الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 - باب المَبْعَثِ وَبدْءِ الوَحْيِ
(باب المبعث)
مِنَ الصِّحَاحِ:
4551 -
عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِأَرْبَعِينَ سَنةً، فمَكثَ بمكَّةَ ثَلاثَ عشْرةَ سَنةً يُوحَى إِليهِ، ثُمَّ أُمِرَ بالهِجرةِ فهَاجَرَ عشْرَ سِنينَ، ومَاتَ وهُوَ ابن ثَلاثٍ وستِّينَ سَنةً.
وهو بمعنى البعث مصدرٌ ميمي من بَعَثَ: إذا أرسل، (وبدء الوحي)؛ أي: ابتداء الرسالة.
"من الصحاح":
" عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة" اللام فيه للتاريخ؛ أي: أُرسل إلى كافة الخلق بعد أربعين سنة.
"فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحَى إليه، ثم أُمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة".
* * *
4552 -
وعَنْ عمَّارِ بن أبي عمَّارٍ، عَنْ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بمكّةَ خَمْسَ عشْرَة سَنةً، يَسمَعُ الصَّوْتَ ويَرَى الضَّوْءَ سَبعَ سنينَ ولا يَرَى شَيْئاً، وثَمَانِي سِنينَ يُوحى إلَيهِ، وأقامَ بالمدِينةِ عَشْراً.
"عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت"؛ أي: صوتَ جبرائيل عليه السلام.
"ويرى الضوء"؛ أي. ضياء الضوء في الليالي المظلمة.
"سبع سنين، ولا يرى شيئاً" سواه من مَلَكٍ وغيره، والسرُّ فيه: أن الملك لا يفارقه ضوءُ الملكية ونورُ الربوبية، فلو رآه ابتداء فربما لم تُطِقْه القوة البشرية الترابية، وعسى أن يحدث من ذلك غشيٌ، فاستؤنس أولاً بالضوء، ثم غشيه الملك بعد ذلك.
ويجوز أن يراد بالضوء: انشراح صدره قبل نزول الوحي، فسمَّى الانشراح ضوءاً، ولما تكمَّل انشراحُ صدره بعد وصول العمر إلى الأربعين استعدَّ أن يكون واسطةً بين الله تبارك وتعالى وبين خلقه.
"وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً".
* * *
4553 -
ويُروَى عَنِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تُوفِّيَ وهوَ ابن خَمْسٍ وسِتِّينَ سَنةً.
"ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين سنة".
* * *
4554 -
ورُوِيَ عَنْ رَبيعَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: تَوفَّاهُ الله على رأسِ سِتِّينَ سَنةً.
"ويروى عن ربيعة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: توفَّاه الله تعالى على رأس ستين سنة".
* * *
4555 -
وعَنِ الزُّبَيْرِ بن عَدِيٍّ رضي الله عنه، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قُبضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وهُوَ ابن ثلاثٍ وسِتِّينَ، وأبو بَكْرٍ وهوَ ابن ثلاثٍ وسِتِّينَ، وعُمَرُ وهوَ ابن ثلاثٍ وسِتِّين وقَالَ مُحَمَّدُ بن إِسْمَاعيل: ثَلاثٍ وسِتِّينَ أكثرُ.
"وعن الزبير بن عديٍّ عن أنس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قُبض
النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين، قال محمد بن إسماعيل" هو البخاري صاحب الصحيح:"ثلاث وستين أكثر"؛ أي: هذه الرواية أكثر وأشهر.
* * *
4556 -
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَوَّلُ ما بُدِئَ بهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم منَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصَّادِقةُ في النَّومِ، فكَانَ لا يَرَى رُؤْيا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثمَّ حُببَ إِليهِ الخَلاءُ، وكان يَخْلو بِغَارِ حِراءٍ فيَتحَنَّثُ فيهِ - وهو التَّعبُّدُ - اللَّياليَ ذَواتِ العَددِ قبلَ أنْ يَنزِعَ إلى أَهْلِهِ ويتزوَّدَ لذلكَ، ثُمَّ يَرجِعُ إلى خَديجةَ فيتَزوِّدُ لِمِثْلِها، حتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وهوَ في غَارِ حِراءٍ، فجَاءَهُ المَلَكُ فَقَال:"اقْرَأْ"، قَالَ:"ما أَنَا بِقارِئٍ"، قَالَ:"فأخذَنِي فغَطَّنِي حتَّى بَلغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَني، فَقَال: اقْرَأْ، فَقُلتُ: مَا أَنَا بِقارِئٍ، فأخذَنِي فغَطَّني الثانيةَ حتَّى بلغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَال: اقْرَأَ، قُلْتُ: ما أَنَا بِقارِئٍ، فأخذَنِي فغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرسَلَنِي فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} "، فرجَعَ بها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤادُهُ، فَدخَلَ على خَديْجَةَ فَقَال:"زَمِّلونِي، زَمِّلوني"، فزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لخَديجةَ رضي الله عنها وأخْبَرَها الخبَرَ:"لقدْ خَشيتُ على نَفْسِي"، فقالتْ خَديجةُ: كلَّا والله لا يُخْزِيكَ الله أبداً، إنّكَ لَتَصِلُ الرَّحمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نوَائبِ الحَقِّ، ثُمَّ انطلقَتْ بهِ خَديجةُ إلى وَرَقَةَ بن نَوْفَلِ، ابن عمِّ خَديجَةَ، فقالتْ لهُ: يا ابن عمِّ! اسمَعْ مِن ابن أخِيْكَ، فقالَ لهُ وَرَقَةُ: يا ابن أخي! ماذا تَرَى؛ فأخبَرَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الَّذي أَنْزلَ الله علَى مُوسَى، يا لَيْتَني فيها جَذَعاً، لَيْتَني أكونُ حيًّا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ "، قَالَ: نعمْ، لمْ يأْتِ
رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ مَا جِئْتَ بهِ إِلَّا عُودِي، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نصْراً مُؤَزَّراً، ثُمَّ لمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوفِّيَ، وفَتَرَ الوَحْيُ حتَّى حَزِنَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم -فيما بلغنَا- حُزناً غَدَا مِنْهُ مِراراً كيْ يَترَدَّى منْ رُؤُوْسِ شَواهِقِ الجِبالِ، فكلَّما أَوْفَى بذِروَةِ جَبَلٍ لِكيْ يُلقِي نفسَهُ منهُ تبَدَّى لهُ جِبريلُ فَقَال:"يَا مُحَمَّدُ! إنَّكَ رَسُولُ الله حَقاً". فيَسكُنُ لذلكَ جأْشُهُ وتقِرُّ نفسُهُ.
"وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أولُ ما بدء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَقِ الصبح"؛ أي: ضوءه.
"ثم حُببَ إليه الخلاء" وهو في الأصل مصدر خلا يخلو، يطلق على الموضع الخالي.
"وكان يخلو بغار حراء" بالكسر والمد: جبل بمكة؛ أي: في كهفه.
"فيتحنَّث فيه، وهو"؛ أي: التحنُّث "التعبد" تفسير من قول عائشة، ويحتمل أن يكون من كلام الزهري؛ أي: يتعبَّد في ذلك الغار، سُمي التعبد تحنُّثاً؛ لأنه يُلقي به الحِنْثَ والذنب عن نفسه، وأصله: التجنُّب عما يوجب الحنث.
"الليالي" نصب على الظرف لـ (يتحنَّث).
"ذوات العدد قبل أن ينزع" متعلق بـ (يتحنّث) يعني: يتعبد فيه أياماً قلائل قبل أن يشتد الشوق "إلى أهله"؛ يعني: لا يترك أهله بالكلية، بل كان يجعل لهم منه حظاً.
"ويتزوَّد لذلك"؛ أي: يأخذ الزاد قَدْرَ تلك الأيام.
"ثم يرجع إلى خديجة" أم فاطمة إذا نَفَدَ زاده.
"فيتزود لمثلها"؛ أي: لمثل تلك الأيام.
"حتى جاءه الحق"؛ أي: الأمر الحق وهو الوحي، أو رسول الحق وهو جبريل عليه السلام.
"وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني"؛ أي: عصرني شديداً "حتى بلغ مني الجُهدُ" بضم الجيم ورفع الدال؛ أي: بلغ مني الطاقة مبلغاً هو غايتها.
ويروى بالفتح والنصب؛ أي: بلغ مني الغاطُّ جهدي وكربي؛ لأن المغطوط في غاية الكرب والجهد، قيل: إنما غطَّه ليختبره هل يقول من تلقاء نفسه شيئاً إذا اضطر أم لا.
"ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ} "؛ أي: جنسَ الإنسان.
{مِنْ عَلَقٍ} : جمع علقة.
{اقْرَأْ وَرَبُّكَ} : مبتدأ خبره: {الْأَكْرَمُ} ومحلُّها حالٌ من ضمير (اقرأ)، و (الأكرم) هو الذي لا يوازيه كريم، ولا يعادله في الكرم نظير.
{الَّذِي عَلَّمَ} ؛ أي: الخطَّ. {بِالْقَلَمِ} ويدخل في هذا كلُّ كتابة، وكلُّ قلم، وأول من خَطَّ بالقلم إدريس عليه الصلاة والسلام.
{عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} والمراد: الجنس؛ أي: علَّمهم ما لم يكونوا عالمين به من الهدى والبيان، وما يأتون ويذرون من مصالحهم وصناعاتهم، أو (الإنسان) آدم علَّمه أسماء كلِّ شيء.
"فرجع بها"؛ أي: بالقراءة، أو الآية، وقيل: بسبب تلك الغطة.
"رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف"؛ أي: يضطرب من الخوف "فؤاده" الرجفة: شدة الحركة.
"فدخل على خديجة فقال: زملوني"، أي: غطُّوني ودثِّروني، قيل: إنما
طلب التزميل؛ أي: التستر بالثوب؛ لأنه أصابه رعدةٌ من رؤية الملك وهيبته وعظمة القرآن، والمرتعدُ إذا زمِّل سكن ما به.
"زملوني" كرره للتأكيد.
"فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع"؛ أي: الفزع.
"فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت" مقولُ (1)(قال)؛ أي: خشيت "على نفسي" أن يكون ذلك نوعُ تخبُّطٍ من الشيطان.
"فقالت خديجة: كلا" للردع؛ أي: امتنعْ عن هذا الكلام؛ يعني: ليس الأمر كما تظن.
"والله لا يُخزيك الله تعالى أبداً، إنك لتصِلُ الرحم وتَصْدُقُ الحديث وتحمِلُ الكَلَّ" بفتح الكاف واللام المشددة؛ أي: المنقطع، تريد: إنك تعينُ الضعيف.
"وتُكْسِبُ المعدوم" يقال: كسب الرجلُ مالاً وأكسبتُه؛ أي: أعَنْتُه على كسبه، أو جعلته يكسبه، فإن كان من الأول فمعناه: إنك تصلُ إلى كلِّ معدوم وتناله، ولا يتعذَّر عليك لبعده. وإن كان من الثاني فمعناه: إنك تعطي الناس الشيء المعدوم عندهم وتُوصله إليهم، وهذا أولى؛ لأنه أشبه بما قبله من باب التفضيل والإنعام، إذ لا إنعام في أن يكسب هو لنفسه مالاً كان معدوماً عنده، وإنما الإنعام أن يُوْليه غيره.
وقيل: المراد بالمعدوم الفقير الذي صار من شدة حاجته وغاية اضطراره كالمعدوم؛ أي: تعطيه.
وفي رواية: "وتكسب المُعْدَمَ"؛ أي: تعطى العائل وتمنحه، قيل: وهو الأصوب؛ لأن المعدوم لا يدخل تحت الاختيار.
(1) في "غ": "مفعول".
وقيل: رواية (المعدوم) صحيحة اتساعاً، مبالغةً في العجز، كقولهم للبخيل أو للجبان: ليس بشيء وإنما ذُكرت لفظة الكسب؛ للاستعارة في زيادة السعي والجد.
"وتقري الضيف"؛ أي: تُحسِن إليه.
"وتعين على نوائب الحق": جمع نائبة، وهي ما ينوب الإنسان؛ أي: ينزل به من المهمات والحوادث؛ أي: تعين الملهوف على ما أصابه من النوائب.
"ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل": كان نصرانيًّا بمكة.
"ابن عم خديجة فقالت له: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي" وهذا ليس على سبيل الحقيقة، بل للتعظيم والتبجيل.
"ماذا ترى؟ فأخبره صلى الله تعالى عليه وسلم خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله تعالى على موسى" قيل: (الناموس): صاحب سرِّ الرجل الذي يُطلعه على باطن أمره ويخصُّه بما يستره عن غيره، والمراد: جبريل عليه الصلاة والسلام؛ لاختصاصه باطِّلاع الوحي والغيب.
"يا ليتني فيها"؛ أي: في النبوة والدعوة.
"جذعاً"؛ أي: شاباً، نصب بإضمار كان؛ أي: يا ليتني كنت شاباً باقياً وقت نبوتك ودعوتك، أو نصبٌ على الحال؛ أي: باقٍ فيها جذعاً، والأصل في الجذع: حديث السن.
"ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أو مخرجيَّ هم؟ " قيل: الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أيكون ما قلتَ وهم مخرجيَّ، قوله:(هم) مبتدأ و (مخرجي) خبره قُدِّمَ عليه.
"قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِي" فعلٌ ماضٍ
مجهولٌ من المعاداة، وفي بعضٍ:(إلا أُوذي).
"وإن يدركني يومك" يريد به: زمان ظهور دعوته، أو زمانَ يعاديه فيه قومه ويريدون فيه إخراجه.
"أنصرك نصراً مؤزراً" بالهمزة المفتوحة والزاء المعجمة المفتوحة قبل الراء المهملة؛ أي: نصراً بالغاً شديداً، من الأزر: القوة.
"ثم لم يَنشَب"؛ أي: لم يلبث.
"ورقة أن توفي"؛ أي: من أن توفي، حُذف عنه حرف الجر؛ يعني: لم يتعلق ورقة بشيء، ولم يشتغل بعدما تكلم بهذا إلا أياماً يسيره ثم قبض روحه.
قيل: هو محكوم عليه بدخول الجنة؛ لأنه كان قائماً على دين عيسى عليه الصلاة والسلام، وآمن بدين نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم، يدل عليه قوله:(أنصرك).
ولمَا روي: أنه صلى الله عليه وسلم رآه بعد وفاته في ثياب بيض، وهو يدل على حسن حاله.
"وفتر الوحي"؛ أي: انقطع مدة.
"حتى حزن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما بلغنا" من الأحاديث الدالة على حزنه، وهذا معترِضٌ بين الفعل ومفعوله المطلق وهو:"حزناً غدا منه"؛ أي: ذهب من فتور الوحي "مراراً" وقيل: (عدا) بالعين المهملة؛ أي: جاوز.
"كي يتردى"؛ أي: يسقط.
"من رؤوس شواهق الجبال": جمع شاهق، وهو الجبل المرتفع.
"فكلما أوفى"؛ أي: أشرف واطلع.
"بذروة جبل" ذروة كل شيء: أعلاه.
"لكي يلقي نفسه منه، تبدى"؛ أي: ظهر.
"له جبريل" عليه الصلاة والسلام.
"فقال: يا محمد! إنك رسول الله حقاً" مصدر مؤكِّدٌ للجملة السابقة، وهي قوله:(إنك رسول الله)، نُصِبَ بفعلٍ مضمر؛ أي: أحق هذا الكلام حقاً.
"فيسكن لذلك جأشه"؛ أي: روع قلبه.
"ويقر" من القرار؛ أي: يطمئن.
"نفسه" ويزول روعه.
* * *
4557 -
عَنْ جَابرٍ رضي الله عنه: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُحدِّثُ عَنْ فَترةِ الوَحْي قَالَ: "فبَيْنا أَنا أمشِي إِذْ سَمِعْتُ صوتاً مِنَ السَّماءِ، فرفعتُ بَصَري، فإِذَا المَلَكُ الَّذي جَاءَنِي بحِراءٍ قاعِدٌ على كُرسِيٍّ بيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجُئِثْتُ منهُ رُعْباً، حتَّى هَوَيْتُ إلى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فقُلتُ: زمِّلوني، زمِّلوني، فزمَّلُوني، فأنزَلَ الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} - إلى قوله -: {فَاهْجُرْ}، ثُمَّ حَمِيَ الوَحْيُ وتَتَابَعَ".
"عن جابر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي قال: فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعدٌ على كرسي بين السماء والأرض، فجُئِثتُ" بهمزة بعد الجيم المضمومة؛ أي: فزعت.
"منه رعباً" نصب على المصدر؛ أي: ممتلئاً رعباً، أَو على الحال؛ أي: مرعوباً كلَّ الرعب.
"حتى هويت"؛ أي: سقطت.
"إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زمِّلوني، زمِّلوني، فزمَّلوني فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} "؛ أي: أَعْلِم الناس بالتخويف من العذاب.
"إلى قوله: {فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] ثم حمي الوحي وتتابع"؛ أي: اشتد نزوله متتابعاً متواتراً.
* * *
4558 -
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أنَّ الحَارِثَ بن هِشامٍ رضي الله عنه سَألَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَال: يا رَسُوْلَ الله! كيفَ يأتِيكَ الوَحْيُ؟ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أحْياناً يأْتِيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهوَ أَشَدُّهُ عَليَّ، فَيُفْصِمُ عنِّي وقدْ وَعَيْتُ عنهُ ما قَالَ، وأحْياناً يَتمثَّلُ لي المَلَكُ رجُلاً فيُكلِّمُني فأعِي ما يقولُ"، قالت عَائِشَةُ رضي الله عنها: ولقدْ رأيتُهُ يَنزِلُ عليهِ الوَحْيُ في اليومِ الشَّديدِ البرْدِ، فيَفْصِمُ عَنهُ وإنَّ جَبينَهُ ليَتَفَصَّدُ عَرَقاً.
"عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ "، (كيف) سؤالٌ عن الحال.
"فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحياناً" جمع (حين)، نصب على الظرفية.
"يأتيني مثل صلصلة الجرس"؛ أي: صوته إذا حرِّك، وهذه الصلصلةُ كانت من ضرب أجنحة الملك الذي كان يهبط إليه.
قال الخطابي: يريد -والله أعلم- أنه صوتٌ متدارِكٌ يسمعه ولا يثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم فيتلقَّفه ويعيه، ولذا قال:
"وهو أَشَدُّه"؛ أي: إتيانه إياي مثلَ صلصلة الجرس أشدُّ نوعي الوحي "عليَّ، فيَفْصِمُ عني"؛ أي: ينقطع الوحي عني "وقد وعيت عنه"؛ أي: حفظت "ما قال".
وإنما حقَّق الوحيَ في هذا النوع بحرف (قد)؛ لبعد الوحي في هذه الحال لصعوبته وعسره فيها.
"وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي"؛ أي: فأحفظ "ما يقول" وإنما لم يقل فيه لفظة (قد)؛ لسهولته ويسره.
قيل: وقد يكون الوحي بالكلام، ولا يتأتى ذلك إلا بواسطة ملك يتمثَّل في صورة بشر كجبريل تمثَّل في صورة دحية الكلبي.
وقد يكون بالرمز والإشارة والكتابة كما قال الله تبارك: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 11]، قيل: معناه: أشار، وقيل: كتب.
وقد يكون بالإلهام كقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7].
وقد يكون بالتسخير كقوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68].
وقد يكون بالرؤيا، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:"انقطع الوحي وبقيت المبشِّرات"؛ أي: رؤيا المؤمن.
والثلاثة الأخيرة لا تختص بالأنبياء، بل قد تكون للأولياء أيضاً.
"قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -: ولقد رأيته ينزل عليه الوحيُ في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه"؛ أي: جبهته.
"ليتفصَّد"؛ أي: ليتصبَّب ويسيل.
"عرقاً" نصبٌ على التمييز.
* * *
4559 -
عَنْ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: كانَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُنزِلَ عَلَيهِ الوَحْيُ كُرِبَ لِذلِكَ وَتَرَبَّدَ وجْهُهُ.
وفي رِوَايةٍ: نَكَسَ رأسَهُ، ونَكَسَ أَصْحَابُهُ رؤسَهُمْ، فلمَّا سُرِّيَ عنهُ رَفَعَ رأسَهُ.
"عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كُرِبَ لذلك"، أي: لنزول الوحي عليه، والكرب: هو الغم الذي يأخذ بالنفس.
"وتربَّد وجهه"؛ أي: تلوَّن وتغيَّر فصار كلون الرماد.
يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يهتمُّ بأمر الوحي اهتماماً شديداً، ويهابُ مما يطالَبُ به من حقوق العبودية والقيام بشكر المنعِم، ويخشى على عصاة الأمة أن ينالهم غضبٌ من الله تعالى، فيأخذه الغمُّ حتى يعلم ما يقضى.
"وفي رواية: نكس رأسه"؛ أي: نظر إلى الأرض كالمتفكِّر تعظيماً للوحي وإجلالاً له.
"ونكس أصحابه رؤوسهم" موافقةً له صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك.
"فلما أُتْلِيَ عنه"؛ أي: قطع عنه "الوحي رفع رأسه".
* * *
4560 -
عَنِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لمَّا نَزلَت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} خَرَجَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حتَّى صَعِدَ الصَّفا، فَجَعَلَ يُنادِي:"يا بني فِهْرٍ! يا بني عَدِيّ! "، لبُطونِ قُريشٍ، حتَّى اجتمعُوا، فجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لمْ يستطِعْ أن يَخرجَ أَرْسَلَ رَسُولاً لِينظُرَ ما هوَ، فجَاءَ أبو لَهَبٍ وقُريشٌ، فقال:"أرأيتُمْ إنْ أخبرتُكُمْ أنَّ خَيْلاً تخرُجُ منْ سَفْحِ هذا الجَبلِ - وفي رِوَايةٍ: أنَّ خَيْلاً تخرجُ بالوادِي تُريدُ أنْ تُغيرَ عليكُم - أكُنتُمْ مُصَدِّقيَّ؟ "، قالوا: نَعَمْ، مَا جرَّبنا عليكَ إلَّا صِدقاً، قَالَ:"فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بيْنَ يَدَيْ عذابٍ شَدِيدٍ"، قَالَ أبو لَهَبٍ: تبًّا لكَ، ألِهذا جَمعْتَنا؟ فنزلَتْ:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} .
"عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]
خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فجعل"؛ أي: طفق "ينادي: يا بني فهرٍ" بكسر الفاء وسكون الهاء: أبو قبيلة من قريش، وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.
"يا بني عدي" وهو عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.
"لبطون قريش": جمع بطن، وهو دون القبيلة.
"حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريشٌ، فقال"؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم:
"أرأيتم"؛ أي: أخبروني.
"إن أخبرتكم"؛ أي: أعلمتكم.
"أن خيلاً"؛ أي: فرساناً.
"تخرج من صفح هذا الجبل"؛ أي: من جانبه وناحيته.
"وفي رواية: أن خيلاً تخرج بالوادي تريد أن تُغِير عليكم أكنتم مصدِّقيَّ؟ "؛ أي: هل أنتم تصدقونني أم لا؟.
"قالوا: نعم ما جرَّبنا عليك إلا صدقاً، قال: فإني نذير"؛ أي: منذر.
"لكم بين يدي"؛ أي: قدام.
"عذاب شديد" إما في الدنيا، أو في الآخرة.
"قال أبو لهب" للنبي صلى الله عليه وسلم:
"تباً لك"؛ أي: خسراناً وهلاكاً لك.
"ألهذا جمعتنا"؛ أي: لأجل هذا دعوتنا، وروي أنه أخذ حجراً ليرميه بها.
"فنزلت: {تَبَّتْ} "؛ أي: خسرت وهلكت.
{يَدَا أَبِي لَهَبٍ} عبَّر باليد عن نفسه مجازاً إطلاقاً للجزء على الكل، أو اليد زائدة.
{وَتَبَّ} تأكيد للأول.
* * *
4561 -
عَنْ عبدِ الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنما رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّي عِندَ الكَعبةِ، وجَمْعُ قُريشٍ في مَجالِسِهِمْ، إذْ قالَ قائِلٌ: أيُّكُمْ يقومُ إِلى جَزورِ آلِ فُلانٍ فيَعْمِدُ إلى فَرْثِها ودَمِها وسَلاها، ثُمَّ يُمْهلُهُ حتَّى إذا سجدَ وضعَهُ بينَ كتِفَيْهِ؟ فانبعَثَ أَشْقَاهُمْ، فلمَّا سَجدَ وَضَعَهُ بينَ كتِفَيْهِ، وثَبَتَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم سَاجِداً، فضَحِكوا حتَّى مَالَ بعضُهم على بَعضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فانطلقَ مُنطلِقٌ إلى فَاطِمةَ رضي الله عنها فأخبَرَهَا، فأقبلَتْ تسعَى، وثَبَتَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم سَاجِداً حتَّى ألقَتْهُ عنهُ، وأقبَلَتْ عَليهِمْ تسُبُّهُمْ، فلمَّا قضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الصَّلاةَ قَالَ:"اللهمَّ! عليكَ بقريشٍ"، ثلاثاً - وكانَ إذا دَعا دَعا ثلاثاً، وإذا سألَ سألَ ثلاثاً - اللهمَّ! عليكَ بعَمرِو بن هِشامٍ، وعُتبةَ بن رَبيعةَ، وشَيْبَةَ بن رَبيعةَ، والوليدِ بن عُتْبةَ، وأُميَّةَ بن خَلَفٍ، وعُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ، وعُمَارةَ بن الوَليدِ"، قَالَ عبدُ الله: فوَالله لَقَدْ رَأيتُهُمْ صَرْعَى يومَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبوا إلى القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وأُتبعَ أَصْحابُ القَلِيبِ لَعنةً".
"عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي عند الكعبة وجمعُ قريش في مجالسهم، إذ قال قائل: أيكم يقوم إلى جزور آل فلانٍ" بفتح الجيم وضم الزاء المعجمة قبل المهملة، وهو من الإبل يقع على الذكر والأنثى.
"فيعمد"؛ أي: يقصد.
"إلى فرثها" وهو السرجين ما دام في الكرش.
"ودمها وسَلَاها" بفتح السين بالقصر، وهو جلدٌ رقيق يكون فيه الولد من المواشي، فإذا انقطع في البطن هلكت الناقة والولد.
"ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم"؛ أي: ذهب أشقى كفار قريش، قيل: هو أبو جهل، وقيل: عقبة بن أبي معيط، جاء بسلا جزور "فلما سجد وضعه بين كتفيه، وثبت النبي عليه الصلاة والسلام ساجداً" وإنما ثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً في الصلاة؛ لأن هذا الصنيع منهم كان قبل تحريم هذه الأشياء من الفرث والدم وذبيحة أهل الشرك، فلم تكن تبطل الصلاة بها.
"فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلقٌ إلى فاطمة فأخبرها، فأقبلت تسعى وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً حتى ألقته عنه وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصلاة قال: اللهم عليك بقريش" الباء زائدة، و (عليك) اسم فعل بمعنى: خذ؛ أي: خذهم مقهورين واستأصِلْهم.
"ثلاثاً، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً: اللهم عليك بعمرو ابن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة ابن أبي معيط وعمارة بن الوليد، قال عبد الله رضي الله عنه: فوالله لقد رأيتهم صرعى": جمع صراع، أو صريع، نصب على الحال من الضمير المنصوب في (رأيتهم).
"يوم بدر ثم سحبوا"؛ أي: جرُّوا.
"إلى القليب" وهو البئر قبل أن تُطْوى.
"قليب بدر، ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وأُتبعَ أصحاب القليب لعنة"؛ يعني: لحقتهم اللعنة.
* * *
4562 -
عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّها قَالَتْ: يا رَسُولَ الله! هلْ أتَى عَلَيكَ يَومٌ كانَ أَشَدَّ مِنْ يومِ أُحُدٍ؟ قَال: "لقدْ لَقيتُ منْ قومِكِ، وكانَ أشدَّ ما لَقيتُ منهُمْ يومَ العَقَبةِ، إِذْ عَرَضْتُ نفسِي على ابن عبدِ يالِيلَ بن عبدِ كُلالٍ فلمْ يُجِبني إلى مَا أردْتُ، فانطلقتُ وأنا مَهمومٌ على وجْهِي، فلمْ أستَفِق إلَّا بقَرْنِ الثَّعالِبِ، فرفعتُ رأسِي فإذا أنا بسَحابَةٍ قدْ أظلَّتْنِي، فنظَرْتُ فإذا فيها جِبريلُ، فنادَانِي فَقَال: إنَّ الله سَمِعَ قولَ قومِكَ وما ردُّوا عليكَ، وقدْ بعثَ إليكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهِمْ"، قَالَ:"فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبالِ وسلَّمَ عليَّ، ثمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّ الله قدْ سَمِعَ قولَ قومِكَ، وأنا مَلَكُ الجِبالِ، وقدْ بَعَثنِي ربُّكَ إليكَ لِتأْمُرَني بأمْرِكَ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبقَ عليهِمُ الأخشَبَيْنِ"، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"بلْ أرجُو أنْ يُخرِجَ الله منْ أصْلابهِمْ مَنْ يعبُدُ الله وحْدَهُ لا يُشرِكُ بهِ شَيئاً".
"عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك" بحذف المفعول؛ أي: ما هو أشد من يوم أحد.
"وكان أشدُّ ما لقيت منهم" بحذف خبر (كان)؛ أي: ما لقيتُ "يومَ العقبة" وهي التي يضاف إليها الجمرة موضعٌ بمكة، وكان صلى الله عليه وسلم وقف يوماً عند العقبة في الموسم يدعو القبائل من العرب إلى الإسلام، فأبوا فاشتد ذلك عليه.
"إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كُلالٍ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم"؛ أي: كأني مَغْشيٌّ عليه.
"على وجهي" متعلق بـ (انطلقت)، وكان ذلك بعد وفاة عمه أبي طالب، وكان أبو طالب ينصره على كفار قريش، فلما مات كان الكفار يؤذونه صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى الطائف يدعو ثقيفاً إلى الله فأبوا ذلك، فلما يئس منهم قدم مكة ووجد الكفار أشدَّ مما كانوا عليه من إيذائه صلى الله عليه وسلم ومخالفته، إلا شرذمة قليلين آمنوا بالله وصدقوه.
فلما أراد الله إظهار دينه ونصرة نبيه ذهب إلى الموسم فأجاب رهط من الخزرج أراد الله بهم الخير بما دعاهم إليه وقبلوا منه الإسلام، ثم رجعوا إلى بلادهم فدعوا قومهم إلى الإسلام، فأجابوهم إليه حتى فشا فيهم الإسلام، حتى إذا كان العام المقبل فوصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلاً منهم بالعقبة، فبايعوه على بيعة النساء، وهو أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا
…
إلخ.
"فلم أستفق"؛ أي: لم يزل عني ذلك الغم والحيرة.
"إلا بقرن الثعالب" جبل بين مكة والطائف، والباء بمعنى (في).
"فرفعت رأسي فإذا أنا"(إذا) للمفاجأة.
"بسحابةٍ قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله سمع قول قومك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك، وأنا ملكُ الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك إن شئت أن أطبق عليهم" من الإطباق، وهو جعل الشيء فوق الشيء محيطاً بجميع جوانبه.
"الأخشبين" قيل: أخشبا مكة جبلان مُطْبقان بمكة، وهما أبو قبيس والأحمر، قيل: تارةً يضافان إلى مكة، ومرة إلى منى، وكلُّ جبل خشنٍ عظيمٍ فهو أخشب.
"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً".
* * *
4563 -
عن أَنَسٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ يومَ أُحُدٍ وشُجَّ في رأسِهِ، فجَعلَ يَسْلُتُ الدمَ عنهُ ويقولُ:"كيفَ يُفلِحُ قومٌ شَجُّوا نبيَّهُمْ وكَسَروا رَباعِيَتَهُ؟! ".
"عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته" بفتح الراء وتخفيف الباء؛ أي: سنُّه التي بين الثنية والناب.
"يوم أحد" جبل بالمدينة.
"وشج في رأسه"؛ أي: كسر رأسه.
"فجعل يَسْلُتُ الدمَ عنه"، أي: يزيله ويمسحه.
"ويقول: كيف يفلح"؛ أي: يظفر ويفوز.
"قوم شجوا رأس نبيهم، وكسروا رباعيته".
* * *
4564 -
وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اشتدَّ غضَبُ الله على قَوْمٍ فعلُوا بنبيهِ - يُشيرُ إلى رَباعِيَتِهِ - اشتَدَّ غضَبُ الله على رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ الله في سَبيلِ الله".
"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه - ويشير إلى رباعيته - اشتد غضب الله على رجل" - وهو أبي بن خلف - "يقتله رسول الله في سبيل الله" وفيه إشعار بأن مَن يقتله من هو رحمةٌ للعالمين لم يكن إلا أشقى الناس.
* * *
مِنَ الحِسَان:
4565 -
عَنْ جَابرٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "أُذِنَ لِيْ أَنْ أُحَدِّثَ عنْ