الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الناعوس في البحر: ما سكن فيه الأمواج، وهو الوسط؛ أي: انتهى معاني كلماتك هذه إلى سويداء قلبي، وقيل: معناه: بلغنا في سماع كلامك هذا لجةَ بحرٍ لا يتناهى قعره في الفصاحة والبلاغة وكثرة المعاني.
قيل: وقع الرواية في كتاب "المصابيح": (بلغنا) وهو غير مستقيم من طريق المعنى، والصواب:(بلغن) وكذا (ناعوس البحر) خطأ لم يسمع في لغة العرب، والصواب:(قاموس البحر)؛ أي: وسطه ومعظمه.
"هات"؛ أي: أعطني "يدك أبايعك" بالجزم جواب الأمر.
"على الإسلام، قال: فبايعه" انظر إلى كمال حكمة النبي صلى الله عليه وسلم كيف داوى ضماداً وشفاه من جنون الجهالات.
* * *
فصل في المِعْرَاجِ
(باب في المِعْراجِ)
وهو الدرجة، مفعال من العروج، وجميع أحاديث هذا الباب من "الصحاح" فلذا لم يتعرض لذكره.
مِنَ الصِّحَاحِ:
4577 -
عَنْ قتادَةَ رضي الله عنه، عَنْ أَنسَ بن مالِكٍ صلى الله عليه وسلم، عَنْ مالِكِ بن صَعْصَعَة رضي الله عنه: أَنَّ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم حدَّثَهُم عَنْ لَيْلَةِ أُسرِيَ بهِ: "بَيْنَما أَنَا في الحَطِيمِ - وربَّما قَالَ: في الحِجْرِ - مُضطَجعاً، إذْ أتانِي آتٍ فشقَّ ما بينَ هذِه إلى هذِه - يَعني: منْ ثُغْرةِ نَحْرِهِ إلى شِعْرتِهِ - فاستخرجَ قَلبي، ثُمَّ أُتيتُ بطَسْتٍ منْ ذَهبٍ مملوءٍ إِيْماناً، فغُسِلَ
قَلبي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعيدَ - وفي روايةٍ: ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ بماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ إِيْمَاناً وحِكْمةً - ثُمَّ أُتيتُ بِدابَّةٍ دُونَ البَغلِ وفوقَ الحِمارِ أبيضَ، يَضَعُ خَطْوَهُ عندَ أقصَى طَرْفِهِ، فحُمِلتُ عليهِ، فانطلقَ بي جِبريلُ، حتَّى أتَى السَّماءَ الدُّنيا، فاسْتفتَحَ، قيلَ: مَنْ هذا؟ قالَ: جِبريلُ، قيل: ومَن معكَ؟ قال: محمّدٌ، قيلَ: وقدْ أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرحباً بهِ فنِعْمَ المجيءُ جاءَ، ففتَحَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذا فيها آدمُ صَلَواتُ الله عليهِ، فَقَالَ: هذا أَبوكَ آدمُ فسَلِّمْ عليهِ، فسلَّمتُ عليهِ، فردَّ السَّلامَ ثُمَّ قَالَ: مَرحباً بالابن الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ الثَّانيةَ، فاسْتَفتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذا؟ قَال: جِبريلُ، قِيلَ: ومَنْ معكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وقَدْ أُرسِلَ إليه؟ قَالَ: نَعمْ، قِيلَ: مَرحباً بهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، ففتَحَ، فلمَّا خَلَصْتُ إذا يَحيَى وعيسَى صلواتُ الله عليهما، وهُمَا ابنا خَالَةٍ، قَالَ: هذا يَحيَى وعيسَى فسلِّمْ عليهما، فسَلَّمتُ، فردَّا ثُمَّ قالا: مَرحباً بالأخِ الصَّالح والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءَ الثَّالثةِ، فاسْتفتَحَ، قِيْلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيْلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيْلَ: وقدْ أُرسِلَ إِليهِ؟ قَالَ: نعَمْ، قِيلَ: مَرحَباً بهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، ففُتِحَ، فلمَّا خَلَصْتُ إذا يُوسُفُ، قَالَ: هذا يُوسُفُ فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّ ثُمَّ قَالَ: مَرحَباً بالأخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ الرَّابعةَ، فاسْتَفتَحَ، قِيْل: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبريلُ، قِيْلَ: ومَنْ معكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيْلَ: وقدْ أُرسِلَ إليهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرحَباً بهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، ففُتِحَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذا إدْرِيسُ، قَالَ: هذا إدْرِيسُ فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّ ثُمَّ قَالَ: مَرحَباً بالأخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ الخَامِسَةَ، فاستفتَحَ، قِيْل: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبْريْلُ، قِيْل: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيْلَ: وقدْ أُرسِلَ إليهِ؟ قَالَ: نعَمْ، قِيْلَ: مَرحَباً بهِ فنِعْمَ المَجيءُ جَاءَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذَا هَارونُ، قَالَ: هذا هَارونُ فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّ ثُمَّ
قَال: مَرحَباً بالأخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ السَّادِسةَ، فاستفتَح، قيل: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبريلُ، قِيلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ؟ قِيْل: وقَدْ أُرسِلَ إليهِ؟ قَالَ: نَعمْ، قِيلَ: مَرحَباً بهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فإذا مُوسَى، قال: هذا مُوسَى فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّ ثُمَّ قَالَ: مَرحَباً بالأخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، فلمَّا تَجَاوَزْتُ بكَى، قِيلَ لَهُ: ما يُبكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لأنَّ غُلاماً بُعِثَ بعدِي يَدخُلُ الجَنَّةَ منْ أُمَّتِه أكَثَرُ مِمَّنْ يَدخُلُها منْ أُمَّتي، ثمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءَ السَّابعةِ، فاستفتَحَ جِبريلُ، قِيلَ. مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبريلُ، قِيْلَ: ومَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحمَّدٌ، قِيْل: وقدْ بُعِثَ إِليْهِ؟ قَالَ: نَعمْ، قِيلَ: مَرحَباً بهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذَا إِبْراهيمُ، قَالَ: هَذا أَبُوكَ فسَلِّمْ عليهِ، فسَلَّمْتُ عليهِ، فردَّ السَّلامَ ثُمَّ قَالَ: مَرحباً بِالابن الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ رُفِعَتُ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، فإذَا نبَقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، وإِذَا وَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَة، قَالَ: هذه سِدْرَةُ المُنْتَهَى، فإذا أَرْبَعةُ أَنْهارٍ: نَهرانِ باطِنان، ونَهرانِ ظاهرانِ، قُلتُ: ما هذانِ يا جِبْريلُ؟ قَالَ: أمَّا البَاطِنانِ فَنهرانِ في الجَنَّةِ، وأمَّا الظّاهِرَانِ فَالنِّيلُ والفُراتُ، ثُمَّ رُفِعَ لي البَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ أُتيتُ بإناءٍ منْ خَمْرٍ وإناءٍ مِنْ لَبن وإناءٍ منْ عَسَلٍ، فأخذتُ اللَّبن، فَقَالَ: هِيَ الفِطرةُ التي أنتَ عليها وأُمَّتُكَ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَليَّ الصَّلاةُ خَمسينَ صَلاةً كُلَّ يومٍ، فرَجَعْتُ فمَررْتُ عَلَى مُوسَى فَقَال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بخَمسينَ صَلاةً كُلَّ يَومٍ، قَالَ: إنَّ أمَّتَكَ لا تَستطيعُ خَمسينَ صَلاةً في كُلِّ يومٍ، وإنِّي والله قدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وعَالَجْتُ بني إِسْرائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فارجِعْ إلى ربك فسَلْهُ التخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فرجَعْتُ، فوضَعَ عنِّي عَشْراً، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَال مِثْلَهُ، فرجَعْتُ فوضَعَ عنِّي عَشْراً، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فرَجَعْتُ فوضَعَ عنِّي عَشْراً، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعتُ فأُمِرْتُ بعَشْرِ صَلواتٍ كُلَّ يَومٍ، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ فأُمِرْتُ بخَمسِ صلواتٍ
كُلَّ يومٍ، فرجَعتُ إلى مُوسَى فقال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قلت: أُمِرْتُ بخَمسِ صَلواتٍ كُلَّ يَومٍ، قال: إنَّ أُمَّتَكَ لا تَستطيعُ خَمسَ صَلواتٍ كُلَّ يومٍ، وإنِّي قدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وعَالَجْتُ بني إِسْرائيلَ أشَدَّ المُعَالجَةِ، فارجِعْ إلى ربكَ فسَلْهُ التخْفِيفَ لأُمَّتِكَ"، قَالَ: "سَأَلْتُ ربي حتَّى استَحْيَيْتُ ولكنِّي أرْضَى وأُسلِّمُ" قال: "فلمَّا جاوَزْتُ نادَى مُنادٍ: أمضَيْتُ فَريضَتِي، وخفَّفْتُ عن عِبادِي".
"عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة: أن نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم حدَّثهم عن ليلة أسري به: بينما أنا نائم في الحطيم - وربما قال: في الحجر - " بكسر الحاء "مضطجعاً" والترديد من الراوي، اشتبه عليه أنه سمع (في الحطيم)، أو (الحجر)، وكثير من علماء العربية يرون (الحجر) و (الحطيم) شيئاً واحداً، ويقولون: سمي حجراً لما حُجر عليه بحيطانه، وسمي حطيماً لأنه حُطم جداره؛ أي: كسر عن مساواة جدار الكعبة.
وقال بعضهم: هو غيره.
فقال مالك: (الحطيم) ما بين المقام إلى الباب.
وقال ابن جريج: هو ما بين الركن والمقام وزمزم، و (الحجر) حيث ينحطم الناس للدعاء؟ أي: ينكسر. وقيل: ما بين الركن الأسود إلى الباب.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: (الحطيم) جدار الكعبة، و (الحجر) ما أحاط به (الحطيم) مما يلي الميزاب من الكعبة.
"إذ أتاني آت" يريد به جبريل عليه السلام.
"فشق ما بين هذه إلى هذه، يعني من ثغرة نحره"؟ أي: من نقرة نحره "إلى شعرته" بكسر الشين؛ أي: إلى عانته، والشعرة: منبت شعر العانة.
"فاستخرج قلبي" قيل: هذا الشق غير الشق الذي كان في صغره؛ لأن ذاك كان لأن يخرج من قلبه مادة الهوى، ولأن يصير قلبه مثل قلوب الأنبياء، وهذا
كان لأن يدخل فيه كمال المعرفة والعلم والإيمان، ولأن يصير قلبه مثل قلوب الملائكة.
"ثم أُتيت بطست من ذهب مملوءٍ إيماناً" قيل: لعله من باب التمثيل، أو تَمثَّل له الإيمان بصورة الجسم كما تَمثَّل له أرواح الأنبياء بالصور التي كانوا عليها.
"فغُسل قلبي" وهذا الغَسل كان لتصفيته وتزييد قابليته لمعرفته ما عجز القلوب عن معرفته.
"ثم حُشي" على بناء المجهول؛ أي: مُلئ إيماناً وحكمة بدليل الرواية الأخرى.
"ثم أعيد" إلى مكانه.
"وفي رواية: ثم غُسل البطن بماء زمزم، ثم مُلئ إيماناً وحكمة".
"ثم أتيت بدابة" هي البراق.
"دون البغل وفوق الحمار، أبيض، يضع خطوه عند أقصى طَرْفه"؟ أي: عند غاية مدِّ بصره.
"فحُملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح"؟ أي: طلب فتح بابها.
"قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد" وفيه إشارة إلى أنه إنما استفتح لكون إنسان معه، ولو انفرد لما طلب الفتح، وإلى أن السماء محروسةٌ لا يقدر أحد أن يمر عليها أو يدخلها إلا بإذن الحارسين.
"قيل: وقد أرسل إليه؟ "؟ أي: هل أرسل الله إلى محمد للعروج رسولاً؟.
"قال: نعم، قيل: مرحباً به"؟ أي: لقي رحبةً وسعة.
"فنعم المجيء جاء" وفيه تقديم وتأخير، والمخصوص بالمدح محذوف فيه، تقديره: جاء فنعم المجيءُ مجيئُه.
"ففتح"؛ أي: باب السماء الدنيا.
"فلما خلصت"؛ أي: وصلت إلى السماء الدنيا.
"فإذا فيها آدم عليه الصلاة والسلام"، (إذا) للمفاجأة.
"فقال"؛ أي: جبريل: "هذا أبوك آدم فسلَّم عليه، فسلَّمت عليه فردَّ السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح" قيل: إنما أُمر بالتسليم على الأنبياء وإن كان أفضل منهم؛ لأنه كان عابراً عليهم، وكان في حكم القائم وهم في حكم القعود، والقائم يسلِّم على القاعد.
"ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة"؛ يعني: كل منهما ابن خالة الآخر؛ لأن عيسى بن مريم بنت عمران، ويحيى بن إيشاع بنت عمران.
"قال: هذا يحيى وعيسى فسلِّم عليهما، فسلمت فردَّا، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففُتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلِّم عليه، فسلَّمت عليه فردَّ ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا إدريس قال: هذا أدريس فسلِّم عليه، فسلَّمت عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح
والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا هارون قال: هذا هارون فسلِّم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى قال: هذا موسى فسلِّم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت"؟ أي: عن موسى.
"بكى قيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي" إنما بكى عليه السلام إشفاقاً على أمته حيث قصر عددهم عن عدد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا حسداً عليه؛ لأن ذلك لا يليق بصفات الأنبياء.
وأما قوله: (أن غلاماً بعث بعدي) فلم يكن على سبيل الإزراء، بل على معنى تعظيم منة الله على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك بلا طول عمرٍ في عبادته.
"ثم صعد إلى السماء السابعة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصتُ فإذا إبراهيم عليه السلام، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلِّم عليه، فسلَّمت عليه فردَّ السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح".
قيل: المرئيُّ كان أرواح الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - متشكِّلة بصورهم التي كانوا عليها إلا عيسى بن مريم فإنه مرئيٌّ بشخصه، ورؤيتهم على
الترتيب المذكور تدل على تفاوت منازلهم وعروجهم، وعبورُه صلى الله عليه وسلم عن جميعهم يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أعلى منهم درجةً ورتبةً وعروجاً.
"ثم رفعت لي"؛ أي: جُعلت قريبة "سدرة المنتهى" وهي شجرة في أقصى الجنة ينتهي إليها أعمال العباد، أو ينتهي إليها علم الملائكة والرسل.
"فإذا نبَقُها" بكسر الباء الموحدة؛ أي: ثمرتها.
"مثل قلال هجر": جمع قلة، وهي جرَّة عظيمة، و (هَجَر) بالفتحات: قرية قريبة من مكة كانت يُعمل فيها القِلَالُ مثلُ الحِبَاب.
"وإذا ورقها مثل آذان الفيلة" بكسر الفاء وفتح الياء: جمع الفيل، كقِرَدة جمع قردٍ.
"قال"؛ أي: جبريل عليه السلام: "هذا سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهارٍ: نهران باطنان ونهران ظاهران، قلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة" يقال لأحدهما: كوثر وللآخر: نهر الرحمة، وإنما قال: باطنان، لخفاء أمرهما فلا تهتدي العقول إلى وصفهما، أو لأنهما مَخفيَّان عن أبصار الناظرين فلا يُريان حتى يَصُبَّا في الجنة.
"وأما الظاهران فالنيل والفرات" والأوجه أنهما النهران المسميان على ما عرفنا بأعيانهما، وتكون مادتهما مما يخرج من أصل السدرة.
ويحتمل أن تكون تسميتهما بهذين الاسمين من باب الاستعارة، بأن شبَّههما بنهري الجنة في الهضم والعذوبة، أو من باب تَوافُق الأسماء بأن يكون اسما نهري الجنة موافقتين لاسمي نهر الدنيا.
"ثم رفع لي البيت المعمور" قيل: هو بيتٌ في السماء السابعة حيال الكعبة، حرمتُه في السماء كحرمة الكعبة في الأرض، ويقال لهذا البيت أيضاً: صراخ.
"ثم أُتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك" وهي الاستعداد لقبول السعادات الأبدية: أولُها الانقياد للشرع، وآخِرها الوصولُ إلى الله تعالى.
"ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم" قيل: كانت كلُّ صلاة منها ركعتين.
"فرجعت فمررت على موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أُمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال"؛ أي: موسى: "إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كلَّ يوم وإني والله قد جرَّبت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة"؛ أي: مارستُهم ولقيت الشدة فيما أردت منهم من الطاعة.
"فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشراً" قيل: إنما جاز مراجعته صلى الله عليه وسلم؛ لأن الخمسين لم تكن واجباً قطعاً، وإلا لما جاز المراجعة، وقيل: فرضت ثم نسخت بخمس، وفيه دليلٌ على أنه يجوز النسخ قبل وقوعه.
"فرجعت إلى موسى فقال مثله"؛ أي: مثل ما قال أولاً، وهو:(عالجت بني إسرائيل فارجع إلى ربك فسله التخفيف).
"فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كلَّ يوم وليلة، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأُمرت بخمس صلوات كل يوم وليلة، فرجعت إلى موسى فقال: بم أُمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كلَّ يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت" فلا أرجع، فإن رجعت
كنتُ غير راضٍ ولا مسلِّمٍ.
"ولكني أرضى" بما قضى الله.
"وأسلِّم" أمري وأمرَهم إلى الله.
"قال: فلما جاوزت نادى منادٍ: أمضيتُ"؛ أي: أنفذت "فريضتي وخففت عن عبادي" فهي خمس فرائض في التخفيف وخمسون فريضة في التضعيف؛ لقوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160].
* * *
4578 -
ورَوَى ثَابتٌ عَنْ أنسِ رضي الله عنه: أَنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "أُتيتُ بالبُراقِ، وهوَ دابَّةٌ أبيضُ طويلٌ فَوقَ الحِمارِ ودُونَ البَغْلِ، يَقَعُ حافِرُهُ عندَ مُنْتَهىَ طَرْفِهِ، فركِبْتُهُ حتَّى أتيتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فربَطْتُهُ بالحَلْقَةِ التي يَربطُ بها الأَنبيَاءُ"، قَالَ:"ثُمَّ دخلتُ المَسجِدَ فصلَّيْتُ فيهِ رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فجَاءَنِي جِبريلُ بإناءٍ مِنْ خَمْرٍ وإِناءٍ من لَبن، فاخْتَرتُ اللَّبن، فَقَالَ جِبريْلُ: اختَرْتَ الفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ". وقَالَ في السَّماءِ الثَّالِثَة: "فإذا أَنَا بيُوسُفَ، إذا هوَ قدْ أُعطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ بي ودَعا لي بخَيْرٍ". وقالَ في السَّماءِ السَّابعة: "فإذا أنا بإِبْراهيمَ مُسْنِداً ظَهْرَهُ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وإذا هوَ يَدخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبعونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعودونَ إليهِ، ثمَّ ذَهبَ بى إلى سِدْرَةِ المُنْتهَى، وإِذَا وَرَقُها كآذانِ الفِيَلَةِ، وإذا ثَمَرُها كالقِلالِ، فلمَّا غَشِيَها من أمْرِ الله ما غَشِيَ تَغيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ منْ خَلْقِ الله يَستطيعُ أنْ يَنْعَتَها منْ حُسْنِها، وَأوْحى إليَّ مَا أوْحَى، ففَرضَ عَليَّ خَمسينَ صَلاةً في كُلِّ يَوْمٍ ولَيلةٍ، فنزَلْتُ إلى مُوسَى". وقال: "فلمْ أَزَلْ أرْجِعُ بَيْنَ ربي وبَيْنَ مُوسَى حتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إنَّهُنَّ خَمسُ صَلواتٍ كُلَّ يَوْمٍ وليلةٍ، لكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ، فذلِكَ خَمْسُونَ صَلاةً، ومَنْ هَمَّ بحَسنةٍ فلمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لهُ حَسنةً، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لهُ عَشْراً، ومَنْ هَمَّ بسَيئةٍ
فلمْ يَعْمَلْها لمْ تُكْتَبْ شَيئاً، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ سَيئةً واحِدةً".
"وروى ثابت عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أُتيت بالبراق وهي دابة طويل أبيض فوق الحمار دون البغل يقع حافره عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي كانت تَربط بها الأنبياء"؛ أي: تَربط الأنبياءُ بالحلقة الدابةَ.
"قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء وقال"؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم "في السماء الثالثة: فإذا أنا بيوسف إذ هو قد أُعطي شطر الحسن"؛ أي: نصفه، والمراد هنا البعض مطلقاً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أملح منه.
"فرحب بي"؛ أي: قال: مرحباً.
"ودعا لي بخير، وقال في السماء السابعة: فإذا أنا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو"؛ أي: البيت المعمور "يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال" اختص النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك بالقربات العميمة والكرامات الجسيمة فغشي السدرة من أنواع الألطاف ما لا يقدر على وصفه تشرلفاً لحبيبه.
"فلما غشيها"؛ أي: جاء السدرة "من أمر الله ما غشي تغيرت"؛ أي: السدرة.
"فما أحد من خلق الله يستطيع أنا ينعتها"؛ أي: يصفها "من حسنها، وأوحى إلي ما أوحى، ففَرض عليَّ خمسين صلاة في كلِّ يوم وليلة، فنزلت إلى موسى. وقال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد
إنهن خمس صلوات كلَّ يوم وليلة، لكلِّ صلاة عشرٌ فذلك خمسون صلاة"؛ أي: من حيث الثوابُ والأجر.
"من هَمَّ بحسنة"؛ يعني: من أراد أن يعمل حسنة.
"فلم يعملها، كُتِبت له حسنة، فإن عملها، كُتِبت له عشر"؛ أي: عشر حسنات.
"ومن هم بسيئة"؛ أي: أراد أن يعمل سيئة.
"فلم يعملها، لم يكتب عليه شيء، فإن عملها، كتبت عليه سيئة واحدة": وهذا من جملة إنعامه الكامل على عباده، ونتائج سبقِ رحمتِهِ على غضبه.
* * *
4579 -
عنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنسٍ صلى الله عليه وسلم قَالَ: كَانَ أَبو ذَرٍّ يُحدِّث: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "فُرِجَ عنِّي سَقْفُ بَيتي وأَنَا بمكَّةَ، فنزلَ جِبريْلُ ففَرَجَ صَدرِي، ثُمَّ غَسلَهُ بماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جاءَ بطَسْتٍ منْ ذَهَبٍ مُمتلِئٍ حِكمةً وإِيْمَاناً فأفرَغَهُ في صَدرِي، ثُمَّ أطبَقَهُ، ثُمَّ أخذَ بيدِي فَعَرَجَ بي إلى السَّماءَ، فلمَّا جِئتُ إِلى السَّماءَ الدُّنْيا قَالَ جِبريلُ لخازِنِ السَّماءَ: افْتَحْ، فلمَّا فَتحَ عَلَوْنا السَّماءَ الدُّنْيا، فإذَا رَجُلٌ قاعدٌ، على يَمينِه أَسْوِدَةٌ، وعلى يَسارِهِ أسْوِدَةٌ، إذا نَظَرَ قِبَلَ يَمينِهِ ضَحِكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ شِمالِه بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَباً بالنَّبيِّ الصَّالحِ والابن الصَّالح، قُلْتُ لِجبريلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا آدمُ، وهذِه الأَسْوِدَةُ عنْ يَمينِه وعنْ شِمالِهِ نَسَمُ بنيهِ، فأهْلُ اليَمينِ منهُمْ أهْلُ الجَنَّةِ، والأسْوِدَةُ التي عنْ شِمالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فإذا نَظَرَ عنْ يَمينِه ضَحِكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكَى".
وقال ابن شِهابٍ رضي الله عنه: فأخبرَني ابن حَزْمٍ: أنَّ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه حَيَّةَ
الأنصارِيَّ كانا يَقُولان: قالَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: "ثمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهرْتُ بِمُسْتَوًى أَسْمعُ فيهِ صَريفَ الأقلامِ".
وقالَ ابن حَزْمٍ وأنسٌ: قَالَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: "ففَرَضَ الله على أُمَّتي خَمسينَ صَلاةً، فرجَعْتُ حتَّى مَرَرْتُ على مُوسَى عليه السلام، فَرَاجَعَني، فوَضَعَ شَطْرَها"، وقَالَ في الآخرِ:"فراجَعْتُه، فَقَالَ: هِيَ خَمسٌ، وهي خَمْسُونَ، ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَال: رَاجِعْ ربَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ ربي، ثُمَّ انطلَقَ بي حتَّى انتهىَ بي إِلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وغَشِيَها ألْوانٌ لا أدْرِي ما هِيَ، ثمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فإذا فيها جَنَابذُ الُّلؤْلؤِ، وإذا تُرابُها المِسْكُ".
"عن ابن شهاب، عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فُرِّج": على بناء المجهول؛ أي: شق وكشف.
"عني سقف بيتي وأنا بمكة": قيل: التوفيق بين هذه الرواية، وبين رواية أنس: أنه كان في الحطيم: ما ذكر أصحاب الحديث أنه كان للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم معراجان؛ فرواية أنس في معراجه حالة اليقظة، ورواية أبي ذر في معراجه حالة النوم.
"فنزل جبريل، ففرَّج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيماناً، فأفرغه"؛ أي: صبَّ ما في الطست.
"في صدري، ثم أطبقه"؛ أي: غطاه.
"ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء، فلما جئت إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء: افتح، فلما فتح علونا السماء الدنيا، إذا رجلٌ قاعدٌ على يمينه أسودة": جمع سواد، وهو شخص الإنسان.
"وعلى يساره أسودة، إذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله
بكى، فقال. مرحباً بالنبى الصالح والابن الصالح، فقلت لجبريل: من هذا؟ قال: آدمُ، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بنيه"؛ أي: أرواح أولاده، وقيل: هي الأجسام المصورة في صورة الإنسان.
"فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى.
وقال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم: أن ابن عباس وأبا حيَّةَ الأنصاري كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم عرج بي حتى ظهرت"؛ أي: صعدت وعلوت.
"لمستوَى": بفتح الواو؛ أي: إلى مكان عالٍ، فاللام بمعنى: إلى، كقوله تعالى:{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: 5]، وقيل: المستوى: المستقرُ، وموضع الاستعلاء، واللام للعلة؛ أي: علوت لاستعلاء مستقر.
"أسمع فيه صريفَ الأقلام"؛ أي: صوتها عند الكتابة في جريانها على اللوح، وقيل: المعنى: بلغت في الارتقاء إلى رتبة من العلياء حتى اطلعتُ على تصاريفِ الأحوال وجري المقادير من غير توسط جبريل وغيره من الملائكة عليهم السلام.
"وقال ابن حزم وأنس رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت حتى مررتُ على موسى، فراجعني، فوضع شطرها"؛ أي: ترك نصفها.
"وقال"؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم.
"في الآخر"؛ أي: في العَودِ الأخير.
"فراجعته، فقال"؛ أي: الله تعالى.
"هي خمس"؛ أي: بحسب العدد.
"وهي خمسون"؛ أي: بحسب الثواب.
"ما يُبدَّل"؛ أي: ما يُغيَّر.
"القولُ لديَّ، فرجعت إلى موسى فقال: راجعْ ربك، فقلت: استحييت من ربي، ثم انْطُلِقَ بي حتى انتُهيَ بي": كلاهما على صيغتي المجهول.
"إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جَنابذ اللؤلؤ": بفتح الجيم: جمع (جُنبذة) بالضم، وهي: القبة.
"وإذا ترابها المسك".
* * *
4580 -
عن عبدِ الله رضي الله عنه قَالَ: لمَّا أُسرِيَ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم انتُهِيَ بهِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وهيَ في السَّماءِ السَّادِسَة، إِليها يَنتهِي ما يُعْرَجُ بهِ مِنَ الأَرضِ فيُقبَضُ مِنْها، وإِليها يَنتهي ما يُهْبَطُ بهِ مِنْ فَوقِها فيُقْبَضُ مِنْها، قَالَ:{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} ؛ قَالَ: فَراشٌ منْ ذَهَبٍ، قَالَ: فأُعطِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثَلاثاً: أُعطِيَ الصَّلواتِ الخَمسَ، وأُعطِيَ خَواتيمَ سُورَةِ البقَرَةِ، وغُفِرَ لمنْ لا يُشرِكُ بالله مِنْ أُمَّتِه شَيئاً المُقْحِمَاتُ.
"عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: لما أُسرِي برسول الله صلى الله عليه وسلم انتُهِي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة": قيل: المشهور المروي عن الجمهور: أنها في السابعة، فلعل السادسة وقع غلطاً من بعض الرواة.
"إليها ينتهي ما يُعرَج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبَط به"؛ أي: ينزل.
"من فوقها فيقبض منها، قال: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} ": قيل: يغشاها جمٌّ غفير من الملائكة، روي: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت على كل ورقة ملكاً قائماً يسبح"، وقيل: رفرفٌ من الطير الخضر، وهي أرواح الأنبياء.
"قال"؛ أي: ابن مسعود.
"فَراش من ذهب": وهي - بفتح الفاء -: طير معروف يتهافت في النار، وهذا لا ينافي ذلك؛ لجواز كون هذا أيضاً مما غشيها، وجعلها من الذهب لصفائها وإضاءتها.
ووجه الجمع بين هذا وبين قوله: "وغشيها ألوان لا أدري ما هي": أن الثاني إشارة إلى أنها لا تشبه الأعيان المشهورة المستحضرة في النفوس، فتُنْعَتْ لكم بذكر نظائرها.
"قال: فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً؛ أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة": قيل: معناه: استجيب له عليه السلام مضمون الآيتين الأخيرتين من قوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} [البقرة: 285] إلى آخر السورة.
وعن الحسن وابن سيرين ومجاهد رضي الله عنه: أن الله تعالى تولى إيحاءهما إليه بلا واسطة جبريلَ ليلة المعراج، فهما مكيتان عندهم.
"وغُفِر": على صيغة المجهول.
"لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات (1) ": وهي الذنوب العظام التي تُقحِم أصحابها في النار؛ أي: تلقيهم فيها، وهي الكبائر.
* * *
4581 -
وعن أَبي هُريْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لقدْ رأَيْتُنِي في الحِجْرِ وقريشٌ تَسْألُنِي عنْ مَسْرايَ، فَسَألَتْنِي عنْ أَشْيَاءَ منْ بيتِ المَقْدِسِ لمْ أُثْبتْها، فكُرِبْتُ كَرْباً ما كُرِبْتُ مِثلَهُ، فرفَعَهُ الله لِي أَنظُرُ إليهِ، مَا يَسْألوننِي عَنْ شَيءٍ إِلَاّ أنبأْتُهُمْ، وَلقد رأيْتُنِي في جَماعةٍ مِنَ الأنبياءِ، فإذا مُوسَى قَائِمٌ يُصلِّي، فإذا رَجُلٌ
(1) في "ت" و "غ": "من المقحمات"، والتصويب من "صحيح مسلم"(173).
ضَرْب جَعْدٌ كأنّهُ منْ رِجالِ شَنُوءَةَ، وإذا عيسَى قائِمٌ يُصلِّي، أَقْربُ النَّاسِ بهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بن مَسعودٍ الثَّقَفيُّ، وإذا إِبْرَاهيمُ قائِمٌ يُصلِّي، أشْبَهُ النَّاسِ بهِ صَاحِبُكُمْ - يَعني: نَفْسَهُ - فَحَانَتْ الصَّلاةُ فأَمَمْتُهُمْ، فلمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاةِ قَالَ لِيْ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هذا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فسَلِّمْ عليهِ، فالتَفَتُّ إليهِ، فبَدَأَنِي بالسَّلامِ".
"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأيتني": اللام جواب قسم مقدر.
"في الحجر"؛ أي: حجر الكعبة.
"وقريشٌ تسألني عن مَسْراي" بفتح الميم، مصدر ميمي؛ أي: عن سيري إلى بيت المقدس.
"فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أُثبتها"؛ أي: لم أشاهدها على التعيين.
"فكُرِبت"؛ أي: أصابني كربٌ، وهو الغمُّ.
"كرباً ما كربت مثله، فرفعه الله"؛ أي: رفع الله بيت المقدس.
"لي أنظر إليه"؛ يعني: رفع الحجاب بيني وبينه حتى شاهدته.
"ما يسألونني عن شيء إلا أنبأتهم"؛ أي: أخبرتهما.
"وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائمٌ يصلي، فإذا رجلٌ ضربٌ"؛ أي: خفيف اللحم.
"جعدٌ، كأنه من رجال شنوءة": قبيلة من اليمن.
"وإذا عيسى قائم يصلي، أقربُ الناس به شبهاً عروةُ بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم؛ يعني: نفسه"؛ أي: نفس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، هذا التفسير من الراوي.