الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التسامي في حدود البشرية. أو قل: أخلاق للجميع
.
جاء النبي ليُبين أن الكمالات نهر واسع، لا يمكن لأحد من البشر أن يستوعبه كله، فليشرب كل إنسان على قدر استعداده.
{فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} (سورة البقرة 265)
الكمالات ظلال لأسماء الله الحسنى، وأنت بشر، فلا تطلب ممن عرفته أن يشرب النهر كله. حتى ولو كان من دعاة الفضيلة، ورجالات الأخلاق.
*
الذين يتطوعون بالمثالية
.
على أن بعض الجماعات المسلمة قد أجهدت نفسها، وألزمت نفسها بالمثالية، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتنازل في كثير من سلوكه عن المثالية.
لقد تحمل غُرم الإسلام، وجعل غُنْمه للمسلمين.
وتحمل نفقات الدعوة من مال زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها ومن مال أصهاره أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما ولما شرع الإسلام الصدقة. وفرض الزكاة، حرمهما النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه، وعلى آل بيته. ولم يجعل الغنُم بالغُرم.
وقد قرأت في كتاب مدارج السالكين للإمام ابن قيم الجوزية:
دعوة إلى ما نسميه "الأخلاق المثالية"
قال: أنْ تقرِّب من يُقْصيك - أي يباعدك عنه - وتُكرمَ من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجني عليك. سماحة لا كظماً، ومودة لا مصابرة ثم قال:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم
…
وتذنبون فنأتيكم ونعتذر
ثم يقول: إن الذي جنى عليك فعل ذلك لذنب ارتكبته.
{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (سورة الشورى 30)
فأنت الجاني في الحقيقة، لأنك أنت البادئ بالمعصية.
وما وقع بك عقوبة عليها. هذا رأيهم ومعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء بالواقعية المثالية، ولكنه التزم مع الله بالمثالية في أكمل صورها، وإن كان لم يطلب من أمته. الالتزام بها.
وبعد:
إن الإسلام أتى من الأخلاق بما يُطاق.
فلم يطلب منك أن تدير الخدَّ الأيسر إذا ضربك رجل على الخد الأيمن، إلا إذا عرفت أن الذي أخطأ معك في حالة انفعال أفقده الصواب، وأن عفوك عنه سيصادف نفسا طيبة، تعيده إلى صوابه. {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}
(سورة فصلت 34)
هذا طراز من الناس، يخطئ، ولكنه سرعان ما يعود لرشده، وتثمر فيه المروءة، فيعيش وفيًّا لمن عاقبه بالعفو عنه.
ولمثل هؤلاء شرع الله العفو عن الناس، وتولي جزاءهم.
إن مثالية السيد المسيح عليه السلام تصلح مع هذا الطراز من الناس. ولكن ليس كل الناس كراما. فكثير من الناس لا يُصلحهم العفو عنهم بل يعيثون في الأرض فسادا إذا لم تقلم أظفارهم، ولا أحد يحب العفو أكثر من الله، ومع ذلك نراه يعاقب، يعاقب ليعالج الجاني، أو ليعالج به الآخرين.
أو ليمسح الآلام عن مظلوم لم يتب ظالمه.
والأخلاق الإسلامية لا تطلب من المسلم أن يحب عدوه، وتكتفي منه بالعدل معه. مما جعل سجل القضاء الإسلامي حافلاً بصور من العدل، بين المسلمين وغيرهم.