الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدليل الثاني:
الأمر بغض البصر دليل على المنع من الاختلاط:
أمر الله الرجال بغض البصر، وأمر النساء بذلك؛ قال تعالى:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}
…
(النور: 30 - 31).
فلو كان الاختلاط سائغًا في الشرع لكان في هذه الأوامر الربانية تكليف بما لا يطاق؛ إذ كيف تختلط المرأة بالرجل، وتجلس بجواره في العمل أو الدراسة، ولا ينظر كل واحد منهما للآخر وهما يتبادلان الأعمال والأوراق والدروس؟!
قال الدكتور عبد الله ناصح علوان (1): «كيف نتصور غض البصر لكل من الرجل والمرأة وهما مجتمعان في مكان واحد؛ فالآية إذن في مدلولها تنهى عن الاختلاط وتحرمه» (2).
إن غض البصر من الرجال عن محاسن المرأة؛ سواء البشرة إذا انكشفت، أو تقاسيم البدن إذا بدت من وراء الحجاب: مأمور به.
وسواء قيل بوجوب تغطية الوجه والكفين أم لا، فإن غض البصر واجب عن سائر البدن.
وغض البصر متعذر بل ممتنع في الاختلاط المنظم؛ لطول المكث في مجلس واحد، فصَرْفُ البصر من كليهما غير ممكن، وتحوط المرأة في حجابها شاق؛ إذ طول المقام يلجؤها إلى تغيير أوضاعها، مما سيبدي حتما ما يجب ستره.
(1) الأستاذ في قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز في جدة سابقًا، وأحد رموز الإخوان المسلمين في سوريا والعالم رحمه الله.
(2)
تربية الأولاد في الإسلام (1/ 204).
فما كان الشارع ليأمر بغض البصر من كليهما، ثم يبيح اختلاطهما على هذه الصورة، فإن في الإباحة تحريضًا وتيسيرًا للنظر، وإتباعه بنظرة أخرى، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعليِّ رضي الله عنه:«يَا عَلِىُّ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ» . (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
فالمختلط إذا قدر على الغض في الأولى، فهل سيصمد في الثانية، أو الثالثة إلى المائة، وهي كذلك، هما كل يوم في لقاءات مستمرة لساعات طويلة، قد تبلغ الثمان والعشر؟ (1).
قال صلى الله عليه وآله وسلم: «الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا» (رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم).
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من حق الطريق: «غَضّ البَصَر» (رواه البخاري ومسلم).
فإذا كان غض البصر واجبًا على الرجال إذا مرت بمجلسهم في الطريق امرأة مرورًا عابرًا، فكيف يسوغ لبعض الناس أن يزعموا أن شريعة الله تعالى لا تُمانع من اختلاط الرجال بالنساء يوميًا في مكان مغلق الساعات الطوال؟!
وإذا كان استراق النظر خيانة كما في قول الله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر: 19)؛ فكيف تكون المخالطة؟
(1) كيف بُنِيَ تحريم الاختلاط؟ د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه www.saaid.net.
وإذا نهى الشارع عن النظر إلى النساء بسبب ما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط ينهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه، وواقع الناس اليوم يبين أن الاختلاط يفضي لزامًا لوقع البصر عما أمر الله بحفظه عنه، وإذا كان الذي يُفضِي إلى الوقوع في المحظور يلزم منه وقوع المحظور، ففعله حرام عند من قال بسد الذرائع وعند من لم يقل (1)، فهو بمثابة ما لا يتم الامتثال إلا به، وعلى أقل الأحوال هو بمثابة (الذرائع) التي تُفضِي إلى المحظور غالبًا، وقد ذكر أهل العلم أن الحكم إذا علق بمظنة استوى وجودها وعدمه.
عَمَّ يُغَضُّ البصرُ!
وهنا لعله يَرِدُ سؤالٌ: مادَامَ أن الحجاب مفروض والقرار مأمور به، فعَمَّ يُغض البصر؟ وجوابه أن غض البصر يكون عن المحارم كلها، فقد تخرج امرأة لحاجة، وربما خرجت نساء مترخصات بغير حاجة، وربما كان المجتمع ـ كشأن سائر المجتمعات ـ خليطًا لا يخلو من كتابيات ونحوهن، وغض البصر مطلوب عن كل سافرة سواء كانت مائلة مميلة، أو أمة، أو كتابية.
والشريعة الإسلامية بحمد الله واقعية تتعامل مع طبائع الناس على اختلاف أصنافهم، فتشرع الأحكام لكافة الأحوال، فهي صالحة لكل زمان ومكان وحال، ما فرط ربنا في الكتاب من شيء، وهذه الواقعية سمة ظاهرة في التشريع (2).
(1) انظر: البحر المحيط في الأصول للزركشي (8/ 90)، عن الاختلاط بين الواقع والتشريع، دراسة فقهية علمية تطبيقية في حكم الاختلاط وآثاره، جمع وإعداد: إبراهيم بن عبد الله الأزرق، (ص 41).
(2)
بتصرف من (الاختلاط بين الواقع والتشريع، دراسة فقهية علمية تطبيقية في حكم الاختلاط وآثاره، جمع وإعداد: إبراهيم بن عبد الله الأزرق، (ص 42).
الدليل الثالث:
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ:«يَا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟» ، قَالَ:«الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (رواه البخاري ومسلم).
وجه الاستدلال: أنه حذّر من الدخول على النساء باسم فعل الأمر (إيَّاك)، والمعنى احفظوا أنفسكم واتقوا الدخول على النساء، فهو أمرٌ باتِّقَاء الدخول على النساء والأمر يفيد الوجوب، ونهي عن الدخول عليهن؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، والنهي يفيد التحريم.
وقوله: (إِيَّاكُمْ) يعُم المخاطبين بضمير الجمع، وقوله:(الدُّخُولَ) يفيد العموم فيشمل دخول الخلوة وغيرها، والقاعدة الاستدلالية: أن الألف واللام إذا دخلت على اسم مفرد أفادت العموم فلا يصح حمله على صورة الخلوة دون غيرها إلا بدليل يقوى على تخصيص العموم، فلا يصح حمل ضمير الجمع الدال على عموم المخاطبين، ولفظ (الدُّخُول) الدال على منع شتى صور الدخول، ولفظ (النِّسَاء) الدال على عموم جميع النساء؛ على صورة واحدة نادرة من أفراد هذا العموم وهي: دخول رجل واحد على امرأة واحدة، وإلغاء جميع الصور الأخرى كدخول رجل واحد على (النِّسَاء).
وفيه تأكيدٌ للعموم بالتنصيص على عدم استثناء أقارب الزوج من هذا العموم» (1).
قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: «فسمى صلى الله عليه وآله وسلم دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير
(1) بتصرف من الاختلاط بين الجنسين في ضوء الكتاب والسنّة من خلال أصول الفقه ومقاصد الشريعة مع أقوال علماء المذاهب الإسلامية المختلفة، إعداد/عامر بن محمد فداء بهجت، المحاضر بالمعهد العالي للأئمة والخطباء ـ جامعة طيبة ـ المدينة النبوية.
مَحْرَم لها باسم الموت، ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير، وهذا دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى:{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} (الأحزاب: 53) عام في جميع النساء؛ إذ لو كان حكمه خاصًا بأزواجه صلى الله عليه وآله وسلم لَمَا حذر الرجالَ هذا التحذير البالغ العام من الدخول على النساء.
وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن والخلوة بهن كلاهما محرم تحريمًا شديدًا بانفراده كما قدّمنا أن مسلمًا رحمه الله أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، فدلّ على أن كليهما حرام» (1).
وقال أيضًا: «فتأملوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في دخول قريب الزوج على زوجته «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» ؛ لتدركوا أن اختلاط الرجال الأجانب بالنساء الأجنبيات أنه هو الموت» (2).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحه لهذا الحديث من (صحيح البخاري): «
…
وَتَقْدِير الْكَلَام اِتَّقُوا أَنْفُسكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاء وَالنِّسَاء أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْكُمْ
…
، وَتَضَمَّنَ مَنْعَ الدُّخُول مَنْع الْخَلْوَة بِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى» (3).
وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ: «الْمُرَاد فِي الْحَدِيث أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، لِأَنَّهُمْ مَحَارِم لِلزَّوْجَةِ يَجُوز لَهُمْ الْخَلْوَة بِهَا وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ» .قَالَ: «وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْأَخ وَابْن الْأَخ وَالْعَمّ وَابْن الْعَمّ وَابْن الْأُخْت وَنَحْوهمْ مِمَّا يَحِلّ لَهَا تَزْوِيجه لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَة، وَجَرَتْ الْعَادَة بِالتَّسَاهُلِ فِيهِ فَيَخْلُو الْأَخ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ فَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَوْلَى
(1) أضواء البيان (6/ 592 - 593)، عن عودة الحجاب (3/ 308 - 309).
(2)
محاضرات الشيخ الأمين (ص162).
(3)
فتح الباري (9/ 400 - 401).
بِالْمَنْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ» (1).
الدليل الرابع:
عن أَبِى أُسَيْدٍ الأَنْصَارِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ ـ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِى الطَّرِيقِ ـ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِلنِّسَاءِ: «اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ» . فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ. (رواه أبو داود وحسنه الألباني).
قَالَ صَاحِبُ (عَوْنِ الْمَعْبُودِ) في شرحه لهذا الحديث: «(وَهُوَ خَارِج): أَيْ النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم، (أَنْ تَحْقُقْنَ) قَالَ فِي النِّهَايَة: هُوَ أَنْ يَرْكَبْنَ حُقّهَا وَهُوَ وَسَطهَا
…
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ ابْعُدْنَ عَنْ الطَّرِيق
…
وَالْمَعْنَى أَنْ لَيْسَ لَهُنَّ أَنْ يَذْهَبْنَ فِي وَسَط الطَّرِيق. (بِحَافَّاتِ): جَمْع حَافَّة وَهِيَ النَّاحِيَة. (ثَوْبهَا): أَيْ الْمَرْأَة (مِنْ لُصُوقهَا): أَيْ الْمَرْأَة (بِهِ): بِالْجِدَارِ.
(1) شرح صحيح مسلم (14/ 154).
(2)
(14/ 8).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتى الديار السعودية سابقًا: «ووجه الدلالة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا منع الاختلاط في الطريق لأنه يؤدى إلى الافتتان، فكيف يقال بجواز الاختلاط في غير ذلك؟!» .
الدليل الخامس:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» . (رواه مسلم).
قال الشيخ محمد إبراهيم: «ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر باتقاء النساء، وهو يقتضي الوجوب، فكيف يحصل الامتثال مع الاختلاط؟ هذا لا يجوز» .
الدليل السادس:
قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ» (رواه البخاري ومسلم).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «ووجه الدلالة: أنه وصَفَهُنَّ بأنهن فتنة فكيف يُجمع بين الفاتن والمفتون؟ هذا لا يجوز» .
الدليل السابع: قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ» (رواه الترمذي وصححه الألباني).
قال صاحب تحفة الأحوذي في شرح هذا الحديث: «(فَإِذَا خَرَجَتْ اِسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ) أَيْ زَيَّنَهَا فِي نَظَرِ الرِّجَالِ، وَقِيلَ أَيْ نَظَرَ إِلَيْهَا لِيُغْوِيَهَا وَيُغْوِيَ بِهَا. وَالْأَصْلُ
فِي الِاسْتِشْرَافِ رَفْعُ الْبَصَرِ لِلنَّظَرِ إِلَى الشَّيْءِ وَبَسْطُ الْكَفِّ فَوْقَ الْحَاجِبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يُسْتَقْبَحُ بُرُوزُهَا وَظُهُورُهَا فَإِذَا خَرَجَتْ أَمْعَنَ النَّظَرَ إِلَيْهَا لِيُغْوِيَهَا بِغَيْرِهَا، وَيُغْوِيَ غَيْرَهَا بِهَا لِيُوقِعَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا فِي الْفِتْنَةِ. أَوْ يُرِيدَ بِالشَّيْطَانِ شَيْطَانُ الْإِنْسِ مِنْ أَهْلِ الْفِسْقِ سَمَّاهُ بِهِ عَلَى التَّشْبِيهِ» (1).
والاختلاط وسيلة إلى تسهيل هذا التزيين والإغواء.
الدليل الثامن: قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (رواه مسلم).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «ووجه الدلالة أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شرع للنساء إذا أتَيْن إلى المسجد فإنهن ينفصلن عن الجماعة على حدة، ثم وصف أول صفوفهن بالشر، والمؤخر منهن بالخير، وما ذلك إلا لبُعد المتأخرات عن الرجال عن مخالطتهم ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم، وذمّ أول صفوفهن لحصول عكس ذلك، ووصف آخر صفوف الرجال بالشر إذا كان معهم نساء في المسجد؛ لفوات التقدم والقُرْب من الإمام وقربه من النساء اللاتى يشغلن البال، وربما أفسدن به العبادة وشوشن النية والخشوع.
فإذا كان الشارع توقع حصول ذلك في مواطن العبادة مع أنه لم يحصل اختلاط فحصول ذلك إذا وقع اختلاط من باب أولى فيمنع الاختلاط من باب أولى» (2).
(1) تحفة الأحوذي (4/ 283).
(2)
فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم في حكم الاختلاط بين الرجال والنساء.
وقد أفرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد بابًا خاصًّا للنساء يدخلن ، ويخَرجن منه ، لا يُخالطهن ، ولا يُشاركهن فيه الرجال.
فعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ» ، قَالَ نَافِعٌ:«فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
قَالَ صَاحِبُ (عَوْنِ الْمَعْبُودِ) في شرحه لهذا الحديث: «(لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَاب): أَيْ بَاب الْمَسْجِد الَّذِي أَشَارَ النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم، (لِلنِّسَاءِ): لَكَانَ خَيْرًا وَأَحْسَن لِئَلَّا تَخْتَلِط النِّسَاء بِالرِّجَالِ فِي الدُّخُول وَالْخُرُوج مِنْ الْمَسْجِد.
وَالْحَدِيث فِيهِ دَلِيل أَنَّ النِّسَاء لَا يَخْتَلِطْنَ فِي الْمَسَاجِد مَعَ الرِّجَال بَلْ يَعْتَزِلْنَ فِي جَانِب الْمَسْجِد وَيُصَلِّينَ هُنَاكَ بِالِاقْتِدَاءِ مَعَ الْإِمَام، فَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَشَدّ اِتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، فَلَمْ يَدْخُل مِنْ الْبَاب الَّذِي جُعِلَ لِلنِّسَاءِ حَتَّى مَاتَ» (1).
وشرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرجال إمامًا ومؤتمين ألَاّ يخرُجوا فور التسليم من الصلاة ، إذا كان بالصفوف الأخيرة بالمسجد نساء ، حتى يخرجن ، وينصرفن إلى دورهن قبل الرجال ، لكي لا يحصل الاختلاط بين الجنسين ـ ولو بدون قصد ـ إذا خرجوا جميعًا.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا سَلَّمَ مَكَثَ قَلِيلًا، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ كَيْمَا يَنْفُذُ النِّسَاءُ قَبْلَ الرِّجَالِ» . (رواه أبو داود، بَاب انْصِرَافِ النِّسَاءِ قَبْلَ الرِّجَالِ مِنْ الصَّلَاةِ، وصححه الألباني).
قَالَ صَاحِبُ (عَوْنِ الْمَعْبُودِ) في شرحه لهذا الحديث: «(إِذَا سَلَّمَ): أَيْ مِنْ الصَّلَاة (كَيْمَا يَنْفُذ): أَيْ يَمْضِينَ وَيَتَخَلَّصْنَ مِنْ مُزَاحَمَة الرِّجَال.
(1) عون المعبود (2/ 92).
وَالْحَدِيث فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْإِمَامِ مُرَاعَاة أَحْوَال الْمَأْمُومِينَ وَالِاحْتِيَاط فِي ِاجْتِنَاب مَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمَحْذُور، وَاجْتِنَاب مَوَاقِع التُّهَم، وَكَرَاهَة مُخَالَطَة الرِّجَال لِلنِّسَاءِ فِي الطُّرُقَات فَضْلًا عَنْ الْبُيُوت» (1).
وعن الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ» ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:«فَأُرَى وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنْ انْصَرَفَ مِنْ الْقَوْمِ» (رواه البخاري).
وفي رواية عن الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَنُرَى ـ وَاللهُ أَعْلَمُ ـ لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ النِّسَاءِ» (رواه البخاري).
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَتْ: «كَانَ يُسَلِّمُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم» (رواه البخاري).
وعن أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنْ الصَّلَاةِ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم َ وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللهُ فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَامَ الرِّجَالُ» (رواه النسائي وصححه الألباني).
قال السندي: قَوْله (قُمْنَ) أَيْ خَرَجْنَ إِلَى بُيُوتهنَّ (وَثَبَتَ) أَيْ قَعَدَ صلى الله عليه وآله وسلم فِي مَكَانه لِيَقْعُد الرِّجَال خَوْفًا مِنْ الْفِتْنَة بِلِقَاءِ الرِّجَال النِّسَاء فِي الطَّرِيق وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» (2).
(1) عون المعبود (3/ 253).
(2)
حاشية على سنن النسائي (3/ 67).
وهذا كله في حال العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه ، فكيف بما عداها؟!.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «شَهِدْتُ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ، فَنَزَلَ نَبِىُّ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ مَعَ بِلَالٍ» (رواه البخاري ومسلم). يجلّس الرجال لكي لا يختلطوا بالنساء.
الدليل التاسع:
روى البخاري ومسلم أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وآله وسلم جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم تَزُورُهُ فِى اعْتِكَافِهِ فِى الْمَسْجِدِ، فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ لَهُمَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم:«عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ» . فَقَالَا: «سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ» . وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا شَيْئًا» .
والشاهد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرر أن خلطة الرجل بالمرأة موطن ريبة، ومحل تهمة، مع أن هذه الخلطة كانت:
- عند المسجد.
- وفي محل عام مطروق.
- وزمانها ليلة من ليال العشر الأواخر من رمضان.
- مع امرأة مضروب عليها الحجاب الكامل بغير خلاف لكونها من أزواجه ص.
- أضف إلى ذلك الأصول المقررة؛ كعصمة النبي ص، ورسوخ إيمان صحابته ي.
كل ذلك لم يبرر ترك بيان أن الاختلاط بالنساء موضع تهمة، ومحل شبهة.
الدليل العاشر:
قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تُبَاشِرْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» (رواه البخاري)؛ فالمرأة المسلمة منهية عن وصف المرأة الأجنبية لزوجها كأنه ينظر إليها، ونقل الحافظ ابن حجر أن الْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي خَشْيَة أَنْ يُعْجِب الزَّوْج الْوَصْف الْمَذْكُور فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى تَطْلِيق الْوَاصِفَة أَوْ الِافْتِتَان بِالْمَوْصُوفَةِ (1).
فكيف يُعقل أن ينهى الإسلام المرأةَ المسلمة أن تصف امرأةً أجنبية لزوجها لئَلّا يتعلق قلبُه بها، ثم يبيح لهذا الزوج أن يجالس هذه المرأة الأجنبية ويخالطها في العمل أو الدراسة مخالطةً مستديمة؟!!!
الدليل الحادي عشر:
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ، جَاءَ يَسْتَأَذِنُ عَلَيْهَا، وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، قَالَتْ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله، أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عليّ» (رواه البخاري ومسلم).
(1) فتح الباري (9/ 337).
(2)
عمدة القاري (13/ 202).
الدليل الثاني عشر:
القواعد الشرعية الآتية:
قال الشيخ حامد العلي: «هذه المسألة ترجع إلى أربع قواعد شرعيَّة:
- كل مالم يرد فيه نص، فهو من قبيل المباح، ما لم يُفْضِ إلى محرم فيأخذ حكمه.
- إذا تعذّر توفير الضوابط التي تمنع اقتران الحرام الذي مفسدته أعظم، بالمباح، فإنه يُمنع سدًّا للذريعة.
- الأمور تتبيّن بعواقبها، فالخير في موضعه عواقبه الرشد أبدًا، والشر عواقبه الغيّ.
- كلّ ما كان الأمر أشدّ ضررًا على المجتمع، كان الاحتراز منه أوجب، ومحاربته ينبغي أن تكون أشدّ.
أما القاعدة الأولى، فكما نص الفقهاء على تحريم بيع العنب لمن يتخذه خمرًا.
وأما الثانية، فكما ذكر الفقهاء تحريم بيع السلاح وقت الفتنة، لأنه حتى لو زُجر الناس عن قتل المسلم، فلا يمكن ضبط ذلك والناس في حال الفتنة، فيُفتى بتحريمه مطلقًا.
أما الثالثة، فدلت عليها نصوص كثيرة جدًا، فالله تعالى جعل عاقبة طاعته خيرًا، قال تعالى:{هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)} (الكهف:44)، وجعل عاقبة معصيته الخسران المبين قال
…
فإذا تبين أن عاقبة الأمر السوء، فهو معصية لله، والضد بالضد.
أما الرابعة فكما نرى نصوص القرآن السنة شددت في التحذير من مداخل الشرك، والقتل، والزنا، وهي أعظم ثلاث جرائم.
فحرمت الشريعة كل ذرائع الشرك: كالصلاة في المقابر، وتعليق التمائم وغيرها حتى تلك التي في الألفاظ كقول القائل ماشاء الله وشئت، والحلف بغير الله
…
إلخ.
كما حرمت الشريعة في صيانة دم المسلم، كلّ الطرق المفضية إلى الاستهانة به، فحرمت حتى سباب المسلم، وترويعه، سدًّا لكل طرق العدوان التي قد تُفْضِي إلى القتل، أو الإستهانة بدم المسلم.
وفي الذرائع المفضية إلى الزنا، حرمت على المرأة الخلوة مع الرجل، والتعطّر أمام الرجال، والسفر بغير محرم، وأمرتها بالحجاب، وأمرت بغض الأبصار، ونهَتْ المرأة عن الخضوع بالقول عند مخاطبة الرجل الأجنبي، حتى لقد حرَّم عليها ضربها بخلخالها لتُعلَم زينتُها.
ولا نجد مِثْل هذا الذرائع كثرةً وتأكيدًا في غير تلك الجرائم الثلاث.
ثم إذا نظرنا إلى الاختلاط يبن الرجال والنساء من هذا المنظار الشرعي، وجدناه ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: اختلاط عابر، في موضع لايخشى منه الفتنة، في الغالب، كاشتغال الجمع بعبادة مثلا، كصلاة النساء في المسجد خلف الرجال في عهده صلى الله عليه وآله وسلم والطواف في الحج .. إلخ
ومثل الأماكن العامة التي يشق تخصيصها لأحد الجنسين.
والقسم الثاني: اختلاط يفضي إلى الفتنة غالبًا، ولايمكن توفير ضوابط الاحتراز منها، وعاقبته شرور واضحة، وضرره على المجتمع بالغ السوء بشهادة الواقع المحسوس، وذلك مثل الاختلاط في الدراسة، وفي أماكن العمل، حيث تمكث الفتاة، أوالمرأة فترة طويلة بين الرجال، في أجواء داعية إلى التعارف وتكوين العلاقات، بما تقتضيه الجبِلّة الإنسانية، من الانجذاب الفطري بين الذكر والأنثى.
فلو قيل للشاب الذي يخالط الشابات في فصل دراسي طيلة أعوام الدراسة: لا تنظر إلى ما تشتهي نفسُك النظر إليه من مفاتن المرأة، ولا تشتهي ما يشتهيه الرجل من المرأة، ولا تحاول أن تتعرّف على من تعجبك منهنّ، ولا تبني علاقة معها، ولا تجعل نفسك تهمّ بمحرم، ويقول للفتاة مثل ذلك، لكان من يقول مثل هذا للشباب، مع توفير أسباب الفتنة لهم، كمن يسعى في إفساد الناس وهو يأمرهم بالصلاح، والعفّة!!
وهذا التناقض القبيح في العقل والمنطق لايمكن أن تأتي به الشريعة الكاملة.
حتى إن بعض الجهّال، أفتى بجواز الاختلاط في الأعراس، استدلالًا بأن النساء كنّ يصلين، خلف صفوف الرجال في عهد النبوة!!
مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل صفوفهن بعيدًا، خلف الصبيان (1)،
كما جعل مصلى النساء
(1) حديث أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم «أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ الرِّجَالَ قُدَّامَ الْغِلْمَانِ، وَالْغِلْمَانَ خَلْفَهُمْ، وَالنِّسَاءَ خَلْفَ الْغِلْمَانِ» ، رواه الإمام أحمد وغيره وضعفه الألباني والأرنؤوط.
قال الشيخ الألباني رحمه الله: «وفي صَفِّ النساء لوحدهم وراء الرجال أحاديث صحيحة، وأما جعل الصبيان وراءهم فلم أجد فيه سوى هذا الحديث، ولا تقوم به حجة؛ فلا أرى بأسًا من وقوف الصبيان مع الرجال إذا كان في الصف متسع؛ وصلاة اليتيم مع أنس وراءه صلى الله عليه وآله وسلم حجة في ذلك» .تمام المنة (ص 284).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «لا شَكَّ أنَّ مكان الصبيان خلفَ الرِّجالِ أَولى، لكن إذا كان يحصُلُ به تشويشٌ وإفسادٌ للصَّلاةِ على البالغين؛ وعليهم أنفسِهم، فإنَّ مراعاةَ ذلك أَولى مِن مراعاة فَضْلِ المكان، إذًا؛ كيف نعملُ؟ =
في العيد، معزولًا عن مصلى الرجال، وجعل خير صفوفهن آخرها، وشرّها أوّلها، وكل ذلك لتخفيف الفتنة قدر المستطاع، مع أنه في موضع العبادة، فكيف بغيره؟!!
وعلى أية حال فكل عاقل يعلم أن ثمة فرقا كبيرا بين القسم الأوّل، والثاني، وأنّ الاستدلال بجواز الأول، على جواز الثاني، من قبيل التلبيس، والخلط، وسوء الفهم.
وذلك كمثل من يستدل على جواز بيع السلاح في الأحوال العادية، مع إمكان أن
= الجواب: نعملُ كما قال بعضُ العلماءِ: بأنْ نجعلَ بين كُلِّ صبيين بالغًا مِن الرِّجالِ فَيَصفُّ رَجُلٌ بالغٌ يليه صبيٌّ، ثم رَجُلٌ ثم صبيٌّ، ثم رَجُلٌ، ثم صبيٌّ؛ لأنَّ ذلك أضبطُ وأبعدُ عن التشويشِ، وهذا وإنْ كان يستلزمُ أنْ يتأخَّرَ بعضُ الرِّجالِ إلى الصَّفِّ الثاني أو الثالثِ حسب كثرة الصبيان؛ فإنَّه يحصُلُ به فائدةٌ، وهي الخشوعُ في الصَّلاةِ وعدمُ التشويشِ».انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (4/ 278 - 279).
وقال الشيخ ابن عثيمين في شرحه لما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لِيَلِنِى مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» : «وفي قوله: «لِيَلِنِى مِنْكُمْ» اللام لام الأمر، والمعنى أنه في الصلاة ينبغي أن يتقدم أولو الأحلام والنهى، وأولو الأحلام يعني الذين بلغوا الحُلُم، وهم البالغون، والنهى جمع نهية وهي العقل، يعني العقلاء، فالذي يجب أن يتقدم في الصلاة العاقلون البالغون؛ لأن ذلك أقرب إلى فهم ما يقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فلهذا حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتقدم هؤلاء حتى يَلُوا الإمام.
وليس معنى الحديث لا يلني إلا أولو الأحلام والنهى بحيث نطرد الصبيان عن الصف الأول فإن هذا لا يجوز، فلا يجوز طرد الصبيان عن الصف الأول إلا أن يحدُثَ منهم أذية؛ فإن لم يحدث منهم أذية فإن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد أحق به، وهناك فرق بين أن تكون العبارة النبوية (لا يلني إلا أولو الأحلام) وبين قوله (ليلني أولو الأحلام) فالثانية تحُتُّ تحُثُّ الكبار العقلاء على التقدم، والأولى لو قُدِّرَ أنها نَصُّ الحديث لكان ينهى أن يلي الإمام مَن ليس بالغًا أو ليس عاقلًا.
ولهذا نقول: إن أولئك الذين يطردون الصبيان عن الصف الأول أخطأوا من جهة أنهم منعوا ذوي الحقوق حقوقهم، ومن جهة أخرى أنهم يُكَرِّهُون الصبيان المساجد؛ وهذا يؤدي إلى أن ينفر الصبي عن المسجد إذا كان يُطْرَدُ عنه، ومنها أن هذه لا تزال في نفسه عقدة مِن الذي طرده فتجده يكرهه ويكره ذكره؛ فمن أجل هذه المفاسد نقول: لا تطردوا الصبيان من أوائل الصفوف، ثم إننا لو طردناهم من أوائل الصفوف حصل منهم لعب لو كانوا كلهم في صف واحد، كما يقوله مَن يقوله مِن أهل العلم لحصل منهم مِن اللعب ما يوجب اضطراب المسجد واضطراب أهل المسجد، ولكن إذا كانوا مع الناس في الصف الأول ومتفرقين فإن ذلك أسلم من الفوضى التي تحصل بكونهم يجتمعون في صف واحد. (شرح رياض الصالحين (2/ 167 - 168).
يُقتل به مسلم، على جواز بيعه في فتنة بين المسلمين يقتل بعضهم بعضها!
ولا يخفى على عاقل متجرّد من الهوى، أن الاختلاط ـ من القسم الثاني ـ مُفْضٍ إلى فساد عريض، وها هي المجتمعات التي ينتشر فيها هذا الاختلاط، تعاني ما تعانيه من الآثار المدمّرة لانتشار الزنى، والعلاقات المحرمة بين الجنسين.
هذا، مع أنه من الناس من يكون في حال الضرورة، فيباح له، أوْ لها، الدراسة أو العمل في أماكن مختلطة، على قدر الضرورة، وهذه الإباحة الطارئة، لاتدلّ على جواز إنشاء الاختلاط المفضي إلى الفتنة ابتداءً، كما أن القاعدة الفقهية التي تنص على أن حكم التبع، يختلف عن حكم الاستقلال، وحكم الدوام يختلف عن حكم الابتداء، يجري العمل بها هنا أيضا، والله أعلم (1).
(1) المصدر
…
http://www.h-alali.net
القاعدة الخامسة:
من قواعد الشريعة: أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «الوسائل لها أحكام المقاصد؛ فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها» (1).
ويوضح هذه القاعدة الإمام ابن القيم رحمه الله حيث يقول: «لَمَّا كَانَتْ الْمَقَاصِدُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بِأَسْبَابٍ وَطُرُقٍ تُفْضِي إلَيْهَا كَانَتْ طُرُقُهَا وَأَسْبَابُهَا تَابِعَةً لَهَا مُعْتَبَرَةً بِهَا، فَوَسَائِلُ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَعَاصِي فِي كَرَاهَتِهَا وَالْمَنْعِ مِنْهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَاتِهَا وَارْتِبَاطَاتِهَا بِهَا، وَوَسَائِلُ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ فِي مَحَبَّتِهَا وَالْإِذْنِ فِيهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَتِهَا؛ فَوَسِيلَةُ الْمَقْصُودِ تَابِعَةٌ لِلْمَقْصُودِ، وَكِلَاهُمَا مَقْصُودٌ، لَكِنَّهُ مَقْصُودٌ قَصْدَ الْغَايَاتِ، وَهِيَ مَقْصُودَةٌ قَصْدَ الْوَسَائِلِ؛ فَإِذَا حَرَّمَ الرَّبُّ تَعَالَى شَيْئًا وَلَهُ طُرُقٌ وَوَسَائِلُ تُفْضِي إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُهَا وَيَمْنَعُ مِنْهَا، تَحْقِيقًا لِتَحْرِيمِهِ، وَتَثْبِيتًا لَهُ، وَمَنْعًا أَنْ يُقْرَبَ حِمَاهُ، وَلَوْ أَبَاحَ الْوَسَائِلَ وَالذَّرَائِعَ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّحْرِيمِ، وَإِغْرَاءً لِلنُّفُوسِ بِهِ، وَحِكْمَتُهُ تَعَالَى وَعِلْمُهُ يَأْبَى ذَلِكَ كُلَّ الْإِبَاءِ، بَلْ سِيَاسَةُ مُلُوكِ الدُّنْيَا تَأْبَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ إذَا مَنَعَ جُنْدَهُ أَوْ رَعِيَّتَهُ أَوْ أَهْلَ بَيْتِهِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَبَاحَ لَهُمْ الطُّرُقَ وَالْأَسْبَابَ وَالذَّرَائِعَ الْمُوَصِّلَةَ إلَيْهِ لَعُدَّ مُتَنَاقِضًا، وَلَحَصَلَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَجُنْدِهِ ضِدُّ مَقْصُودِهِ.
وَكَذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ إذَا أَرَادُوا حَسْمَ الدَّاءِ مَنَعُوا صَاحِبَهُ مِنْ الطُّرُقِ وَالذَّرَائِعِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَسَدَ عَلَيْهِمْ مَا يَرُومُونَ إصْلَاحَهُ. فَمَا الظَّنُّ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ الَّتِي هِيَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْكَمَالِ؟ وَمَنْ تَأَمَّلَ مَصَادِرَهَا وَمَوَارِدَهَا عَلِمَ أَنَّ اللهَ ـ تَعَالَى ـ
(1) الأصول من علم الأصول (ص23).
وَرَسُولَهُ سَدَّ الذَّرَائِعَ الْمُفْضِيَةَ إلَى الْمَحَارِمِ بِأَنْ حَرَّمَهَا وَنَهَى عَنْهَا» (1).
فكل ما يُفْضِي إلى المحارم فهو محرم، ولهذا حرَّم الله سب آلهة المشركين مع ما فيه من المصلحة. ومعلوم ما يترتب على الاختلاط، وما يُفْضِي إليه من المفاسد الكبيرة وهي واضحة في تلك المجتمعات التي وقعت في الاختلاط، ولا ينكرها إلا مكابر، فالمنصف من نفسه المتجرد للحق يجد التذمر والتحسر على انفلات المرأة وتفكك الأسر والمجتمع، والسعيد مَنْ وُعِظَ بغيره (2).
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 342).
(2)
أدلة تحريم الاختلاط متضافرة وليس لها ناقض، بقلم: علي بن فهد أبا بطين، عضو هيئة التدريس بالكلية التقنية بالقصيم، شبكة الرد ـ الأربعاء 4 رجب 1428هـ الموافق 18/ 7/2007م عن (صحيفة الوطن السعودية) الاثنين 2 رجب 1428هـ الموافق 16 يوليو 2007م العدد (2481) السنة السابعة.