الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقول النساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ؛ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ» ، دليل ظاهر في كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرخص للنساء أن يأتين ويختلطن بالرجال في مجالس العلم التي يعقدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه، وقول أبي سعيد الخدري:«فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ» ، دليل آخر على تخصيص النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهن مجلسَ علمٍ مستقلًا عن الرجال.
فإذا تأمل الباحث الصادق تفريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين (اختلاط الفتيا، واختلاط مجلس العلم) وكيف تسامح في أحدهما ولم يتسامح في الآخر، عَلِمَ علمًا قطعيًا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل الاختلاط العارض كاختلاط المكث والمجالسة.
والمراد أن (الطواف والصلاة) شريعتان من جنس واحد، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلَامِ» (رواه النسائي وصححه الألباني)، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرق في حكم الاختلاط بينهما.
و (الفتيا ومجلس العلم) شريعتان من جنس واحد، فما مجلس العلم إلا مجموع فتاوى، ومع ذلك فرق النبي في أحكام الاختلاط بينهما.
فمَن تأمَّلَ تمييز النبي في الاختلاط في هذه الصور استبان له مراد الشارع، وعدم وضع هذه الصور موضعًا واحدًا، وبالتالي بطلان قياس دعاة الاختلاط في قياسهم اختلاط المكث على الاختلاط العارض، وإهدارهم مراعاة الزمن وقوة الإفضاء إلى الفتنة.
ما ضابط التفريق بين اليسير والكثير
؟ (1)
بعض دعاة الاختلاط صار يعترض على تمييز أهل العلم بين الاختلاط العارض العابر الذي يكون في زمن يسير، وبين اختلاط المكث الذي يكون في زمن كثير أو دوري يتكرر،
(1) انظر: أقيسة الاختلاطيين لإبراهيم السكران (ص 13 - 16).
وصار يقول: لاضابط في التفريق بين اليسير والكثير إلا التحكم والنسبية الشديدة!
وهذا الاعتراض لا يقوله غالبًا إلا من يريد التشغيب على مسألة واحدة وهو يهدم أصلًا كاملًا! فالتفريق بين اليسير والكثير تحيله الشريعة غالبًا إلى عرف الناس، كما قال الإمام ابن قدامة:«والمرجع في اليسير والكثير إلى العرف» (1).
ولو أبطلنا التفريق بين اليسير والكثير لعدم تعيين الشارع مقدارًا فارقًا لأبطلنا أحكامًا شرعية كثيرة بناها الشارع على ذلك، كما أجاز الشارع لبث الجنب زمنًا يسيرًا في المسجد فقد قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} (النساء:43) فهل نَرُدّ هذه الآية ونبطل دلالتها لأنه لا ضابط حاسم في (عبور السبيل)؛ إذ الناس يختلفون في زمن عبور السبيل؟!
فمن يُسْقِط التمييز بين الاختلاط العارض واختلاط المكث بحجة عدم وجود حد حاسم بين اليسير والكثير فقد يظن أنه سيلغي مسألة الاختلاط لكنه في الحقيقة هدم أصلًا شرعيًا عظيمًا.
والمراد أن هذا (القياس الفاسد) إذا تأمله المرء فلابد أن يتذكر الأقيسة الفاسدة التي أشار إليها القرآن، وكيف تسببت في ضلال كثير من الناس، فمن ذلك قياس الربويين حين قاسو الربا على البيع، وأنه لا فرق بينهما كما حكى الله استنباطهم فقال تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} (البقرة: 275)؛ فالبيع والربا كلاهما مبادلة رضائية بين طرفين، وكما ينتفع أحدهما بالمال فإن الآخر ينتفع بالفائدة، فقد يتوهم
(1) المغني (1/ 351).