الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}
(سورة الأعراف 199)
الأمر الثالث من الآية الكريمة
إن الآية الكريمة مدرسة قرآنية. مهما أسهبنا في الحديث عنها لم نحط بها خُبْرًا.
والأمر بالإعراض عن الجاهلين يأتي بعد قوله تعالى {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} .
فلابد من التبليغ أولاً.
فنحن لا نعرف الجاهلين. الذين سنعرض عنهم، إلا بعد أن نبذل كل سبيل لهدايتهم. وقد تتبعت آيات القرآن الكريم التي أمرت بالإعراض عن الجاهلين، فرآيتها تعني أولا المنافقين.
والإعراض عن المنافقين يعني عدم كشف ما يخفونه من نفاق وكفر.
وأول الآيات في سورة النساء 61
ثم يأتي الأمر بالإعراض عنهم {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} (سورة النساء 63)
فمع الأمر بالإعراض عنهم طلب الله منه صلى الله عليه وسلم أن يعظهم وأن يقول لهم كلاماً يستقر في قلوبهم ونفوسهم {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ}
وهل على النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا؟
ونفس المعنى في الآية 81 من السورة الكريمة، مع زيادة الأمر بالتوكل على الله.
وفي سورة التوبة آية 95.
أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعرض عن الذين تخلفوا عن القتال في غزوة تبوك، ثم كاذبوا عندما رجع النبي إليهم، والآيات تبدأ بقوله تعالى:{وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} (سورة التوبة 90) إلى أن قال ربّ العالمين للنبي صلى الله عليه وسلم {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} (سورة التوبة 95) .
أعرض عنهم، حتى تحافظ على الجبهة الداخلية، واتركهم للمجتمع يؤذيهم بمعاملته لهم.
إلى هنا الإعراض عن المنافقين.
أما في سورة الحجر 94 وهي متقدمة في النزول، لأنها مكية.
فجاء الإعراض عن المشركين {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} والمطلوب منه في الإعراض أن يُعرض عن بعض أحوالهم، لا أن يُعرض عن ذواتهم.
- كما قال صاحب التحرير والتوير حـ 14 صـ 88 أعرض عن أحوالهم لا عن ذواتهم، أعرض عن إبائهم إعلان الدعوة - وكانت الدعوة سراً في دار الأرقم بن أبي الأرقم، حتى نزلت هذه الآيات.
وأعرض عن إيذائهم لك بالاستهزاء، وإيذاء المسلمين بالتعذيب، وواضح أنه لا يريد الإعراض عن دعوتهم لصريح قوله تعالى:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} .
وفي سورة النجم آية 29 {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}
أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعرض عن طراز من الناس انحصر علمهم وعملهم ونشاطهم وفكرهم في الدنيا. وفي الدنيا فقط.
الدنيا همهم. والدنيا في قلوبهم، والدنيا مبلغهم من العلم.
قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ".
(رواه الإمام أحمد. "23283" عن عائشة رضي الله عنها .
وفي الدعاء المأثور "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا" ابن كثير حـ 4 صـ 273 والإسلام لا يطلب منا أن نهمل دنيانا، فعمار الأرض رسالتنا {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (سورة هود 61)
والعمُر والعَمار والعمُران والعُمرة كلها من مادة واحدة.
وقد شرع الإسلام إحياء الأرض وملك الأرض لمن يحييها، وينزع الحاكم الأرض ممن أخذها ولم يستطع أن يزرعها.
وأحكام هذا الباب في كتب الفقه. كأحكام العبادات تماماً.
وبعد:
إن الأمر بالإعراض عن الجاهلين لا يعفينا من ضرورة عرض الحق عليهم - كما رأينا - إلا أن يتكبر العقل البشري، ويكتفي بالسخرية كالذين قالوا:{اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (سورة الأنفال 32) .
وكان المتوقع منهم لو عقلوا أن يقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.
وكان العقل البشري يتوقع أن يثبت الله لهم أن القرآن هو الحق، فيسقط عليهم الحجارة، ولكن الله علم أنهم قالوا قولتهم استخفافاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل تكريما للنبي صلى الله عليه وسلم وبيانا لمنزلته عند الله:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (سورة الأنفال 33) .