الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إليه الشحنكية بها وإلى الوزير ابن العلقمي فلم يمهله الله ولا أهمله، بَلْ أَخَذَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْآخِرَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ فِي الْإِنْشَاءِ وَلَدَيْهِ فَضِيلَةٌ فِي الأدب، ولكنه كان شيعياً جلداً رافضياً خبيثاً، فمات جهداً وَغَمًّا وَحُزْنًا وَنَدَمًا، إِلَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَمٍ، فَوَلِيَ بَعْدَهُ الْوِزَارَةَ وَلَدُهُ عِزُّ الدين بن الْفَضْلِ مُحَمَّدٌ، فَأَلْحَقَهُ اللَّهُ بِأَبِيهِ فِي بَقِيَّةِ هَذَا الْعَامِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ وَشَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ وَقُطْبُ الدِّينِ الْيُونِينِيُّ أَنَّهُ أَصَابَ النَّاسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالشَّامِ وَبَاءٌ شَدِيدٌ، وَذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ الْهَوَاءِ وَالْجَوِّ، فَسَدَ مِنْ كَثْرَةِ الْقَتْلَى بِبِلَادِ الْعِرَاقِ وَانْتَشَرَ حَتَّى تَعَدَّى إِلَى بِلَادِ الشَّام فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اقْتَتَلَ الْمِصْرِيُّونَ مَعَ صَاحِبِ الْكَرَكِ الْمَلِكِ المغيث عمر بن العادل الكبير، وكان في حبسه جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْبَحْرِيَّةِ، مِنْهُمْ رُكْنُ الدِّينِ بيبرس البند قداري، فَكَسَرَهُمُ الْمِصْرِيُّونَ وَنَهَبُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الأثقال والأموال، وأسروا جماعة من رؤس الْأُمَرَاءِ فَقُتِلُوا صَبْرًا، وَعَادُوا إِلَى الْكَرَكِ فِي أسوأ حال وأشنعه، وَجَعَلُوا يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَيَعِيثُونَ فِي الْبِلَادِ، فأرسل الله الناصر صاحب دمشق فبعث جَيْشًا لِيَكُفَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَكَسَرَهُمُ الْبَحْرِيَّةُ وَاسْتَنْصَرُوا فَبَرَزَ إِلَيْهِمُ النَّاصِرُ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ وَقَطَعُوا أَطْنَابَ خَيْمَتِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا بِإِشَارَةِ رُكْنِ الدِّينِ بِيبَرْسَ الْمَذْكُورِ، وَجَرَتْ حُرُوبٌ وَخُطُوبٌ يطول بسطها وبالله المستعان.
وممَّن توفِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ
مِنَ الْأَعْيَانِ: خَلِيفَةُ الْوَقْتِ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ آخِرُ خلفاء بني العباس بالعراق رحمه الله، وهو أبو أحمد عبد الله بن الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ مَنْصُورِ بْنِ الظَّاهِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ المستضئ بأمر الله أبي محمد الحسن بن الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْمُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُقْتَدِي بالله أبي القاسم عبد الله بن الذَّخِيرَةِ أَبِي
العبَّاس مُحَمَّدِ بْنِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ الله عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَمِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْفَضْلِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَمِيرِ الْمُوَفَّقِ أَبِي أَحْمَدَ طَلْحَةَ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ أَبِي الْفَضْلِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ أَبِي إِسْحَاقَ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّشِيدِ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ الْمَهْدِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَنْصُورِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العبَّاس بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْهَاشِمِيِّ الْعَبَّاسِيِّ، مَوْلِدُهِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى (1) سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَكَانَ مَقْتَلُهُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ صَفَرٍ (2) سنة ست
(1) في مآثر الانافة 2 / 89: لعشر خلون من جمادى الآخرة.
(2)
في مآثر الانافة 2 / 89 والجوهر الثمين 1 / 220: في المحرم.
(*)
وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَيَكُونُ عُمْرُهُ يَوْمَ قُتِلَ سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ كَانَ حسن الصورة جيد السَّرِيرَةِ، صَحِيحَ الْعَقِيدَةِ مُقْتَدِيًا بِأَبِيهِ الْمُسْتَنْصِرِ فِي الْمَعْدَلَةِ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَاتِ وَإِكْرَامِ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ، وَقَدِ استجاز له الحافظ ابن النجار من جماعة مِنْ مَشَايِخِ خُرَاسَانَ مِنْهُمُ الْمُؤَيَّدُ الطُّوسِيُّ، وَأَبُو روح عبد العزيز بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّفَّارِ وَغَيْرُهُمْ، وحدَّث عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُؤَدِّبُهُ شَيْخُ الشُّيُوخِ صَدَرُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّيَّارِ، وَأَجَازَ هُوَ لِلْإِمَامِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وللشيخ نجم الدين البادرائي، وَحَدَّثَا عَنْهُ بِهَذِهِ الْإِجَازَةِ.
وَقَدْ كَانَ رحمه الله سُنِّيًّا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ وَاعْتِقَادِ الْجَمَاعَةِ كَمَا كَانَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ، وَلَكِنْ كَانَ فِيهِ لِينٌ وَعَدَمُ تَيَقُّظٍ وَمَحَبَّةٌ لِلْمَالِ وَجَمْعِهِ، وَمِنْ جملة ذلك أنه استحل الْوَدِيعَةَ الَّتِي اسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا النَّاصِرُ دَاوُدُ بْنُ الْمُعَظَّمِ وَكَانَتْ قِيمَتُهَا نَحْوًا مِنْ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ فَاسْتُقْبِحَ هَذَا مِنْ مِثْلِ الْخَلِيفَةِ، وَهُوَ مُسْتَقْبَحٌ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ بِكَثِيرٍ، بَلْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) [آل عمران: 75] .
قَتَلَتْهُ التَّتَارُ مَظْلُومًا مُضْطَهَدًا فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ
سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ.
وَكَانَتْ مدة خلافته خمسة عشر سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا (1) ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مثواه، وبل بالرأفة ثَرَاهُ.
وَقَدْ قُتِلَ بَعْدَهُ وَلَدَاهُ وَأُسِرَ الثَّالِثُ مَعَ بَنَاتٍ ثَلَاثٍ مِنْ صُلْبِهِ، وَشَغَرَ مَنْصِبُ الْخِلَافَةِ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَبْقَ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ مَنْ سَدَّ مَسَدَّهُ، فَكَانَ آخَرَ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ الْحَاكِمِينَ بِالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يرتجي منهم النوال ويخشى البأس، وختموا بعبد الله المستعصم كما فتحوا بعبد اللَّهِ السَّفَّاحُ، بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ وَظَهَرَ مُلْكُهُ وَأَمْرُهُ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، بَعْدَ انْقِضَاءِ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَآخِرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ الْمُسْتَعْصِمُ وَقَدْ زَالَ مُلْكُهُ وَانْقَضَتْ خِلَافَتُهُ فِي هَذَا الْعَامِ، فَجُمْلَةُ أَيَّامِهِمْ خمسمائة سنة وأربع وعشرون سنة، وزال ملكهم عَنِ الْعِرَاقِ وَالْحُكْمِ بِالْكُلِّيَّةِ مُدَّةَ سَنَةٍ وَشُهُورٍ فِي أَيَّامِ الْبَسَاسِيرِيِّ بَعْدَ الْخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، ثُمَّ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ.
وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ فِي أَيَّامِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَلَمْ تَكُنْ أَيْدِي بَنِي الْعَبَّاسِ حَاكِمَةً عَلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ كَمَا كَانَتْ بَنُو أُمِّيَّةَ قاهرة لجميع البلاد والأقطار والأمصار، فإنه خَرَجَ عَنْ بَنِي الْعَبَّاسِ بِلَادُ الْمَغْرِبِ، مَلَكَهَا فِي أَوَائِلِ الْأَمْرِ بَعْضُ بَنِي أُمِّيَّةَ مِمَّنْ بَقِيَ مِنْهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ الْمُلُوكُ بَعْدَ دُهُورٍ مُتَطَاوِلَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَارَنَ بَنِي الْعَبَّاسِ دَوْلَةُ الْمُدَّعِينَ أَنَّهُمْ مِنَ الْفَاطِمِيِّينَ بِبِلَادِ مِصْرَ وَبَعْضِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَمَا هُنَالِكَ، وَبِلَادِ الشَّامِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ والحرمين في أزمان طويلة وكذلك أخذت من أيديهم بلاد خراسان وما وراء النهر، وتداولتها الملوك دولاً بعد دول، حتى لم يبق مع الخليفة
(1) تقدم التعليق على مدة خلافته ومقدار عمره عند وفاته.
انظر هوامش صفحة 236.
(*)
منهم إلا بغداد وبعض بلاد العراق، وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر الأوقات، كما ذكر ذلك مبسوطاً في الحوادث والوفيات.
وَاسْتَمَرَّتْ دَوْلَةُ الْفَاطِمِيِّينَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ حَتَّى كَانَ آخِرُهُمُ الْعَاضِدُ الَّذِي مَاتَ بَعْدَ الستين وخمسمائة في الدولة الصلاحية الناصرية القدسية، وَكَانَتْ عِدَّةُ مُلُوكِ الْفَاطِمِيِّينَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَلِكًا مُتَخَلِّفًا، وَمُدَّةُ مُلْكِهِمْ تَحْرِيرًا مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْعَاضِدُ سَنَةَ بِضْعٍ
وسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالْعَجَبُ أَنَّ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ التَّالِيَةِ لِزَمَانِ رَسُولِ اللِّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ ثَلَاثِينَ سَنَةً كَمَا نَطَقَ بِهَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ (1) ، فَكَانَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ ثمَّ عُمَرُ ثمَّ عُثْمَانُ ثمَّ عَلِيٌّ ثُمَّ ابْنُهُ الحسن بن علي ستة شهور حتى كملت الثَّلَاثُونَ كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ كَانَتْ مُلْكًا فَكَانَ أَوَّلَ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ مِنْ بَنِي أَبِي سُفْيَانَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمِّيَّةَ، ثمَّ ابْنُهُ يَزِيدُ، ثُمَّ ابْنُ ابْنِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَانْقَرَضَ هَذَا الْبَطْنُ الْمُفْتَتَحُ بِمُعَاوِيَةَ الْمُخْتَتَمُ بِمُعَاوِيَةَ، ثُمَّ مَلَكَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، ثمَّ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، ثمَّ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ ثُمَّ ابْنُ عَمِّهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثمَّ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلَكِ، ثمَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلَكِ، ثمَّ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ ثمَّ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثُمَّ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ النَّاقِصُ وَهُوَ ابْنُ الْوَلِيدِ أَيْضًا، ثمَّ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ الْمُلَقَّبِ بِالْحِمَارِ، وَكَانَ آخِرَهُمْ، فَكَانَ أَوَّلُهُمُ اسْمُهُ مروان وآخرهم اسمه مروان، ثم انقرضوا من أولهم إلى خاتمهم.
وكان أول خلفاء بني العبَّاس عبد الله السفاح، وآخرهم عبد الله المستعصم.
وكذلك أول خلفاء الفاطميين فالأول اسمه عبد الله العاضد، وَآخِرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ الْعَاضِدُ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا قَلَّ مَنْ يَتَنَبَّهُ لَهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أعلم.
وهذه أرجوزة لبعض الفضلاء ذكر فيها جَمِيعِ الْخُلَفَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَظِيمِ عُرْشُهُ * الْقَاهِرِ الْفَرْدِ الْقَوِيِّ بَطْشُهُ مُقَلِّبِ الْأَيَّامِ وَالدُّهُورِ * وَجَامِعِ الْأَنَامِ لِلنُّشُورِ ثُمَّ الصَّلَاةُ بِدَوَامِ الْأَبَدِ * عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدِ وَآَلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ * السَّادَةِ الأئمة الأعلام وبعد فإن هَذِهِ أُرْجُوزَهْ * نَظَمْتُهَا لَطِيفَةٌ وَجِيزَهْ نَظَمْتُ فِيهَا الراشدين الخلفا * من قام بَعْدِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى وَمَنْ تَلَاهُمْ وَهَلُمَّ جَرَّا * جَعَلْتُهَا تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِيَعْلَمَ الْعَاقِلُ ذُو التَّصْوِيرِ * كَيْفَ جَرَتْ حَوَادِثُ الْأُمُورِ وَكُلُّ ذِي مَقْدِرَةٍ وملك * معرضون للفنا والهلك
(1) أخرجه أبو داود في كتاب السنة 4 / 221 والامام أحمد في مسنده 4 / 273 و 5 / 220 والترمذي في الفتن 4 / 503.
وقد تقدم الحديث في كتابنا في الجزء السادس: وعزاه المؤلف هناك لابي داود والترمذي والنسائي.
(*)
وَفِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ * تَبْصِرَةٌ لِكُلِّ ذِي اعتبار والملك الجبار فِي بِلَادِهِ * يُورِثُهُ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ فَلِلْفَنَاءِ * وَكُلُّ مُلْكٍ فَإِلَى انْتِهَاءِ وَلَا يَدُومُ غَيْرُ مُلْكِ الْبَارِي * سُبْحَانَهُ مِنْ مَلِكٍ قَهَّارِ مُنْفَرِدٍ بِالْعِزِّ وَالْبَقَاءِ * وَمَا سِوَاهُ فَإِلَى انْقِضَاءِ أَوَّلُ مَنْ بُويِعَ بِالْخِلَافَهْ * بَعْدَ النبي ابن أبي قحافة أعني الإمام الهادي الصِّدِّيقَا * ثُمَّ ارْتَضَى مِنْ بَعْدِهِ الْفَارُوقَا فَفَتَحَ البلاد والأمصارا * وَاسْتَأْصَلَتْ سُيُوفُهُ الْكُفَّارَا وَقَامَ بِالْعَدْلِ قِيَامًا يُرْضِي * بِذَاكَ جَبَّارَ السَّمَا وَالْأَرْضِ وَرَضِيَ النَّاسُ بِذِي النُّورَيْنِ * ثُمَّ عَلِيٍّ وَالِدِ السِّبْطَيْنِ ثُمَّ أَتَتْ كَتَائِبٌ مَعَ الْحَسَنْ * كَادُوا بِأَنْ يُجَدِّدُوا بِهَا الْفِتَنْ فَأَصْلَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ * كَمَا عَزَا نبينا إليه (1) وجمع النَّاسُ عَلَى مُعَاوِيَهْ * وَنَقَلَ الْقِصَّةَ كُلُّ رَاوِيَهْ فَمَهَّدَ الْمُلْكَ كَمَا يُرِيدُ * وَقَامَ فِيهِ بَعْدَهُ يَزِيدُ ثُمَّ ابْنُهُ وَكَانَ بَرًّا رَاشِدَا * أَعْنِي أَبَا لَيْلَى وَكَانَ زَاهِدَا فَتَرَكَ الْإِمْرَةَ لَا عن غلبه * ولم يكن إليها منه طَلِبَهْ وَابْنُ الزُّبَيْرِ بِالْحِجَازِ يَدْأَبُ * فِي طَلَبِ الْمُلْكِ وَفِيهِ يَنْصَبُ وَبِالشَّآمِ بَايَعُوا مَرْوَانَا * بِحُكْمِ مَنْ يَقُولُ كُنْ فَكَانَا وَلَمْ يَدُمْ فِي الملك غير عام * وعافصته أسهم الحمام
واستوثق الْمُلْكُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ * وَنَارَ نَجْمُ سَعْدِهِ فِي الْفَلَكِ وَكُلُّ مَنْ نَازَعَهُ فِي الْمُلْكِ * خَرَّ صريعاً بسيوف الهلك وقتل الْمُصَعَبَ (2) بِالْعِرَاقِ * وَسَيَّرَ الْحَجَّاجَ ذَا الشِّقَاقِ إِلَى الْحِجَازِ بِسُيُوفِ النِّقَمِ * وَابْنُ الزُّبَيْرِ لائذٌ بِالْحَرَمِ فجار بَعْدَ قَتْلِهِ بِصَلْبِهِ * وَلَمْ يَخَفْ فِي أَمْرِهِ مِنْ رَبِّهِ وَعِنْدَمَا صَفَتْ لَهُ الْأُمُورُ * تَقَلَّبَتْ بجسمه الدُّهُورُ ثُمَّ أَتَى مِنْ بَعْدِهِ الْوَلِيدُ * ثمَّ سليمان الفتى الرشيد
(1) اشارة إلى الحديث الشريف قال فيه: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ولعلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
لفظ البخاري.
في كتاب الصلح بين الناس، وأعاده في باب علامات النبوة في الاسلام - كتاب المناقب وأخرجه محمد في مسنده 5 / 49.
(2)
يعني مصعب بن الزُّبير.
(*)
ثُمَّ اسْتَفَاضَ فِي الْوَرَى عَدَلُ عُمَرَ * تَابَعَ أَمْرَ رَبِّهِ كَمَا أَمَرْ وَكَانَ يُدْعَى بِأَشَجِّ الْقَوْمِ * وَذِي الصَّلَاةِ وَالتُّقَى وَالصَّوْمِ فَجَاءَ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ * وَكَفَّ أَهْلَ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ مُقْتَدِيًا بِسُنَّةِ الرَّسُولِ * وَالرَّاشِدِينَ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ فَجُرِّعَ الْإِسْلَامُ كَأْسَ فَقْدِهِ * وَلَمْ يَرَوْا مِثْلًا لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ثُمَّ يَزِيدُ بَعْدَهُ هِشَامُ * ثُمَّ الْوَلِيدُ فُتَّ مِنْهُ الْهَامُ ثُمَّ يَزِيدُ وَهْوَ يُدْعَى النَّاقِصَا * فَجَاءَهُ حِمَامُهُ مُعَافِصَا وَلَمْ تَطُلْ مُدَّةُ إِبْرَاهِيمَا * وَكَانَ كُلُّ أَمْرِهِ سَقِيمَا وَأَسنَدَ الْمُلْكَ إِلَى مَرْوَانَا * فَكَانَ مِنْ أُمُورِهِ مَا كَانَا وَانْقَرَضَ الْمُلْكُ عَلَى يَدَيْهِ * وَحَادِثُ الدَّهْرِ سَطَا عَلَيْهِ
وَقَتْلُهُ قَدْ كَانَ بِالصَّعِيدِ * وَلَمْ تُفِدْهُ كَثْرَةُ الْعَدِيدِ وَكَانَ فِيهِ حَتْفُ آلِ الْحَكَمِ * وَاسْتُنْزِعَتْ عَنْهُمْ ضُرُوبُ النِّعَمِ ثُمَّ أَتَى مُلْكُ بَنِي الْعَبَّاسِ * لَا زَالَ فِينَا ثَابِتَ الْأَسَاسِ وَجَاءَتِ الْبَيْعَةُ مِنْ أَرْضِ الْعَجَمْ * وَقَلَّدَتْ بَيْعَتَهُمْ كُلُّ الْأُمَمْ وَكُلُّ مَنْ نَازَعَهُمْ مِنْ أممٍ * خَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَالْفَمِ وَقَدْ ذَكَرْتُ مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمُ * حِينَ تَوَلَّى الْقَائِمُ الْمُسْتَعْصِمُ أَوَّلُهُمْ ينعت بالسفاح * وبعده المنصور ذو الجناح ثُمَّ أَتَى مِنْ بَعْدِهِ الْمَهْدِيُّ * يَتْلُوهُ مُوسَى الْهَادِيَ الصَّفِيُّ وَجَاءَ هَارُونُ الرَّشِيدُ بَعْدَهُ * ثُمَّ الْأَمِينُ حِينَ ذَاقَ فَقْدَهُ وَقَامَ بَعْدَ قَتْلِهِ الْمَأْمُونُ * وَبَعْدَهُ الْمُعْتَصِمُ الْمَكِينُ وَاسْتُخْلِفَ الْوَاثِقُ بَعْدَ الْمُعْتَصِمْ * ثُمَّ أَخُوهُ جَعْفَرٌ مُوفِي الذِّمَمْ وَأَخْلَصَ النية في المتوكل * لِلَّهِ ذِي الْعَرْشِ الْقَدِيمِ الْأَوَّلِ فَأَدْحَضَ الْبِدْعَةَ فِي زَمَانِهِ * وَقَامَتِ السُّنَّةُ فِي أَوَانِهِ وَلَمْ يبق فيها بدعة مضلةٌ * وألبس المعتزلي ثوب ذِلَّهْ فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَبَدَا * مَا غَارَ نجمٌ في السماء أو بدا وَبَعْدَهُ اسْتَوْلَى وَقَامَ الْمُعْتَمِدْ * وَمَهَّدَ الْمُلْكَ وَسَاسَ المقتصد وَعِنْدَمَا اسْتُشْهِدَ قَامَ الْمُنْتَصِرْ * وَالْمُسْتَعِينُ بَعْدَهُ كَمَا ذكر وجاء بعد موته المعتز * والمهتدي الملتزم الأعز والمكتفي في صحف العلا أسطر * وبعده ساس الأمور المقتدر واستوثق الْمُلْكُ بِعِزِّ الْقَاهِرِ * وَبَعْدَهُ الرَّاضِي أَخُو الْمُفَاخِرِ والمتقي من بعد ذا المستكفي * ثُمَّ الْمُطِيعُ مَا بِهِ مِنْ خُلْفِ
وَالطَّائِعُ الطَّائِعُ ثُمَّ الْقَادِرُ * وَالْقَائِمُ الزَّاهِدُ وَهْوَ الشَّاكِرُ وَالْمُقْتَدِي مِنْ بَعْدِهِ الْمُسْتَظْهِرُ * ثُمَّ أَتَى الْمُسْتَرْشِدُ الْمُوَقَّرُ وَبَعْدَهُ الرَّاشِدُ ثُمَّ الْمُقْتَفِي * وَحِينَ مات استنجدوا بيوسف المستضئ الْعَادِلُ فِي أَفْعَالِهِ * الصَّادِقُ الصَّدُوقُ فِي أَقْوَالِهِ وَالنَّاصِرُ الشَّهْمُ الشَّدِيدُ الباسِ * وَدَامَ طُولُ مُكْثِهِ فِي النَّاس ثُمَّ تَلَاهُ الظَّاهِرُ الْكَرِيمُ * وَعَدْلُهُ كلٌ بِهِ عَلِيمُ وَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ فِي الْمَمْلَكَهْ * غَيْرَ شُهُورٍ وَاعْتَرَتْهُ الْهَلَكَهْ وَعَهْدُهُ كَانَ إِلَى الْمُسْتَنْصِرِ * الْعَادِلِ الْبَرِّ الْكَرِيمِ الْعُنْصُرِ دَامَ يَسُوسُ النَّاسَ سَبْعَ عَشَرَهْ * وَأَشْهُرًا بِعَزَمَاتٍ بَرَّهْ ثُمَّ تُوُفِّي عَامَ أَرْبَعِينَا * وَفِي جُمَادَى صَادَفَ الْمَنُونَا وَبَايَعَ الْخَلَائِقُ الْمُسْتَعْصِمَا * صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا وسلما فأرسل الرسل إلى الْآفَاقِ * يَقْضُونَ بِالْبَيْعَةِ وَالْوِفَاقِ وَشَرَّفُوا بِذِكْرِهِ الْمَنَابِرَا * ونشروا في جُودِهِ الْمَفَاخِرَا وَسَارَ فِي الْآفَاقِ حُسْنُ سِيرَتِهْ * وَعَدْلُهُ الزَّائِدُ فِي رَعِيَّتِهْ قَالَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدين ابن كثير رحمه الله تعالى: ثُمَّ قُلْتُ أَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَبْيَاتًا: ثُمَّ ابتلاه الله بالتتار * أتباع جنكيزخان الجبار صحبته ابن ابنه هُولَاكُو * فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِهِ فِكَاكُ فَمَزَّقُوا جنوده وشمله * وقتلوه نفسه وجهله وَدَمَّرُوا بَغْدَادَ وَالْبِلَادَا * وَقَتَّلُوا الْأَحْفَادَ وَالْأَجْدَادَا وَانْتَهَبُوا الْمَالَ مَعَ الْحَرِيمِ * وَلَمْ يَخَافُوا سَطْوَةَ الْعَظِيمِ وَغَرَّهُمْ إِنْظَارُهُ وَحِلْمُهُ * وَمَا اقْتَضَاهُ عَدْلُهُ وَحُكْمُهُ وَشَغَرَتْ مِنْ بَعْدِهِ الْخِلَافَهْ * وَلَمْ يُؤَرَّخْ مِثْلُهَا مِنْ آفَهْ
ثُمَّ أَقَامَ الْمَلْكُ أَعْنِي الظَّاهِرَا * خَلِيفَةً أَعْنِي بِهِ الْمُسْتَنْصِرَا ثُمَّ وَلِي مِنْ بعد ذاك الحاكم * مسيم بِيبَرْسَ الْإِمَامُ الْعَالِمُ ثُمَّ ابْنُهُ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَكْفِي * وَبَعْضُ هَذَا لِلَّبِيبِ يَكْفِي ثُمَّ وَلِي مِنْ بَعْدِهِ جَمَاعَهْ * مَا عِنْدَهُمْ عِلْمٌ وَلَا بِضَاعَهْ ثم تولي وقتنا الْمُعْتَضِدْ * وَلَا يَكَادُ الدَّهْرُ مِثْلَهُ يَجِدْ فِي حُسْنِ خُلْقٍ واعتقادٍ وَحِلَى * وَكَيْفَ لَا وَهْوَ من السيم الأولى سَادُوا الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ فَضْلَا * وَمَلَأُوا الْأَقْطَارَ حِكَمًا وعدلاً
أَوْلَادِ عَمِّ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدِ * وَأَفْضَلِ الْخَلْقِ بِلَا تَرَدُّدِ صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ ذُو الْجَلَالِ * مَا دامت الأيام والليالي فصل والفاطميون قليلوا الْعُدَّهْ * لَكِنَّهُمْ مُدَّ لَهُمْ فِي الْمُدَّهْ فَمَلَكُوا بضعاً وستين سنة * من بعده مائتين وكان كَالسِّنَهْ وَالْعِدَّةُ ارْبَعَ عَشْرَةَ الْمَهْدِيُّ * وَالْقَائِمُ الْمَنْصُورُ المعدي أَعْنِي بِهِ الْمُعِزَّ بَانِي الْقَاهِرَهْ * ثُمَّ الْعَزِيزُ الحاكم الكوافرة والظاهر المستنصر المستعلي * فالآمر الحافظ عنه سُوءَ الْفِعْلِ وَالظَّافِرُ الْفَائِزُ ثُمَّ الْعَاضِدُ * آخِرُهُمْ وما لهذا جاحد أهلك بعد البضع والسنينا * من قبلها خمسمائةٍ سنينا وأصلهم يهود ليسوا شُرَفَا * بِذَاكَ أَفْتَى السَّادَةُ الْأَئِمَّهْ * أَنْصَارُ دِينِ الله من ذي الأمة * فصل وهكذا خلفاء بني أمية * عدتهم كعدة الرافضية
وَلَكِنِ الْمُدَّةُ كَانَتْ نَاقِصَهْ * عَنْ مِائَةٍ مِنَ السِّنِينَ خَالِصَهْ وَكُلُّهُمْ قَدْ كَانَ نَاصِبِيَّا * إِلَّا الْإِمَامَ عُمَرَ التَّقِيَّا مُعَاوِيَهْ ثمَّ ابْنُهُ يَزِيدُ * وابن ابنه معاوية السَّدِيدُ مَرْوَانُ ثُمَّ ابْنٌ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكْ * مُنَابِذٌ لِابْنِ الزُّبَيْرِ حَتَّى هَلَكْ ثُمَّ اسْتَقَلَّ بَعْدَهُ بِالْمُلْكِ * فِي سَائِرِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ شَكِّ ثم الوليد النجل باني الجامع * وليس مثله بشكله مِنْ جَامِعِ ثُمَّ سُلَيْمَانُ الْجَوَادُ وَعُمَرْ * ثُمَّ يَزِيدُ وَهِشَامٌ وَغُدَرْ أَعْنِي الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ الْفَاسِقَا * ثمَّ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَائِقَا يُلَقَّبُ الناقص وهو كامل * ثم إِبْرَاهِيمُ وَهْوَ عَاقِلُ ثُمَّ مَرْوَانُ الْحِمَارُ الْجَعْدِي * آخرهم فاظفر بذا من عندي والحمد لله على التمام * كذاك نحمده على الأنعام ثم الصلاة مع تمام العدد * على النبي المصطفى محمد وآله وصحبه الأخيار * في سائر الأوقات والأعصار وهذه الأبيات نظم الكاتب * ثمانية تتمة المناقب
وَمِمَّنْ قُتِلَ مَعَ الْخَلِيفَةِ وَاقِفُ الْجَوْزِيَّةِ بِدِمَشْقَ أستاذ دار الخلافة مُحْيِي الدِّين يُوسُفُ بْنُ الشَّيخ جَمَالِ الدِّين أَبِي الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ علي بن عبيد اللَّهِ بْنِ حَمَّادِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ النَّضِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ الْبَكْرِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْحَنْبَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْجَوْزِيِّ، وُلِدَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةِ، وَنَشَأَ شَابًّا حَسَنًا، وَحِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَعَظَ في موضعه فأحسن وأجاد وأفاد، ثم لم يزل متقدماً في مناصب الدنيا، فولي حسبة بغداد مع الوعظ الفائق والأشعار الحسنة، ثم ولي تدريس الحنابلة بالمستنصرية سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وكانت له تداريس أخر، ولي أستاذ دار الخلافة، وكان رسولاً للملوك
من بني أيوب وغيرهم من جهة الخلفاء، وانتصب ابنه عبد الرحمن مكانه للحسبة والوعظ، ثُمَّ كَانَتِ الْحِسْبَةُ تَتَنَقَّلُ فِي بَنِيهِ الثَّلَاثَةِ عبد الرحمن، وعبد الله، وعبد الْكَرِيمِ.
وَقَدْ قُتِلُوا مَعَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ رحمهم الله.
وَلِمُحْيِي الدِّينِ هَذَا مُصَنَّفٌ فِي مذهب أَحْمَدَ، وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ ابْنُ السَّاعِي أَشْعَارًا حَسَنَةً يُهَنِّئُ بِهَا الْخَلِيفَةَ فِي الْمَوَاسِمِ وَالْأَعْيَادِ، تدل على فضيلة وفصاحة، وقد وقف الجوزية بدمشق وهي من أحسن المدارس، تقبل الله منه.
الصرصري المادح رحمه الله يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورِ بن المعمر عبد السلام الشيخ الإمام العلامة البارع الفاضل في أنواع من العلوم، جمال الدِّين أبو زكريا الصرصري (1) ، الفاضل المادح الحنبلي الضرير البغدادي، معظم شعره في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وديوانه في ذلك مشهور معروف غير منكر، ويقال إنه كان يحفظ صحاح الجوهري بتمامه في اللغة.
وَصَحِبَ الشَّيْخَ عَلِيَّ بْنَ إِدْرِيسَ تِلْمِيذَ الشَّيْخِ عبد القادر، وكان ذكياً يتوقد نوراً، وكان يَنْظِمُ عَلَى الْبَدِيهَةِ سَرِيعًا أَشْيَاءَ حَسَنَةً فَصِيحَةً بليغة، وقد نظم الكافي الذي ألفه مُوَفَّقِ الدِّينِ بْنِ قَدَامَةَ، وَمُخْتَصَرَ الْخِرَقِيِّ، وَأَمَّا مَدَائِحُهُ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيقال إنها تبلغ عشرين مجلداً، وما اشتهر عنه أنه مدح أحداً من المخلوقين من بني آدم إلا الأنبياء، وَلَمَّا دَخَلَ التَّتَارُ إِلَى بَغْدَادَ دُعِيَ إِلَى ذارئها كرمون بن هلاكو فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ إِلَيْهِ، وَأَعَدَّ فِي دَارِهِ حِجَارَةً فَحِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ التَّتَارُ رَمَاهُمْ بِتِلْكَ الْأَحْجَارِ فَهَشَّمَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، فَلَمَّا خَلَصُوا إِلَيْهِ قَتَلَ بِعُكَّازِهِ أَحَدَهُمْ (2) ، ثُمَّ قَتَلُوهُ شَهِيدًا رَحِمَهُ الله تعالى، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَمَانٍ وَسِتُّونَ سَنَةً.
وَقَدْ أورد له قُطْبُ الدِّينِ الْيُونِينِيُّ مِنْ دِيوَانِهِ قِطْعَةً صَالِحَةً فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الذَّيْلِ، اسْتَوْعَبَ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ، وذكر غير ذلك قصائد طوالاً كثيرة حسنة.
(1) الصرصري: نسبة إلى صرصر قرية على فرسخين من بغداد.
(2)
في شذرات الذهب 5 / 286: نحو اثني عشر نفسا.
(*)
الْبَهَاءُ زُهَيْرٌ صَاحِبُ الدِّيوَانِ
وَهُوَ زُهَيْرُ بْنُ محمد بن علي بن يحيى بن الحسين (1) بن جعفر الْمُهَلَّبِيُّ الْعَتَكِيُّ الْمِصْرِيُّ، وُلِدَ بِمَكَّةَ (2) وَنَشَأَ بِقُوصَ، وأقام بالقاهرة، الشاعر المطبق الْجَوَّادُ فِي حُسْنِ الْخَطِّ لَهُ دِيوَانٌ مَشْهُورٌ، وقدم على السلطان الصالح أَيُّوبَ، وَكَانَ غَزِيرَ الْمُرُوءَةِ حَسَنَ التَّوَسُّطِ فِي إِيصَالِ الْخَيْرِ إِلَى النَّاسِ، وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُمْ، وقد أثنى عليه ابن خَلِّكَانَ وَقَالَ أَجَازَ لِي رِوَايَةَ دِيوَانِهِ، وَقَدْ بسط ترجمته القطب الْيُونِينِيُّ.
الْحَافِظُ زَكِّيُ الدِّينِ الْمُنْذِرِيُّ عَبْدُ الْعَظِيمِ بْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ محمد أبو زكي الدين المنذري الشافعي المصري، أصله من الشام وولد بِمِصْرَ، وَكَانَ شَيْخَ الْحَدِيثِ بِهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، إِلَيْهِ الْوِفَادَةُ وَالرِّحْلَةُ مِنْ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ وُلِدَ بِالشَّامِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَرَحَلَ وَطَلَبَ وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ، حَتَّى فَاقَ أَهْلَ زَمَانِهِ فِيهِ، وَصَنَّفَ وَخَرَّجَ، وَاخْتَصَرَ صَحِيحَ مُسْلِمٍ، وَسُنَنَ أَبِي دَاوُدَ، وَهُوَ أحسن اختصاراً من الأول، وله اليد الطولى فِي اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ وَالتَّارِيخِ، وَكَانَ ثِقَةً حُجَّةً متحرياً زاهداً، توفي يَوْمَ السَّبْتِ رَابِعَ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْكَامِلِيَّةِ بِمِصْرَ.
وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ رحمه الله تعالى.
النور أبو بكر بن محمد بن محمد بن عبد العزيز ابن عَبْدِ الرَّحِيمِ (3) بْنِ رُسْتُمَ الْإِسْعَرْدِيُّ (4) الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ الخليع، كان القاضي صدر الدين بن سناء الدَّوْلَةِ قَدْ أَجْلَسَهُ مَعَ الشُّهُودِ تَحْتَ السَّاعَاتِ، ثم استدعاه الناصر صاحب البلد فجعله مِنْ جُلَسَائِهِ وَنُدَمَائِهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلَعَ الْأَجْنَادِ، فَانْسَلَخَ مِنْ هَذَا الْفَنِّ إِلَى غَيْرِهِ، وَجَمَعَ كِتَابًا سَمَّاهُ " الزَّرْجُونْ (5) فِي الْخَلَاعَةِ وَالْمُجُونْ " وَذَكَرَ فيه أشياء كثيرة من النظم والنثر والخلاعة، ومن شعره الذي لا يحمد:
(1) في بدائع الزهور 1 / 1 / 300: الحسن (انظر ابن خلكان 2 / 332) .
(2)
في ابن خلكان: سنة 551 في خامس ذي الحجة بوادي نخلة بالقرب من مكة.
وتوفي يوم الأحد رابع ذي القعدة (انظر تاريخ أبي الفداء 3 / 197) .
(3)
في الوافي بالوفيات: عبد الصمد.
(4)
من فوات الوفيات 2 / 161 والوافي بالوفيات 1 / 188 وفي الاصل: الاشعري.
قال في الوافي: ولد سنة تسع عشرة وستمائة.
(5)
في الوافي والفوات: سلافة الزرجون في الخلاعة والمجون.
(*)
لَذَّةُ الْعُمُرِ خَمْسَةٌ فَاقْتَنِيهَا * مِنْ خليعٍ غَدَا أَدِيبًا فَقِيهَا فِي نَدِيمٍ وقينةٍ وحبيبٍ * ومدامٍ وَسَبِّ مَنْ لَامَ فِيهَا الْوَزِيرُ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ الرَّافِضِيُّ قَبَّحَهُ اللَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْوَزِيرُ مؤيد الدين أبو طالب بن العلقمي، وزير المستعصم البغدادي، وخدمة في زمان الْمُسْتَنْصِرِ أُسْتَاذَ دَارِ الْخِلَافَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ صار وزير المستعصم وزير سوء على نفسه وعلى الخليفة وعلى المسلمين، مع أنه من الفضلاء في الإنشاء والأدب، وكان رافضيا خبيثا ردئ الطَّوِيَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالْوَجَاهَةِ فِي أَيَّامِ الْمُسْتَعْصِمِ مَا لم يحصل لغيره مِنَ الْوُزَرَاءِ، ثُمَّ مَالَأَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ الكفار هولاكو خان، حتى فعل ما فعل بالإسلام وأهله مما تقدم ذكره، ثم حصل له بعد ذلك من الإهانة والذل على أيدي التتار الذين مالأهم وزال عنه ستر الله، وذاق الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أشد وأبقى، وقد رأته امرأة وهو في الذل والهوان وهو راكب في أيام التتار برذوناً وهو مرسم عليه، وسائق يسوق به ويضرب فرسه، فوقفت إلى جانبه وقالت له: يا بن الْعَلْقَمِيِّ هَكَذَا كَانَ بَنُو الْعَبَّاسِ يُعَامِلُونَكَ؟ فَوَقَعَتْ كَلِمَتُهَا فِي قَلْبِهِ وَانْقَطَعَ فِي دَارِهِ إِلَى أن مات كمداً وغبينة وضيقاً (1) ، وقلة وذلة، فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْآخِرَةِ (2) مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَدُفِنَ فِي قُبُورِ الرَّوَافِضِ، وَقَدْ سَمِعَ بِأُذُنَيْهِ، وَرَأَى بِعَيْنَيْهِ مِنَ الْإِهَانَةِ مِنَ التَّتَارِ وَالْمُسْلِمِينَ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ.
وَتَوَلَّى بَعْدَهُ وَلَدُهُ الخبيث الوزارة، ثم أخذه الله أخذ القرى وهي ظالمة سريعاً، وقد هجاه بعض الشعراء فقال فيه:
يَا فِرْقَةَ الْإِسْلَامِ نُوحُوا وَانْدُبُوا * أَسَفًا عَلَى مَا حَلَّ بِالْمُسْتَعْصِمِ دَسْتُ الْوَزَارَةِ كَانَ قَبْلَ زَمَانِهِ * لِابْنِ الْفُرَاتِ فَصَارَ لِابْنِ الْعَلْقَمِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَيْدَرَةَ فَتْحُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ العدل محتسب دمشق، كان مشكوراً حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، وَجَدُّهُ الْعَدْلُ نَجِيبُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَيْدَرَةَ، وَهُوَ وَاقِفُ الْمَدْرَسَةِ الَّتِي بِالزَّبَدَانِيِّ فِي سَنَةِ تِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ تقبل الله منه وجزاه خيراً.
(1) في مآثر الانافة 2 / 92: واستبقى هولاكو الوزير ابن العلقمي مدة يسيرة في الوزارة ثم قتله، وبهامشه:" في هامش الاصل ما يأتي بخط مختلف: وهولاكو احسن في قتله الوزير العلقمي ".
وفي الفخري ص 338: فمكث الوزير شهورا ثم مرض ومات.
(2)
في الفخري ص 339: جمادى الاولى.
(*)
الْقُرْطُبِيُّ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ فِي شَرْحِ مُسْلِمِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَنْصَارِيُّ الْقُرْطُبِيُّ الْمَالِكِيُّ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ الْمُدَرِّسُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وُلِدَ بِقُرْطُبَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةِ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ هُنَاكَ، وَاخْتَصَرَ الصَّحِيحَيْنِ، وَشَرَحَ صَحِيحَ مسلم الْمُسَمَّى بِالْمُفْهِمِ، وَفِيهِ أَشْيَاءُ حَسَنَةٌ مُفِيدَةٌ مُحَرَّرَةٌ رحمه الله.
الْكَمَالُ إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ أَحَدُ مَشَايِخِ الشَّافِعِيَّةِ، أَخَذَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّين النوويّ وغيره، وكان مدرساً بالرواحية، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْعِمَادُ داود بن عمر بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ كَامِلٍ أَبُو الْمَعَالِي وَأَبُو سُلَيْمَانَ الزُّبَيْدِيُّ الْمَقْدِسِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ خطيب بيت الأبار، وقد خطب بالأموي ست سنين بعد ابن عبد السلام، ودرّس بالغزالية، ثم عاد إِلَى بَيْتِ الْآبَارِ فَمَاتَ بِهَا.
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، صَدَرُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ النَّيَّارِ شَيْخُ الشُّيُوخِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ
أَوَّلًا مؤدباً للإمام المستعصم، فلما صارت الخلافة إليه برهة من الدهور رفعه وعظمه وصارت له وجاهة عنده، وانضمت إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأُمُورِ، ثُمَّ إِنَّهُ ذُبِحَ بِدَارِ الخلافة كما تذبح الشاة على أيدي التتار.
الشيخ علي العابد الْخَبَّازُ كَانَ لَهُ أَصْحَابٌ وَأَتْبَاعٌ بِبَغْدَادَ، وَلَهُ زَاوِيَةٌ يُزَارُ فِيهَا، قَتَلَتْهُ التَّتَارُ وَأُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَةٍ بِبَابِ زَاوِيَتِهِ ثَلَاثَةَ أيَّام حَتَّى أَكَلَتِ الْكِلَابُ مِنْ لَحْمِهِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عن نفسه في حال حياته.
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الفرج أبو عبد الله المقدسي خطيب براد (1) ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَعَاشَ تِسْعِينَ سَنَةً، وُلِدَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ (2) فَسَمِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ الْكَثِيرَ بدمشق، ثم عاد فمات ببلده برادا (1) في هذه السنة، رحمه الله.
(1) في الوافي 2 / 219: مردا، وفي معجم البلدان: مردا قرية قرب نابلس.
(2)
في الوافي: ولد سنة 566 هـ.
فيكون عمره عند وفاته تسعين سنة.
(*)
الْبَدْرُ لُؤْلُؤٌ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ الْمُلَقَّبُ بِالْمَلِكِ الرَّحِيمِ، توفي في شعبان عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ (1) وَقَدْ مَلَكَ الْمَوْصِلَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً (2) ، وَكَانَ ذَا عَقْلٍ وَدَهَاءٍ وَمَكْرٍ، لَمْ يَزَلْ يَعْمَلُ عَلَى أَوْلَادِ أُسْتَاذِهِ حتى أبادهم، وأزال الدولة الأتابكية عن الموصل، ولما انفصل هولاكو خان عَنْ بَغْدَادَ - بَعْدَ الْوَقْعَةِ الْفَظِيعَةِ الْعَظِيمَةِ - سَارَ إلى خدمته طاعة لَهُ، وَمَعَهُ الْهَدَايَا وَالتُّحَفُ، فَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ، وَرَجَعَ مِنْ عِنْدِهِ فَمَكَثَ بِالْمَوْصِلِ أَيَّامًا يَسِيرَةً، ثُمَّ مَاتَ وَدُفِنَ بِمَدْرَسَتِهِ الْبَدْرِيَّةِ، وَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ لِحُسْنِ سِيرَتِهِ وَجَوْدَةِ مَعْدِلَتِهِ، وَقَدْ جَمَعَ لَهُ الشيخ عز الدين كِتَابَهُ الْمُسَمَّى بِالْكَامِلِ فِي التَّارِيخِ فَأَجَازَهُ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُعْطِي لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ أَلْفَ دينار.
وقام فِي الْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ.
وَقَدْ كَانَ بَدْرُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ هَذَا أَرْمَنِيًّا اشْتَرَاهُ رَجُلٌ خَيَّاطٌ، ثمَّ صَارَ إِلَى الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ أَرْسَلَانُ شَاهْ بْنُ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودِ بْنِ مودود بن زنكي بن آقْسُنْقُرَ الْأَتَابِكِيِّ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ مَلِيحَ الصُّورَةِ، فَحَظِيَ عِنْدَهُ وَتَقَدَّمَ
فِي دَوْلَتِهِ إِلَى أَنْ صَارَتِ الْكَلِمَةُ دَائِرَةً عَلَيْهِ، وَالْوُفُودُ مِنْ سَائِرِ جهات ملكهم إليه.
ثم إنه قتل أولاد أستاذه غِيلَةً وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إِلَى أَنْ لَمْ يبق معه أحد منهم، فاستقل هو بالملك، وصفت له الأمور، وَكَانَ يَبْعَثُ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَى مَشْهَدِ علي قنديلاً ذهباً زِنَتُهُ أَلْفُ دِينَارٍ، وَقَدْ بَلَغَ مِنَ الْعُمُرِ قَرِيبًا مِنْ تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ شَابًّا حَسَنَ الشَّبَابِ مِنْ نَضَارَةِ وَجْهِهِ، وَحُسْنِ شَكْلِهِ، وَكَانَتِ العامة تلقبه قضيب الذَّهَبِ، وَكَانَ ذَا هِمَّةٍ عَالِيَةٍ وَدَاهِيَةً شَدِيدَ المكر بعيد الغور، وبعثه إلى مشهد علي بذلك القنديل الذهب في كل سنة دليل على قلة عقله وتشيعه والله أعلم.
الْمَلِكُ النَّاصِرُ دَاوُدُ الْمُعَظَّمُ تَرْجَمَهُ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ الْيُونِينِيُّ فِي تَذْيِيلِهِ عَلَى الْمِرْآةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَبَسَطَ تَرْجَمَتَهُ جِدًّا وَمَا جَرَى له من أول أمره إلى آخره.
وقد ذكرنا ترجمته في الحوادث، وأنه أودع الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَعْصِمَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَدِيعَةً قيمتها مائة ألف دينار فجحدها الخليفة، فتكرر وُفُودُهُ إِلَيْهِ، وَتَوَسُّلُهُ بِالنَّاسِ فِي رَدِّهَا إِلَيْهِ، فلم يفد من ذلك شيئاً، وتقدم أنه قال لذلك الشاعر الذي مدح الخليفة بقوله: لَوْ كُنْتَ فِي يَوْمِ السَّقِيفَةِ حَاضِرًا * كُنْتَ المقدم والإمام الأورعا فَقَالَ لَهُ النَّاصِرُ دَاوُدُ: أَخْطَأْتَ فَقَدْ كَانَ جَدُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْعَبَّاسُ حَاضِرًا يَوْمَ السَّقِيفَةِ ولم يكن
(1) كذا بالاصل، وفي نسخة: ثمانين سنة وسيأتي بعد قليل: نحو تسعين.
وفي تاريخ أبي الفداء: 3 / 198: جاوز الثمانين.
(2)
في تاريخ أبي الفداء: ثلاث وأربعين سنة تقريبا.
(*)