الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"بيديَّ، ونفخْتُ فيه مِنْ روحي": وهو آدم وذريته، إضافة الروح إلى نفسه للتشريف والتخصيص.
"كمن قُلْتُ له: كُنْ فكان"؛ أي: كَمَنْ خلقته بمجرد الأمر، وهو المَلَك، يعني: لا يستوي البشر والمَلَك في الكرامة والقربة، بل كرامة البشر أكبر ومنزلته أعلى وأَجَل، وهذا من جملة ما استدل به أهل السنة في تفضيل البشر على المَلَك.
1 - باب فَضَائِلِ سيدِ المُرسَلِينَ صلَوَاتُ الله عَلَيْهِ
" باب فضائل سيد المرسلين"، جمع الفضيلة، وهي ضدُّ النقيصة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
4460 -
قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بُعثتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بني آدمَ قَرْناً فقَرْناً، حتى كُنتُ منْ القرْنِ الذِي كُنتُ مِنْهُ".
"من الصحاح":
" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بُعِثْت من خير قرون بني آدم"، (القرن): ثمانون سنة، وقيل: أهل زمان واحد.
"قَرْنًا فَقَرْنًا": الفاء فيه للترتيب في الفضل على سبيل التَّرقي.
"حتى كنْتُ من القَرْنِ الذي كنْتُ منه": والمراد (بالبعث) هنا: تقلبه في أصلاب الآباء أبًا فأبًا، قرناً فقرناً؛ يعني: انتقل النبي صلى الله عليه وسلم أولاً من صلب ولد إسماعيل، ثم من كنانة، ثم من بني هاشم.
4461 -
وقَالَ: "إنَّ الله اصْطَفَى كِنانة مِنْ ولَدِ إسْماعِيلَ، واصطفَى قُريْشاً مِنْ كِنَانةَ، واصطفى مِنْ قُريْشٍ بني هاشمِ، واصطفانِي مِنْ بني هاشمٍ".
ويُرْوَى: "إنَّ الله اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، واصطَفَى مِنْ وَلَدِ إسْماعيلَ بني كِنَانة".
"وقال: إن الله اصطفى"؛ أي: اختار.
"كِنَانة"، وهي - بكسر الكاف -: عدة قبائل، أبوهم كنانة بن خزيمة، وهو "من ولد إسماعيل، واصطفى قُريشا من كنانة"؛ لأن أبا قريش: مضر بن كنانة، هذا "واصطفى من قريش بني هاشم": وهاشم هو ابن عبد مناف، وهو من أولاد مضر هذا.
"واصطفاني من بني هاشم": لأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم، هذا ومعنى الخيرية والاصطفاء في هذه القبائل باعتبار الخِصَال الحميدة.
"ويروى: إنَّ الله اصطفى مِنْ وَلَدِ إبراهيم إسماعيل، واصطفى مِنْ وَلَدِ إسماعيل بني كنانة".
4462 -
وقَالَ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدمَ يَومَ القِيامَةِ، وأوَّلُ مَنْ يَنشَقُّ عَنهُ القَبرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ".
"وقال: أنا سيِّد وَلَدِ آدم يوم القيامة": قَيَّد به مع أنه سيدهم في الدنيا؛ لأن سؤدده تظهر فيه لكل أحدٍ بلا معاند.
قيل: لم يقل صلى الله عليه وسلم هذا الحديث فَخْرًا، بل لامتثال قوله تعالى:{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، أو لأنه مما يجب تبليغه إلى أمته كي يعتقدوه ويتبعوه.
"وأول مَنْ ينشقُّ عنه القبر"؛ يعني: أنا أول مَنْ يعاد فيه الروح يوم القيامة.
"وأول شَافع وأول مُشفَّع" بتشديد الفاء؛ أي: مقبول الشفاعة، والحديث يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع بني آدم وجميع الأنبياء والمرسلين، وعلى ثبوت الشفاعة لغيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين.
4463 -
وقَالَ: "أَنَا أَكْثَرُ الأَنبيَاءَ تَبَعاً يَومَ القِيامَةِ، وأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقرعُ بَابَ الجَنَّةِ".
"وقال: أنا أكثر الأنبياء تَبَعاً": نصب على التمييز؛ أي: تَبَعِي أكثر من أتباع الأنبياء.
"يوم القيامة، وأنا أولُ مَنْ يَقْرعُ"؛ أي: يدقُّ "بابَ الجنة".
4464 -
وقَالَ: "آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَومَ القِيامَةِ فَأَستَفْتِحُ فَيقُولُ الخَازِنُ: مَن أَنتَ؟ فَأقولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لأِحَدٍ قَبلَك".
"وقال: آتي باب الجنة يوم القيامة، فأَستَفْتِح"؛ أي: أطلب الفتح.
"فيقول الخازن: مَن أنت؟ ": الاستفهام بمعنى السؤال.
"فأقول: محمد، فيقول: بِكَ أُمرتُ"؛ يعني: أُمرتُ بأن أفتح لك باب الجنة أولاً.
"لا أفتح لأحد قبلك".
4465 -
وقَالَ: "نَحْنُ الآخِرونَ الأوَّلُونَ يَومَ القِيامَةِ، ونَحنُ أوَّلُ مَنْ يَدخُلُ الجَنَّةَ".
"وقال: نحن الآخرون"؛ أي: في الدنيا.
"الأوَّلون يوم القيامة"؛ أي: في البعث.
وقال: "نحن أوَّلُ مَنْ يدخل الجنة".
4466 -
وقال: "نَحْنُ الآخِرونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيا، والأوَّلونَ يومَ القِيامَةِ، المَقْضيُّ لَهُم قَبْلَ الخَلائقِ".
"وقال: نحن الآخرون مِنْ أهل الدنيا، والأوَّلون يوم القيامة، المَقْضِيُّ لهم": للأمة.
"قبل الخلائق"؛ يعني: تُقْضَى حوائج أمتي من الحساب، والجواز على الصراط، ودخول الجنة قبل قضاء حوائج الخلائق.
4467 -
وقَالَ: "أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ في الجَنَّةِ، لم يُصَدَّقْ نبيٌّ مِنَ الأَنبياءِ مَا صدِّقْتُ، وإنَّ مِنَ الأَنبيَاءِ نبَيًّا مَا صدَّقهُ منْ أُمَّتهِ إلَّا رَجُل واحِدٌ".
"وقال: أنا أول شافع"؛ أي: للعصاة من أمتي.
"في الجنة"؛ أي: في دخولها.
"لم يُصَدِّقْ نبيٌّ من الأنبياء ما صدّقْتُ": على صيغة المجهول و (ما) مصدرية؛ أي: لم يُصدَّق نبي من الأنبياء تصديقاً مثل تصديق أمتي إيَّايَ.
"وإن من الأنبياء نبيًّا ما صدَّقه من أُمَّته إلا رجل واحد".
4468 -
وقَالَ: "مَثَلي ومَثَلُ الأَنْبياءِ كمثَلِ قَصر أُحسِنَ بنيانُه، وتُرِكَ مِنْهُ مَوْضعُ لَبنةٍ، فَطَافَ بهِ النُّظَّارُ يتَعجَّبونَ مِنْ حُسْنِ بنيانِهِ إلَّا مَوْضعَ تِلكَ اللَّبنةِ، فكُنْتُ أَنَا سَدَدتُ مَوْضعَ تِلْك اللبنةِ، فتَمَّ بيَ البنيانُ، وخُتِمَ بيَ الرُّسُلُ".
وفي رِوَايَةٍ: "فأَنَا اللَّبنةُ، وأَنَا خَاتَمُ النَّبيينَ".
"وقال: مثلي ومَثَلُ الأنبياء"؛ أي: مَثَلِي في تبليغ الرسالة إلى الكافة ومَثَلُ الأنبياء في تبليغ رسالتهم إلى أممهم.
"كمثل قصرٍ أحْسِنَ بنيانه": جمع بناء.
"وتُرِكَ منه مَوْضِعُ لَبنةٍ فطافَ به"؛ أي: دار حوله.
"النُّظَّار" بضم النون وتشديد الظاء المعجمة: جمع ناظر.
"يتعجَّبون من حُسْنِ بنيانه إلا موضعَ تلك اللَبنة، فكنْتُ أنا سَددتُ"؛ أي: أصلَحْتُ.
"وضعَ اللَبنة" حتى "خُتِمَ بي البنيان، وخُتِمَ بي الرُّسل"
"وفي رواية: فأنا اللَّبنة، وأنا خاتم النبيين".
4469 -
وقَالَ: "مَا مِنَ الأنبياءِ مِنْ نبيٍّ إلَّا قد أُعطِيَ مِنَ الآياتِ مَا مِثْلُهُ آمنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كَانَ الَّذِي أُوتيْتُ وَحيا أَوْحَى الله إليَّ، فأرجُو أنْ كُونَ أكثَرَهُم تَابعاً يَوْمَ القِيامةِ".
"وقال: ما مِنَ الأنبياء مِنْ نبيٍّ"، (ما) هذه بمعنى (ليس).
"إلَّا قد أُعْطِي من الآيات"؛ أي: المعجزات، و (من) بيانية لـ (ما) الموصولة في قوله:
"ما مِثْلُهُ"؛ أي: صفته، وهو مبتدأ وخبره الجملة التي بعده.
"آمنَ عليه البشر": الجار والمجرور متعلق بـ (آمن) لتضمنه معنى الاطلاع، أو بحال محذوفة تقديره: آمن به البشر واقفاً عليه، ويجوز أن تكون (ما) موصوفة بمعنى: شيء، والجملة الاسمية صفة (ما)؛ يعني: ما من نبي إلا أعطاه الله من المعجزات وأيَّدهم بها ما إذا شُوهد واطلع عليه دعا الشاهد إلى تصديقه، فإذا انقطع زمانه انقطعت تلك المعجزة.
"وإنما كان الذي أُوْتِيْتُ"؛ أي: معظم ما أُوْتِيْتُ من المعجزات.
"وحياً أوحى الله إليَّ"؛ يعني: قرآناً بالغاً أقصى غاية الإعجاز نظماً ومعنى، وهو أكثر فائدة وأعم عائدة من سائر معجزاته عليه الصلاة والسلام؛ لاشتماله على الدعوة والحجة، ينتفع به الحاضرون عند الوحي والغائبون عنه إلى يوم القيامة، ولذا رتَّبَ النبي صلى الله عليه وسلم قوله:"فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة".
4470 -
وقَالَ: "أعُطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي: نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسيرَةَ شَهرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ مَسْجدًا وطَهُورًا، فأيُّما رَجُل مِنْ أُمَّتِي أدركَتْهُ الصَّلاةُ فليُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ ولم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلي، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وكَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ عَامَّة".
ويُروَى: "فُضلْتُ على الأَنْبياءِ بسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوامعَ الكَلِمِ - وذكرَ هذهِ الأَشْيَاءَ إلَّا الشَّفاعةَ وَزَاد: - وخُتِمَ بيَ النَّبيُّونَ".
"وقال: أُعطِيْتُ خمساً"؛ أي: خمس خِصَال.
"لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ"؛ أي: الخوف.
"مَسِيرَةَ شهر"؛ يعني: نصرني الله بإلقاء الخوف في قلوب أعدائي من مسيرة شهر بيني وبينهم.
"وجُعِلَتْ في الأرض مسجداً وطهوراً"؛ يعني: أباح الله تعالى لأمتي الصلاة حيث كانوا؛ تخفيفاً لهم، وأباح التيمم بالتراب عند فقد الماء، ولم يُبحِ الصلاة للأمم الماضية إلا في كنائسهم، ولم يجز التَّطهر لهم إلا بالماء.
"فأيما رجل من أمتي أدركتْهُ الصلاة فليصلِّ": وهذا تفريع لما قبله.
"وأُحِلَّتْ في الغنائم (1) ولم تحلَّ لأحد قبلي": أراد أن المتقدمة منهم مَنْ لم تحل لهم الغنائم، بل كانت توضع فتأتي نار فتحرقها وأباحها الله لهذه الأمة.
"وأعطِيْتُ الشفاعة": اللام فيها للعهد، وهي الشفاعة العامة للإزالة من المحشر.
"وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُبْعَثُ إلى قومه خاصَّة وبعثْتُ إلى الناس عامة".
"ويروى: فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ أُعْطِيْتُ جوامع الكلم": يريد به القرآن، جمع الله فيه المعاني الكثيرة واللطائف الغزيرة في ألفاظ يسيرة.
"وذكر هذه الأشياء، إلا الشفاعة وزاد" على الخمس: "وخُتِمَ بي النبيون".
4471 -
وَقَالَ: "بُعِثْتُ بجَوامعِ الكَلِم، ونُصرتُ بالرُّعبِ، وبَيْنا أَنَا نائِمٌ
(1) في هامش "غ": "في نسخة: المغانم".
رأَيْتُني أُتيِتُ بِمَفاتِيح خَزائِنِ الأَرضِ فوُضعَتْ في يَدِي".
"وقال: بُعِثْتُ بجوامع الكَلِم ونُصِرتُ بالرُّعبِ، وبينا أنا نائم رَأَيْتُني أُوتِيْتُ بمفاتيح خَزَائِنِ الأرض": جمع مفتاح، وهو ما يُفْتَحُ به الأبواب، والخزائن: جمع خزانة، وهي ما يحفظ فيها الأشياء.
"فَوُضِعَتْ على يدي"؛ أراد صلى الله عليه وسلم بذلك: ما سهَّله الله له أو لأمته في فتح البلاد واستخراج الكنوز، أو المراد منه: معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة.
4472 -
وقَالَ: "إنَّ الله زَوَى لِيَ الأرْضَ فرَأَيتُ مَشَارِقَها ومَغَارِبَها، وإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِي مِنْها، وأُعطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأحمرَ والأَبْيض، وإنِّي سألتُ رَبي لأِمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَها بسَنَةٍ عَامَّةٍ، وأَنْ لا يُسلِّطَ عَلَيْهم عَدُوًّا مِنْ سِوَى أنفُسِهم فَيَستَبيحَ بَيْضَتَهُم، وإنَّ رَبي قَالَ: يا محمّدُ! إنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فإنَّهُ لا يُرَدُّ، وإِنِّي أَعطَيْتُك لأمَّتِكَ أنْ لا أُهلِكَهُم بسَنَةٍ عَامَّةٍ، وأنْ لا أُسلِّطَ عَلَيهِم عَدُوًّا مِنْ سِوَى أنفُسِهم فيَستَبيحَ بَيْضَتَهم، ولو اجتَمعَ عَلَيْهِم مَنْ بأَقْطَارِها، حتَّى يكُونَ بعضُهُم يُهلِكُ بعضاً ويَسبي بعضُهُم بَعضاً".
"وقال: إن الله تعالى زَوَى لي الأرضَ"؛ أي: قَبَضَها وجَمَعَها، واللام فيه للعهد الخارجي.
"فرأيْتُ مشارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا": جمعهما باعتبار اختلاف طلوع الشَّمس في الشتاء والصَّيف، أو باعتبار الكواكب، وإراءتها للنبي على سبيل التَّخيل والتَّمثيل كان لتبشيره بكثرة أمته.
"وإن أُمَّتي سَيَبْلُغُ مُلكُها ما زُوِيَ لي منها": (من) هذه للتبيين.
"وأُعْطِيْتُ الكَنْزَيْنِ الأحمرَ والأبيضَ"، قيل: أراد بهما: كنوز كسرى وقيصر؛ لأن الغالب على نقود مالك كسرى: الدنانير، وعلى نقود مالك قيصر: الدراهم.
قال أبو موسى: الأحمر ملك الشام؛ لأن الغالب على أموالهم الذهب، وعلى ألوانهم الحمرة، والأبيض ملك فارس؛ لأن الغالب على نقودهم الفضة، وعلى ألوانهم البياض.
"وإني سألْتُ ربي لأمتي أن لا يهلكها بسَنَةٍ"؛ أي: بقحط.
"عامة"؛ أي: شاملة للمسلمين.
"وأن لا يُسَلِّطَ عليهم عدواً من سِوَى أنفُسِهِم"؛ أراد به: الكفار.
"فيَسْتَبِيْحُ بَيْضَتَهم"؛ أي: يسبيها وينهبها ويجعلها مباحة.
بيضة الدار: وسطها ومُعْظَمها.
وقال أبو موسى: (بيضتهم): مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، وبيضة كل شيء: مجتمعه، أراد: أنه يستأصلهم ويهلكهم جميعاً.
"وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيْتُ قضاءً فإنه لا يُرَدُّ"؛ يعني: إذا حكمتُ بوقوع شيء فإنه غير مردود لا محالة.
"وإني أعطيتك"؛ أي عهدي وميثاقي.
"لأمتك"؛ أي: لأجلها.
"أن لا أهلكهم بسَنَةٍ عامة، وأن لا أسلِّطَ عليهم عدواً من سِوَى أنفسهم فيستبيحُ بَيْضَتَهُم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها": جمع قطر، وهو الجانب والناحية.
"حتى يكون بعضُهُم يُهْلِكُ بعضاً ويسبي بعضُهُم بَعضًا".
4473 -
عَنْ سَعدٍ رضي الله عنه: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بمَسجدِ بني مُعَاوِيةَ، دَخَلَ فرَكعَ فيهِ رَكعتَيْنِ، وصَلَّيْنا مَعَهُ، ودَعا ربَّهُ طَوْيلاً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَال صلى الله عليه وسلم: سَألْتُ ربي، ثَلَاثاً فأعطَانِي ثِنتيْنِ، ومَنعَنِي وَاحِدةً: سَألتُ ربي أنْ لا يُهلِكَ أُمَّتِي بالسَّنَةِ فأعطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُهلِكَ أُمَّتِي بالغَرَقِ فأعطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يَجْعَلَ بأسَهُم بَيْنَهُم فمَنعَنِيها".
"عن سعد: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بمسجد بني معاوية": قيل: هو بالمدينة، وبنو معاوية بطن من الأنصار.
"دخل فركع"؛ أي: صلَّى فيه.
"ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربَّه طويلاً"؛ أي: دعاء طويلاً.
"ثم انصرَف"؛ أي: رجع.
"فقال: سألْتُ ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألْتُ ربي أن لا يُهْلِكَ أمتي بالسَّنَة فأعطانيها"؛ أي: أعطاني الله تلك المسألة وأجاب دعائي.
"وسألته أن لا يُهْلِكَ أمتي بالغَرَق" بفتحتين؛ أراد به: الغَرَق العام الشامل لجميع الأمة، كما فعل بقوم نوح عليه السلام وقوم فرعون.
"فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسَهُم"": أراد به: الشِّدة في الحرب.
"بينهم، فمَنَعَنِيْها"؛ أي: لم يجب دعائي فيها.
4474 -
عَنِ عَطَاءَ بن يَسَارٍ رضي الله عنه قَالَ: لَقِيْتُ عَبْدَ الله بن عَمرِو بن العَاصِ رضي الله عنه قُلْتُ: أخبرْني عَنْ صِفةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في التَّوْراةِ، قَالَ: أجَلْ، والله إنَّهُ لمَوصُوفٌ في التَّوْراةِ ببعضِ صِفتِهِ في القُرآنِ:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} ، وحِرْزاً للأُمييْنَ، أَنتَ عَبْدِي ورَسُولي، سَمَّيْتُكَ
المُتوكِّلَ، لَيْسَ بفَظٍّ ولا غَليْظٍ ولا سَخَّابٍ في الأَسْواقِ، ولا يَنفَعُ بالسَّيئةِ السَّيئةَ ولكنْ يَعفُو وَيغْفِرُ، ولنْ يَقبضَهُ حتَّى يُقيمَ بهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لا إله إلَّا الله، وتُفتَحُ بِها أَعيُن عُمى، وآذان صُمٌّ، وقُلوب غُلفٌ، ورَوَاهُ عَطَاء عَنِ ابن سَلَام.
"عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: لقيْتُ عبد الله بن عمرو بن العاص قلْتُ: أخبرني عن صِفَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في التَّوراة، قال: أجَل": وهو في التَّصديق مثل (نعم) في الاستفهام.
"والله إنه": بكسر الهمزة؛ أي: إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم.
"لموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} ، وهو - بكسر الحاء وسكون الراء المهملتين -: الموضع الحصين.
"للأميِّين"؛ أي: للعرب؛ يعني. بعثناك مَؤْئِلاً لأمَّتك الأميَّة، يتحصنون بك من آفات النفس وغوائل الشيطان، ويجوز أن يكون المراد بالحرز: حفظ قومه من عذاب الاستئصال، أو الحفظ لهم من العذاب ما دام فيهم لقوله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33].
"أنت عبدي ورسولي، سمَّيْتُكَ المتوكِّل ليس بفَظٍّ"؛ أي: غليظ القلب.
"ولا غَليظ": وهو الضَّخم الكريه الخلق، قال الله تعالى:{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
"ولا سخَّاب" بفتح السين المهملة وتشديد الخاء المعجمة؛ أي: مرتفع الصوت ويروى أيضاً: بالصاد المهملة؛ أي: مكثر الصِّياح، شديد الصَّوت عند الخصام من السخب والصخب، وهما شِدَّة اختلاط الأصوات.
"في الأسواق، ولا يدفع بالسَّيئة السَّيئة"؛ يعني: لا يسيء إلى مَنْ أساء إليه.
"ولكن يَعْفُو": عن المسيء ويحسِنُ إليه.
"ويَغْفِرُ"؛ أي: يدعو له بالغفران.
"ولن يقبضَهُ حتَّى يُقيْمَ به"؛ أي: يُجْعَل مستقيماً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
"المِلَّة العوجاء": يريد بها الكفر؛ لأنها مِلَّةٌ معوجَّةٌ باطلة، لا استقامة لها، وقيل: يريد ملَّة إبراهيم عليه السلام غيَّرتها العرب عن استقامتها وتَدَيْنَتْ بها.
"بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها"؛ أي: بكلمة التوحيد، وهو قول: لا إله إلا الله.
"أعينٌ عُمي" بضم العين: جمع أعمى.
"وآذان صُمٌّ": جمع أصم.
"وقلوب غُلْفٌ": جمع أَغْلَف، وهو الذي لا يفهم كأنَّ قلبه في غلاف، وهذا إشارة إلى المذكور في قوله تعالى:{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] يعني: أنه عليه السلام يدعوهم إلى الإيمان والطاعة ويحملهم عليه.
"ورواه عطاء": وهو عطاء بن يسار.
"عن ابن سلام"؛ يعني: عبد الله بن سلام.
مِنَ الحِسَان:
4475 -
عَنْ خَبَّابِ بن الأَرَتِّ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلَاةً
فأَطَالَها، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! صَلَّيْتَ صَلَاةً لم تكُنْ تُصلِّيْها! قال: "أجَلْ، إنَّها صلاةُ رَغْبةٍ ورَهْبةٍ، إِنِّي سَألتُ الله فِيها ثلاثاً فأعطانِي اثنتَيْنِ ومَنعنِي واحِدَةً: سَألتُهُ أَنْ لا يُهلِكَ أُمَّتي بسَنَةٍ فأعطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُسلِّطَ علَيهِم عَدُوًّا مِنْ غيْرهِم فأعطانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُذيقَ بَعضَهُم بأسَ بعضٍ فمنعَنِيها".
"من الحسان":
" عن خَبَّاب بن الأرَت رضي الله عنه قال: صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةً فأطالها، قالوا: يا رسول الله! صلَّيْتَ صلاةً لم تكن تُصلِّيها قال: أجَل"؛ أي: نعم.
"إنها"؛ أي: تلك الصلاة.
"صلاة رَغْبَةٍ"؛ أي: إلى الله.
"ورَهْبةٍ"؛ أي: خوف منه تعالى، وفيه تعليمٌ للأمة إذا ظهر لهم أمر عظيم، وخوف شديد، أو رجاء إلى الله تعالى يلتجئون إلى صلاة رغبة ورهبة؛ ليزول عنهم ذلك بفضله ورحمته ويحصل مطلوبهم.
"إني سألْتُ الله فيها ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألْتُ الله أن لا يُهْلِكَ أمتي بسَنَةٍ فأعطانيها، وسألته أن لا يسلِّط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيْقَ بعضَهُمْ بأسَ بعضٍ فمَنَعَنِيها".
4476 -
عَنْ أَبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله عز وجل أَجَاركم مِنْ ثَلاثِ خِلالٍ: أنْ لا يَدعُوَ عَلَيكُم نبيُّكم فتَهلِكُوا جَمِيْعاً، وأنْ لا يَظهرَ أَهْلُ البَاطِلِ على أَهْلِ الحَقِّ، وأنْ لا تَجتمِعُوا على ضَلَالةٍ".
"عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عز وجل: إن الله أجاركم"؛ أي: أنقذَكُم.
"مِنْ ثلاثِ خِلال"؛ أي: خِصَال؛ تعظيماً لنبيكم وتكريماً لكم.
"أن لا يدعو عليكم نبيُّكم" بسبب كفر بعضكم.
"فتهلِكُوا جميعاً": كما دعا نوح على قومه فقال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] فهلكوا جميعاً، ودعا موسى على قوم فرعون فقال:{رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يونس: 88].
"وأن لا يظهرَ"؛ أي: لا يغلبَ.
"أهلُ الباطل"؛ يعني: أهل الشِّرْك، وإن كثرَتْ أنصاره وأعوانه.
"على أهل الحق"؛ يعني: على أهل الإسلام بحيث يمحقه ويطفئ نوره.
"وأن لا يجتمعوا على ضلال"؛ أي: لا يتفقوا على شيء باطل، وهذا يدل على أن إجماع الأمة حُجَّة.
4477 -
وعَنْ عَوْفِ بن مالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يَجْمَعَ الله تعالى على هذهِ الأمَّةِ سيفَيْنِ: سَيفاً مِنْها وسَيفاً مِنْ عدُوِّها".
"وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يَجْمَعَ الله على هذه الأمة"؛ أي: المسلمة المؤمنة.
"سَيْفَيْنِ: سيفاً منها، وسيفاً مِنْ عدوِّها"؛ يريد: أنَّ السيفين لا يجتمعان فيقع الاستئصال، ولكن إذا جعلوا بأسهم بينهم سَلَّط الله عليهم العدو فيشغلهم به عن أنفسهم ويكفَّ عنهم بأسهم.
4478 -
عَنِ العَبَّاس رضي الله عنه: أَنَّه جَاءَ إِلَى النَّبي صلى الله عليه وسلم فكأنَّهُ سمعَ شَيْئًا، فَقَامَ
النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلى المِنْبَرِ فَقَالَ: "مَنْ أَنَا؟ "، فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ الله، قَالَ:"أَنَا مُحمَّدُ بن عبدِ الله بن عبدِ المُطلِب، إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِم، ثُمَّ جَعَلَهُم فِرقتَيْنِ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِم فِرقةً، ثُمَّ جَعَلَهم قَبَائِلَ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِم قَبيلة، ثُمَّ جَعَلَهُم بُيوْتاً فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ بَيْتاً، فَأَنَا خَيْرُهُم نفْساً وأَنَا خَيْرُهُم بَيتاً".
"عن العباس رضي الله عنه: أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكانه"؛ أي: كأنَّ العباس.
"سمع شيئاً"؛ أي شيئاً يكرهه في حقّ النبي صلى الله عليه وسلم.
"فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر": لوعظ أُمَّتِهِ.
"فقال: من أنا؟ ": استفهام سؤال تقرير، و (أنا) عائد إلى حقيقته وكمالِهِ النبوي.
"فقالوا: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إنَّ الله خلق الخلْقَ فجعلني في خيرهم"، المراد: مِنْ خَيْرِ الخَلْقِ؛ الإنسان.
"ثم جعلهم"؛ أي: صيَّر خيرهم.
"فرقتين"؛ يعني: العرب والعجم.
"فجعلني في خيرهم فرقة": نصب على التمييز؛ أي: في العرب.
"ثم جعلهم"؛ أي العرب قبائل.
"فجعلني في خيرهم قبيلة"؛ أي: في قريش.
"ثم جعلهم"؛ أي تلك القبيلة.
"بيوتاً"؛ أي بطونا، والبطن: دون القبيلة.
"فجعلني في خيرهم بيتاً"؛ أي: بطناً، وهو قبيلة بني هاشم.
"فأنا خيرهم نَفْساً، وخيرهم بيتاً"، بيِّنَ صلى الله عليه وسلم بعض كمالاته وفضائله تواضعاً منه صلى الله عليه وسلم وتلقيناً لأمته بالتواضع.
4479 -
عَنْ أَبي هُريرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالُوا: يا رَسُولَ الله! متَى وَجَبَتْ لكَ النُّبُوَّةُ؟ قال: "وآدمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسدِ".
"وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم متى وَجَبَتْ"؛ أي: ثَبَتَتَ لك.
"النبوة؟ قال: وآدم": الواو للحال؛ يعني: ثَبَتَتْ نبوتي في حال أنَّ آدمَ "بين الروح والجسد"؛ أي: مطروح على الأرض سورة بلا روح؛ أي: قبل تعلق روحه بجسده.
4480 -
وعَنِ العِربَاضِ بن سَارِيَةَ، عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّه قَالَ:" إنِّي عِنْدَ الله مَكتوب: خَاتَمُ النَّبيينَ، وإنَّ آدمَ لمُنْجَدلٌ في طِينَتهِ، وسَأُخبرُكُم بأوَّلِ أَمْرِي: دَعوةُ إِبراهِيْمَ، وبشَارَةُ عيسَى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتي رَأَتْ حِينَ وضَعَتْني وقدْ خَرجَ لها نُورٌ أضَاءَتْ لَها منهُ قُصُورُ الشَّامِ".
"عن عرباض بن سارية رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني عند الله مكتوب: خاتم النبيين": برفع (خاتم) نائب مناب فاعل (مكتوب)، وفي بعض النسخ بالنصب؛ تمييزاً أي: مكتوب من هذه الحيثية.
"وإن آدم لمُنْجَدلٌ"؛ أي: لملقى على وجه الأرض.
"في طِيْنَتِه"؛ أي: في خلقته، من قولهم: طَانَهُ الله؛ أي: خلقه، والجار
والمجرور خبر ثان لـ (إن)، والجملة حال من (المكتوب)، والمعنى كتبْتُ خاتم الأنبياء في الحال التي آدم مطروح على وجه الأرض صورة من طين لم يُنفخ فيه الروح بعدُ.
"وسأخبرُكم بأوَّل أمري، دعوة إبراهيم": وهي قوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [البقرة: 129] قيل: يريد بالآيات: خبر من مضى، وخبر من بقي إلى يوم القيامة، والضمير في (فيهم) و (منهم) يعود إلى الذرية.
"وبشارة عيسى عليه السلام": وهي قوله: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].
"ورُؤْيا أمِّي التي رأَتْ حين وضَعَتْني، وقد خَرَجَ لها"؛ أي: لأمي، واللام للعلة.
"نوراً أضاءَتْ لها منه"؛ أي: من النور.
"قصور الشام": جمع قصر.
4481 -
عَنْ أَبي سَعِيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيدُ ولَدِ آدمَ يَومَ القِيامَةِ ولا فَخْرَجَ، وبيَدِيْ لِواءُ الحمدِ ولا فخرَ، ومَا منْ نبَيٍّ يومَئذٍ آدمُ فمن سِواهُ إلَّا تحتَ لِوائِي، وأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنشق عنهُ الأَرْضُ ولا فَخْرَ".
"وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا سيد وَلَدِ آدم يوم القيامة ولا فَخْرَ"؛ أي: لا أقوله مفاخرة، بل إظهاراً لنعمة الله تعالى عليَّ، وقيل: أي: لا أفتخر بذلك، بل فخري بربي الذي أعطاني هذه المرتبة.
"وبيدي لِوَاء الحمد": بكسر اللام ويالمد؛ أي: رايته، يريد به: انفراده بالحمد وشهرته على رؤوس الخلائق، والعرب تضع اللواء موضع الشهرة،
ولا مقام أعلى وأرفع من مقام الحمد، ودونه تنتهي سائر مقامات العباد، ولما كان نبينا عليه الصلاة والسلام أحمد الخلائق في الدنيا والآخرة أُعطي لواء الحمد؛ ليأوي إلى لوائه الأولون والآخرون، ويفتح عليه في ذلك اليوم من المحامد ما لم يفتح على أحدِ.
"ولا فَخْرَ، وما مِنْ نبي يومئذ"؛ أي: يوم إذْ تقوم الساعة.
"آدم": عطف بيان لقوله: (نبي) أو بدل.
"فمَنْ سِواه": (من) موصولة، (سواه) صلته، نصب على الظرف، والفاء للعطف على (آدم)؛ أي: وغيره من الأنبياء والمرسلين.
"إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشقُّ عنه الأرض، ولا فَخْرَ".
4482 -
عنْ ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ: جَلسَ نَاس مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فخَرجَ، فسمِعَهُم يَتذاكَرونَ، قَالَ بعضُهُم: إِنَّ الله اتَّخذَ إبْراهِيمَ خَليلاً، وقَالَ آخرُ: مُوسُى كلَّمهُ الله تَكْلِيْما، وقالَ آخرُ: فعيسَى كَلِمةُ الله ورُوحُهُ، وقَالَ آخرُ: آدمُ اصْطَفَاهُ الله، فخَرجَ عَلَيهِم فسَلَّمَ وقَالَ:"قد سَمِعت كَلامَكم وعَجَبَكم أنَّ إِبْراهيمَ خَلِيْلُ الله وهوَ كَذلِكَ، ومُوسَى نَجيُّ الله وهوَ كَذَلكَ، وعِيْسَى رُوْحُهُ وكَلِمتهُ وهوَ كَذلكَ، وآدمُ اصطَفاهُ الله وهُوَ كذلكَ، أَلَا وأَنَا حَبيبُ الله ولا فَخْرَ، وأَنَا حَامِلُ لِواء الحمدِ يَومَ القِيامةِ ولَا فَخْرَ، تحتَهُ آدَمُ فمنْ دُونه ولا فخرَ، وأنا أوَّلُ شَافِعٍ وأوَلُ مُشفَّعٍ يومَ القِيامةِ ولا فَخْرَ، وأَنا أوَّلُ مَنْ يُحرِّكُ حِلَقَ الجنَّةِ فيَفتَحُ الله لِيَ فيُنخِلُنِبْها ومَعِي فُقَراءُ المُؤمِنينَ ولا فَخْرَ، وأَنَا أكْرَمُ الأوَّلينَ والآخِرينَ على الله ولا فَخْرَ".
"عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جَلَسَ ناسٌ مِنْ أصحاب النبي على الله تعالى
عليه وسلم فخرج فسمعهم": نصب على الحال من الضمير في (خرج) العائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، و (قد) مقدرة.
"يتذاكرون": نصب على الحال من الضمير المنصوب في (سمعهم)، يعني: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمعهم متذاكرين في فضائل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
"قال بعضهم: إن الله تعالى اتَّخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: موسى كلَّمه الله تعالى تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله تعالى، فخرج النبي عليهم وسلَّم وقال: قد سمعت كلامَكُم، وعَجَبَكُم أنَّ إبراهيم خليل الله، وهو كذلك": هذا تصديقٌ لكلامهم.
"وموسى نَجيُّ الله، وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته، وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا": كلمة تنبيه؛ أي: تنبَّهوا.
"وأنا حبيب الله، ولا فَخْرَ": والفرق بين الخليل والحبيب: أن الخليل اشتقاقه من الخلَّة وهي الحاجة، فإبراهيم عليه السلام كان كلُّ افتقاره إلى الله تعالى، فمن هذا الوجه اتَّخذه خليلاً، والحبيب اشتقاقه من المحبة، فعيل بمعنى الفاعل والمفعول، فكأنه عليه السلام محبوب ومُحِب، والخليل محبٌّ لحاجته إلى مَنْ يحبه، والحبيب محبٌّ لا لغرض.
وقيل: الخليل يكون فعله برضاء الله تعالى، والحبيب يكون فعل الله تعالى برضاه.
ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد تحويل القبلة فقال الله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144] وقال له: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5].
وقيل: الخليل لا يحب الاستعجال إلى لقاء خليله، كما قيل: إن ملك
الموت لما جاء إلى قَبْضِ روح إبراهيم عليه السلام قال له: هل رأيت خليلاً يقبض روح خليله، فعرج إلى السماء ثم نزل فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول لك: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله.
والحبيب يحبُّ الاستعجال إلى لقاء حبيبه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم إنِّي أسألك النظر إلى جَلال وجهك والشَّوق إلى لقائك".
والخليل يكون في مغفرته في حدِّ الطمع كما قال إبراهيم عليه السلام: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82].
والحبيب مغفرته في حدِّ اليقين من غير سؤال، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 2].
والخليل قال: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [الشعراء: 87]، والحبيب قال الله تعالى له:{يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم: 8].
والخليل قال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99]، والحبيب قال له:{وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7].
والخليل قال: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84]، وقال للحبيب:{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4].
والخليل قال: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} [الشعراء: 85]، والحبيب قال له:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1].
"وأنا حاملٌ لواءَ الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمَنْ دونه، ولا فَخْرَ، وأنا أول شافع وأول مشفَّع": بفتح الفاء المشددة؛ أي: الذي قَبلْتَ شفاعته.
"يوم القيامة، ولا فَخْرَ، وأنا أول مَنْ يحرك حِلَق الجنة": جمع حلقة، وهي هنا: حلقة باب الجنة.
"فيفتح الله تعالى لي فَيُدخِلُنيها، ومعي فقراء المؤمنين، ولا فَخْر"، فيه دليل على فضلهم وكرامتهم عند الله تعالى.
"وأنا أكرم الأوَّلين والآخِرين على الله تعالى، ولا فَخْر"، فيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل من السموات والأرض.
4483 -
عَنْ عَمرِو بن قَيْسٍ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "نَحْنُ الآخِرونَ، ونَحْنُ السَّابقُونَ يومَ القِيامةِ، وإنِّي قَائِلٌ قَوْلاً غيرَ فَخْر: إِبْراهِيمُ خليلُ الله، ومُوسَى صفِيُّ الله، وأَنَا حَبيْبُ الله، ومعِي لِواءُ الحمدِ يومَ القِيامةِ، وإنَّ الله وعَدَنِي في أُمَّتِي وأَجَارَهم مِنْ ثَلاثٍ: لا يَعمُّهم بسَنةٍ، ولَا يَستأصِلُهم عَدُوٌّ، ولا يَجْمعُهُم عَلَى ضَلالَةٍ".
"عن عمرو بن قيس رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نحن الآخرون"؛ أي: في المجيء إلى الدنيا.
"ونحن السابقون يوم القيامة"؛ أي: في دخول الجنة.
"وإني قائل قولاً غَير فَخْر، إبراهيم خليلُ الله، وموسى كليم الله، وآدم صفِيُّ الله"؛ أي: مختاره.
"وأنا حبيب الله، ومعي لِواء الحمد يوم القيامة، وإن الله وعدني في أمتي وأجارَهم"؛ أي: حفظهم وأنقذهم.
"من ثلاث"؛ أي: ثلاث خصال.
"لا يَعُمُّهُمْ بسَنَة"؛ أي: قَحْط.
"ولا يستأصلُهُمْ عدوُّ، ولا يجمعُهُم على ضَلالةٍ".
4484 -
عَنْ جَابرٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَنَا قَائِدُ المُرسَلِينَ ولا فَخْرَ، وأَنَا خَاتَمُ النبيينَ ولا فَخْرَ، وأَنَا أَوَّلُ شَافعٍ ومُشفَّعٍ ولا فَخْرَ".
"عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا قائد المرسلين"؛ أي: مُقَدَّمهم.
"ولا فخر، وأنا خاتم النبيين، ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفَّع، ولا فخر".
4485 -
عَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أَنَا أوَّلُ النَّاسِ خُرُوجاً إذَا بُعِثوا، وأَنَا قائِدُهم إذَا وَفَدُوا، وأَنَا خَطيبُهُم إذَا أنْصَتُوا، وأَنَا مُستَشفِعُهُم إذا حُبسُوا، وأَنا مُبشّرُهم إذَا آيسُوا، الكَرامةُ والمَفَاتيحُ يَومَئِذٍ بيَدِي، ولواءُ الحمْدِ يومَئذٍ بيدي، وأَنَا أكْرمُ ولَدِ آدمَ على ربي، يَطوفُ عَليَّ ألفُ خَادِمٍ كأنهم بَيْض مَكْنونٌ أو لُؤلؤٌ مَنْثورٌ"، غريب.
"عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول الناس خروجاً إذا بُعثوا"؛ أي: نشروا، يعني: أنا مُقَدَّمهم في الخروج عن القبر.
"وأنا قائدهم"؛ أي: متبوعهم.
"إذا وَفَدُوا"؛ أي: جاؤوا على الله تعالى.
"وأنا خطيبهم إذا أَنْصَتُوا"؛ أي: سكتوا متحيرين؛ يعني: يكون في قدرة على الكلام في ذلك اليوم.
"وأنا مُستَشْفَعهم": بفتح الفاء اسم مفعول، من استشفعتُهُ إلى فلان؛ أي: سألته أن يشفع في إليه.
"إذا حُبسُوا"؛ أي: في الموقف، ولم يحاسبوا.
"وأنا مُبشّرُهُم"؛ أي: بالرحمة والرضوان.
"إذا أيسوا الكرامة"؛ أي: قَنطوا من الرحمة.
"والمفاتيح"؛ أي: مفاتيح كلِّ خير.
"يومئذ بيدي": وهذا لأنه يصل أنواع اللُّطف والرَّأفة من الله إلى أهل العَرَصَات من الأنبياء وغيرهم بواسطة شفاعته العامة في المقام المحمود، فكما أنَّ المفاتيح آلة للفَتْحِ، فهو أيضاً سبب لما ينفتح من فضله العميم على عباده.
"ولواء الحمد يومئذٍ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف عليَّ ألف خادم كأنهم بَيْضٌ مَكْنون"؛ أي: لؤلؤ مستور في صدفة لم تمسَّه الأيدي.
"أو لؤلؤ منثوراً" شكٌّ من الراوي.
"غريب".
4486 -
عَنْ أَبي هُريْرَة رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"فأُكسَى حُلَّةً منْ حُلَلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ أقومُ عَنْ يَمينِ العَرْشِ، لَيسَ أَحدٌ مِنَ الخَلائِقِ يَقومُ ذلكَ المَقامَ غَيْري".
"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأكسَى حُلَّة": وهي إزار ورداء.
"من حُلَل الجنة": وفي "الصحاح": لا يسمى حُلَّة حتى يكون ثوبين.
"ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحدٌ من الخلائق يَقُومُ ذلك المقام غيري"؛ يعني: ذلك المقام مختصّ بي.
4487 -
عَنْ أبي هُريْرَة رضي الله عنه عَنْ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "سَلُوا الله لِيَ الوَسيلَة"،
قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! ومَا الوَسيلَةُ؟ قَالَ: "أَعلَى درَجةٍ في الجَنَّةِ، لا ينالُها إِلَاّ رَجُلٌ واحِدٌ، أرجُو أنْ أكُونَ أَنَا هوَ".
"عن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: سلوا الله لي الوسيلة. قالوا: يا رسول الله! وما الوسيلة؟ قال: أعلى درجةٍ في الجنة لا يَنَالُها"؛ أي: تلك الدرجة.
"إلا رجل واحد، أرجو أن أكون أنا هو": لفظ (هو) وقع موقع (إياه)، أو (أنا) مبتدأ و (هو) خبره والجملة خبر (أكون)، وإنما ذكر الكلام مبهما على سبيل التواضع؛ لأنه قد عرف جزماً أن تلك الدرجة له صلى الله عليه وسلم.
4488 -
عَنْ أُبي بن كَعبٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّبيينَ وخَطيبَهُم، وصاحِبَ شفاعَتِهِم غيرَ فَخْرٍ".
"عن أُبَي بن كعب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان يوم القيامة كنْتُ إِمَام النبيين": بكسر الهمزة، والفتح غلط.
"وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، غَيْرَ فَخرٍ": نصب على المصدر نحو: هذا زيد غَيْرَ ما تقول.
4489 -
عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ لِكُلِّ نبيٍّ وُلاةً مِنَ النَّبيينَ، وإنَّ وَليي أَبي خَلِيلُ رَبي"، ثمَّ قَرأَ:{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} .
"عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبي وُلَاةً":
جمع وَليٍّ، وهو بمعنى الحبيب والصديق؛ يعني: أحباء وقرناء.
"من النبيين": وهم أولى بهم من غيرهم، وأقرب إليهم في جميع الأوقات.
"وإنَّ وَليي أبي" وهو إبراهيم "خليل ربي": بالإضافة خبر (إن) بعد خبر.
"ثم قرأ: "{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيّ} ": عطف على (للذين)؛ يعني: محمداً عليه الصلاة والسلام.
4490 -
عَنْ جَابرٍ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إنَّ الله بَعثَنِي لِتَمَامِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وكَمَالِ مَحاسِنِ الأفعْالِ".
"عن جابر رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن الله بعثني"؛ أي: أرسلني.
"لتمامِ مَكَارم الأخلاق": جمع مَكْرُمَة، وهي خصلة مرضية يُكْرَم الشخص بها؛ أي: يستحق أن يكون كريماً.
"وكمال محاسِن الأفعال": جمع حسن على غير قياس؛ يعني: بعثني إلى العالم ليتمَّ بوجودي مكارم أخلاق عباده، ويكمل بي محاسن أفعالهم.
4491 -
عَنْ كَعبٍ رضي الله عنه يَحْكِي عَنِ التَّوْراةِ قَالَ: نَجدُ مَكتوباً: مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله، عَبدِي المُختارُ، لا فظٌّ ولا غَليظٌ، ولا سَخَّابٌ بالأَسْواقِ، ولا يَجزِي بالسَّيئةِ السَّيئةَ، ولكنْ يَعفُو ويَغْفِرُ، مَوْلدُهُ بمكَّةَ، وهِجرتُهُ بطَيْبةَ، ومُلكُهُ بالشَّامِ، وأُمّتُهُ الحمَّادونَ، يَحمَدونَ الله في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، يَحمَدونَ الله في كلِّ مَنْزِلَةٍ، ويُكبرونه على كُلِّ شَرَفٍ، رُعاةٌ للشَّمسِ، يُصَلُّونَ الصَّلاةَ إذا جَاءَ وقتُها، يتأزَّرُونَ على أَنْصافِهِم، ويتوَضَّؤُون على أَطرافِهِم، مُنادِيهِم يُنادِي
في جَوِّ السَّماءِ، صَفُّهُمْ في القِتالِ وصَفُّهم في الصَّلاةِ سَواءٌ لهُم باللَّيلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحلِ.
"عن كعب يحكي عن التوراة قال: نَجدُ مكتوباً: محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظَ ولا غليظ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسَّيئة السَّيئة، ولكن يعفو ويغفر": مرَّ البيان فيه قبل حِسَان هذا الباب.
"مَوْلدُه"؛ أي: موضع ولادته.
"بمكة، وهِجْرته": وهو ترك الوطن والذهاب إلى موضع آخر.
"بطيبة": اسم مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام.
"ومُلْكُه بالشام": يريد بالمُلْك هنا: النبوة والدين؛ يعني: يعمُّ دينه جميع البلدان، لكن أهل الشام ومصر ومُلْكُهما يكون أتبع لدينه من أهل سائر البلاد وسائر الملوك.
"وأمته الحمَّادون"؛ أي: كثير [و] الحمد.
"يحمدون الله في السَّراء والضَّراء يحمدون الله في كلّ منزلة"؛ أي: منزل.
"ويكبرونه على كلِّ شَرَف"؛ أي: مكان مرتفع.
"رُعاة للشمس": جمع الراعي، بمعنى الحافظ؛ أي: حُفَّاظ لأوقات الصلاة، يراقبون طلوع الشمس وغروبها، وينظرون في سيرها ليعرفوا مواقيتها.
"يصلون الصلاة إذا جاء وقتها"، قيل: فيه دليل على أن معرفة النجوم قَدْرَ ما يعرف به أوقات الصلاة مطلوبة.
قال محيي السنة في "التهذيب": معرفة دلائل القِبْلة فرضُ عين يجب على كل بَصيرٍ تعلمها.
"يتأزِّرون على أنصافهم"؛ أي: يشدُّون الأُزُرَ على أوساطهم، وهي من السرَّة إلى تحت الركبة.
"ويتوضؤون على أطرافهم"؛ أي: يجرُّون الماء على أطراف أبدانهم من الوجه واليدين والرأس والرجلين للوضوء.
"مُنَاديهم"؛ أي: مُؤَذِّنهم.
"ينادي في جوِّ السماء"؛ أي: في مواضعَ مرتفعة من منارة ونحوها.
"صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء" في كونه كالبنيان المرصوص.
"لهم بالليل"؛ أي: في جوف الليل.
"دَوِيٌّ"؛ أي: أصوات خفية بالتسبيح والتهليل وقراءة القرآن والذِّكر.
"كَدَوِيِّ النَّحل"؛ أي: كصوتها.
4492 -
عَنْ عَبْدِ الله بن سَلَام رضي الله عنه قَالَ: مَكْتُوبٌ في التَّوراةِ صِفةُ مُحَمَّدٍ وعيسَى بن مريمَ يُدفَنُ مَعَهُ. قِيْلَ: قد بَقِيَ في البَيتِ مَوضعُ قَبْرِه.
"عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: مكتوبٌ في التوراة صفةُ محمد عليه الصلاة والسلام": مبتدأ، وخبره (مكتوب) مُقَدَّم عليه.
"وعيسى بن مريم يُدفَنُ معه"؛ أي: مع محمد صلى الله عليه وسلم؛ يعني: عنده.
"قيل: قد بقي في البيت"؛ أي: البيت الذي دُفِنَ فيه محمد صلى الله عليه وسلم.
"موضع قبره": فلعله يُدْفَنُ فيه عيسى عليه السلام.