الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
الْوَصِيَّةُ لِجَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ غَيْرِ مَحْصُورِينَ، كَالْهَاشِمِيَّةِ، وَالطَّالِبِيَّةِ، وَالْعَلَوِيَّةِ، صَحِيحَةٌ عَلَى الْأَظْهَرِ، كَالْفُقَرَاءِ.
فَعَلَى هَذَا، يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ، وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ، كَالْفُقَرَاءِ.
وَمَتَّى أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ.
فَإِنْ عُدُّوا قَبِيلَةً، كَبَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي تَمِيمٍ، فَهِيَ كَالْوَصِيَّةِ لِلْعَلَوِيَّةِ.
وَفِي جَوَازِ الصَّرْفِ إِلَى إِنَاثِهِمْ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ.
وَإِنْ لَمْ يُعَدُّوا قَبِيلَةً، كَبَنِي زَيْدٍ وَعَمْرٍو، اشْتُرِطَ الْقَبُولُ وَالِاسْتِيعَابُ وَالتَّسْوِيَةُ.
وَلَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى الْإِنَاثِ.
قُلْتُ: وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ هُنَا قَطْعًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
أَوْصَى لِزَيْدٍ وَجِبْرِيلَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لِزَيْدٍ النِّصْفُ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ فِي الْبَاقِي.
كَمَا لَوْ أَوْصَى لِابْنِ زَيْدٍ، وَابْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَكُنْ لِعَمْرِو ابْنٌ، أَوْ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَابْنَيْ بَكْرٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا ابْنٌ اسْمُهُ زَيْدٌ، يَكُونُ النِّصْفُ لِلْمَوْجُودِ، وَيَبْطُلُ الْبَاقِي.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِزَيْدٍ الْكُلَّ، وَيَلْغُو ذِكْرُ مَنْ لَا يَمْلِكُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا ذَكَرَ مَعَهُ مَنْ يَمْلِكُ.
وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي كُلِّ صُورَةٍ أَوْصَى لِزَيْدٍ وَلِمَنْ لَا يُوصَفُ بِالْمِلْكِ، كَالشَّيْطَانِ، وَالرِّيحِ، وَالْحَائِطِ، وَالْبَهِيمَةِ، وَغَيْرِهَا.
وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ، وَلِلْمَلَائِكَةِ أَوْ لِلرِّيَاحِ، أَوْ لِلْحِيطَانِ، فَإِنْ جَعْلَنَا الْكُلَّ لِزَيْدٍ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَهَلْ لَهُ النِّصْفُ، أَمِ الرُّبُعُ، أَمْ لِلْمُوصِي أَنْ يُعْطِيَهُ أَقَلَّ مَا يُتَمَوَّلُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْوَصِيَّةِ لِزَيْدٍ وَلِلْفُقَرَاءِ.
وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ وَلِلَّهِ تَعَالَى، فَهَلْ يَكُونُ لِزَيْدٍ الْجَمِيعُ وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّبَرُّكِ؟ أَمْ لَهُ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْفُقَرَاءِ؟ أَمْ لَهُ النِّصْفُ وَالْبَاقِي
يُصْرَفُ فِي وُجُوهِ الْقُرَبِ لِأَنَّهَا مَصْرَفُ الْحُقُوقِ الْمُضَافَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ أَمْ يَرْجِعُ النِّصْفُ الثَّانِي إِلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: الثَّالِثُ.
وَقَدَّمْنَا وَجْهًا فِيمَا إِذَا أَوْصَى لِأَجْنَبِيٍّ وَوَارِثٍ، وَبَطَلَتْ فِي حَقِّ الْوَارِثِ: أَنَّهَا تَبْطُلُ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ أَيْضًا، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَذَلِكَ الْوَجْهُ مَعَ ضَعْفِهِ، يَلْزَمُ طَرْدُهُ فِي نَصِيبِ زَيْدٍ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ.
قُلْتُ: فَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِي لِلَّهِ عز وجل، صُرِفَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» وَقَالَ: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ أَقْسَامِ الْبَابِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَعْنَوِيَّةِ.
قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَنَافِعِ الْعَبْدِ وَالدَّارِ صَحِيحَةٌ مُؤَبَّدَةٌ وَمُؤَقَّتَةٌ، وَكَذَا بَغْلَةُ الدَّارِ وَالْحَانُوتِ، وَكَذَا بِثِمَارِ الْبُسْتَانِ الَّتِي تَحْدُثُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدٍ سَنَةً، وَلَمْ تُعَيَّنْ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ، وَالتَّعْيِينُ لِلْوَارِثِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ ثَمَرَةَ بُسْتَانِهِ الْعَامَ، فَإِنْ لَمْ يُثْمِرْ، فَثَمَرَةَ الْعَامِ الْقَابِلِ، أَوْ خِدْمَةَ عَبْدِهِ الْعَامَ، فَإِنْ مَرِضَ، فَخِدْمَةَ الْعَامِ الثَّانِي.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ مُدَّةَ حَيَاةِ زَيْدٍ.
إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَالْغَرَضُ الْآنَ الْكَلَامُ فِي مَسَائِلِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ لِلْمَنَافِعِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِبَاحَةٍ، كَمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْأَعْيَانِ تَمْلِيكٌ لَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
فَلَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ، وُرِثَتْ عَنْهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلَهُ الْإِجَارَةُ وَالْإِعَارَةُ وَالْوَصِيَّةُ بِهَا.
وَلَوْ تَلِفَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ، أَوْ قَيَّدَهَا بِالتَّأْبِيدِ.
وَالْمُرَادُ بِالتَّأْبِيدِ: اسْتِيعَابُ الْوَصِيَّةِ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً مُقَدَّرَةً، كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِ
الْمُوصَى لَهُ، [لَا] عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلَا إِذَا قَدَّرَ مُدَّةً وَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا.
وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ.
أَمَّا إِذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ لَكَ بِمَنَافِعِهِ حَيَاتَكَ، فَهُوَ إِبَاحَةٌ، وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، فَلَيْسَ لَهُ الْإِجَارَةُ.
وَفِي الْإِعَارَةِ وَجْهَانِ.
وَأَمَّا إِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ، رَجَعَ الْحَقُّ إِلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي.
وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَكَ بِأَنْ تَسْكُنَ هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ بِأَنْ يَخْدِمَكَ هَذَا الْعَبْدُ، فَهُوَ إِبَاحَةٌ أَيْضًا، لَا تَمْلِيكٌ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ لَكَ بِسُكْنَاهَا، وَخِدْمَتِهِ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ.
وَفِي «فَتَاوَى» الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَطْعِمُوا زَيْدًا كَذَا رِطْلًا مِنَ الْخُبْزِ مِنْ مَالِي، اقْتَضَى تَمْلِيكَهُ، كَمَا فِي إِطْعَامِ الْكَفَّارَةِ.
وَلَوْ قَالَ: اشْتَرُوا خُبْزًا وَاصْرِفُوهُ إِلَى أَهْلِ مَحِلَّتِي، فَسَبِيلُهُ الْإِبَاحَةُ.
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ.
أَمَّا الْمَسَائِلُ، فَإِحْدَاهَا: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ الْمُوصَى لَهُ، فَيَمْلِكُ إِثْبَاتَ الْيَدِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ، وَيَمْلِكُ مَنَافِعَهُ وَأَكْسَابَهُ الْمُعْتَادَةَ، مِنَ الِاحْتِطَابِ، وَالِاحْتِشَاشِ، وَالِاصْطِيَادِ، وَأُجْرَةِ الْحِرْفَةِ، لِأَنَّهَا أَبْدَالُ مَنَافِعِهِ.
وَلَا يَمْلِكُ الْكَسْبَ النَّادِرَ، كَالْهِبَةِ وَاللُّقَطَةِ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالْوَصِيَّةِ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الْعِبَّادِيُّ وَجْهًا فِي كُلِّ الْأَكْسَابِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَسَيَأْتِي دَلِيلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ أَتَتِ الْجَارِيَةُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا بِوَلَدٍ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ: حُكْمُ الْوَلَدِ حُكْمُ أُمِّهِ، رَقَبَتُهُ لِلْوَرَثَةِ، وَمَنْفَعَتُهُ لِلْمُوصَى لَهُ ; لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِلْمُوصَى لَهُ، كَكَسْبِهَا.
وَالثَّالِثُ: لِوَرَثَةِ الْمُوصِي ; لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَنْفَعَةِ.
وَإِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أَوْ زُوِّجَتْ، فَفِي الْمَهْرِ وَجْهَانِ.
قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ لِلْمُوصَى لَهُ، كَالْكَسْبِ.
وَالْمَنْسُوبُ إِلَى الْمَرَاوِزَةِ: أَنَّهُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي، وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ،
لِأَنَّهُ بَدَلُ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ، وَمَنْفَعَةُ الْبُضْعِ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِهَا، فَكَانَ تَابِعًا لِلرَّقَبَةِ.
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُوصَى لَهُ وَطْؤُهَا بِلَا خِلَافٍ فَإِنْ وَطِئَ، لَمْ يُحَدَّ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِلشُّبْهَةِ.
وَقِيلَ: يُحَدُّ كَالْمُسْتَأْجِرِ.
وَلَوْ أَوْلَدَهَا بِالْوَطْءِ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، لَكِنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِلشُّبْهَةِ.
وَقِيلَ: رَقِيقٌ.
وَإِذَا قُلْنَا: حُرٌّ، فَإِنْ قُلْنَا: الْوَلَدُ الْمَمْلُوكُ كَالْكَسْبِ، فَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا، فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ.
ثُمَّ هَلْ هِيَ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ؟ أَمْ يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ تَكُونُ رَقَبَتُهُ لِمَالِكِ الْعَبْدِ وَمَنْفَعَتُهُ لِلْمُوصَى لَهُ وَجْهَانِ.
هَذَا مَا ذَكَرُوهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ بِمَنْفَعَةِ الْعَبْدِ، أَوْ غَلَّتِهِ، أَوْ خِدْمَتِهِ، أَوْ كَسْبِهِ، وَبِمَنْفَعَةِ الدَّارِ، أَوْ سُكْنَاهَا، أَوْ غَلَّتِهَا.
وَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ تُفِيدُ اسْتِحْقَاقَ الْخِدْمَةِ فِي الْعَبْدِ، وَالسُّكْنَى فِي الدَّارِ.
وَالْوَصِيَّةُ بِالْخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى لَا تُفِيدُ اسْتِحْقَاقَ سَائِرِ الْمَنَافِعِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ، لَا يَمْلِكُ تَكْلِيفَهُ الْبِنَاءَ، وَالْغِرَاسَ، وَالْكِتَابَةَ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا لِلسُّكْنَى، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا عَمَلَ الْحَدَّادِينَ وَالْقَصَّارِينَ، وَلَا أَنْ يَطْرَحَ الزِّبْلَ فِيهَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَهُمْ وَإِنْ أَطْلَقُوا، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: الْوَصِيَّةُ بِالْغَلَّةِ وَالْكَسْبِ لَا تُفِيدُ اسْتِحْقَاقَ السُّكْنَى وَالرُّكُوبَ وَالِاسْتِخْدَامَ، وَبِوَاحِدٍ مِنْهَا لَا يُفِيدُ اسْتِحْقَاقَ [الْغَلَّةِ وَالْكَسْبِ] .
وَهَذَا يُوَافِقُ الْوَجْهَ السَّابِقَ عَنِ الْحَنَّاطِيِّ وَالْعَبَّادِيِّ.
فَرْعٌ: هَلْ يَنْفَرِدُ الْمُوصَى لَهُ بِالْمُسَافِرِ بِالْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، كَزَوْجِ الْأَمَةِ.
وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِاسْتِغْرَاقِهِ الْمَنَافِعَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ وَارِثِ الْمُوصِي، وَفِيهِ أَرْبَعَةُ فُرُوعٍ.
الْأَوَّلُ: الْوَارِثُ يَمْلِكُ إِعْتَاقَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ ; لِأَنَّ رَقَبَتَهُ لَهُ، وَأَشَارَ صَاحِبُ «الرَّقْمِ» وَغَيْرُهُ إِلَى خِلَافٍ فِيهِ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لَكِنْ لَا يَجْرِي إِعْتَاقُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِعَجْزِهِ عَنِ الْكَسْبِ.
وَإِذَا أُعْتِقَ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْقَى بِحَالِهَا، وَتَكُونَ الْمَنَافِعُ مُسْتَحَقَّةً لِلْمُوصَى لَهُ كَمَا كَانَتْ، كَمَا إِذَا أَعْتَقَ الْمُسْتَأْجَرَ.
وَلَا يَرْجِعُ الْعَتِيقُ بِقِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ قَطْعًا.
وَقِيلَ: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ، نَقَلَهُ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ ; لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ مَنْفَعَةُ الْحُرِّ مُسْتَحَقَّةً أَبَدًا.
فَعَلَى هَذَا فِي رُجُوعِ الْمُوصَى لَهُ عَلَى الْمُعَتَقِ بِقِيمَةِ الْمَنَافِعِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: لَعَلَّ أَصَحَّهُمَا الرُّجُوعُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ كِتَابَةُ هَذَا الْعَبْدِ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ أَكْسَابَهُ مُسْتَحَقَّةٌ.
وَوَجْهُ الْجَوَازِ تَوَقُّعُ الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا.
الْفَرْعُ الثَّانِي: إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَنْفَعَةٍ - مُدَّةً مَعْلُومَةً -، فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْوَارِثِ، كَالْمُسْتَأْجَرِ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا: كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي: عَلَى الْمُوصَى لَهُ.
وَالثَّالِثُ: فِي كَسْبِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسْبٌ.
أَوْ لَمْ يَفِ بِهَا، فَفِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَالْفِطْرَةُ كَالنَّفَقَةِ، فَفِيهَا الْأَوْجُهُ، كَذَا قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ وَطَائِفَةٌ، وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِأَنَّهَا عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ.
وَعَلَفُ الْبَهِيمَةِ، كَنَفَقَةِ الْعَبْدِ.
أَمَّا عِمَارَةُ الدَّارِ الْمُوصَى بِمَنَافِعِهَا، وَسَقْيُ الْبُسْتَانِ الْمُوصَى بِثِمَارِهِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ، أَوْ تَطَوَّعَ أَحَدُهُمَا بِهِ، فَذَاكَ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ مَنْعُهُ.
وَإِنْ تَنَازَعَا، لَمْ يُجْبَرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ؛ لِحُرْمَةِ الزَّوْجِ.
وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى طَرْدِ الْخِلَافِ فِي الْعِمَارَةِ وَسَائِرِ الْمُؤَنِ.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: بَيْعُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً، كَبَيْعِ الْمُسْتَأْجَرِ.
وَأَمَّا الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَفِي بَيْعِ الْوَارِثِ رَقَبْتَهُ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: يَصِحُّ [بَيْعُهَا]
لِلْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ مُطْلَقًا.
وَالثَّالِثُ: لَا.
وَالرَّابِعُ: يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، لِأَنَّهُمَا يُتَقَرَّبُ بِإِعْتَاقِهِمَا، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ.
وَالْمَاشِيَةُ الْمُوصَى بِنِتَاجِهَا يَصِحُّ بَيْعُهَا، لِبَقَاءِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ وَالْفَوَائِدِ، كَالصُّوفِ، وَالظَّهْرِ.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا اسْتَغْرَقَتِ الْوَصِيَّةُ مَنَافِعَهُ.
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: هَلْ لِلْوَارِثِ وَطْءُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: ثَالِثُهَا: يَجُوزُ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحْبَلُ، وَإِلَّا، فَلَا.
فَإِنْ مَنَعْنَا، فَوَطِئَ، فَلَا حَدَّ، لِلشُّبْهَةِ، وَأَمَّا الْمَهْرُ، فَيُبْنَى عَلَى أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ لِمَنِ الْمَهْرُ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لِلْوَارِثِ، فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا، فَعَلَيْهِ.
فَإِنْ أَوْلَدَهَا، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
وَهَلْ تَكُونُ الْقِيمَةُ لِلْمُوصَى لَهُ؟ أَمْ يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ يَخْدِمُ الْمُوصَى لَهُ وَتَكُونُ رَقَبَتُهُ لِلْوَارِثِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا وَلَدَتْ رَقِيقًا.
وَتَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ. وَقِيلَ: لَا تَصِيرُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ، فَإِنْ قُتِلَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ قَتْلًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَلِمَالِكِ الرَّقَبَةِ الِاقْتِصَاصُ، فَإِذَا اقْتَصَّ، بَطَلَ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ، أَوِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ، وَبَطَلَتْ مَنَافِعُهَا.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُوجِبُ الْمَالَ، أَوْ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَفِي الْقِيمَةِ الْمَأْخُوذَةِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَتَكُونُ رَقَبَتُهُ لِلْوَارِثِ، وَمَنَافِعُهُ لِلْمُوصَى لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لِلْوَارِثِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ، كَمَا لَا حَقَّ لِزَوْجِ الْأَمَةِ فِي بَدَلِهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا لِلْمُوصَى لَهُ خَاصَّةً.
وَالرَّابِعُ: تُوَزَّعُ عَلَى الرَّقَبَةِ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ، وَعَلَى الْمَنْفَعَةِ وَحْدَهَا، فَتُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ بِمَنَافِعِهَا، ثُمَّ بِلَا مَنْفَعَةٍ، فَيَكُونُ لَهَا قِيمَةٌ، لِمَا فِي إِعْتَاقِهَا مِنَ الثَّوَابِ وَجَلْبِ الْوَلَاءِ.
فَقَدْرُ التَّفَاوُتِ هُوَ قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ، فَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ، وَالْبَاقِي لِلْوَارِثِ.
وَيَخْرُجُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا إِذَا قَتَلَهُ الْوَارِثُ أَوِ الْمُوصَى لَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ غَيْرَهُ،
كَانَتِ الْقِيمَةُ مَصْرُوفَةً إِلَيْهِ.
وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ بِقَطْعِ طَرَفِهِ، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْأَوْجُهِ، سِوَى الثَّالِثِ.
وَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُ الثَّالِثِ أَيْضًا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، تَشْبِيهًا لَهُ بِالْوَلَدِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّ الْأَرْشَ لِلْوَارِثِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَرْجِيحِهِ وَإِنْ ثَبَتَ الْخِلَافُ، [وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْعَبْدَ بَقِيَ مُنْتَفَعًا بِهِ، وَمَقَادِيرُ الْمَنْفَعَةِ لَا تَنْضَبِطُ، وَتَخْتَلِفُ بِالْمَرَضِ وَالْكِبَرِ، وَكَانَ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ بَاقٍ بِحَالِهِ] .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي جِنَايَتِهِ، فَإِنِ اقْتُصَّ مِنْهُ، بَطَلَ حَقُّهُمَا كَمَوْتِهِ.
وَإِنْ وَجَبَ مَالٌ، تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَفْدِيَاهُ، بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ، وَبَطَلَ حَقُّهُمَا.
فَإِنْ زَادَ الثَّمَنُ عَلَى الْأَرْشِ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا عَلَى نِسْبَةِ حَقِّهِمَا.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
قُلْتُ: مَجِيءُ الْخِلَافِ هُوَ الْوَجْهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ فَدَيَاهُ، اسْتَمَرَّ الْحَقَّانِ.
وَإِنْ فَدَاهُ مَالِكُ الرَّقَبَةِ، فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ فَدَاهُ الْمُوصَى لَهُ، فَفِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا ; لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الرَّقَبَةِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ، لِظُهُورِ غَرَضِهِ.
وَهَذَا فِيمَا إِذَا فَدَى أَحَدُهُمَا الْعَبْدَ بِمَنَافِعِهِ.
فَلَوْ فَدَى حِصَّتَهُ، قَالَ الْحَنَّاطِيُّ: يُبَاعُ نَصِيبُ صَاحِبِهِ.
وَفِيهِ إِشْكَالٌ ; لِأَنَّهُ إِنْ فَدَى الْوَارِثَ، فَكَيْفَ تُبَاعُ الْمَنَافِعُ وَحْدَهَا؟ وَإِنْ فَدَى الْمُوصَى لَهُ وَاسْتَمَرَّ حَقُّهُ، فَبَيْعُ الرَّقَبَةِ يَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي كَيْفِيَّةِ حِسَابِ الْمَنْفَعَةِ مِنَ الثُّلُثِ.
فَإِنْ أَوْصَى بِالْمَنْفَعَةِ أَبَدًا، فَوَجْهَانِ.
وَيُقَالُ: قَوْلَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ وَفِي «الْإِمْلَاءِ» وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: [أَنَّهُ] تُعْتَبَرُ الرَّقَبَةُ بِتَمَامِ مَنَافِعِهَا مِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَ الْوَارِثِ وَبَيْنَهَا، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُؤَبَّدَةَ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهَا ; لِأَنَّ مُدَّةَ
[عُمُرِهِ] غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَإِذَا تَعَذَّرَ تَقْوِيمُ الْمَنَافِعِ تَعَيَّنَ تَقْوِيمُ الرَّقَبَةِ.
وَالثَّانِي خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا بِمَنَافِعِهَا، وَقِيمَتِهَا مَسْلُوبَةَ الْمَنَافِعِ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَطَائِفَةٌ.
فَعَلَى هَذَا، هَلْ تُحْسَبُ قِيمَةُ الرَّقَبَةِ مِنَ التَّرِكَةِ أَمْ لَا؟ كَمَا لَا تُحْسَبُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
مِثَالُهُ: أَوْصَى بِعَبْدٍ قِيمَتُهُ بِمَنَافِعِهِ، مِائَةٌ.
وَدُونَ الْمَنَافِعِ عَشَرَةٌ.
فَعَلَى الْمَنْصُوصِ: تُعْتَبَرُ الْمِائَةُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِائَتَانِ سِوَى الْعَبْدِ.
وَعَلَى الثَّانِي الْمُعْتَبَرُ تِسْعُونَ.
فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ضِعْفُ التِّسْعِينَ مَعَ الْعَشَرَةِ عَلَى وَجْهٍ، وَدُونَهَا عَلَى وَجْهٍ.
أَمَّا إِذَا أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً، كَسَنَةٍ، أَوْ شَهْرٍ، فَفِيهِ طُرُقٌ.
أَحَدُهَا: طَرْدُ الْخِلَافِ، كَالْوَصِيَّةِ الْمُؤَبَّدَةِ.
وَالثَّانِي: إِنِ اعْتَبَرْنَا هُنَاكَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: التَّفَاوُتُ.
وَالثَّانِي: الرَّقَبَةُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنَ الثُّلُثِ أُجْرَةُ مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ.
وَالرَّابِعُ وَهُوَ أَصَحُّهَا: يُقَوَّمُ الْعَبْدُ بِمَنَافِعِهِ، ثُمَّ مَسْلُوبًا مَنْفَعَتُهُ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَمَا نَقَصَ حُسِبَ مِنَ الثُّلُثِ.
وَقِيمَةُ الرَّقَبَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، مَحْسُوبَةٌ مِنَ التَّرِكَةِ بِلَا خِلَافٍ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ صُوَرٌ.
إِحْدَاهَا: أَوْصَى بِمَنْفَعَةِ عَبْدِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَلَا مَالَ سِوَاهُ، إِنِ اعْتَبَرْنَا قِيمَةَ الرَّقَبَةِ مِنَ الثُّلُثِ، صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ فِي مَنَافِعِ الثُّلُثِ، وَرُدَّتْ فِي الْبَاقِي.
وَإِنِ اعْتَبَرْنَا مَا نَقَصَ، وَكَانَ النَّقْصُ نِصْفَ الْقِيمَةِ، فَهَلْ تُرَدُّ الْوَصِيَّةُ فِي سُدُسِ الْعَبْدِ؟ أَمْ يَنْقُصُ مِنْ آخِرَ الْمَدَّةِ سُدُسُهَا؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ قِيمَةَ الْمَنَافِعِ تَخْتَلِفُ بِالْأَوْقَاتِ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَوْصَى لِرَجُلٍ بِرَقَبَتِهِ، وَلِآخَرَ بِمَنْفَعَتِهِ.
إِنْ قُلْنَا: [يُعْتَبَرُ مِنَ] الثُّلُثِ تَمَامُ الْقِيمَةِ، نُظِرَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ التَّرِكَةِ، وَأُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ حَقَّهُ كَامِلًا أَوْ غَيْرَ كَامِلٍ، وَإِنْ قُلْنَا: الْمُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ، فَإِنْ حَسَبْنَا الرَّقَبَةَ عَلَى الْوَارِثِ، إِذَا بَقِيَتْ لَهُ،
حُسِبَ هَنَا كَمَالُ الْقِيمَةِ عَلَيْهِمَا، وَإِلَّا، لَمْ تُحْسَبْ أَيْضًا عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِهَا.
وَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ.
كَذَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي.
[الصُّورَةُ] الثَّالِثَةُ: أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ لِرَجُلٍ، وَأَبْقَى الْمَنْفَعَةَ لِلْوَرَثَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ كَمَالُ الْقِيمَةِ، لَمْ تُعْتَبَرْ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنَ الثُّلُثِ، لَجَعَلْنَا الرَّقَبَةَ الْخَالِيَةَ عَنِ الْمَنْفَعَةِ كَالتَّالِفَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْمُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ، فَإِنْ حَسَبْنَا قِيمَةَ الرَّقَبَةِ عَلَى الْوَارِثِ، حُسِبَتْ هُنَا قِيْمَةُ الرَّقَبَةِ عَلَى أَهْلِ الْوَصَايَا، وَتَدْخُلُ فِي الثُّلُثِ، وَإِلَّا، فَهُنَا يُحْسَبُ قَدْرُ التَّفَاوُتِ عَلَى الْوَارِثِ، وَلَا تُحْسَبُ قِيمَةُ الرَّقَبَةِ عَلَى أَهْلِ الْوَصَايَا.
[الصُّورَةُ] الرَّابِعَةُ: الْعَبْدُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ، لَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ، فَلِمَنْ تَكُونُ أُجْرَةُ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ؟ قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : إِنْ قُلْنَا: الْمُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ جَمِيعُ الْقِيمَةِ، فَهِيَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَكَأَنَّهُ فَوَّتَ الرَّقَبَةَ عَلَى الْوَارِثِ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لِلْوَارِثِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ الْمُسْتَأْجِرُ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا لِلْمُوصَى لَهُ ; لِأَنَّهُ بَدَلُ حَقِّهِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّهَا تَنْفَسِخُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَتَعُودُ الْمَنَافِعُ إِلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ.
[الصُّورَةُ] الْخَامِسَةُ: أَوْصَى بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ، يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ.
فَفِي وَجْهٍ: تُعْتَبَرُ جَمِيعُ قِيمَةِ الْبُسْتَانِ مِنَ الثُّلُثِ.
وَفِي وَجْهٍ: مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ بِمَنَافِعِهِ وَفَوَائِدِهِ، وَبَيْنَ قِيمَتِهِ مَسْلُوبَ الْفَوَائِدِ.
فَإِنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَلِلْمُوصَى لَهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ، وَالْبَاقِي لِلْوَارِثِ.
فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا نِصْفَهُ، فَلَهُ مِنْ ثَمَرِهِ كُلَّ عَامٍ النِّصْفُ. وَالْبَاقِي لِلْوَارِثِ.
فَرْعٌ لِابْنِ الْحَدَّادِ: أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدِينَارٍ كُلَّ شَهْرٍ مِنْ غَلَّةِ دَارِهِ، أَوْ كَسْبِ عَبْدِهِ، وَجَعَلَهُ بَعْدَهُ لِوَارِثِ الرَّجُلِ، أَوْ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْغَلَّةُ وَالْكَسْبُ عَشَرَةٌ مَثَلًا، فَاعْتِبَارُ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ مِنَ الثُّلُثِ كَاعْتِبَارِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، لِبَقَاءِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ، فَيَكُونُ الْمَذْهَبُ فِيهِمَا: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنَ الثُّلُثِ قَدْرُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ.
ثُمَّ يُنْظَرُ، فَإِنْ خَرَجَتِ الْوَصِيَّةُ مِنَ الثُّلُثِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَبِيعُوا بَعْضَ الدَّارِ وَيَدَعُوا مَا يَحْصُلُ مِنْهُ دِينَارٌ ; لِأَنَّ الْأُجْرَةَ تَخْتَلِفُ، فَقَدْ تَنْقُصُ فَتَعُودُ إِلَى دِينَارٍ أَوْ أَقَلَّ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ لِلْمُوصَى لَهُ.
وَهَذَا إِذَا أَرَادُوا بَيْعَ بَعْضِهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي.
فَأَمَّا بَيْعُ مُجَرَّدِ الرَّقَبَةِ، فَعَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْوَارِثِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، فَالزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ رَقَبَةٌ وَغَلَّةٌ لِلْوَارِثِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ.
وَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِعُشْرِ الْغَلَّةِ كُلَّ سَنَةٍ، فَمَا سِوَى الْعُشْرِ لِلْوَارِثِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ.
فَرْعٌ: أَوْصَى لِشَخْصٍ بِدِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ، حَكَى الْإِمَامُ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ فِي السَّنَةِ الْأُولَى بِدِينَارٍ.
وَفِيمَا بَعْدَهَا قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: الصِّحَّةُ ; لِأَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ صَحِيحَةٌ لَا إِلَى غَايَةٍ.
وَأَظْهَرُهُمَا: الْبُطَلَانُ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ الْمُوصَى بِهِ لِيَخْرُجَ مِنَ الثُّلُثِ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى، فَلِلْوَرَثَةِ التَّصَرُّفُ فِي ثُلُثَيِ التَّرِكَةِ قَطْعًا.
وَفِي ثُلُثِهَا وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَنْفُذُ التَّصَرُّفُ
بَعْدَ إِخْرَاجِ الدِّينَارِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ اسْتِحْقَاقَ الْمُوصَى لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يُوقَفُ ; لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ ثَبَتَ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ قَاطِعٌ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّوَقُّفِ، وَبَقِيَ الْمُوصَى لَهُ إِلَى أَنِ اسْتَوْعَبَتْ دَنَانِيرُهُ الثُّلُثَ، فَذَاكَ.
وَإِنْ مَاتَ، فَعَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ: أَنَّ بَقِيَّةَ الثُّلُثِ تُسَلَّمُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي.
قَالَ الْإِمَامُ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ إِذَا صَحَّحْنَاهَا، كَالْوَصِيَّةِ بِالثِّمَارِ بِلَا نِهَايَةٍ، فَوَجَبَ انْتِقَالُ الْحَقِّ إِلَى وَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ.
وَإِنْ نَفَّذْنَا تَصَرُّفَهُمْ، فَكُلَّمَا انْقَضَتْ سَنَةٌ، طَالَبَ الْمُوصَى لَهُ الْوَرَثَةَ بِدِينَارٍ، وَكَانَ ذَلِكَ كَوَصِيَّةٍ تَظْهَرُ بَعْدَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ.
وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَصَايَا أُخَرُ.
قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» : يُوَزَّعُ الثُّلُثُ بَعْدَ الدِّينَارِ الْوَاحِدِ عَلَى أَصْحَابِ الْوَصَايَا، وَلَا يُتَوَقَّفُ.
فَإِذَا انْقَضَتْ سَنَةٌ أُخْرَى، اسْتَرَدَّ مِنْهُمْ بِدِينَارٍ مَا يَقْتَضِيهِ التَّقْسِيطُ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا بَيِّنٌ إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِحَيَاةِ الْمُوصَى لَهُ.
فَأَمَّا إِذَا لَمْ نُقَيِّدْ، وَأَقَمْنَا وَرَثَتَهُ مَقَامَهُ، فَهُوَ مُشْكِلٌ لَا يُهْتَدَى إِلَيْهِ.
فَرْعٌ: لَوِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ الْمُوصَى بِمَنَافِعِهَا، فَأَعَادَهَا الْوَارِثُ بِآلَتِهَا، هَلْ يَعُودُ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ؟ وَجْهَانِ.
وَلَوْ أَرَادَ الْمُوصَى لَهُ إِعَادَتَهَا بِآلَتِهَا، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الْعَوْدُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْوَصِيَّةُ بِالْحَجِّ.
الْحَجُّ ضَرْبَانِ، مُتَطَوَّعٌ بِهِ، وَمَفْرُوضٌ.
فَالتَّطَوُّعُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ تَفْرِيعًا عَلَى صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِيهِ.
ثُمَّ هُوَ مَحْسُوبٌ مِنَ الثُّلُثِ، وَيَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ إِنْ قُيِّدَ بِهِ، وَمِنَ الْمِيقَاتِ إِنْ قُيِّدَ بِهِ.
فَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى أَيِّهِمَا يُحْمَلُ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: مِنَ الْمِيقَاتِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَكْثَرِهِمْ.
وَهَلْ يُقَدَّمُ حَجُّ التَّطَوُّعِ
فِي الثُّلُثِ عَلَى سَائِرِ الْوَصَايَا؟ قَالَ الْقَفَّالُ: هُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَقْدِيمِ الْعِتْقِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْوَصَايَا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: لَمْ أَرَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ الْأَصْحَابِ، بَلْ جَعَلُوا الْوَصِيَّةَ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا اجْتَمَعَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ.
وَإِذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ، أَوْ حِصَّةُ الْحَجِّ مِنْهُ بِالْحَجِّ، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي بِمِائَةٍ مِنْ ثُلُثِي وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُحَجَّ بِهَا.
وَلَوْ قَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي بِثُلُثِي، صُرِفَ ثُلُثُهُ إِلَى مَا يُمْكِنُ مِنْ حَجَّتَيْنِ وَثَلَاثٍ فَصَاعِدًا.
فَإِنْ فَضَلَ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَجَّ بِهِ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ.
وَلَوْ قَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي بِثُلُثِي حَجَّةً، صُرِفَ ثُلُثُهُ إِلَى حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ.
فَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فَمَا دُونَهَا، جَازَ أَنْ يَكُونَ الْأَجِيرُ أَجْنَبِيًّا وَوَارِثًا.
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ، لَمْ يُسْتَأْجَرْ إِلَّا أَجْنَبِيٌّ ; لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مُحَابَاةٌ [فَلَا تَجُوزُ لِلْوَارِثِ] .
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمَفْرُوضُ، وَهُوَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهَا.
أَمَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ مَاتَ وَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ، قُضِيَتْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا، كَالزَّكَاةِ، وَسَائِرِ الدُّيُونِ.
وَإِنْ أَوْصَى بِهَا نُظِرَ، إِنْ أَضَافَهَا إِلَى رَأْسِ الْمَالِ، فَهِيَ تَأْكِيدٌ.
وَإِنْ أَضَافَ إِلَى الثُّلُثِ، قُضِيَتْ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِقَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ ثُلُثِهِ.
وَتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ تَرْفِيهَ الْوَرَثَةِ بِتَوْفِيرِ الثُّلُثَيْنِ.
وَفِي تَقْدِيمِ الْحَجِّ عَلَى سَائِرِ الْوَصَايَا وَجْهَانِ - وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: قَوْلَانِ - يَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِقَضَاءِ دَيْنِهِ مِنَ الثُّلُثِ.
أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوصَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يُقَدَّمُ، بَلْ يُزَاحِمُهَا بِالْمُضَارَبَةِ ; لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ.
ثُمَّ إِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْحَجِّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، أَوِ الْحَاصِلِ مِنَ الْمُضَارَبَةِ عَلَى الثَّانِي، كُمِّلَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، كَمَا لَوْ قَالَ: اقْضُوا دَيْنِي مِنْ ثُلُثِي فَلَمْ يُوَفِّ الثُّلُثُ بِهِ، وَحِينَئِذٍ تَدُورُ الْمَسْأَلَةُ، وَسَنُوَضِّحُ مِثَالَهَا قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَلَمْ يُضِفْ إِلَى الثُّلُثِ، وَلَا إِلَى رَأْسِ الْمَالِ، حُجَّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، سَوَاءٌ قَرَنَ بِهِ مَا يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ، [أَمْ لَا]، وَقِيلَ:
قَوْلَانِ.
ثَانِيهِمَا: أَنَّهُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَقِيلَ: إِنْ قَرَنَ، فَمِنَ الثُّلُثِ، وَإِلَّا، فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
ثُمَّ مَتَى جَعَلَنَا الْحَجَّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، حُجَّ عَنْهُ مِنَ الْمِيقَاتِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا هَذَا.
وَإِذَا جَعَلْنَاهُ مِنَ الثُّلُثِ، إِمَّا لِتَصْرِيحِهِ، وَإِمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: مِنَ الْمِيقَاتِ أَيْضًا.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ثُلُثُهُ حَجَّةً مِنْ بَلَدِهِ، حُجَّ مِنْ حَيْثُ أَمْكَنَ.
وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحَجَّ مِنَ الْمِيقَاتِ، تُمِّمَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مَا يَتِمُّ بِهِ الْحَجُّ مِنَ الْمِيقَاتِ.
وَالثَّانِي: مِنْ بَلَدِهِ.
فَعَلَى هَذَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقٍ: إِنْ أَوْصَى بِالْحَجِّ مِنَ الثُّلُثِ، فَجَمِيعُهُ مِنَ الثُّلُثِ.
فَإِنْ أَطْلَقَ، وَجَعَلْنَاهُ مِنَ الثُّلُثِ، فَالَّذِي مِنَ الثُّلُثِ مُؤْنَةُ مَا بَيْنَ الْبَلَدِ إِلَى الْمِيقَاتِ.
فَأَمَّا مِنَ الْمِيقَاتِ، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَأَمَّا الْحَجَّةُ الْمَنْذُورَةُ، فَفِيهَا وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنَّ هَاهُنَا وَجْهًا أَنَّهَا إِذَا لَمْ يُوصِ بِهَا، قُضِيَتْ مِنَ الثُّلُثِ، وَهُوَ شَاذٌّ.
وَالثَّانِي: كَالتَّطَوُّعَاتِ، لِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
فَعَلَى هَذَا، إِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا، لَمْ تُقْضَ.
وَإِنْ أَوْصَى بِهَا، كَانَتْ مِنَ الثُّلُثِ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الصَّدَقَةِ الْمَنْذُورَةِ وَالْكَفَّارَاتِ.
فَرْعٌ: أَوْصَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الثُّلُثِ، وَلِزَيْدٍ بِمِائَةٍ، وَالتَّرِكَةُ ثَلَاثُمِائَةٍ، وَأُجْرَةُ الْحَجِّ مِائَةٌ.
فَإِنْ قَدَّمْنَا الْحَجَّ عَلَى سَائِرِ الْوَصَايَا، صُرِفَ الثُّلُثُ إِلَى الْحَجِّ.
وَإِنْ لَمْ نُقَدِّمْ، وَوَزَّعْنَا الثُّلُثَ، دَارَتِ الْمَسْأَلَةُ ; لِأَنَّ حِصَّةَ الْحَجِّ تُكَمَّلُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِذَا أَخَذْنَا شَيْئًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، نَقَصَ الثُّلُثُ.
وَإِذَا نَقَصَ، نَقَصَتْ حِصَّةُ الْحَجِّ، [فَلَا تُعْرَفُ حِصَّةُ الْحَجِّ مَا لَمْ يُعْرَفِ الثُّلُثُ] وَلَا يُعْرَفُ الثُّلُثُ [مَا لَمْ يُعْرَفِ الْمَأْخُوذُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يُعْرَفُ الْمَأْخُوذُ] مَا لَمْ تُعْرَفْ حِصَّةُ الْحَجِّ.
فَالطَّرِيقُ أَنْ نَأْخُذَ مِنَ التَّرِكَةِ شَيْئًا [لِإِكْمَالِ حِصَّةِ الْحَجِّ] ، يَبْقَى ثَلَثُمِائَةٍ إِلَّا شَيْئًا بِقَدْرِ ثُلُثِهِ، وَهُوَ مِائَةٌ إِلَّا ثُلُثَ شَيْءٍ، يُقَسَّمُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْمُوصَى لَهُ نِصْفَيْنِ، فَنَصِيبُ الْحَجَّ خَمْسُونَ إِلَّا سُدُسَ شَيْءٍ، فَيُضَمُّ الشَّيْءُ الْمُفْرَزُ إِلَيْهِ، تَبْلُغُ خَمْسِينَ وَخَمْسَةَ أَسْدَاسِ شَيْءٍ تَعْدِلُ مِائَةً، وَذَلِكَ تَمَامُ الْأُجْرَةِ، فَيُسْقِطُ خَمْسِينَ بِخَمْسِينَ، تَبْقَى خَمْسَةُ أَسْدَاسِ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ خَمْسِينَ.
وَإِذَا كَانَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الشَّيْءِ خَمْسِينَ، كَانَ الشَّيْءُ سِتِّينَ، فَعَرَفْنَا أَنَّ مَا أَفْرَزْنَاهُ سِتُّونَ، فَنَأْخُذُ ثُلُثَ الْبَاقِي بَعْدَ السِّتِّينَ، وَهُوَ ثَمَانُونَ، وَنُقَسِّمُهُ بَيْنَ الْوَصِيَّتَيْنِ، يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدَةٍ أَرْبَعُونَ وَالْأَرْبَعُونَ مَعَ السِّتِّينَ، تَمَامُ أُجْرَةِ الْحَجِّ.
فَرْعٌ: أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ تَطَوُّعًا، أَوْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ مِنْ ثُلُثِهِ بِمِائَةٍ، وَأَوْصَى بِمَا يَبْقَى مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ الْمِائَةِ لِزَيْدٍ، وَبِثُلُثِ مَالِهِ لِعَمْرٍو، وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَيُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَ عَمْرٍو وَالْوَصِيَّتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ نِصْفَيْنِ.
فَإِذَا كَانَ ثُلُثُ الْمَالِ ثَلَثَمِائَةٍ، كَانَ لِعَمْرٍو مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْحَجِّ وَزَيْدٍ.
وَفِي قِسْمَتِهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ: تُصْرَفُ خَمْسُونَ إِلَى الْحَجِّ، وَمِائَةٌ إِلَى زَيْدٍ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّتَيْنِ لَوْ نَفَذَتَا يَخُصُّ زَيْدًا ثُلُثَا الثُّلُثِ.
وَأَصَحُّهُمَا: تُصْرَفُ مِائَةٌ إِلَى الْحَجِّ، وَخَمْسُونَ لِزَيْدٍ.
وَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ مِائَتَيْنِ، فَلِعَمْرٍو مِائَةٌ، وَالْمِائَةُ الْبَاقِيَةُ لِلْحَجِّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا شَيْءَ لِزَيْدٍ.
وَعَلَى الثَّانِي: هِيَ بَيْنَ زَيْدٍ وَالْحَجِّ نِصْفَانِ.
وَلَوْ كَانَ الثُّلْثُ مِائَةً، قُسِّمَتْ بَيْنَ الْحَجِّ وَعَمْرٍو نِصْفَيْنِ، وَلَا شَيْءَ لِزَيْدٍ فِي هَذَا الْحَالِ.
وَكَذَا لَوْ لَمْ تُوجَدِ الْوَصِيَّةُ لِعَمْرٍو، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الثُّلُثُ فَوْقَ الْمِائَةِ.
وَلَوْ أَوْصَى أَوَّلًا بِالثُّلُثِ لِعَمْرٍو، ثُمَّ بِالْحَجِّ بِمِائَةٍ مِنَ الثُّلُثِ، ثُمَّ لِزَيْدٍ بِمَا يَبْقَى مِنَ الثُّلُثِ بَعْدِ الْمِائَةِ،
فَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِزَيْدٍ بَاطِلَةٌ ; لِأَنَّ وَصِيَّةَ عَمْرٍو اسْتَغْرَقَتِ الثُّلُثَ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْحَجِّ وَلِزَيْدٍ وَصِيَّةٌ بِثُلُثٍ آخَرَ، وَهَذَا شَخْصٌ أَوْصَى بِالثُّلُثَيْنِ، كَمَنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِالثُّلُثِ، ثُمَّ أَوْصَى لِآخَرَ بِالثُّلُثِ، فَإِنَّهُ يُوَزَّعُ الثُّلُثُ عَلَيْهِمَا.
هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يُقَدَّمُ فِي الثُّلُثِ عَلَى سَائِرِ الْوَصَايَا.
فَأَمَّا إِذَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ ثَلَثَمِائَةٍ، وَالْمِائَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلْحَجِّ أُجْرَةُ مِثْلِ الْحَجِّ، أُخِذَتِ الْمِائَةُ مِنْ رَأْسِ الثُّلُثِ.
وَكَيْفَ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو؟ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: نِصْفَيْنِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ مَعَ الْحَجِّ لَأَخَذَ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ.
وَغَلَّطَهُ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَالُوا: يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ وَصِيَّتِهِمَا.
وَالْوَصِيَّةُ لِزَيْدٍ بِالْبَاقِي، وَهُوَ مِائَتَانِ، وَلِعَمْرٍو بِالثُّلُثِ، وَهُوَ ثَلَثُمِائَةٍ، فَيُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ، لِزَيْدٍ ثَمَانُونَ، وَلِعَمْرٍو مِائَةٌ وَعِشْرُونَ.
وَلَوْ كَانَتِ الصُّوَرُ بِحَالِهَا، وَأُجْرَةُ مِثْلِ الْحَجِّ خَمْسُونَ، أُخِذَ مِنَ الثُّلُثِ خَمْسُونَ أَوَّلًا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: يُجْعَلُ الْبَاقِي نِصْفَيْنِ، نِصْفُهُ لِعَمْرٍو، وَنِصْفُهُ الْآخَرُ لِلْحَجِّ مِنْهُ خَمْسُونَ، وَبَاقِيهِ لِزَيْدٍ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: بَلْ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَعْدَ أُجْرَةِ مِثْلِ الْحَجِّ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا ; لِأَنَّ وَصِيَّةَ عَمْرٍو فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِثَلَثِمِائَةٍ، وَلِلْحَجِّ وَزَيْدٍ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَالنِّسْبَةُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرْنَا، فَلِعَمْرٍو مَا يَخُصُّ سِتَّةً، وَالْبَاقِي يُقَدَّمُ الْحَجُّ مِنْهُ بِخَمْسِينَ، وَبَاقِيهِ لِزَيْدٍ.
وَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ مِائَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ أُجْرَةُ مِثْلِ الْحَجِّ مِائَةً، أُخِذَتْ مِنْ رَأْسِ الثُّلُثِ، ثُمَّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ: الْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ، وَلِعَمْرٍو بِمِائَتَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ أُجْرَةُ مِثْلِهِ خَمْسِينَ، أُخِذَتْ خَمْسُونَ أَوَّلًا، وَالْبَاقِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ بَيْنَ عَمْرٍو وَالْوَصِيَّتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ يُقَدَّمُ الْحَجُّ بِخَمْسِينَ مِنْ حِصَّتِهِمَا، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: يُقَسَّمُ الْمَالُ بَعْدَ الْخَمْسِينَ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ،