الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 - باب في أَخْلاقِهِ وشَمَائِلِهِ صلى الله عليه وسلم
-
" باب في أخلاقه وشمائله صلى الله عليه وسلم ": جمع شِمَال - بالكسر - وهو الخُلُق.
مِنَ الصِّحَاحِ:
4520 -
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: خَدمتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عشرَ سِنينَ فما قَالَ لِي أُفٍّ، ولا: لِمَ صَنَعتَ؟ ولا: ألا صَنَعتَ.
"من الصحاح":
" عن أنس قال: خدمْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين، فما قال لي: أفٍّ": وهو في الأصل: وسخ الأذن والظفر، ويقال لكل ما يتضجر منه ويستثقل: أف له.
"ولا لِمَ صنعْتَ"، (لم): حرف يستفهم به، وأصله (لما) حذفت منه الألف؛ أي: لم يقل عليه الصلاة والسلام لشيء صنعْتُهُ: لِمَ صنعتَه.
"ولا أَلَّا صنعت"(ألا) بفتح الهمزة وتشديد اللام: حرف تحضيض، معناه: لم لا؛ أي: لم يقل لشيء لم أصنعه وكنْتُ مأموراً به: لِمَ لا صنعْتَ، قيل: الحكمة في ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم كان مشغولاً بتحمل الأحوال لا بتغيرها، وهذا مستند أهل الحق في تفويض الأمر إلى الله تعالى، وعدم الاعتراض على الخلق؛ لأن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى.
* * *
4521 -
وقَالَ أَنَسٌ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أَحْسنِ النَّاسِ خُلُقاً، فأرسَلَنِي يوماً لِحاجَةٍ، فقلتُ: والله لا أذهبُ، وفي نفسِي أنْ أذهبَ لِما أمرَنِي بهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فخَرجتُ حتَّى أمُرَّ على صِبيانٍ وهُمْ يَلعبونَ في السُّوقِ، فإذا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قدْ
قَبضَ بِقَفايَ مِنْ ورائِي، قَالَ: فنظرتُ إليهِ وهو يَضحكُ فقال: "يا أُنَيْسُ! ذَهَبْتَ حيثُ أَمَرتُكَ؟ "، قُلتُ: نعمْ، أنا أذهبُ يا رَسُولَ الله!
"وقال: كان صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت"؛ أي: في نفسي: "والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهَبَ لما أمرني به صلى الله عليه وسلم، فخرجْتُ حتى مررْتُ على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض"؛ أي: أخذ.
"بقفايَ": وهو - مقصوراً - مؤخَّر العنق.
"من ورائي"؛ أي: من خلفي.
"قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أُنَيْس": تصغير أنس.
"ذهبْتَ": بحذف همزة الاستفهام؛ أي: أذهبت.
"حيث أمرتُكَ، قلت: نعم": وإنما قال: نعم، ولم يذهب بعدُ بناءً على جزم العزم على الذهاب؛ لأن المأمول كالموجود، ولذا صرَّح بقوله:"أنا أذهبُ يا رسول الله".
* * *
4522 -
وعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنتُ أَمشِي معَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وعليهِ بُرْدٌ نَجْرانِيٌّ غليظُ الحاشِيَةِ، فأدركَهُ أعرابيٌّ فجَبذَهُ بردائِهِ جَبْذَةً شَدِيدةً، رَجَعَ نبيُّ الله في نَحْرِ الأَعْرابيِّ، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عاتِقِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرَتْ بها حَاشِيَةُ البُرْدِ منْ شِدَّةِ جَبْذَتِه، ثُمَّ قَالَ: يا مُحَمَّدُ! مُرْ لي منْ مالِ الله الذي عِندَكَ، فالتفَتَ إليهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُمَّ ضحِكَ، ثمَّ أمرَ لهُ بعَطاءٍ.
"وقال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ"؛ أي: منسوب إلى نجران، بلد باليمن، وقيل: موضع بين الشام والحجاز واليمن.
"غليظُ الحاشية": حاشية كل شيء: طرفه.
"فأدركه"؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم
"أعرابيٌّ فجَبَذَهُ"؛ أي: جرَّ الأعرابيُّ النبي صلى الله عليه وسلم.
"بردائِهِ" الذي عليه "جبذة شديدة"؛ أي: جَرًّا شديداً بحيث "رجع نبي الله صلى الله عليه وسلم في نَحْرِ الأعرابي، حتى نظرْتُ إلى صَفْحَةِ عاتِقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرَتْ بها حاشِيَةُ البُرْدِ من شِدَّة جبذته ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك": قيل: هو الزكاة.
"فالتفَتَ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك، ثم أمر له بعطاءٍ": وفيه إشارة إلى أن مَنْ وَلِيَ على قوم يُسْتَحَبُّ له الاحتمال من أذاهم.
* * *
4523 -
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أَحْسنَ النَّاسِ، وأجودَ النَّاسِ، وأشجَعَ النَّاسِ، ولقد فَزِعَ أهلُ المَدِينةِ ذَاتَ لَيلةٍ، فانطلقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوتِ، فاستقبلَهُم النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قدْ سَبقَ الناسَ إلى الصَّوتِ، وهو يقول:"لَمْ تُراعُوا، لَمْ تُراعُوا"، وهوَ على فرَسٍ لأبي طَلْحةَ عُرْيٍ ما عليهِ سَرجٌ، في عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ:"لقدْ وجدْتُهُ بَحْراً".
"عن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسَنَ الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فَزِع أهل المدينة"؛ أي: استغاثوا.
"ذاتَ ليلة"؛ أي: في ليلة.
"فانطلق"؛ أي: ذهب.
"الناس قِبَل الصَّوت"؛ أي: جانبه.
"فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم، قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: لم تُرَاعُوا،
لم تُرَاعُوا"، (لم) هنا بمعنى (لا)، والعرب تضع (لم) و (لن) بمعنى (لا)، والرَّوع هو الخوف؛ أي: لا فزع ولا روع فاسكنوا، ويروى:(لن تُرَاعوا) خبراً بمعنى النهي.
"وهو"؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم.
"على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ": يقال: فرس عُرْيٍ - بالضم وسكون الراء -: إذا لم يكن عليه سَرْج.
"وقوله: ما عليه سَرج": وقع تأكيداً وبياناً.
"وفي عُنُقِهم سيف فقال: لقد وجدتُهُ بَحْرًا"؛ أي: واسع الجري، يقال للفرس الذي لا ينقطع جريه: بحر؛ تشبيهاً له بالبحر الذي لا ينقطع ماؤه.
وقيل: إنما شبهه بالبحر لأن البحر إذا كانت الريح طيبة يستريح مَنْ يركب فيه، فكذلك الفرس إذا كان جواداً غير شموس، يستريح راكبه ويسيره كما يشاء بلا تعب.
* * *
4524 -
وقَالَ جَابرٌ رضي الله عنه: ما سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم شَيئاً قطُّ فَقَالَ: لا.
"وقال جابر رضي الله عنه: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا"؛ يعني: ما كان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم أن يردَّ السائل، كان يعطى إذا حضر عنده شيء من الأموال، وإلا كان يجيب بنعم.
* * *
4525 -
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أنَّ رَجُلاً سَألَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم غَنَماً بينَ جبلَيْن فأعطَاهُ إيَّاهُ، فأتَى قَوْمَهُ فَقَال: أيْ قومِ! أسْلِمُوا، فَوَالله إنَّ مُحمَّداً ليُعطِي عَطاءً ما يَخافُ الفقرَ.
"عن أنس رضي الله عنه: أن رجلاً سأل النبي عليه الصلاة والسلام غَنَماً"؛ أي: قطيعاً من الشاة.
"بين جبلين": قيل: كان ذلك الغنم أربعين ألفاً.
"فأعطاه إيَّاه، فأتى"؛ أي: الرجل قومَه.
"فقال: أَيْ قَومِ": بكسر الميم، أصله قومي، حذفت الياء اكتفاء بالكسرة، و (أي): لنداء القريب.
"أسلِمُوا، فوالله إنَّ محمداً ليعطي عطاءً ما يخاف الفقر": والجملة صفة (عطاء).
* * *
4526 -
عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ رضي الله عنه: بيْنَمَا هو يَسيرُ معَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَقْفَلَهُ منْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَتِ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حتَّى اضْطَرُّوهُ إلى سَمُرَةٍ فخطِفَتْ رداءَهُ، فوقَفَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال:"أعطُوني رِدَائِي، لوْ كَانَ لي عَددُ هذِه العِضَاهِ نَعَماً لَقسمْتُهُ بينكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونَنِي بَخيلاً ولا كَذوباً ولا جَباناً".
"عن جبير بن مطعم بينما هو يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مَقْفَلَهُ" بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء بعدها: مصدر ميمي، يستعمل في اسم الزمان والمكان، من القُفُول، وهو الرجوع من السفر؛ أي: وقت قُفُوله ورجوعه، أو مكانه.
"من حُنَيْن": موضع بين مكة والطائف.
"فَعَلِقَتِ الأعراب"؛ أي طفقوا.
"يسألونه حتى اضطَرُّوه"؛ أي ألجؤوه.
"إلى سَمُرَة": وهو ضَرْب من شجرة الطَّلح، وهو شجر عظام من شجر العِضَاه.
"فخُطِفَتْ"؛ أي: استَلَبَتِ الشجرة أو الأعراب.
"رداؤه، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال" من غاية لطفه العظيم: "أعطوني ردائي، لو كان بي عددَ": نصب بنزع الخافض؛ أي: كعدد، أو على المصدر؛ أي: بعَدِّ عدد.
"هذه العِضَاه" بكسر العين المهملة والضاد المعجمة والهاء: شجر أم غيلان، وقيل: كلُّ شجر له شوك.
"نعمٌ" اسم (كان) وخبره (لي) مقدَّماً.
"لقسمته بينكم ثم لا تجدوني"؛ أي: لا تعلموني "بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً".
* * *
4527 -
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الغَداةَ جَاءَ خَدمُ المَدِينةِ بآنِيَتِهِمْ فيها المَاءُ، فَمَا يأتُونَ بإناءٍ إلَّا غَمسَ يَدهُ فِيْها، فرُبَّما جَاؤُوهُ في الغَداةِ البَارِدَةِ فيَغمِسُ يَدهُ فيها.
"عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة"؛ أي: الصبح.
"جاء خدم المدينة": جمع خادم؛ أي: خدم أهلها من جاريةٍ وغلام ونحوِ ذلك.
"بآنيتهم": جمع إناء. "فيها الماء، فما يأتون بإناء إلا غمس يده فيها"؛ يعني: كانوا يتبرَّكون بالماء الذي كان يغمس يده صلى الله تعالى عليه وسلم فيه.
"فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها" وفيه دليلٌ على جواز أن يُطلب مثل ذلك مما يُتبرَّك به من العلماء والصُّلحاء.
* * *
4528 -
وقَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه: كانتِ الأمَةُ منْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينةِ لتَأخذُ بيدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فتنطَلِقُ بهِ حيثُ شاءَتْ.
"وقال أنس رضي الله عنه كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به"؛ أي: تذهب به "حيث شاءت" والباء للتعدية، يقال: انطلق به: إذا أذهبه؛ يعني: لو دعاه صلى الله تعالى عليه وسلم عبدٌ أو أمة إلى شغل لأجابه بحيث لو كان يأخذ بيده صلى الله عليه وسلم فيذهب به حيث شاء.
* * *
4529 -
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أنَّ امرَأةً كَانتْ في عَقْلِها شيءٌ، فقَالَت: يا رَسُولَ الله! إنَّ لي إليكَ حَاجَةً، فَقَال:"يا أُمَّ فُلانٍ! انظُري أيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حتَّى أقْضيَ لكِ حاجَتَكِ"، قال: فخَلا مَعَها في بَعْضِ الطُّرُقِ حتَّى فَرغَتْ منْ حَاجتِها.
"وعن أنس رضي الله عنه: أن امرأة كان في عقلها شيء"؛ أي: عقلُها ناقصٌ من جنون أو غيره.
"فقالت: يا رسول الله! إن لي إليك حاجةً، فقال: يا أم فلان! انظري أيَّ السكك شئت": جمع سكة، وهي بمعنى الزقاق.
"حتى أقضي لك حاجتك، فخلا"؛ أي: مضى "معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها".
* * *
4530 -
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: لم يكُنْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فاحِشاً ولا لعَّاناً ولا سَبَّاباً، كانَ يَقُولُ عندَ المَعْتَبَةِ:"ما لَهُ؟ تَرِبَ جَبينُه".
"وعن أنس رضي الله عنه قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً،
كان يقول عند المعتبة"؛ أي: عند العتاب، من عتب: إذا غضب.
"ما له تَرِبَ جبينُه" وفي هذا القول احتمالُ إرادةِ الدعاء له بكثرة السجود لله تعالى.
* * *
4531 -
عَنْ أَبي هُريرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قيلَ: يا رَسُولَ الله! ادْعُ على المُشركينَ، قَالَ:"إنِّي لمْ أُبعثْ لعَّاناً، وإنَّما بُعِثتُ رَحْمةً".
"وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله! ادع على المشركين، قال: إني لم أبعث لعَّاناً"؛ يعني: لو كنتُ أدعو عليهم لبَعُدوا عن رحمة الله، ولصرتُ قاطعاً عن الخير فإني ما بُعثت لهذا.
"وإنما بعثت رحمة"؛ أي: ما بعثت إلا رحمةً للعالمين، أما للمؤمنين فظاهرٌ، وأما للكافرين فلأنَّ العذاب رُفع عنهم في الدنيا بسببه، قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33].
* * *
4532 -
عَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخُدْرِيّ رضي الله عنه قال: كانَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أشدَّ حَياءً مِنَ العَذْراءِ في خِدْرِها، فإذا رَأَى شَيئاً يكرَهُهُ عَرَفْناهُ في وجههِ.
"عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أشدَّ حياءً من العذراء"؛ أي: من البكر.
"في خدرها"؛ أي: في سترها؛ يعني: كان أكثر حياءً من البكر المخدَّرة التي من شأنها الحياء.
"فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه"؛ أي: كراهتَه "في وجهه".
* * *
4533 -
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مُستجْمِعاً قطُّ ضاحِكاً حتَّى أَرى منهُ لهَوَاتِهِ، إنَّما كانَ يَتبسَّمُ.
"وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً"؛ أي: ما رأيته ضاحكاً كلَّ الضحك مقبلاً عليه بكلِّيته.
"حتى أرى منه لهواته": جمع لهاة، وهي ما في أقصى سقف الفم.
"إنما كان يتبسم" دون الضحك.
* * *
4534 -
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لمْ يكُنْ يَسرُدُ الحَدِيثَ كَسْردِكُمْ، كانَ يُحدِّثُ حَدِيثاً لو عَدَّهُ العَادُّ لأَحصَاهُ.
"وقالت: لم يكن يسرد الحديث كسردكم"؛ يعني: ما كان أحاديثه متتابعةً بعضها على إثر بعض كما هو عادتُكم في التحدُّث باستعجال، بل كان يفصِل بين الكلامين حتى لا يشتبه على المستمع بعضُ كلامه ببعض.
"كان يحدِّث حديثاً لو عدَّه العادُّ"؛ أي: لو أراد أن يَعُدَّه بسهولة "لأحصاه"؛ أي: لعدَّه.
* * *
4535 -
وسُئِلَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: ما كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَصنعُ في بيتهِ؟ قَالَت: كانَ يَكُونُ في مَهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعنِي: خِدمَةَ أَهْلهِ - فإذا حَضرتْ الصَّلاةُ خرجَ إلى الصَّلاة.
"وسئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله" بكسر الميم، وقيل: بالفتح.
"تعني خدمة أهله"؛ يعني: كان يشتغل بمصالح أهله وعياله.
"فإذا حضرت الصلاة"؛ أي: جاء وقتها "خرج إلى الصلاة".
* * *
4536 -
وعَنْها قَالَتْ: "ما خُيرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بينَ أمرَيْنِ قطُّ إلَّا أخذَ أيسَرَهُما، ما لمْ يكُنْ إِثْماً، فإنْ كانَ إِثْماً كانَ أبعدَ النَّاس منهُ، وما انتقمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لنفسِهِ في شَيءٍ قَطُّ، إلَّا أنْ تُنْتَهكَ حُرمَةُ الله فيَنتقِمَ لله بها.
"وعنها: قالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإذا كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم"؛ أي: ما كان يعاقب أحداً "لنفسه في شيء قط"، أي: في شيء يتعلق بنفسه.
"إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى" انتهاك الحرمة: تناولُها بما لا يحلُّ، يقال: انتهك محارم الله؛ أي: فعل ما حرَّم الله تعالى عليه.
"فينتقم لله بها".
* * *
4537 -
وقَالَت: ما ضَرَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قطُّ بيدِه، ولا امرأةً، ولا خادِماً، إلَّا أنْ يُجاهِدَ في سَبيل الله، وما نِيلَ منهُ شَيءٌ قطُّ فيَنتقِمَ منْ صَاحِبهِ، إلَّا أنْ يُنتهَكَ شَيءٌ منْ مَحارِمِ الله فيَنتقِمَ لله.
"وقالت: ما ضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى" فإنه صلى الله عليه وسلم قتل أبيَّ بن خلف.
"وما نيل منه"؛ أي: ما أصابه "شيء قط فينتقم من صاحبه"؛ أي: صاحب
ذلك الشيء.
"إلا أن يُنتهك شيءٌ من محارم الله فينتقم لله تعالى".
* * *
مِنَ الحِسَان:
4538 -
عَن أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: خَدمتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وأَنَا ابن ثَمانِ سِنينَ، خَدمتُهُ عشرَ سِنينَ، فما لامَنِي على شيءٍ قطُّ أُتيَ فيهِ على يَديَّ، فإنْ لامَنِي لائمٌ منْ أَهْلِهِ قَالَ:"دَعُوهُ فإنَّهُ لو قُضيَ شيءٌ كَان".
"من الحسان":
" عن أنس رضي الله عنه قال: خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثمانِ سنين، خدمتُه عشر سنين فما لامني"؛ أي: ما يلومني.
"على شيء قط أُتي فيه": صفة لـ (شيء) بمعنى أُهلك وأُتلف، من قولهم: أتى عليهم الدهر؛ أي: أهلكهم وأفناهم والضمير في (فيه) يعود إلى (شيء).
"على يدي" حال أو صفة.
"فإن لامني لائم من أهله قال: دعوه فإنه لو قُضي شيء لكان".
* * *
4539 -
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالتْ: لمْ يكُنْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فاحِشاً ولا مُتفحِّشاً، ولا سخَّاباً في الأَسْواقِ، ولا يَجزِي بالسَّيئةِ السَّيئةَ، ولكن يَعْفُو ويَصفحُ.
"عن عائشة رضي الله تعالى قالت. لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً"؛ أي: ذا فحش.
"ولا متفحشاً"؛ أي: متكلِّفاً ومتعمِّداً في الفحش.
"ولا سخَّاباً"؛ أي: كثير الصياح.
"في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئةَ، ولكن يعفو ويصفح".
* * *
4540 -
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه يُحدِّثُ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ كَانَ يَعُودُ المَرِيضَ، ويتْبعُ الجَنَازَةَ، ويُجيبُ دَعوةَ المَمْلُوكِ، ويَركَبُ الحِمَارَ، لقدْ رأيتُهُ يومَ خَيْبَرَ على حِمارٍ خِطامُه لِيفٌ.
"عن أنس رضي الله تعالى عنه: كان يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعود المريض ويتبع الجنازة ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار، ولقد رأيته يوم خيبر" موضعٌ بالحجاز.
"على حمار خطامُه"؛ أي: زمامه "ليف" بكسر اللام؛ أي: خُوص النخل، وفيه دليلٌ على أن ركوب الحمار سنَّة.
* * *
4541 -
وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَت: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَخْصِفُ نَعلَهُ، ويَخِيطُ ثوبَهُ، ويَعمَلُ في بيتِه كَمَا يَعْمَلُ أحدُكُمْ في بيتِهِ.
"عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصف نعله"؛ أي: يَرْقَعُه.
"ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته".
* * *
4542 -
وقَالَتْ: كَانَ بَشَراً منَ البشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، ويَحلُبُ شَاتَهُ، ويَخدُمُ نفسَهُ.
"وقالت: كان صلى الله عليه وسلم بشراً"؛ أي: النبيُّ صلى الله عليه وسلم خَلْقاً "من البشر" تريد: أنه واحد من أولاد آدم من حيث الظاهرُ، قال الله تبارك وتعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110].
"يفلي ثوبه"؛ أي: يلقط القمل من ثوبه ويطلبه.
"ويحلب شاته، ويخدم نفسه".
* * *
4543 -
وقِيْلَ لِزَيدِ بن ثَابتٍ رضي الله عنه: حدِّثْنا أَحَاديثَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: كُنْتُ جَارَهُ، فكَانَ إذا نزلَ عَلَيهِ الوَحْيُ بعثَ إليَّ فكتَبْتُهُ لَهُ، وكانَ إذا ذَكَرْنا الدُّنْيا ذَكرَها مَعنا، وإذا ذَكَرْنا الآخِرَةَ ذَكَرَها معَنا، وإذا ذكَرْنا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ معَنا، فكُلُّ هذا أُحدِّثُكُمْ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
"وقيل لزيد بن ثابت: حدَّثنا أحاديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كنت جاره" الجار هو الذي يجاورك.
"فكان إذا نزل عليه الوحي بعث"؛ أي: أرسل "إلي فكتبته له"؛ أي: الوحي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
"فكان إذ ذكرنا الدنيا"؛ أي: شرعنا في ذكرها، "ذكرها معنا"، أي: يوافقنا في ذكرها.
"وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكلُّ هذا" إشارة إلى ما ذكر قبل.
"أحدِّثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
* * *
4544 -
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا صَافحَ الرَّجُلَ لَمْ يَنزِعْ يَدَهُ
مِنْ يدِهِ حتَّى يَكُونَ هوَ الَّذِي يَنزِعُ يَدَهُ، ولا يَصرِفُ وجهَهُ عنْ وجهِهِ حتَّى يكونَ هوَ الذِي يَصرِفُ وجهَهُ عنْ وجهِهِ، ولمْ يُرَ مُقدِّماً رُكبتَيْهِ بينَ يَدَيْ جَليسٍ لهُ.
"عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صافح الرجل" المصافحة: الأخذ باليد.
"لم يَنِزْعْ"؛ أي: لم يجر (1).
"يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه، ولم يُر مقدِّماً ركبتيه" قيل: كأنهما عبارتان عن رجليه، وتقديمهما عبارةٌ عن مدِّهما؛ أي: لم يكن صلى الله عليه وسلم يمدُّ رجليه "بين يدي جليس له" وقيل: معناه: لم يكن مقدِّماً ركبتيه في الجلوس على رُكَب جلسائه، بل يجلس مستوياً في الصف معهم.
وقيل: معناه: لم يرفع ركبتيه عند من يجالسه بل يخفضهما تعظيماً لجليسه، وذلك لفرط أدبه صلى الله عليه وسلم.
* * *
4545 -
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يَدَّخِرُ شيئاً لِغدٍ.
"وقال: كان لا يدخر شيئاً"؛ أي: لا يبقي شيئاً لغدٍ توكُّلاً على الله تعالى واعتماداً على خزائنه.
* * *
4546 -
عَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم طَويلَ الصَّمْتِ.
"عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم طويل الصمت"؛ أي: كثير السكوت لا يتكلم إلا لحاجة.
* * *
(1) كذا في "ت"، وفي "غ":"يجز"، ولعل المراد:"يخلص" أو "يفك". انظر: "مرقاة المفاتيح"(10/ 492).
4547 -
وعَنْ جَاِبرٍ رضي الله عنه قَالَ: كانَ في كَلامِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَرْتيلٌ وتَرْسِيلٌ.
"وعن جابر رضي الله عنه قال: كان في كلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ترتيل وترسيل" وهما بمعنًى، وهو التبيينُ والإيضاح في الحروف.
* * *
4548 -
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَت: مَا كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا، ولكنَّهُ كانَ يتكلَّمُ بكَلامٍ بَيْنَهُ فَصْلٌ، يَحفظُهُ مَنْ جَلَسَ إليهِ.
"عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسرد سردَكم هذا، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بكلامٍ بينه فصلٌ"؛ أي: كان مفصَّلاً بعضه عن بعض.
"يحفظه من جلس إليه".
* * *
4549 -
وعَنْ عَبدِ الله بن الحَارِثِ بن جَزْءٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَكْثرَ تبسُّماً مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
"عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء" - بفتح الجيم وسكون (1) الزاي المعجمة - "قال: ما رأيت أحداً أكثر تبسُّماً من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم".
* * *
4550 -
عَنْ عبدِ الله بن سَلامٍ رضي الله عنه قَالَ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا جلَسَ يتحدَّثُ، يُكثِرُ أنْ يرفعَ طَرْفَهُ إلى السَّماءِ.
"عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يتحدث يُكثر أن يرفع طرفه إلى السماء"؛ أي: يكثر النظر إلى السماء حالة التكلم ترقُّباً لهبوط جبرائيل عليه السلام بالوحي.
* * *
(1) في "ت" و"غ": "وتشديد"، والصواب المثبت.