الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما منعك أن تقولها لو كنت قلتها كان أحب إليّ من كذا وكذا) في الرواية الأخرى من حمر النعم (قال) ابن عمر قلت يا أبتاه (ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت) ذلك لذلك. قال في الفتح: وكأن البخاري أشار بإيراد هذا الحديث هنا إلى أن تقديم الكبير حيث يقع التساوي أما لو كان عند الصغير ما ليس عند الكبير فلا يمنع من الكلام بحضرة الكبير لأن عمر تأسف حيث لم يتكلم ولده مع أنه اعتذر له بكونه بحضوره وحضور أبي بكر ومع ذلك تأسف على كونه لم يتكلم اهـ.
والحاصل أن الصغير إذا تخصص بعلم جاز له أن يتقدم به ولا يعدّ ذلك سوء أدب ولا تنقيصًا لحق الكبير، ولذا قال عمر: لو كنت قلتها كان أحب إليّ.
وهذا الحديث قد سبق في مواضع.
90 - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِى كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ} [الشعراء: 224 - 227]. قَالَ ابْنُ عبَّاسٍ: فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ.
(باب ما يجوز) أن ينشد (من الشعر) وهو الكلام المقفى الموزون قصدًا والتقييد بالقصد مخرج ما وقع موزونًا اتفاقًا فلا يسمر شعرًا (و) ما يجوز من (الرجز) بفتح الراء والجيم بعدها زاي وهو نوع من الشعر عند الأكثر فعلى هذا يكون عطفه على الشعر من عطف الخاص على العام واحتج
القائل بأنه ليس بشعر بأنه يقال فيه راجز لا شاعر وسمي رجزًا لتقارب أجزائه واضطراب اللسان به يقال: رجز البعير إذا تقارب خطوه واضطراب لضعف فيه (و) ما يجوز من (الحداء) بضم الحاء وتخفيف الدال المفتوحة المهملتين يمد ويقصر سوق الإبل بضرب مخصوص والغناء ويكون بالرجز ْغالبًا، وأول من حدا الإبل عبد لمضر بن نزار بن معد بن عدنان كان في إبل لمضر فقصر فضربه مضر على يده فأوجعه فقال: يا يداه يا يداه، وكان حسن الصوت فأسرعت الإبل لما سمعته في السير فكان ذلك مبدأ الحداء رواه ابن سعد بسند صحيح عن طاوس مرسلاً، وأورده البزار موصولاً عن ابن عباس دخل حديث بعضهم في بعض ويلحق به غناء الحجيج المشوق للحج بذكر الكعبة البيت الحرام وغيرها من المشاعر العظام وما يحرض أهل الجهاد على القتال ومنه غناء المرأة لتسكيت الولد في المهد (و) بيان (ما يكره) إنشاده (منه) من الشعر والجائز من الشعر ما لم يكثر منه في المسجد وخلا عن الهجو وعن الإغراق في المدح والكذب المحض فالتغزل بمعين لا يسوغ.
(وقوله تعالى) بالجر عطفًا على السابق ({والشعراء}) مبتدأ خبره ({يتبعهم الغاوون}) أي لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ومدح من لا يستحق المدح والهجاء ولا يستحسن ذلك منهم إلا الغاوون أي السفهاء أو الراوون أو الشياطين أو المشركون، وسمى الثعلبي من شعراء المشركين: عبد الله بن الزبعري، وهبيرة بن أبي وهب، ومسافع بن عمرو، وأمية بن أبي الصلت. قال: الزجاج إذا مدح أو هجا شاعر بما لا يكون وأحب ذلك قوم وتابعوه فهم الغاوون ({ألم تر}) ولأبي ذر وقوله ألم تر ({أنهم في كل واد}) من الكلام ({يهيمون}) خبر أن أي في كل فن من الكذب يتحدثون أو في كل لغو وباطل يخوضون، كما يأتي قريبًا عن ابن عباس إن شاء الله تعالى، والهائم الذاهب على وجهه لا مقصد له وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأبخلهم على حاتم، وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله:
فبتن بجانبي مصرعات
…
وبت أفض أغلاق الختام
فقال: قد وجب عليك الحدّ فقال: قد درأ الله الحدّ عني بقوله: ({وأنهم يقولون ما لا يفعلون}) حيث وصفهم بالكذب والخلف في الوعد ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين بقوله ({إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}) كعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك ({وذكروا الله كثيرًا}) يعني كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرًا قالوه في توحيد الله والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والأدب، ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة وصلحاء الأمة ونحو ذلك مما ليس فيه ذنب ({وانتصروا}) وهجوا ({من بعد ما ظلموا}) هجوا
أي ردوا هجاء من هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاه. وعن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:
"اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" وكان يقول لحسان: "قل وروح القدس معك" وختم السورة بما يقطع أكباد المتدبرين وهو قوله: ({وسيعلم}) وما فيه من الوعيد البليغ وقوله ({الذين ظلموا}) وإطلاقه وقوله ({أي منقلب ينقلبون})[الشعراء: 224 - 225 - 226 - 227] وإبهامه. قال ابن عطاء: سيعلم المعرض عنا ما الذي فاته منا، وقوله أي نصب بينقلبون على المصدر لا بسيعلم لأن أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها أي ينقلبون أي انقلاب، وسياق الآية إلى آخر السورة ثابت في رواية كريمة والأصيلي، ووقع في رواية أبي ذر بعد قوله {الغاوون} أن قال إلى آخر السورة. ثم قال: وقوله {وأنهم} وذكر إلى آخر السورة كذا في الفرع وأصله، وفيه أيضًا على قوله {وأنهم} إلى آخر السورة علامة السقوط لأبي ذر أيضًا. وقال الحافظ ابن حجر وتبعه العيني: ووقع في رواية أبي ذر بين قوله {يهيمون} وبين قوله {أنهم يقولون} لفظ وقوله وهي زيادة لا يحتاج إليها.
(قال ابن عباس) في تفسير قوله {في كل واد يهيمون} فيما وصله ابن أبي حاتم والطبري (في كل لغو يخوضون).
6145 -
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً» .
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحافظ أبو بشر الحمصي مولى بني أمية (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام المخزومي (أن مروان بن الحكم) بن أبي العاص بن أمية أبا عبد الملك الأموي المدني ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين ومات سنة خمس في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستون لا تثبت له صحبة (أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري ولد على عهده صلى الله عليه وسلم (أخبره أن أبي بن كعب) سيد القراء الأنصاري الخزرجي (أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال):
(إن من الشعر حكمه) أي قولاً صادقًا مطابقًا للحق، وقيل كلامًا نافعًا يمنع من الجهل والسفه، وإذا كان في الشعر حكمة كالمواعظ والأمثال التي تنفع الناس فيجوز إنشاده بلا ريب.
والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجة في الأدب.
6146 -
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: بَيْنَمَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَمْشِى إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ:
هَلْ أَنْتِ إِلَاّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ
…
وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأسود بن قيس) العبدي ويقال العجلي الكوفي أنه (قال: سمعت جندبًا) بضم الجيم وسكون النون ابن عبد الله بن سفيان البجلي الصحابي (يقول: بينما) بالميم (النبي صلى الله عليه وسلم يمشي) وفي رواية ابن عيينة عن الأسود عن جندب كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار وفي رواية ابن شعبة عن الأسود عند الطيالسي وأحمد خرج إلى الصلاة (إذ أصابه حجر فعثر) بفتح العين المهملة والمثلثة أي سقط (فدميت) بفتح الدال المهملة وكسر الميم وفتح التحتية (إصبعه فقال) صلى الله عليه وسلم متمثلاً يقول عبد الله بن رواحة:
(هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت) بكسر التاء الفوقية في آخر القسمين على وفق الشعر. وقال الكرماني والتاء في الرجز مكسورة. وفي الحديث ساكنة، وقال غيره: إن النبي صلى الله عليه وسلم تعمد إسكانها ليخرج القسمين عن الشعر، وردّ بأنه يصير من ضرب آخر من الشعر وهو من ضروب البحر الملقب بالكامل، وفي الثاني زحاف جائز، قال القاضي عياض: وقد غفل بعض الناس فروي دميت ولقيت بغير مدّ فخالف الرواية ليسلم من الإشكال فلم يصب، وقال في شرح المشكاة: قوله دميت صفة إصبع أي ما أنت يا إصبع موصوفة بشيء من الأشياء إلا بأن دميت كأنها لما توجعت خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة مسليًا لها أي تثبتي على نفسك فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك والقطع سوى أنك دميت، ولم يكن ذلك هدرًا بل كان في سبيل الله ورضاه، وقد ذكر ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس أن جعفر بن أبي طالب لما قتل في غزوة مؤتة بعد أن قتل زيد
بن الحارثة وأخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل فأصيبت إصبعه فارتجز وجعل يقول: هل أنت إلا إصبع الخ وزاد:
يا نفس إلا تقتلي تموتي
…
هذي حياض الموت قد صليت
وما تمنيتِ فقد لقيت
…
أن تفعلي فعلهما هديت
والصحيح أنه يجوز له صلى الله عليه وسلم أن يتمثل بالشعر وينشده حاكيًا له عن غيره.
والحديث مضى في الجهاد.
6147 -
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم:«أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ» :
أَلَا كُلُّ شَىْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ
…
وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِى الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة المفتوحة والشين المعجمة المشدّدة ولأبي ذر حدثني بالإفراد محمد بن بشار قال: (حدّثنا ابن مهدي) عبد الرحمن قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الملك) بن عمير الكوفي قال: (حدّثنا أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(أصدق كلمة قالها الشاعر) ولمسلم من طريق شعبة وزائدة عن عبد الملك إن أصدق بيت وذلك من وصف المعاني بما توصف به الأعيان كقولهم: شعر شاعر وخوف خائف، ثم يصاغ منه أفعل باعتبار ذلك المعنى مبالغة بما يوصف به فيقال: شعري أشعر من شعره، وخوفي أخوف من خوفه (كلمة لبيد) بفتح اللام وكسر الموحدة ابن ربيعة بن عامر العامري الصحابي من فحول الشعراء (ألا) بالتخفيف استفتاحية (كل شيء) مبتدأ أو مضاف للنكرة مفيد لاستغراق أفرادها نحو كل نفس ذائقة الموت (ما خلا الله باطل) خبر المبتدأ أي فانٍ مضمحل وإنما كان أصدق لأنه موافق لأصدق الكلام وهو قولها {كل من عليها فان} [الرحمن: 6].
(وكاد) أي قارب (أمية بن أبي الصلت أن يسلم) بضم التحتية وسكون السين المهملة وكسر اللام أي في شعره وكان من شعراء الجاهلية، وأدرك مبادئ الإسلام، وبلغه خبر المبعث، لكنه لم يوفق للإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتعبد في الجاهلية وأكثر في شعره من التوحيد، وكان غوّاصًا على المعاني معتنيًا بالحقائق، ولذا استحسن صلى الله عليه وسلم شعره واستزاد من إنشاده، ففي مسلم عن عمرو بن الشريد بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وبعد التحتية الساكنة دال مهملة عن أبيه قال: ردفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (هل معك من شعر أمية شيء)؟ قلت: نعم قال: (هيه) فأنشدته بيتًا فقال (إن كاد ليسلم). وهيه: كلمة استزادة منوّنة وغير منوّنة مبنية على الكسر. قال ابن السكيت: إن وصلت نوّنت. قلت: هيه حدّثنا وأصله إيه فأبدل من الهمزة هاء.
والحديث سبق في أيام الجاهلية.
6148 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنَا لَيْلاً فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لِعَامِرِ بْنِ الأَكْوَعِ أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ قَالَ: وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلاً شَاعِرًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
…
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَاغْفِرْ فِدَاءٌ لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا
…
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
…
إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا
وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ هَذَا السَّائِقُ» ؟ قَالُوا: عَامِرُ بْنُ الأَكْوَعِ. فَقَالَ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ» . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ يَا نَبِىَّ اللَّهِ لَوْ أَمْتَعْتَنَا بِهِ. قَالَ: فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ الْيَوْمَ الَّذِى فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«مَا هَذِهِ النِّيرَانُ عَلَى أَىِّ شَىْءٍ تُوقِدُونَ» ؟ قَالُوا: عَلَى
لَحْمٍ قَالَ: «عَلَى أَىِّ لَحْمٍ» ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَهْرِقُوهَا وَاكْسِرُوهَا» . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: «أَوْ ذَاكَ» . فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ: رَآنِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَاحِبًا فَقَالَ لِى: «مَا لَكَ» ؟ فَقُلْتُ: فِدًى لَكَ أَبِى وَأُمِّى زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ: «مَنْ قَالَهُ» ؟ قُلْتُ: قَالَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ الأَنْصَارِىُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كَذَبَ مَنْ قَالَهُ إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ» وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ قَلَّ عَرَبِىٌّ نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي قال: (حدّثنا حاتم بن إسماعيل) بالحاء المهملة الكوفي (عن يزيد بن أبي عبيد) مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) رضي الله عنه أنه (قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلاً فقال رجل من القوم) هو أسيد بن حضير (لعامر بن الأكوع) وهو عامر بن سنان بن عبد الله بن قشير الأسلمي المعروف بابن الأكوع عم سلمة بن الأكوع واسم الأكوع سنان ويقال أخوه: (لا تسمعنا من هنيهاتك)؟ بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية وبعد الهاء ألف ففوقية فكاف ولأبي ذر عن الكشميهني هنياتك بتحتية مشددة مفتوحة بدلاً من الهاء الثانية أي من كلماتك أو من أراجيزك (قال) سلمة بن الأكوع: (وكان عامر) أي ابن الأكوع (رجلاً شاعرًا فنزل يحدو بالقوم) حال كونه (يقول): قال في الأساس: حدا الإبل حدوًا وهو حادي الإبل وهم حداتها وحدا بها حداء إذا غنى لها. وقال في الفتح: يؤخذ منه جميع الترجمة لاشتماله على الشعر والرجز والحداء ويؤخذ منه أن الرجز من جملة الشعر وقول السفاقسي إن قوله:
(اللهم لولا أنت ما اهتدينا) ليس بشعر ولا رجز لأنه ليس بموزون ليس كذلك بل هو رجز موزون، وإنما زيد في أوّله سبب خفيف ويسمى الخزم بالمعجمتين. وقال في الكواكب: الموزون
لا همّ وقوله لولا أنت ما اهتدينا كقوله وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله (ولا تصدقنا ولا صلينا
…
فاغفر فداء لك) بكسر الفاء والمد مرفوع منوّن في الفرع. قال المازري: لا يقال لله فداء لك لأنها كلمة إنما تستعمل لتوقع مكروه بشخص فيختار شخص آخر أن يحل به دون ذلك الآخر ويفديه فهو مجاز عن الرضا كأنه قال: نفسي مبذولة لرضاك أو وقعت هنا مخاطبة لسامع الكلام وقوله: (ما اقتفينا). ما اتبعنا أثره. وقال ابن بطال: المعنى اغفر لنا ما ارتكبنا من الذنوب وفداء لك دعاء أي أفدنا من عقابك على ما اقترفنا من ذنوبنا كأنه قال: اغفر لنا وافدنا فداء لك أي من عندك فلا تعاقبنا به، وحاصله أن جعل اللام للتبيين مثل هيت لك (وثبت الإقدام إن لاقينا) العدوّ كقوله تعالى:{وثبت أقدامنا وانصرنا} [البقرة: 250] (وألقين سكينة علينا
…
) مثل قوله {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} [الفتح: 26](إنا إذا صيح بنا}) بكسر
الصاد المهملة وسكون التحتية بعدها حاء مهملة أي إذا دعينا للقتال (أتينا
…
) من الإتيان (وبالصياح) بالصوت العالي والاستغاثة (عوّلوا علينا
…
) لا بالشجاعة (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم):
(من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع فقال) صلى الله عليه وسلم: (يرحمه الله. فقال رجل من القوم) هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه (وجبت) له الشهادة (يا نبي الله) لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يدعو لأحد بالرحمة يخصه بها إلا استشهد (لولا) هلا (أمتعتنا) أبقيته لنا لنتمتع (به) ولغير أبي ذر لو أمتعتنا (قال) سلمة: (فأتينا) أهل (خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا) ولأبي ذر عن الكشميهني فأصابتنا (مخمصة) مجاعة (شديدة ثم إن الله) تعالى (فتحها عليهم) حصنًا حصنًا (فلما أمسى الناس اليوم) ولأبي ذر عن الكشميهني مساء اليوم (الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانًا كثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذه النيران على أي شيء توقدون؟ قالوا): نوقدها (على لحم. قال) صلى الله عليه وسلم: (على أي لحم) أي على أي أنواع اللحوم (قالوا: على لحم حمر إنسية) بكسر الهمزة وسكون النون وللكشميهني الحمر ولأبي ذر الأنسية بإثبات ال فيهما وفتح نون الأنسية والهمزة (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهرقوها) بفتح الهمزة وسكون الهاء وبعد الراء المكسورة قاف من غير تحتية بينهما في الفرع وأصله، ولأبي ذر هريقوها بإسقاط الهمزة وفتح الهاء وإثبات تحتية ساكنة بعد الراء ففي الرواية الأولى الهاء زائدة وفي الأخرى منقلبة عن الهمزة أي صبوها (واكسروها. فقال رجل) أي يسم أو هو عمر (يا رسول الله أو) بسكون الواو (نهريقها) بضم النون وإثبات التحتية بعد الراء (ونغسلها؟ قال) صلى الله عليه وسلم:(أو ذاك) بسكون الواو أي الغسل (فلما تصاف القوم) للقتال (كان سيف عامر) أي ابن الأكوع (فيه قصر) بكسر القاف وفتح الصاد (فتناول به يهوديًا) وفي غزوة خيبر ساق يهودي (ليضربه ويرجع) بلفظ المضارع ولأبي ذر عن الكشميهني فرجع بالفاء ولفظ الماضي (ذباب سيفه) أي طرفه الأعلى أو حده (فأصاب ركبة عامر فمات منه فلما قفلوا) رجعوا من خيبر (قال سلمة) بن الأكوع (رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم شاحبًا) بالشين المعجمة وبعد الألف حاء مهملة مكسورة فموحدة متغير اللون (فقال لي: ما لك) متغيرًا (فقلت: فدى لك أبي وأمي زعموا أن عامرًا حبط عمله) بكسر الموحدة لكونه قتل نفسه (قال) صلى الله عليه وسلم: (من قاله؟ قلت: قاله فلان وفلان وفلان) ثلاثًا (وأسيد بن الحضير) بضم الهمزة والحضير بضم المهملة وفتح الضاد المعجمة ولأبي ذر حضير (الأنصاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذب من قاله إن له لأجرين) أجر الجهد في الطاعة وأجر الجهاد في سبيل الله (وجمع) صلى الله عليه وسلم (بين إصبعيه إنه لجاهد مجاهد) بكسر الهاء فيهما (قلّ عربي نشأ) بالنون والشين المعجمة والهمزة، ولأبي ذر عن الكشميهني: مشى بالميم والمعجمة والقصر (بها) بالمدينة
أو الحرب أو الأرض (مثله) أي مثل عامر.
والحديث سبق في غزوة خيبر.
6149 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ: أَتَى النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ فَقَالَ: «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ
سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ» قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ قَوْلُهُ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ. [الحديث 6149 - أطرافه في: 6161، 6202، 6209، 6210، 6211].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا إسماعيل) ابن علية قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (عن أنس بن مالك رضي الله عنه) أنه (قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه ومعهن أم سليم) أم أنس، وفي رواية حماد بن زيد في باب المعاريض أنه كان في سفر ومن طريق شعبة عند الإسماعيلي والنسائي وكان معهم سائق وحاد، وفي رواية وهيب وأنجشة غلام النبي صلى الله عليه وسلم يسوق بهن (فقال):
(ويحك يا أنجشة) بفتح الهمزة والجيم بينهما نون ساكنة وبعد الجيم شين معجمة فهاء تأنيث وكان حبشيًّا يكنى أبا مارية (رويدك سوقًا) ولأبي ذر عن الحموي سوقك (بالقوارير) وسقط من الفرع التنكزي لفظ سوقك وسوقًا وعلى إثباته الشراح وهو الذي في اليونينية ورويدك مصدر والكاف في موضع خفض أو اسم فعل والكاف حرف خطاب وسوقك بالنصب على الوجهين، والمراد حدوك إطلاقًا لاسم المسبب على السبب، وقال ابن مالك: رويدك اسم فعل بمعنى أرود أى أمهل والكاف المتصلة به حرف خطاب وفتحة داله بنائية، ولك أن تجعل رويدك مصدرًا مضافًا إلى الكاف ناصبًا سوقك وفتحة داله على هذا إعرابية، واختار أبو البقاء الوجه الأول، والقوارير جمع قارورة سميت بذلك لاستقرار الشراب فيها، وكنى عن النساء بالقوارير من الزجاج لضعف بنيتهن ورفتهن ولطافتهن، وقيل شبههن بالقوارير لسرعة انقلابهن عن الرضا وقلة دوامهن على الوفاء كالقوارير يسرع الكسر إليها ولا تقبل الجبر أي لا تحسن صوتك، فربما يقع في قلوبهن فكفه عن ذلك، وقيل أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب ولم يؤمن على النساء السقوط، إذا مشت رويدًا أمن على النساء، وهذا من الاستعارة البديعة لأن القوارير أسرع شيء تكسرًا فأفادت الكناية من الحض على الرفق بالنساء في السير ما لم تفده الحقيقة لو قال: ارفق بالنساء. وقال في شرح المشكاة: هي استعارة لأن المشبه به غير مذكور والقرينة حالية لا مقالية ولفظ الكسر ترشيح لها.
(قال أبو قلابة): عبد الله الجرمي بالسند السابق (فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه) ثبت لفظ بها لأبي ذر (قوله سوقك بالقوارير).
قال في الكواكب فإن قلت: هذه استعارة لطيفة بليغة فلم تعاب؟ وأجاب: بأنه لعله نظر إلى أن شرط الاستعارة أن يكون وجه الشبه جليًا بين الأقوام وليس بين القارورة والمرأة وجه شبه ظاهر، والحق أنه كلام في غاية الحسن والسلامة عن العيوب، ولا يلزم في الاستعارة أن يكون جلاء وجه الشبه من حيث ذاتهما، بل يكفي الجلاء الحاصل من القرائن كما في المبحث فالعيب في العائب:
وكم من عائب قولاً صحيحًا
…
وآفته من الفهم السقيم
قال: ويحتمل أن يكون قصد أبي قلابة أن هذه الاستعارة تحسن من مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغة ولو صدرت ممن لا بلاغة له لعبتموها قال: وهذا هو اللائق بمنصب أبي قلابة. وقال الداودي: هذا قاله أبو قلابة لأهل العراق لما كان عندهم من التكلف ومعارضة الحق بالباطل.
ومطابقة الأحاديث لما ترجم عليه ظاهرة. فإن قلت: قد نفى الله تعالى عنه صلى الله عليه وسلم في كتابه أن يكون شاعرًا وفي الأحاديث أنه أنشد الشعر واستنشده. أجيب: بأن المنفي في الآية إنشاء الشعر لا إنشاده ويقال لمن قاله متمثلاً أو جرى على لسانه موزونًا من غير قصد أنه شاعر، وقد دل غير ما حديث على جواز وقوع الكلام منه منظومًا من غير قصد إلى ذلك، ولا يسمى مثل ذلك شعرًا ولا القائل به شاعرًا، وقد وقع كثير من ذلك في القرآن العظيم لكن غالبه أشطار أبيات، والقليل منه وقع وزن بيت تام وللعلامة الشهاب أبي الطيب الحجازي قلائد النحور في جواهر البحور