيَ اللَّازِمَةُ الَّتِي لَا تَبْرَحُ فَإِنْ كَانَتْ حُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، لَمْ تَكُنْ مَخُوفَةً. وَإِنْ زَادَتْ فَمَخُوفَةٌ. وَفِي وَجْهٍ: الْحُمَّى مِنْ أَوَّلِ حُدُوثِهَا مَخُوفَةٌ. وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ. وَعَلَى هَذَا، لَوِ اتَّصَلَ الْمَوْتُ بِحُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، نُظِرَ فِي عَطِيَّتِهِ، إِنْ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يَعْرَقَ، فَهِيَ مِنَ الثُّلُثِ، وَقَدْ بَانَتْ مَخُوفَةً، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الْعَرَقِ، فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ ; لِأَنَّ أَثَرَهَا زَالَ بِالْعَرَقِ، وَالْمَوْتُ بِسَبَبٍ آخَرَ، ذَكَرَهُ صَاحِبَا «التَّهْذِيبِ» وَ «التَّتِمَّةِ» .

الضَّرْبُ الثَّانِي: غَيْرُ الْمُطْبِقَةِ. وَهُوَ أَنْوَاعٌ. الْوِرْدُ وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ، وَالْغِبُّ، وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي يَوْمًا وَتُقْلِعُ يَوْمًا، وَالثُّلُثُ. وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي يَوْمَيْنِ وَتُقْلِعُ يَوْمًا.

ص: 125

وَحُمَّى الْأَخَوَيْنِ، وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي يَوْمَيْنِ وَتُقْلِعُ يَوْمَيْنِ. وَالرِّبْعُ، وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي يَوْمًا وَتُقْلِعُ يَوْمَيْنِ. فَمَا سِوَى الرِّبْعِ وَالْغِبِّ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، مَخُوفٌ. وَالرِّبْعُ عَلَى تَجَرُّدِهَا غَيْرُ مَخُوفَةٍ ; لِأَنَّ الْمَحْمُومَ يَأْخُذُ قُوَّتَهُ فِي يَوْمِ الْإِقْلَاعِ. وَفِي الْغِبِّ وَجْهَانِ.

قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: مَخُوفَةٌ، وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَأَمَّا الْحُمَّى الْيَسِيرَةُ، فَغَيْرُ مَخُوفَةٍ بِحَالٍ.

وَمِنْهَا: الدِّقُّ، وَهُوَ دَاءٌ يُصِيبُ الْقَلْبَ، وَلَا تَمْتَدُّ مَعَهُ الْحَيَاةُ غَالِبًا، وَهُوَ مَخُوفٌ. وَمِنْهَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: مَنْ سَاوَرَهُ الدَّمُ حَتَّى تَغَيَّرَ عَقْلُهُ، أَوِ الْمُرَارُ أَوِ الْبَلْغَمُ، كَانَ مَخُوفًا. وَقَالَ أَيْضًا: الطَّاعُونُ مَخُوفٌ حَتَّى يَذْهَبَ. وَقَوْلُهُ: «سَاوَرَهُ» بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: وَاثَبَهُ وَهَاجَ بِهِ. وَالْمُرَارُ: الصَّفْرَاءُ، فَهَيَجَانُ الصَّفْرَاءِ وَالْبَلْغَمِ، مَخُوفٌ. وَكَذَا هَيَجَانُ الدَّمِ، بِأَنْ يَثُورَ وَيَنْصَبَّ إِلَى عُضْوٍ، كَيَدٍ، وَرِجْلٍ، فَتَحْمَرَّ وَتَنْتَفِخَ، [وَقَدْ يَذْهَبُ الْعُضْوُ إِنْ لَمْ يُتَدَارَكْ أَمْرُهُ فِي الْحَالِ وَإِنْ سَلِمَ الشَّخْصُ]، وَقَوْلُهُ:«حَتَّى تَغَيَّرَ عَقْلُهُ» لَيْسَ مَذْكُورًا شَرْطًا، بَلْ هُوَ مَخُوفٌ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْعَقْلُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» . وَالطَّاعُونُ فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ انْصِبَابِ الدَّمِ إِلَى عُضْوٍ. وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: إِنَّهُ هَيَجَانُ الدَّمِ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَانْتِفَاخُهُ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْجُذَامِ، مَنْ أَصَابَهُ تَآكَلَتْ أَعْضَاءُهُ وَتَسَاقَطَ لَحْمُهُ.

وَمِنْهَا: الْجِرَاحَةُ، إِنْ كَانَتْ عَلَى مَقْتَلٍ، أَوْ نَافِذَةً إِلَى جَوْفٍ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ كَثِيرِ اللَّحْمِ، أَوْ لَهَا ضَرَبَانٌ شَدِيدٌ، أَوْ حَصَلَ مَعَهَا تَآكُلٌ، أَوْ وَرَمٌ، فَهِيَ مَخُوفَةٌ، وَإِلَّا فَلَا [وَقِيلَ: الْوَرَمُ وَحْدَهُ لَا يَجْعَلُهَا مَخُوفَةً، بَلْ يُشْتَرَطُ مَعَهُ التَّآكُلُ. وَمِنْهَا: الْقَيْءُ إِنْ كَانَ مَعَهُ دَمٌ أَوْ بَلْغَمٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَخْلَاطِ، فَمَخُوفٌ، وَإِلَّا فَلَا] إِلَّا أَنْ يَدُومَ.

ص: 126

وَمِنْهَا: الْبِرْسَامُ، وَهُوَ مَخُوفٌ.

فَرْعٌ

وَأَمَّا الْجَرَبُ، وَوَجَعُ الضِّرْسِ وَالْعَيْنِ وَالصُّدَاعُ، فَغَيْرُ مَخُوفَةٍ.

فَرْعٌ

هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فِي الْأَمْرَاضِ، وَقَدْ تَعْرِضُ أَحْوَالٌ تُشْبِهُ الْأَمْرَاضَ فِي اقْتِضَاءِ الْخَوْفِ، وَفِيهَا صُوَرٌ.

إِحْدَاهَا: إِذَا الْتَقَى الْفَرِيقَانِ وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمَا وَاخْتَلَطُوا.

الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَاشْتَدَّتِ الرِّيحُ وَهَاجَتِ الْأَمْوَاجُ.

الثَّالِثَةُ: إِذَا وَقَعَ فِي أَسْرِ الْكُفَّارِ وَعَادَتُهُمْ قَتْلُ الْأُسَارَى.

الرَّابِعَةُ: قُدِّمَ لِيُقْتَلَ قِصَاصًا وَلَمْ يُجْرَحْ بَعْدُ، فَالْحِكَايَةُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ: الْأُولَى أَنَّ لَهَا حُكْمَ الْمَخُوفِ. وَعَنْ نَصِّهِ فِي «الْإِمْلَاءِ» : فِي الرَّابِعَةِ: الْمَنْعُ. وَلِلْأَصْحَابِ فِيهَا طَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ. أَظْهَرُهُمَا: إِلْحَاقُهَا بِالْمَخُوفِ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْعَمَلُ بِظَاهِرِ النَّصَّيْنِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْقِصَاصِ لَا تَبْعُدُ مِنْهُ الرَّحْمَةُ وَالْعَفْوُ طَمَعًا فِي الثَّوَابِ أَوِ الْمَالِ. وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» : أَنَّهُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ شِدَّةِ حِقْدٍ أَوْ عَدَاوَةٍ قَدِيمَةٍ، فَمَخُوفٌ، وَإِلَّا، فَلَا. ثُمَّ مَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي صُورَةِ الْتِحَامِ الْقِتَالِ، مَا إِذَا كَانَ الْفَرِيقَانِ مُتَكَافِئَيْنِ، أَوْ قَرِيبَيْنِ مِنَ التَّكَافُؤِ، وَإِلَّا فَلَا خَوْفَ فِي حَقِّ الْغَالِبَيْنِ قَطْعًا، وَلَا خَوْفَ أَيْضًا قَطْعًا فِيمَا إِذَا الْتَحَمَ الْحَرْبُ وَلَمْ يَخْتَلِطِ الْفَرِيقَانِ وَإِنْ

ص: 127

كَانَا يَتَرَامَيَانِ بِالنُّشَّابِ وَالْحِرَابِ، وَلَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْبَحْرُ سَاكِنًا، وَلَا فِي الْأَسِيرِ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَقْتُلُونَ الْأُسَارَى، كَالرُّومِ.

قُلْتُ: وَسَوَاءٌ فِي مَسْأَلَةِ الْقِتَالِ كَانَ الْفَرِيقَانِ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا، أَوْ فَرِيقًا مُسْلِمِينَ [وَفَرِيقًا] كُفَّارًا، كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَغَيْرُهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ: إِذَا قُدِّمَ لِيُقْتَلَ رَجْمًا فِي الزِّنَا، أَوْ لِيُقْتَلَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَهُوَ كَالْتِحَامِ الْقِتَالِ. فَعَلَى طَرِيقٍ: يُقْطَعُ بِأَنَّهُ مَخُوفٌ. وَعَلَى طَرِيقٍ: قَوْلَانِ. وَقِيلَ: إِنْ ثَبَتَ الزِّنَا بِالْبَيِّنَةِ، فَمَخُوفٌ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ، لِاحْتِمَالِ الرُّجُوعِ.

السَّادِسَةُ: إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي الْبَلَدِ، وَفَشَا الْوَبَاءُ، فَهَلْ هُوَ مَخُوفٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: مَخُوفٌ.

السَّابِعَةُ: الْحَامِلُ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَهَا الطَّلْقُ، لَيْسَتْ فِي حَالِ خَوْفٍ. وَإِنْ ضَرَبَهَا الطَّلْقُ، فَقَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: مَخُوفٌ. وَإِذَا وَضَعَتْ، فَالْخَوْفُ بَاقٍ إِلَى انْفِصَالِ الْمَشِيمَةِ، فَإِذَا انْفَصَلَتْ، زَالَ الْخَوْفُ، إِلَّا إِذَا حَصَلَ مِنَ الْوِلَادَةِ جِرَاحَةٌ، أَوْ ضَرَبَانٌ شَدِيدٌ، أَوْ وَرَمٌ. وَإِلْقَاءُ الْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ لَا خَوْفَ فِيهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ كَالْوِلَادَةِ.

قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا خَوْفَ فِيهِمَا، كَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ عَنِ الْأَصْحَابِ. قَالُوا: لِأَنَّهُ أَسْهَلُ خُرُوجًا مِنَ الْوَلَدِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَمَوْتُ الْوَلَدِ فِي الْجَوْفِ يُوجِبُ الْخَوْفَ.

الْأَمْرُ الثَّانِي: إِذَا أَشْكَلَ مَرَضٌ فَلَمْ يُدْرَ أَمَخُوفٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَالْعِلْمِ بِالطِّبِّ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ: الْإِسْلَامُ، وَالْبُلُوغُ،

ص: 128

وَالْعَدَالَةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَدَدُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهًا فِي جَوَازِ الْعُدُولِ مِنَ الْوُضُوءِ إِلَى التَّيَمُّمِ بِقَوْلِ الْمُرَاهِقِ وَالْفَاسِقِ، وَوَجْهًا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ، وَعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ وَجْهٌ لَمْ نَذْكُرْهُ هُنَاكَ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْعُدُولُ بِقَوْلِ طَبِيبٍ كَافِرٍ، كَمَا يَجُوزُ شُرْبُ الدَّوَاءِ مِنْ يَدِهِ وَلَا يُدْرَى أَنَّهُ دَوَاءٌ أَمْ دَاءٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تُطْرَدَ هَذِهِ الْأَوْجُهُ هُنَا. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ هُنَا: الَّذِي أَرَاهُ أَنْ لَا يُلْحَقَ بِالشَّهَادَاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ يُلْحَقُ بِالتَّقْوِيمِ وَتَعْدِيلِ الْأَنْصِبَاءِ فِي الْقِسْمَةِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الرَّأْيُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ.

قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: الْجَزْمُ بِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرْنَا أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ مِنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُمْ، فَاشْتُرِطَ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ كَغَيْرِهَا مِنَ الشَّهَادَاتِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ مَعَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى بَدَلٍ، وَلَيْسَ كَالتَّقْوِيمِ الَّذِي هُوَ تَخْمِينٌ فِي مَحْسُوسٍ يُمْكِنُ تَدَارُكُ الْخَطَأِ، إِنْ وَقَعَ فِيهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَرْعٌ

إِذَا اخْتَلَفَ الْوَارِثُ وَالْمُتَبَرِّعُ عَلَيْهِ فِي كَوْنِ الْمَرَضِ مَخُوفًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَبَرِّعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُتَبَرَّعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخَوْفِ. وَعَلَى الْوَارِثِ الْبَيِّنَةُ، وَلَا تَثْبُتُ دَعْوَاهُ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى غَيْرِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْمَالُ. لَكِنْ لَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ بِامْرَأَةٍ عَلَى وَجْهٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ [غَالِبًا] ، قُبِلَتْ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَأَرْبَعِ نِسْوَةٍ. وَيُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدَيْنِ الْعِلْمُ بِالطِّبِّ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ.

ص: 129

الْأَمْرُ الثَّالِثُ: إِذَا وَجَدْنَا الْمَرَضَ مَخُوفًا حَجَرْنَا عَلَيْهِ فِي التَّبَرُّعِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَمْ نُنْفِذْهُ. لَكِنَّهُ لَوْ فَعَلَ، ثُمَّ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ تَبَيَّنَ صِحَّةُ تَبَرُّعِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَرَضَ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا إِذَا الْتَحَمَ الْقِتَالُ، وَحَكَمْنَا بِأَنَّهُ مَخُوفٌ، ثُمَّ انْقَضَتِ الْحَرْبُ وَسَلِمَ.

وَأَمَّا إِذَا رَأَيْنَا الْمَرَضَ غَيْرَ مَخُوفٍ، فَاتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُحَالُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، كَوَجَعِ الضِّرْسِ وَنَحْوِهِ، فَالتَّبَرُّعُ نَافِذٌ، وَالْمَوْتُ مَحْمُولٌ عَلَى الْفَجْأَةِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ، كَإِسْهَالِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، تَبَيَّنَّا بِاتِّصَالِ الْمَوْتِ بِهِ كَوْنَهُ مَخُوفًا، وَكَذَلِكَ حُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، قَالَهُ فِي الْوَسِيطِ، وَقَدْ سَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَعْرَقَ أَوْ لَا يَعْرَقَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.

فَرْعٌ

قَالَ الْإِمَامُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ كَوْنُ الْمَوْتِ مِنْهُ غَالِبًا، بَلْ يَكْفِي أَنْ لَا يَكُونَ نَادِرًا بِدَلِيلِ الْبِرْسَامِ. وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: هَذَا الْمَرَضُ لَا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ، لَكِنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي أَنْ يَتَوَلَّدَ مِنْهُ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ، فَالْأَوَّلُ مَخُوفٌ أَيْضًا. وَهَذَا يُشْكِلُ بِالْحَمْلِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الطَّلْقُ. فَإِنْ قَالُوا: يُفْضِي إِلَى الْمَخُوفِ نَادِرًا، فَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ.

قُلْتُ: وَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ مَخُوفًا فَتَبَرَّعَ، ثُمَّ قَتَلَهُ إِنْسَانٌ، أَوْ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ، أَوْ غَرِقَ حُسِبَ تَبَرُّعُهُ مِنَ الثُّلُثِ، كَمَا لَوْ مَاتَ بِذَلِكَ الْمَرَضِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

ص: 130

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي بَيَانِ التَّبَرُّعِ الْمَحْسُوبِ مِنَ الثُّلُثِ، وَهُوَ إِزَالَةُ الْمِلْكِ عَنْ مَالٍ مَجَّانًا، كَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ، وَالصَّدَقَةِ، وَغَيْرِهَا.

قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ مَا يَتَنَاوَلُ التَّبَرُّعَ بِالْكَلْبِ وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَبِالْمَنْفَعَةِ الَّتِي تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا، فَيُقَالُ: إِزَالَةُ الِاخْتِصَاصِ عَنْ مَالٍ وَنَحْوِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَفِيمَا يَدْخُلُ فِي الضَّابِطِ وَيَخْرُجُ، مَسَائِلُ.

إِحْدَاهَا: مَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ مِنْ دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ، وَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ، تُخْرَجُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَتَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ. وَقِيلَ: إِذَا أَوْصَى بِهَا، حُسِبَتْ مِنَ الثُّلُثِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الَّذِي نُوجِبُهُ، مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بِلَا خِلَافٍ إِذَا لَمْ يُوصِ هُوَ فِيمَا وَجَبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، كَالزَّكَاةِ، وَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ، وَالنُّذُورُ، فَفِيهَا خِلَافٌ سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الثَّانِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

فَرْعٌ

لَوْ قَضَى فِي مَرَضِهِ دُيُونَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ لَمْ يُزَاحِمْهُ غَيْرُهُ إِنْ وَفَى الْمَالُ بِجَمِيعِ الدُّيُونِ، وَكَذَا إِذَا لَمْ يَفِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ.

[الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ: الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ نَافِذٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ سَوَاءٌ بَاعَ لِلْوَارِثِ، أَمْ لِغَرِيمِهِ، أَمْ لِغَيْرِهِمَا. وَإِنْ بَاعَ بِمُحَابَاةٍ، فَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً يُتَسَامَحُ بِمِثْلِهَا كَانَ كَالْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ لِوَارِثٍ، فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَإِلَّا فَمُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ. فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَارِثُ، نَفَذَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ،

ص: 131

وَإِلَّا بَطَلَ فِيمَا لَا يُخْرَجُ، وَفِيمَا يُخْرَجُ طَرِيقَانِ سَبَقَا. وَإِذَا لَمْ تَبْطُلْ، فَفِي كَيْفِيَّةِ صِحَّةِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ. وَقَدْ سَبَقَ كُلُّ هَذَا فِي «بَابِ تَفْرِيقِ الصِّفَةِ» . ثُمَّ الْمُحَابَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ مِنَ الثُّلُثِ مَا تَزِيدُ عَلَى مَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ، ذَكَرَهُ الْحَنَّاطِيُّ، وَأَبُو مَنْصُورٍ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا بَاعَ بِثَمَنِ حَالٍّ، فَإِنْ بَاعَ بِمُؤَجَّلٍ، وَلَمْ يَحُلَّ حَتَّى مَاتَ، اعْتُبِرَ مِنَ الثُّلُثِ سَوَاءٌ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكَثَرَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْيَدِ عَلَى الْوَرَثَةِ. وَتَفْوِيتُ الْيَدِ مُلْحَقٌ بِتَفْوِيتِ الْمَالِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ بِالْحَيْلُولَةِ كَمَا يَضْمَنُ بِتَفْوِيتِ الْمَالِ، فَلَيْسَ لَهُ تَفْوِيتُ الْيَدِ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَيْسَ لَهُ تَفْوِيتُ الْمَالِ. فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، وَرَدَّ الْوَارِثُ مَا زَادَ، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَالْإِجَازَةِ فِي الثُّلُثِ بِثُلُثِ الثَّمَنِ. فَإِنْ أَجَازَ، فَهَلْ يَزِيدُ مَا صَحَّ فِيهِ الْبَيْعُ إِذَا أَدَّى الثُّلُثُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي «التَّهْذِيبِ» . أَصَحُّهُمَا: لَا، لِانْقِطَاعِ الْبَيْعِ بِالرَّدِّ. وَالثَّانِي: نَعَمْ ; لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ لِلْوَرَثَةِ يَنْبَغِي أَنْ نُصَحِّحَ الْوَصِيَّةَ فِي مِثْلِ نِصْفِهِ. فَعَلَى هَذَا يُصَحَّحُ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ نِصْفِ الْمُؤَدَّى، وَهُوَ السُّدُسُ، بِسُدُسِ الثَّمَنِ. فَإِذَا أَدَّى ذَلِكَ السُّدُسُ، زِيدَ بِقَدْرِ نِصْفِ النِّصْفِ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَحْصُلَ الِاسْتِيعَابُ.

[الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةُ: نِكَاحُ الْمَرِيضِ صَحِيحٌ فَإِنْ نَكَحَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنِ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، اسْتَحَقَّتْ مَهْرَ الْمِثْلِ، وَالزِّيَادَةُ تَبَرُّعٌ عَلَى الْوَارِثِ. وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً، كَالذِّمِّيَّةِ، وَالْمُكَاتَبَةِ، فَالزِّيَادَةُ مَحْسُوبَةٌ مِنَ الثُّلُثِ. فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْهُ، نَفَذَ التَّبَرُّعُ بِهَا. وَلَوْ مَاتَتِ الزَّوْجَةُ قَبْلَهُ، فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ تَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ، سَلِمَتْ لَهَا، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّبَرُّعِ وَالْمِيرَاثِ. وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ، دَارَتِ الْمَسْأَلَةُ، وَنَذْكُرُهَا فِي بَابِ الدَّوْرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

ص: 132

فَرْعٌ

لَوْ نُكِحَتِ الْمَرِيضَةُ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَالنُّقْصَانُ تَبَرُّعٌ عَلَى الْوَارِثِ، فَلِلْوَرَثَةِ رَدُّهُ وَتَكْمِيلُ مَهْرِ الْمِثْلِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا، بِأَنْ كَانَ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ، لَمْ يُكْمَلْ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ هَذَا النَّقْصُ مِنَ الثُّلُثِ. وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ وَصِيَّةً فِي حَقِّ الْوَارِثِ، وَلَمْ يُجْعَلْ وَصِيَّةً فِي الِاعْتِبَارِ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ إِنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ تَفْوِيتِ مَا عِنْدَهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِتَفْوِيتٍ، إِنَّمَا هُوَ امْتِنَاعٌ مِنَ الْكَسْبِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَنْعَ فِيمَا يُتَوَهَّمُ بَقَاؤُهُ لِلْوَارِثِ وَانْتِفَاعُهُ بِهِ، وَالْبُضْعُ لَيْسَ كَذَلِكَ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَفِي «التَّتِمَّةِ» : أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إِذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ - فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ - بِفَرْقَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّكَاحَ بِغَيْرِ ذِكْرِ مَهْرٍ يَقْتَضِي مَهْرَ الْمِثْلِ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ بِدُونِهِ، فَكَأَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ بَعْدَ وُجُوبِهِ، فَصَارَ كَالْإِبْرَاءِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُحَابَاةَ فِي الْمَهْرِ فِيهَا نَوْعُ عَارٍ عَلَى الْوَرَثَةِ، فَأُثْبِتَ لَهُمْ وِلَايَةُ رَفْعِهَا، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ.

قُلْتُ: هَذَانِ الْفَرْقَانِ ضَعِيفَانِ جِدًّا. وَكَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ادَّعَاهُ وَشَذَّ بِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

[الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ: إِجَارَةُ الدَّوَابِّ وَالْعَبِيدِ وَسَائِرِ الْأَمْوَالِ بِمَا دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ. وَكَذَلِكَ إِعَارَتُهَا. حَتَّى لَوِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ أَوِ الْإِعَارَةِ فِي مَرَضِهِ، وَاسْتَرَدَّ الْعَيْنَ، اعْتُبِرَ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ وَجَمِيعُ الْأُجْرَةِ فِي الْإِعَارَةِ مِنَ الثُّلُثِ. وَلَوْ أَجَّرَ نَفْسَهُ بِمُحَابَاةٍ، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ مُتَبَرِّعًا، لَمْ يُحْسَبْ مِنَ الثُّلُثِ عَلَى الْأَصَحِّ.

ص: 133

[الْمَسْأَلَةُ] الْخَامِسَةُ: كَاتَبَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا، أَوْ أَوْصَى بِكِتَابَتِهِ، تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ مِنَ الثُّلُثِ سَوَاءٌ كَاتَبَهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكَثَرَ. وَلَوْ كَاتَبَ فِي الصِّحَّةِ، وَاسْتَوْفَى النُّجُومَ فِي مَرَضِهِ، لَمْ تُعْتَبَرْ قِيمَتُهُ مِنَ الثُّلُثِ. وَلَوْ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنَ النُّجُومِ اعْتُبِرَ مِنَ الثُّلُثِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوِ النُّجُومِ.

[الْمَسْأَلَةُ] السَّادِسَةُ: الِاسْتِيلَادُ فِي الْمَرَضِ لَا يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ، كَمَا يَسْتَهْلِكُهُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ اللَّذِيذَةِ، وَالثِّيَابِ النَّفِيسَةِ، وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِالِاسْتِيلَادِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى إِنْشَائِهِ، وَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا مِنَ الثُّلُثِ.

[الْمَسْأَلَةُ] السَّابِعَةُ: قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَرَضِ مَوْتِي بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ، ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ، لَمْ يُعْتَبَرْ مِنَ الثُّلُثِ. وَإِنْ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، فَإِنْ نَقَصَ مَرَضُهُ عَنْ شَهْرٍ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَإِلَّا، فَهُوَ كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ فِي الصِّحَّةِ وَوُجِدَتِ الصِّفَةُ فِي الْمَرَضِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ.

فَرْعٌ

بَاعَ بِمُحَابَاةٍ، بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ مَرِضَ وَأَجَازَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ، فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَفْوِيتٍ، بَلِ امْتِنَاعٌ مِنْ كَسْبٍ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ عِنْدَهُ وَمَرِضَ الْبَائِعُ فَلَمْ يَفْسَخْ، وَكَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ بِعَيْبِهَا فَتَرَكَ حَتَّى مَاتَ وَاسْتَقَرَّ الْمَهْرُ، فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ مِنَ الثُّلُثِ. وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى بِمُحَابَاةٍ، ثُمَّ مَرِضَ وَوَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا، وَلَمْ يَرُدَّ مَعَ الْإِمْكَانِ، لَا يُعْتَبَرُ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ مِنَ الثُّلُثِ. وَلَوْ وُجِدَ الْعَيْبُ، وَتَعَذَّرَ الرَّدُّ بِسَبَبٍ، فَأَعْرَضَ عَنِ الْأَرْشِ، اعْتُبِرَ قَدْرُ الْأَرْشِ مِنَ الثُّلُثِ.

ص: 134

وَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ فِي الْإِقَالَةِ يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ، وَخَلْعُ الْمَرِيضِ لَا يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطْلَقَ مَجَّانًا، وَخَلْعُ الْمَرِيضَةِ مَذْكُورٌ فِي «كِتَابِ الْخَلْعِ» .

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي كَيْفِيَّةِ الِاحْتِسَابِ مِنَ الثُّلُثِ. إِذَا وُجِدَ تَبَرُّعَانِ، وَأَكْثَرُ، وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا، فَهِيَ إِمَّا مُنْجَزَةٌ، وَإِمَّا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَوْتِ، وَإِمَّا مِنَ النَّوْعَيْنِ.

الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، الْمُنْجَزَةُ، كَالْإِعْتَاقِ، وَالْإِبْرَاءِ، وَالْوَقْفِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ، وَالْمُحَابَاةِ فِي الْعُقُودِ، فَإِنْ تَرَتَّبَتْ، قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ إِلَى اسْتِغْرَاقِ الثُّلُثِ. فَإِذَا تَمَّ الثُّلُثُ، وَقَفَ أَمْرُ الزَّائِدِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَارِثِ عَلَى مَا سَبَقَ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ جِنْسًا أَوْ جِنْسَيْنِ، وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْعِتْقُ عَلَى الْمُحَابَاةِ وَنَحْوِهَا أَوْ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَازِمٌ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى رِضَى الْوَرَثَةِ، فَكَانَ أَقْوَى. وَإِنْ وُجِدَتْ دُفْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ مِثْلَ أَنْ قَالَ لِعَبِيدٍ: أَعْتَقْتُكُمْ، أَوْ أَبْرَأَ جَمَاعَةً مِنْ دُيُونِهِ، أَوْ وَهَبَ لَهُمْ، لَمْ يُقَدِّمِ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ. لَكِنْ فِي غَيْرِ الْعِتْقِ يُقَسَّطُ الثُّلُثُ عَلَى الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، كَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنَ التَّسَاوِي أَوِ التَّفَاضُلِ. وَفِي الْعِتْقِ، يُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ، وَلَا تُوَزَّعُ الْحُرِّيَّةُ. وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، بِأَنْ وَكَّلَ فِي كُلِّ تَبَرُّعٍ وَكِيلًا، فَتَصَرَّفُوا دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِتْقٌ قُسِّطَ الثُّلُثُ عَلَى الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ، فَهَلْ يُقَسَّطُ، أَمْ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ؟ قَوْلَانِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي التَّبَرُّعَاتِ الْمُعَلَّقَةِ بِالْمَوْتِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

الْقِسْمُ الثَّانِي: التَّبَرُّعَاتُ الْمُعَلَّقَةُ بِالْمَوْتِ، كَالْوَصَايَا، وَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ، فَلَا يُقَدَّمُ عِتْقٌ عَلَى عِتْقٍ، وَلَا تَبَرُّعٌ غَيْرُ الْعِتْقِ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْإِيصَاءِ، بَلْ فِي الْعِتْقِ يُقْرَعُ، وَفِي غَيْرِهِ يُقَسَّطُ الثُّلُثُ عَلَى الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ. وَفِي الْعِتْقِ هُنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ يُقَسَّطُ، وَتُخَصُّ الْقُرْعَةُ بِالْمُنْجَزِ، لِوُرُودِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِ،

ص: 135

وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ. ثُمَّ هَذَا عِنْدَ إِطْلَاقِ الْوَصِيَّةِ. أَمَّا إِذَا قَالَ: أَعْتِقُوا سَالِمًا بَعْدَ مَوْتِي، ثُمَّ غَانِمًا، أَوِ ادْفَعُوا إِلَى زَيْدٍ مِائَةً، ثُمَّ إِلَى عَمْرٍو مِائَةً، فَيُقَدَّمُ مَا قَدَّمَهُ قَطْعًا. وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْقِسْمِ عِتْقٌ وَغَيْرُهُ، فَهَلْ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ لِقُوَّتِهِ، أَمْ يُسَوَّى فِيهِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: التَّسْوِيَةُ. هَذَا فِي وَصَايَا التَّمْلِيكِ مَعَ الْعِتْقِ. أَمَّا إِذَا أَوْصَى لِلْفُقَرَاءِ بِشَيْءٍ، وَبِعِتْقِ عَبْدٍ، فَقَالَ الْبَغَوِيُّ: هُمَا سَوَاءٌ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْقُرْبَةِ. وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ، لِوُجُودِ الْقُوَّةِ وَالسِّرَايَةِ.

قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَإِذَا سَوَّيْنَا، فَمَا خَصَّ الْعَبِيدَ إِذَا ضَاقَ عَنْهُمْ، يُقْرَعُ. وَالْكِتَابَةُ مَعَ الْهِبَةِ وَسَائِرِ الْوَصَايَا، كَالْعِتْقِ، فَتَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَقِيلَ: يُسَوَّى [هُنَا] قَطْعًا، إِذْ لَيْسَ لَهَا قُوَّةٌ وَسَرَايَةٌ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ تَبَرُّعَاتٌ مُنَجَّزَةٌ وَمُعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ، قُدِّمَتِ الْمُنَجَّزَةُ ; لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْمِلْكَ نَاجِزًا، وَلِأَنَّهَا لَازِمَةٌ. وَلَا يَمْلِكُ الْمَرِيضُ الرُّجُوعَ فِيهَا.

فَرْعٌ

عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ بِالْمَوْتِ، وَأَوْصَى بِعِتْقِ آخَرَ، فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ; لِأَنَّ وَقْتَ اسْتِحْقَاقِهِمَا وَاحِدٌ، وَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْقُوَّةِ. وَفِي وَجْهٍ: الْمُدَبَّرُ أَوْلَى بِالْعِتْقِ، لِأَنَّهُ سَبَقَ عِتْقُهُ، فَإِنَّ الْآخَرَ يَحْتَاجُ إِلَى إِنْشَاءِ عِتْقِهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.

فَرْعٌ

لَا يُؤَثِّرُ تَقَدُّمُ الْهِبَةِ وَحْدَهَا بِلَا قَبْضٍ ; لِأَنَّ مِلْكَهَا بِالْقَبْضِ، حَتَّى لَوْ وَهَبَ

ص: 136

الْمَرِيضُ ثُمَّ أَعْتَقَ، أَوْ حَابَى فِي بَيْعٍ ثُمَّ أَقْبَضَ الْمَوْهُوبَ، قُدِّمَ الْعِتْقُ وَالْمُحَابَاةُ، وَلَا تَفْتَقِرُ الْمُحَابَاةُ فِي بَيْعٍ وَنَحْوِهِ إِلَى قَبْضٍ ; لِأَنَّهَا فِي ضِمْنِ مُعَاوَضَةٍ.

فَرْعٌ

قَالَ فِي مَرَضِهِ: سَالِمٌ حُرٌّ، وَغَانِمٌ حُرٌّ، وَخَالِدٌ حُرٌّ، فَهَذَا مِنْ صُوَرِ تَرْتِيبِ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ. وَلَوْ قَالَ: سَالِمٌ وَغَانِمٌ وَخَالِدٌ أَحْرَارٌ، فَهُوَ مِنْ صُوَرِ وُقُوعِهَا دُفْعَةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُمْ بِالْمَوْتِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، سَوَاءً قَالَ: إِذَا مُتُّ، فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَغَانِمٌ حُرٌّ، وَخَالِدٌ حُرٌّ، أَوْ [قَالَ: فَهُمْ أَحْرَارٌ. وَلَوْ] قَالَ: إِذَا مُتُّ فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مُتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، فَغَانِمٌ حُرٌّ، فَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَلَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِهِمَا، أُقْرِعَ [بَيْنَهُمَا] . وَإِنْ بَرَأَ، وَمَاتَ بَعْدَهُ، بَطَلَ التَّدْبِيرُ الْمُقَيَّدُ، وَيَعْتِقُ سَالِمٌ.

فَرْعٌ

قَالَ: إِنْ أَعْتَقْتُ غَانِمًا، فَسَالِمٌ حُرٌّ، ثُمَّ أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَإِنْ خَرَجَا مِنَ الثُّلُثِ عَتَقَا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا أَحَدُهُمَا، فَقِيلَ: يُقْرَعُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُكُمَا. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا قُرْعَةَ، بَلْ يَتَعَيَّنُ غَانِمٌ لِلْعِتْقِ؛ لِأَنَّا لَوْ أَقْرَعْنَا، رُبَّمَا خَرَجَتْ عَلَى سَالِمٍ، فَيَلْزَمُ إِرْقَاقُ غَانِمٍ. وَإِذَا رَقَّ لَمْ يَحْصُلْ شَرْطُ عِتْقِ سَالِمٍ. وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْتَقْتُ غَانِمًا، فَسَالِمٌ حُرٌّ فِي حَالِ إِعْتَاقِي

ص: 137

غَانِمًا، ثُمَّ أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِهِ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ بِلَا فَرْقٍ. وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: إِنْ أَعْتَقْتُ غَانِمًا، فَسَالِمٌ وَغَانِمٌ حُرَّانِ، ثُمَّ أَعْتَقَ غَانِمًا، وَالثُّلُثُ لَا يَفِي إِلَّا بِأَحَدِهِمْ، عَتَقَ غَانِمٌ، وَلَا قُرْعَةَ. وَإِنْ فَضَلَ مِنَ الثُّلُثِ شَيْءٌ أُقْرِعَ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ. فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ كُلُّهُ إِنْ خَرَجَ كُلُّهُ، وَبَعْضُهُ إِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بَعْضُهُ. وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ أَحَدُ الْآخَرَيْنِ، وَبَعْضُ الثَّالِثِ عَتَقَ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَعَتَقَ مِنَ الْآخَرِ بَعْضُهُ.

فَرْعٌ

قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ تَزَوَّجْتُ، فَأَنْتَ حُرٌّ. ثُمَّ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مُهِمَّ الْمِثْلِ مَحْسُوبٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثُّلُثِ. وَإِنِ اقْتَضَى الْحَالُ تَنْفِيذَ الزِّيَادَةِ نُظِرَ إِنْ خَرَجَتِ الزِّيَادَةُ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ مِنَ الثُّلُثِ نَفَذَ، وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ الْمَهْرُ، كَذَا ذَكَرُوهُ تَوْجِيهًا بِأَنَّ الْمَهْرَ أَسْبَقُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالنِّكَاحِ، وَالْعِتْقُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. لَكِنَّ مُقْتَضَى قَوْلِنَا: إِنَّ الْمُرَتَّبَ وَالْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ يَقَعَانِ مَعًا وَلَا يَتَلَاحَقَانِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ أَنْ لَا يُقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، بَلْ يُوَزَّعُ الثُّلُثُ عَلَى الزِّيَادَةِ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ فِي حَالِ تَزَوُّجِي: أَنَّهُ يُوَزَّعُ الثُّلُثُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَرَتُّبَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ - حَيْثُ لَا يُوَزَّعُ هُنَاكَ، كَمَا لَا يُقْرَعُ - أَنَّ الْعِتْقَ هُنَا مُعَلَّقٌ بِالنِّكَاحِ، وَالتَّوْزِيعُ لَا يَرْفَعُ النِّكَاحَ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَهُنَاكَ عِتْقُ سَالِمٍ مُعَلَّقٌ بِعِتْقِ غَانِمٍ كَامِلًا. وَإِذَا وَزَّعْنَا، فَلَا يَكْمُلُ عِتْقُ غَانِمٍ، وَلَا يُمْكِنُ إِعْتَاقُ شَيْءٍ مِنْ سَالِمٍ.

ص: 138

فَرْعٌ

قَالَ لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ: إِنْ أَعْتَقْتُ نِصْفَ حِمْلِكِ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ، ثُمَّ أَعْتَقَ نِصْفَ حِمْلِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَمُقْتَضَى عِتْقِ نِصْفِ الْحِمْلِ سَرَايَتُهُ إِلَى بَاقِيهِ وَعِتْقُ الْأُمِّ بِالتَّعْلِيقِ. فَإِنْ خَرَجَا مِنَ الثُّلُثِ، عَتَقَا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ النِّصْفِ إِلَّا الْأُمُّ، أَوِ النِّصْفُ الْآخَرُ، بِأَنْ كَانَ مَالُهُ ثَلَاثَمِائَةٍ، وَالْأُمُّ مِنْهَا خَمْسُونَ، وَالْوَلَدُ مِائَةٌ، فَيُقْرَعُ بَيْنَ الْأُمِّ وَالنِّصْفِ الْآخَرِ. وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى النِّصْفِ الْآخَرِ عَتَقَ جَمِيعُ الْحَمْلِ وَرَقَّتِ الْأُمُّ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى الْأُمِّ لَمْ يُعْتَقْ كُلُّهَا ; لِأَنَّ الْحَمْلَ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْهَا يَتْبَعُ عِتْقُهُ عِتْقَهَا، فَتُوَزَّعُ قِيمَةُ الثُّلُثِ وَهِيَ خَمْسُونَ عَلَى الْأُمِّ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي بِالسَّوِيَّةِ، فَيُعْتَقُ مِنَ الْأُمِّ نِصْفُهَا، وَمِنَ النِّصْفِ الْبَاقِي نِصْفُهُ، فَيَكُونُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ حُرًّا. وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ كَمَا ذَكَرْنَا إِلَّا أَنَّ قِيمَةَ الْأُمِّ مِائَةٌ، وَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الْأُمِّ وُزِّعَتِ الْخَمْسُونَ عَلَيْهَا وَعَلَى النِّصْفِ الْآخَرِ الْبَاقِي أَثْلَاثًا، فَيُعْتَقُ مِنْهَا ثُلُثُهَا، وَهُوَ ثُلُثَا الْخَمْسِينَ، وَمِنَ النِّصْفِ الْبَاقِي ثُلُثُهُ وَهُوَ ثُلُثُ الْخَمْسِينَ، وَسُدُسُ جُمْلَتِهِ، فَيَكُونُ الْحُرُّ مِنَ الْأُمِّ الثُّلُثُ، وَمِنَ الْوَلَدِ الثُّلُثَيْنِ.

فَرْعٌ

أَوْصَى بِعَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ يُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَبَاقِي مَالِهِ غَائِبٌ، لَا يُدْفَعُ كُلُّهُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ، وَلَا يُسَلَّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ مِنَ الْمَالِ الْغَائِبِ مَا يَخْرُجُ الْمُوصَى بِهِ مِنْ ثُلُثِهِ ; لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ لِلْمُوصَى لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ لِلْوَارِثِ مِثْلَاهُ، وَرُبَّمَا تَلِفَ الْغَائِبُ. وَهَلْ يَتَسَلَّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي ثُلُثِهِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ ; لِأَنَّ تَسْلِيطَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَسْلِيطِ الْوَرَثَةِ عَلَى مِثْلَيْ مَا تَسَلَّطَ عَلَيْهِ. وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيطُهُمْ، لِاحْتِمَالِ سَلَامَةِ الْغَائِبِ. فَيَخْلُصُ جَمِيعُ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ. فَلَوْ تَصَرَّفُوا فِي ثُلُثَيِ

ص: 139

الْحَاضِرِ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ: إِنْ بَانَ هَلَاكُ الْغَائِبِ تَبَيَّنَّا نُفُوذَ تَصَرُّفِهِمْ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: يَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ.

قُلْتُ: بَلْ يَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

قَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَإِنْ سَلِمَ وَعَادَ إِلَيْهِمْ، تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ التَّصَرُّفِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: يُمْضَى عَلَى الصِّحَّةِ، وَيَغْرَمُ لِلْمُوصَى لَهُ الثُّلُثَيْنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا هُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، أَوْ دَبَّرَهُ، وَبَاقِي مَالِهِ غَائِبٌ فَفِي نُفُوذِ الْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ فِي ثُلُثِهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْوَصِيَّةِ. كَذَا ذَكَرُوهُ، وَقَدْ يُسْتَبْعَدُ التَّرَدُّدُ فِي الْعِتْقِ فِي الثُّلُثِ، فَإِنَّهُ حُرٌّ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. بَلِ الْوَجْهُ: الْجَزْمُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ فِي الثُّلُثِ، وَفِي الْوَصِيَّةِ أَيْضًا. وَرُدَّ الْخِلَافُ إِلَى أَنَّهُ هَلْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، أَمْ يُمْنَعُ [مِنَ] التَّصَرُّفِ إِلَى أَنْ يَتَسَلَّطَ الْوَارِثُ عَلَى مِثْلَيْهِ؟ .

الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ، فَنَتَكَلَّمُ فِي طَرَفِ الْإِيجَابِ، ثُمَّ طَرَفِ الْقَبُولِ، أَمَّا الْإِيجَابُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ، بِأَنْ يَقُولَ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا، أَوْ أَعْطُوهُ، أَوِ ادْفَعُوا إِلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِي كَذَا، أَوْ هُوَ لَهُ، أَوْ جَعَلْتُهُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ مَلَّكْتُهُ، أَوْ وَهَبْتُهُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي. أَمَّا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: وَهَبْتُهُ لَهُ، وَنَوَى الْوَصِيَّةَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَصِيَّةً؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ فِي مَوْضُوعِهِ الصَّرِيحِ، وَهُوَ التَّمْلِيكُ النَّاجِزُ. وَلَوْ قَالَ: هَذَا لَهُ، فَهُوَ إِقْرَارٌ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَلَا يُجْعَلُ كِنَايَةً عَنِ الْوَصِيَّةِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: هُوَ لَهُ مِنْ مَالِي، أَوْ يَقُولَ: عَبْدِي هَذَا لِفُلَانٍ، فَيَصِحُّ كِنَايَةً عَنِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إِقْرَارًا. وَلَوْ قَالَ: عَيَّنْتُهُ لَهُ، فَهَذَا كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّعْيِينَ لِلتَّمْلِيكِ بِالْوَصِيَّةِ، وَالتَّعْيِينَ لِلْإِعَارَةِ وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْكِتَابَةِ مَعَ النِّيَّةِ بِلَا خِلَافٍ، لِمَا سَبَقَ فِي «كِتَابِ الْبَيْعِ» : أَنَّ مَا يُقْبَلُ مَقْصُودُهُ التَّعْلِيقُ بِالْإِغْرَارِ، كَالْكِتَابَةِ، وَالْخَلْعِ، يَنْعَقِدُ

ص: 140