المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(38) - (1401) - باب ثواب القرآن - شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه - جـ ٢٢

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌تَتِمَّة كِتَابُ الأدب

- ‌(1) - (1364) - بَابُ الْمُصَافَحَةِ

- ‌فائدة في بيان أن السنة في المصافحة أن تكون باليد الواحدة

- ‌(2) - (1365) - بَابُ الرَّجُلِ يُقَبِّلُ يَدَ الرَّجُلِ

- ‌فائدة

- ‌(3) - (1366) - بَابُ الاسْتِئْذَانِ

- ‌(4) - (1367) - بَابُ الرَّجُلِ يُقَالُ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ

- ‌(5) - (1368) - بَابٌ: إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ .. فَأَكْرِمُوهُ

- ‌(6) - (1369) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ

- ‌(7) - (1370) - بَابُ إِكْرَامِ الرَّجُلِ جَلِيسَهُ

- ‌(8) - (1371) - بَابُ: مَنْ قَامَ عَنْ مَجْلِسٍ فَرَجَعَ .. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ

- ‌(9) - (1372) - بَابُ الْمَعَاذِيرِ

- ‌(10) - (1373) - بَابُ الْمِزَاحِ

- ‌فائدة مستلحقة

- ‌(11) - (1374) - بَابُ نَتْفِ الشَّيْبِ

- ‌(12) - (1375) - بَابُ الْجُلُوسِ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ

- ‌(13) - (1376) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاضْطِجَاعِ عَلَى الْوَجْهِ

- ‌(14) - (1377) - بَابُ تَعَلُّمِ النُّجُومِ

- ‌(15) - (1378) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ

- ‌(16) - (1379) - بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْأَسْمَاءِ

- ‌(17) - (1380) - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ

- ‌(18) - (1381) - بَابُ تَغْيِيرِ الْأَسْمَاءِ

- ‌(19) - (1382) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ اسْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكُنْيَتِهِ

- ‌فائدةٌ مُذَيَّلَةٌ

- ‌(20) - (1383) - بَابُ الرَّجُلِ يُكَنَّى قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ

- ‌تنبيه

- ‌(21) - (1384) - بَابُ الْأَلْقَابِ

- ‌(22) - (1385) - بَابُ الْمَدْحِ

- ‌(23) - (1386) - بَابٌ: الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ

- ‌(24) - (1387) - بَابُ دُخُولِ الْحَمَّامِ

- ‌(25) - (1388) - بَابُ الاطِّلَاءِ بِالنُّورَةِ

- ‌(26) - (1389) - بَابُ الْقَصَصِ

- ‌(27) - (1390) - بَابُ الشِّعْرِ

- ‌(28) - (1391) - بَابُ مَا كُرِهَ مِنَ الشِّعْرِ

- ‌(29) - (1392) - بَابُ اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ

- ‌(30) - (1393) - بَابُ اللَّعِبِ بِالْحَمَامِ

- ‌(31) - (1394) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الْوَحْدَةِ

- ‌(32) - (1395) - بَابُ إِطْفَاءِ النَّارِ عِنْدَ الْمَبِيتِ

- ‌فائدة

- ‌(33) - (1396) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ النُّزُولِ عَلَى الطَّرِيقِ

- ‌(34) - (1397) - بَابُ رُكُوبِ ثَلَاثَةٍ عَلَي دَابَّةٍ

- ‌(35) - (1398) - بَابُ تَتْرِيبِ الكِتَابِ

- ‌(36) - (1399) - بَابٌ: لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ

- ‌(37) - (1400) - بَابٌ: مَنْ كَانَ مَعَهُ سِهَامٌ .. فَلْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا

- ‌(38) - (1401) - بَابُ ثَوَابِ الْقُرآنِ

- ‌(39) - (1402) - بَابُ فَضْلِ الذِّكْرِ

- ‌(40) - (1403) - بَابُ فَضْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ

- ‌(41) - (1404) - بَابُ فَضْلِ الْحَامِدِينَ

- ‌(42) - (1405) - بَابُ فَضْلِ التَّسْبِيحِ

- ‌(43) - (1406) - بَابُ الاسْتِغْفَارِ

- ‌(44) - (1407) - بَابُ فَضْلِ الْعَمَلِ

- ‌(45) - (1408) - بَابُ مَا جَاءَ فِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ

- ‌كتابُ الدُّعاء

- ‌(46) - (1409) - بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ

- ‌(47) - (1410) - بَابُ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(48) - (1411) - بَابُ مَا تَعَوَّذَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌(38) - (1401) - باب ثواب القرآن

(38) - (1401) - بَابُ ثَوَابِ الْقُرآنِ

(78)

- 3722 - (1) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَن زَرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ،

===

(38)

- (1401) - (باب ثواب القرآن)

(78)

- 3722 - (1)(حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (245 هـ). يروي عنه:(خ عم).

(حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي أخو إسرائيل، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (187 هـ)، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).

(حدثنا سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري البصري، ثقة، من السادسة، لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة (157 هـ). يروي عنه: (ع).

(عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبي الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال: ولد أكمه، من الطبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (113 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن زرارة) بضم أوله (ابن أوفى) العامري الحرشي - بمهملة وراء مفتوحة ثم معجمة - أبي حاجب البصري قاضيها ثقة عابد، من الثالثة، مات فجأة في الصلاة سنة ثلاث وتسعين (93 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن سعد بن هشام) بن عامر الأنصاري المدني، ثقة، من الثالثة، استشهد بأرض الهند. يروي عنه:(ع).

ص: 226

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَة،

===

(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.

وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(قالت) عائشة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماهر بالقرآن): وهو الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف في القراءة، ولا يشق عليه القرآن؛ لجودة حفظه وإتقانه يكون في الآخرة منزلةً (مع) الملائكة (السفرة) جمع سافر؛ ككاتب، وزنًا ومعنىً؛ وهم الملائكة الموصوفون بقوله:(الكرام البررة) كما في الآية الكريمة.

قال ابن الملك: أراد بهم: الملائكة الذين يكتبون أعمال العباد ويحفظونها لأجلهم، ومعنى (كونه معهم): أن يكون في منازلهم، ورفيقًا لهم في الآخرة؛ لاتصافه بصفتهم من جهة أنه حامل الكتاب وأمين عليه.

و(البررة) جمع البار بمعنى: المحسن. انتهى.

قوله: "الماهر بالقرآن" قال الهروي: من المهر؛ وهو الحذق بالسباحة؛ يعني: الحاذق المتقن بتلاوته.

قلت: ومنه قول امرئ القيس:

وترى الضب خفيفًا ماهرًا

ثانيًا برثنَهُ ما ينعفرْ

(البراثن) بمنزلة الأصابع من الإنسان (ما ينعفر) أي: لا يصيبه العفر؛ وهو التراب.

وقال المهلب: المهارة في القرآن: جودة التلاوة بجودة الحفظ، ولا يتردد فيه؛ لأن الله سبحانه يسره عليه؛ كما يسره على الملائكة، فهو على مثلهم في الحفظ والدرجة.

ص: 227

وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ يَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ .. لَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ".

===

و(السفرة) - جمع سافر - وهم ملائكة الوحي، سموا بذلك؛ لأنهم يسفرون بين الله وبين خلقه، وهم رؤساء الملائكة.

وقيل: هم الكتبة، والكاتب يسمى سافرًا، ومنه: أسفار الكتاب، وعلى هذا؛ فوجه كونهم مع الملائكة: أن حملة القرآن يبلغون كلام الله إلى خلقه، فهم سفراء بين رسل الله وبين خلقه، فهم معهم؛ أي: في مرتبتهم في هذه العبادة، ويستفاد من هذا أن حملة القرآن ينبغي لهم الاعتناء في التبليغ والتعليم والاجتهاد في تحصيل الصدق وإخلاص النية لله تعالى؛ حتى تصح لهم المناسبة بينهم وبين الملائكة. انتهى.

(والذي يقرؤه) أي: يقرأ القرآن حالة كونه (يتتعتع) أي: يتردد (فيه) أي: في تلاوة القرآن عيًّا وصعوبةً، وتبلد عليه لسانه، ويقف في قراءته؛ لعدم مهارته؛ والتعتعة في الكلام: العي فيه، وهو من مزيد الرباعي بحرف؛ كتدحرج.

وجملة قوله: (وهو) أي: القرآن (عليه) أي: على ذلك القارئ (شاق) أي: شديد تصيبه مشقته، حال من ضمير (فيه)، (له) أي: لذلك المتردد فيه (أجران) أي: ثوابان؛ أجر لقرائته، وأجر لتحمل مشقته.

وقوله: (اثنان) صفة مؤكدة لأجران؛ وهو زيادة من المؤلف على غيره، وهذا تحريض على تحصيل القراءة، وليس معناه: أن الذي يتتعتع فيه له من الأجر أكثر من أجر الماهر، بل الماهر أفضل، وله أجور كثيرة؛ حيث اندرج في سلك الملائكة. انتهى "ملا علي".

ولم يذكر هذه المنزلة لغيره وكيف يلحق به من لم يعتن بكتاب الله وحفظه وإتقانه وكثرة تلاوته ودرايته؛ كاعتنائه حتى مهر فيه. انتهى "إكمال المعلم".

ص: 228

(79)

- 3723 - (2) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا شَيْبَانُ،

===

والحاصل: أن المضاعفة للماهر لا تحصى؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف وأكثر، والأجر شيء مقدر، وهذا له أجران من تلك المضاعفات، والله أعلم.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التفسير، باب في تفسير سورة عبس، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب في فضيلة حافظ القرآن، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب في ثواب قراءة القرآن، والترمذي في كتاب ثواب القرآن، باب ما جاء في فضل قارئ القرآن، قال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في "المسند".

وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.

* * *

ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(79)

- 3723 - (2)(حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار (باذام) العبسي الكوفي، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (213 هـ). يروي عنه:(ع).

(أنبأنا شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي أبو معاوية البصري، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (164 هـ). يروي عنه:(ع).

ص: 229

عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ، فَيَقْرَأُ وَيَصْعَدُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً حَتَّى يَقْرَأَ آخِرَ شَيْءٍ مَعَهُ".

===

(عن فراس) - بكسر أوله وبمهملة - ابن يحيى الهمداني الخارفي - بمعجمة وفاء - أبي يحيى الكوفي المكتب، صدوق ربما وهم، من السادسة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (129 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن عطية) بن سعد بن جنادة - بضم الجيم بعدها نون خفيفة - العوفي الجدلي - بفتح الجيم المهملة - أبي الحسن الكوفي، صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلسًا، من الثالثة، مات سنة إحدى عشرة ومئة (111 هـ). يروي عنه:(د ت ق).

(عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عطية العوفي، وهو مختلف فيه.

(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقال) من جهة الله تعالى يوم القيامة الصاحب القرآن) وحافظه (إذا دخل الجنة) ونجا من أهوال يوم القيامة: (اقرأ) آية من القرآن (واصعد) أي: واطلع درجةً من درجات الجنة (فيقرأ) آية منه (ويصعد) درجة من درجاتها، ثم يقال له: اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد (بكل آية درجةً) من درجاتها (حتى يقرأ آخر شيء) كان (معه) من ايات القرآن فيصعد آخر درجة من درجاتها.

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث أبي سعيد أيضًا، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" في كتاب فضائل القرآن، باب من قال لصاحب القرآن: اقرأ وارقه، وأبو داوود في كتاب

ص: 230

(80)

- 3724 - (3) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ بَشِيرِ بنِ مهاجِرٍ،

===

الصلاة، باب استحباب الترتيل في القرآن، والترمذي في كتاب ثواب القرآن، باب الذي ليس في جوفه قرآن كالبيت الخرب، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

ودرجته: أنه صحيح بما قبله وإن كان سنده حسنًا، ولأن له شواهد؛ كما بيناه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.

* * *

ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(80)

- 3723 - (3)(حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه (ق).

(حدثنا وكيع) بن الجراح، (عن بشير بن مهاجر) الغنوي - بالمعجمة والنون - الكوفي، صدوق لين الحديث رمي بالإرجاء، من الخامسة. يروي عنه:(م عم). وفي "التهذيب": رأى أنس بن مالك. روى عن: عبد الله بن بريدة، والحسن البصري، ويروي عنه: وكيع، وابن نمير، وعبد الله بن المبارك، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه الثقات، وقال النسائي: ليس به بأس.

قلت: قال ابن حبان في "الثقات": دلس عن أنس ولم يره، وكان يخطئ كثيرًا، وقال العجلي: كوفي، ثقة، وقال العقيلي: مرجئ متهم متكلم فيه فهو مختلف فيه.

ص: 231

عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي أَسْهَرْتُ لَيْلَكَ وَأَظْمَأْتُ نَهَارَكَ".

===

(عن) عبد الله (بن بريدة) بن الحصيب - بالتصغير فيهما - الأسلمي أبي سهل المروزي قاضيها، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (105 هـ)، وقيل: بل خمس عشرة. يروي عنه: (ع).

(عن أبيه) بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثلاث وستين (63 هـ). يروي عنه:(ع).

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه بشير بن المهاجر، وهو مختلف فيه.

(قال) بريدة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب) أي: على صورة الرجل المتغير اللون، قال السيوطي: هو المتغير اللون والجسم، لعارض من العوارض؛ كمرض أو سفر أو نحوهما.

وكأنه يجيء على هذه الهيئة؛ ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا؛ ليشهد له بعمله أو للتنبيه له على أنه تغير؛ كما تغير لونه في الدنيا لأجل القيام بالقرآن .. كذلك يتغير القرآن يوم القيامة إلى تلك الهيئة، لأجل السعي والاجتهاد في تحصيل درجة صاحبه حتى ينال صاحبه الدرجة القصوى في الآخرة.

(فيقول) القرآن لصاحبه: (أنا الذي أسهرتـ) ك جميع (ليلك) في الدنيا أي: منعتك النوم؛ بسبب القيام والصلاة بي طول الليل.

(و) أنا الذي (أظمأتـ) ك؛ أي: أشغلتك عن الشراب اللذيذ طول (نهارك) باشتغالك بتلاوتي.

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أبو بكر بن أبي شيبة في

ص: 232

(81)

- 3725 - (4) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ

===

"مسنده" عن الفضل بن دكين عن بشير بن المهاجر به بزيادة طويلة في آخره، وأخرجه الإمام أحمد في "المسند" والدارمي في كتاب فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة وآل عمران، وبنحوه من حديث النواس بن سمعان عند مسلم في كتاب صلاة مسافرين، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة.

ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عائشة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(81)

- 3725 - (4)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي (قالا: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح) السمان، ثقة، من انثالثة، مات سنة إحدى ومئة (101 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحب) ويود (أحدكم) أيها المؤمنون بهمزة الاستفهام التقريري؛ أي: هل يحب أحدكم أيها الحاضرون (إذا رجع إلى أهله) أي: إلى مسكنه الذي يسكن فيه أهله وعياله (أن يجد فيه) أي: في منزله (ثلاث خلفات) - بفتح الخاء وكسر

ص: 233

عِظَامٍ سِمَانٍ؟ "، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: "فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَؤُهُنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ .. خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ عِظَامٍ".

===

اللام - هي الحوامل من الإبل إلى أن يمضي عليها نصف أمدها ومدة حملها، ثم هي عشار، والواحدة: خلفة وعشراء. انتهى "نووي"، وخص الخلفات؛ لأنها محبوبات عند المعرب، ولأن إيراد الحكم بالمثال بها أرسخ وأوقع في النفس. انتهى من "الأبي"، (عظام) الجسم (سمان) اللحم؟

قال أبو هريرة: (قلنا) معاشر الحاضرين في جواب استفهام الرسول صلى الله عليه وسلم: (نعم) نحب ذلك يا رسول الله، فـ (قال) لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:(فثلاث آيات)، قال الطيبي: الفاء فيه؛ للإفصاح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره إذا تقرر عندكم ما قلتم من أنكم تحبون ما ذكرت لكم، وأردتم بيان ما هو أفضل لكم من ذلك .. فأقول لكم: ثلاث آيات (يقرؤهن أحدكم في صلاته) أي: أجرها (خير له) أي: لأحدكم (من ثلاث خلفات سمان عظام) لأن هذه من الباقيات الصالحات، وتلك من الزائلات الفانيات.

قال السنوسي: والحديث ورد على سبيل الطاعة للنفس وتنشيطها؛ بحيث يصطحب العقل والخيال على إيثار طاعة الله تعالى، وتستلذ النفس والجوارح بها أعظم من استلذاذها بالسعي في الحظوظ الدنيوية، وإلا .. فالحرف الواحد من القرآن والتسبيحة الواحدة .. خير من ملك الدنيا بحذافيرها. انتهى منه.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه، وأحمد في "المسند"، والدارمي في كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن.

ص: 234

(82)

- 3726 - (5) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَر، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْقُرْآنِ

===

ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث عائشة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال

(82)

- 3726 - (5)(حدثنا أحمد بن الأزهر) بن منيع أبو الأزهر العبدي النيسابوري، صدوق كان يحفظ، ثم كبر فصار كتابه أثبت من حفظه، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (263 هـ). يروي عنه:(س ق).

(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الحميري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (211 هـ). يروي عنه:(ع).

(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (154 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان العنزي البصري، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (131 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن نافع) مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه:(ع).

(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

(قال) ابن عمر: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل القرآن) وشبهه

ص: 235

مَثَلُ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ؛ إِنْ تَعَاهَدَهَا صَاحِبُهَا بِعُقُلِهَا .. أَمْسَكَهَا عَلَيْه، وَإِنْ أَطْلَقَ عُقُلَهَا .. ذَهَبَتْ".

===

وصفته في الاحتياج إلى التحافظ والتعاهد عليه (مثل الإبل المعقلة) - بضم الميم وفتح المهملة والقاف المشددة - على صيغة اسم المفعول، من التعقيل، أي: المشدودة المربوطة بالعقل - بضمتين - والعقل جمع عقال؛ كالكتب جمع كتاب؛ والعقال: هو الحبل الذي يشد به ذراع البعير.

(إن تعاهدها) وواظب (صاحبها) مالكًا كان أو مستأجرًا أو مستعيرًا مثلًا على حفظها (بعقلها) أي: بحبالها المشدودة على ذراعها إن قرأناه بضمتين، أو بشد ربطها إن قرأناه بفتح فسكون.

(أمسكها عليه) أي: أبقاها على نفسه (وإن أطلق) أي: فك وحل (عقلها) المشدودة عليها .. (ذهبت) وشردت وخرجت من يده، وصارت ضالة منه.

يريد أن القرآن في سرعة الذهاب والخروج من صدور الرجال؛ كالإبل المطلقة من العقل إذا لم يعاهد عليه صاحبه بالمذاكرة والمراجعة إليه.

ولفظ مسلم: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما مثل صاحب القرآن) أي: إنما مثل وشبه حافظ القرآن؛ أي: مع القرآن؛ والمراد بصاحبه: من ألف تلاوته نظرًا، أو عن ظهر قلب.

وعبارة "المفهم": وصاحب القرآن هو الحافظ له، المشتغل به، الملازم لتلاوته، ولفظ الصحبة في أصل اللغة: مستعمل في إلف الشيء وملازمته، ومنه: أصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى منه.

(كمثل) صاحب (الإبل المعقلة) على صيغة اسم المفعول بالتشديد وبعدمه؛ أي: مثل صاحب القرآن مع القرآن كمثل صاحب الإبل مع الإبل.

ص: 236

(83)

- 3727 - (6) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،

===

والتشبيه بين الصاحبين: (إن عاهد) صاحبها وراقب (عليها) وحفظها ولازمها .. (أمسكها) أي: استمر إمساكه لها (وإن أطلقها) أي: أطلق عقالها وفكها .. (ذهبت) وانفلتت وشردت ولا يجدها، وخص المثل بالإبل؛ لأنها أشد الحيوان الأهلي نفورًا وشرودًا.

قال الأبي: فالتشبيه إنما هو بالإبل النافرة التي لا تثبت معقلة، وإلا .. فالأكثر في المعقلة أنها تثبت ولا تنفر. انتهى منه.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الأمر بتعهد القرآن، والنسائي وابن أبي شيبة.

فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث عائشة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(83)

- 3727 - (6)(حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد الأموي (العثماني) مولاه المدني نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (241 هـ). يروي عنه:(س ق).

(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (184 هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه:(ع).

(عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحرقي - بضم المهملة وفتح الراء

ص: 237

عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "قَالَ اللهُ عز وجل: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي شَطْرَيْنِ؛

===

بعدها قاف - أبي شبل - بكسر المعجمة وسكون الموحدة - المدني، صدوق ربما وهم، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومئة (133 هـ). يروي عنه:(م عم).

(عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني مولى الحرقة - بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف - ثقة، من الثالثة. يروي عنه:(م عم).

(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

(قال) أبو هريرة: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حالة كونه (يقول) فيما يرويه عن ربه؛ يعني: الحديث القدسي: (قال الله عز) أي: اتصف بكل الكمالات (وجل) أي: تنزه عن كل النقائص (قسمت الصلاة) أي: الفاتحة؛ والمراد بالصلاة هنا: الفاتحة؛ لأنها لا تصح إلا بها، قال ابن الملك: أراد بالصلاة: القراءة؛ لأنها جزأها.

ويطلق كل منهما على الآخر مجازًا، ومنه قوله تعالى:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} (1)؛ أي: بقراءتك، وقوله:{إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (2)؛ يعني: صلاة الفجر.

والمراد من الصلاة هنا: قراءة الفاتحة؛ بقرينة تتمة الحديث: (بيني وبين عبدي شطرين) أي: نصفين، هذا قرينة قوية للمجاز المذكور؛ فإن الصلاة خالصة لله تعالى لا تكون مقسومة.

قال السندي: ووجه الاستدلال بهذا التقسيم على وجوب الفاتحة، كما قاله أبو هريرة: هو أن قسمة الفاتحة جعلت قسمةً للصلاة، واعتبرت الصلاة مقسومة

(1) سورة الإسراء: (110).

(2)

سورة الإسراء: (78).

ص: 238

فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ"، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اقْرَؤُوا يَقُولُ الْعَبْدُ:

===

باعتبارها، ولا يظهر ذلك إلا عند لزوم الفاتحة فيها.

قال ابن الملك: قوله: (شطرين) اعلم: أن تقسيم الفاتحة نصفين بمعنى: أن بعضها ثناء إلى قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وبعضها دعاء؛ وهو من قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

} إلى آخر السورة.

والشطر هنا بمعنى البعض، لا أنها منصفة حقيقة؛ لأن طرف الدعاء أكثر من طرف الثناء، وقيل: إنها منصفة حقيقةً؛ لأنها سبع آيات؛ ثلاث ثناء من قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ

} إلى {يَوْمِ الدِّينِ} ، وثلاث دعاء من قوله: {اهْدِنَا

} إلى آخرها، والآية المتوسطة: نصفها ثناء، ونصفها دعاء. انتهى "ابن الملك".

وعلى هذا الحساب لا تدخل البسملة في الفاتحة، وهو مطلوب لنا، قال ملا علي: وتمسك أصحابنا بهذا الحديث على أن البسملة ليست من الفاتحة، وبوجه آخر؛ وهو أنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر التسمية فيما حكاه عن الله سبحانه وتعالى. انتهى من بعض الهوامش.

(فنصفها) الأول ثناء (لي، ونصفها) الأخير دعاء (لعبدي، ولعبدي ما سألـ) ني من الإعانة، وفي هذا بشارة عظيمة للعبد.

(قال) أبو هريرة: (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا) الفاتحة أيها المسلمون في صلاتكم؛ فإنها واجبة عليكم في صلاتكم؛ لأن بعضها ثناء لله، وبعضها دعاء من العبد لربه، وقول المؤلف في روايته:(يقول العبد) فيقول الله في جميع المواضع بمعنى: (فإذا قال العبد .. قال الله) مع زيادة (إذا) الشرطية وجعل (فاء) الربط زائدة؛ لأنها لا تدخل على الماضي؛ كما

ص: 239

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، فَيَقُولُ اللهُ عز وجل: حَمِدَنِي عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَيَقُولُ:{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، فَيَقُولُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، فَيَقُولُ اللهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي فَهَذَا لِي وَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْن، يَقُولُ الْعَبْدُ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، يَعْنِي: فَهَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ،

===

هو كذلك في رواية مسلم وغيره، فكأنه تحريف من النساخ في رواية المؤلف.

وجملة إذا المقدرة تعليل لمحذوف؛ تقديره: وإنما أمرتكم بقراءة الفاتحة في الصلاة؛ لأنه إذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، فيقول الله عز وجل: حمدني عبدي) أي: أثنى علي بربوبيتي.

وقول المؤلف هنا: (ولعبدي ما سأل) ساقط في رواية مسلم؛ وهو تحريف من النساخ أو سبق قلم.

(فيقول) العبد: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، فيقول) الله عز وجل:(أثنى علي عبدي) بصفاتي وإنعامي، وقوله هنا أيضًا:(ولعبدي ما سأل) تحريف من النساخ، أو سبق قلم أيضًا.

(يقول) العبد: ({مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، فيقول الله) عز وجل: (مجدني عبدي) أي: عظمني بجلالي وسلطاني.

وقوله: (فهذا لي وهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين) تحريف من النساخ أيضًا.

(يقول العبد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، يعني: ) يقول الله عز وجل: (فهذه) المقولة التي قالها العبد في هذه المرة مقسومة (بيني) يعني: قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} (وبين عبدي) يعني: قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (ولعبدي ما سأل) من الإعانة.

ص: 240

يَقُولُ الْعَبْدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، فَهَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ".

===

(يقول العبد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ

عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}) قال الله عز وجل: (فهذا) المقول (لعبدي) خاصة (ولعبدي) جميع (ما سأل) من الهداية وغيرها من تثبيته عليها ومعونته عليه.

وفي "المفهم": قوله: (قسمت الصلاة) يعني: أم القرآن، سماها صلاة؛ لأن الصلاة لا تتم أو لا تصح إلا بها.

ومعنى القسمة هنا: من جهة المعاني؛ لأن نصفها الأول في حمد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه وتوحيده، والنصف الثاني: في اعتراف العبد بعجزه وحاجته وسؤاله في تثبيته لهدايته ومعونته على ذلك.

وهذا التقسيم حجة على أن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ليست من الفاتحة، خلافًا للشافعي، وسيأتي قوله.

وقوله: (حمدني عبدي) أي: أثنى علي بصفات كمالي وجلالي، وقوله:(مجدني) أي: شرفني؛ أي: اعتقد شرفي ونطق به؛ والمجد: نهاية الشرف؛ والمجيد: هو الكثير بصفات الكمال، وهو مطابق لقوله:(مالك يوم الدين) لأنه تعالى هو المنفرد في ذلك اليوم بالملك؛ إذ لا تبقى دعوى لمدع.

و(الدين) الجزاء والحساب والطاعة والعبادة والملك، وقوله:(نعبد) أي: نخضع ونتذلل، (نستعين) نسألك العون، (اهدنا) أرشدنا وثبتنا على الهداية، و (الصراط المستقيم) الذي لا اعوجاج فيه، و (المنعم عليهم): هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، و (المغضوب عليهم): اليهود، و (الضالين): النصارى.

ص: 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

كذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عدي رضي الله تعالى عنه، رواه أحمد والترمذي.

وفي "المنهاج": قوله: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين" قال العلماء: والمراد: قسمتها من حيث المعنى؛ لأن نصفها الأول تحميد الله تعالى وتمجيده وثناء عليه وتفويض إليه، والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار.

واحتج القائلون بأن البسملة ليست من الفاتحة بهذا الحديث، وهو من أوضح ما احتجوا به، قالوا: لأنها سبع آيات بالإجماع؛ فثلاث في أولها ثناء؛ أولها: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}

وثلاث دعاء؛ أولها: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، والسابعة متوسطة؛ وهي:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، قالوا: ولأنه سبحانه وتعالى قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين

إلى آخره، فلم يذكر البسملة مع ذلك، ولو كانت منها .. لذكرها.

وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول: إن البسملة آية من الفاتحة بأجوبة:

أحدها: أن النصف عائد إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة، هذا باعتبار حقيقة اللفظ.

والثاني: أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة.

والثالث: معناه: فإذا انتهى العبد في قراءته إلى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

وقال العلماء أيضًا قوله تعالى: (حمدني) و (أثنى علي) و (مجدني) إنما قاله؛ لأن التحميد: هو الثناء بجميل الفعال؛ والتمجيد: الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه في ذلك كله، ولذلك جاء جوابًا لـ (لرحمن

ص: 242

(84)

- 3728 - (7) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن،

===

الرحيم) لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية. انتهى.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، والترمذي في كتاب التفسير (2)، باب فضل فاتحة الكتاب، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، والنسائي في كتاب الافتتاح، باب ترك قراءة (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، "والموطأ" في كتاب الصلاة، باب القراءة خلف الإمام.

فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث عائشة بحديث أبي سعيد بن المعلى رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(84)

- 3728 - (7)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا غندر) محمد بن جعفر الهذلي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه:(ع).

(عن شعبة) بن الحجاج، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (160 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن خبيب) بموحدتين مصغرًا (ابن عبد الرحمن) بن خبيب بن يساف الأنصاري أبي الحارث المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (132 هـ). يروي عنه:(ع).

ص: 243

عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

===

(عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العمري، ثقة، من الثالثة. يروي عنه:(ع).

(عن أبي سعيد بن المعلى) الأنصاري المدني، يقال: اسمه رافع بن أوس، وقيل: الحارث، وقواه ابن عبد البر ووهى الذي قبله، وقيل: ابن نقيع، الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثلاث وسبعين (73 هـ)، وقيل: غير ذلك. يروي عنه: (خ د س ق).

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

(قال) أبو سعيد: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية البخاري هنا زيادة: (قال) أبو المعلى: (كنت أصلي في المسجد) النبوي (فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه) أي: لم أجب نداءه.

زاد في تفسير الأنفال من وجه آخر عن شعبة: فلم آته حتى صليت، ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله؛ إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم"، زاد أبو ذر:(لما يحييكم).

واستدل به: على أن إجابته واجبة يعصي المرء بتركها، وهل تبطل الصلاة بها أم لا؟

صرح جماعة من أصحابنا الشافعية وغيرهم بعدم البطلان وأنه حكم مختص به صلى الله عليه وسلم؛ فهو مثل خطاب المصلي له بقوله: السلام عليك أيها النبي، ومثله لا يبطل الصلاة، وفيه بحث؛ لاحتمال أن تكون إجابته واجبة، سواء كان المخاطب في الصلاة أم لا، أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج .. فليس في الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب

ص: 244

"أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟ "، قَالَ: فَذَهَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِيَخْرُجَ فَأَذْكَرْتُهُ فَقَالَ: " {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ،

===

الإجابة، ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية.

ثم نعود إلى متن ابن ماجه، ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ألا) أي: انتبه واستمع ما أقول لك: (أعلمك أعظم سورة في القرآن) لعظم قدرها بالخاصية التي لم يشاركها فيها غيرها من السور؛ لاشتمالها على فوائد ومعان كثيرة، مع وجازة ألفاظها.

واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض، وهو محكي عن أكثر العلماء؛ كابن راهويه وابن العربي، ومنع من ذلك الأشعري والباقلا ني وجماعة؛ لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل، وأسماء الله تعالى وصفاته وكلامه لا نقص فيها.

وأجيب: بأن التفضيل إنما هو بمعنى: أن ثواب بعضه أعظم من بعض، فالتفضيل إنما هو من حيث المعاني، لا من حيث الصفة.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الحاكم: أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها (قبل أن أخرج من) هذا (المسجد؟ قال) أبو سعيد: (فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج) من المسجد قبل أن يعلمني تلك السورة.

قال أبو سعيد: (فأذكرته) صلى الله عليه وسلم ما وعدني من تعليم السورة قبل الخروج، من الإذكار بمعنى: التذكير، لعله نسي ما وعدني من ذلك.

وزاد في البخاري: (فقلت له: يا رسول الله؛ ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ )(فقال) لي: هي ("الحمد لله رب العالمين") وهو

ص: 245

وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ".

===

خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: هي أي: تلك السورة التي هي أعظم السور؛ كما صرح به في رواية معاذ في سورة الأنفال.

(وهي) أي: وتلك السورة التي هي (الحمد لله رب العالمين)(السبع المثاني) أي: المسماة بالسبع المثاني، سميت بالسبع؛ لأنها سبع آيات؛ كسورة الماعون لا ثالث لهما.

وقيل للفاتحة: (المثاني): لأنها تثنى على مرور الأوقات؛ أي: تكرر فلا تنقطعُ، وتُدْرس فلا تَنْدرس.

وقيل: لأنها تثنى في كل ركعة، أي: تعاد، أو أنها يثنى بها على الله تعالى، أو استثنيت لهذه الأمة لم تنزل على من قبلها.

فإن قيل: في الحديث: (المثاني)، وفي القرآن:{سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} (1).

أجيب: بأنه لا اختلاف بين الصيغتين إذا جعلنا (من) للبيان.

(و) هي أيضًا (القرآن العظيم الذي أوتيته) أي: أعطيته دون غيري من الأنبياء، قال التوربشتي: إن قيل: كيف صح عطف القرآن على (السبع المثاني) وعطف الشيء على نفسه مما لا يجوز عندهم.

قلنا: ليس كذلك، وإنما هو من باب ذكر الشيء بوصفين أحدهما معطوف على الآخر؛ والتقدير: آتيناك ما يقال له: السبع المثاني والقرآن العظيم؛ أي: الجامع لهذين النعتين.

وقال الطيبي: عطف (القرآن) على (السبع المثاني) المراد منه: الفاتحة؛ من باب عطف العام على الخاص؛ تنزيلًا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات، وإليه أومأ صلى الله عليه وسلم بقوله: (ألا أعلمك أعظم سورة في

(1) سورة الحجر: (87).

ص: 246

(85)

- 3729 - (8) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبَّاسٍ الْجُشَمِيِّ،

===

القرآن) حيث نكر السورة وأفردها؛ ليدل على أنك إذا تقصيت سورة سورة في القرآن .. وجدتها أعظم منها، ونظيره في النسق لكن من عطف الخاص على العام؛ نظير قوله:{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} (1). انتهى منه، انتهى من "الإرشاد".

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب فاتحة الكتاب، والنسائي في كتاب الافتتاح، باب السبع المثاني.

ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث عائشة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(85)

- 3729 - (8)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (201 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن شعبة) بن الحجاج، (عن قتادة) بن دعامة، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه:(ع).

(عن عباس الجشمي) - بضم الجيم وفتح المعجمة - وقيل: عياش

(1) سورة البقرة: (98).

ص: 247

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ سُورَةً فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ".

===

- بالتحتانية بدل الموحدة - يقال: اسم أبيه: عبد الله، مقبول، من الثالثة. يروي عنه:(عم). روى عن: عثمان، وأبي هريرة، ويروي عنه: قتادة، وسعيد الجريري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، أخرجوا له حديثًا واحدًا في فضل سورة تبارك.

(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

(عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن سورة) عظيمة القدر كائنة (في القرآن ثلاثون آية) خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: هي ثلاثون آية، والجملة الاسمية صفة لاسم إن (شفعت) - بالتخفيف - خبر إن؛ تقديره: إن سورة كائنة في القرآن موصوفة بكونها ثلاثين آية شافعة (لصاحبها) أي: لقارئها وتاليها على الدوام عند ربه (حتى غفر) ت (له) ذنوبه يوم القيامة، أي: حتى غفر الله له ذنوبه، وقيل: خبر إن (ثلاثون آية)، وقوله:(شفعت) خبر ثان لإن.

وقوله: (حتى غفر له) متعلق بـ (شفعت) وهو يحتمل أن يكون بمعنى المضي في الخبر؛ يعني: كان رجل يقرؤها ويعظم قدرها، فلما مات .. شفعت له حتى دفع عنه عذابه.

ويحتمل: أن يكون بمعنى المستقبل؛ أي: تشفع لمن يقرؤها في القبر أو يوم القيامة (وهي) أي: تلك السورة؛ كما هو مصرح في "الترمذي"(تبارك الذي بيده الملك) أي: إلى آخرها.

وقد استدل بهذا الحديث من قال: البسملة ليست من السورة وآيةً تامةً منها؛ لأن كونها ثلاثين آية إنما يصح على تقدير كونها آية تامة منها، والحال

ص: 248

(86)

- 3730 - (9) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ،

===

أنها ثلاثون آية من غير كونها آية تامة منها؛ فهي إما ليست بآية تامة منها؛ كمذهب أبي حنيفة ومالك والأكثرين، وإما ليست بآية تامة، بل هي جزء من الآية الأولى؛ كرواية في مذهب الشافعي. انتهى من "تحفة الأحوذي".

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب في عدد الآي، والترمذي في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة الملك، وقال: هذا حديث حسن، والنسائي، وأحمد في "المسند".

فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف ثامنًا لحديث عائشة بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(86)

- 3730 - (9)(حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا خالد بن مخلد) القطواني - بفتح القاف والطاء - أبو الهيثم البجلي مولاهم الكوفي، صدوق يتشيع وله أفراد، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (213 هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه:(خ م ت س ق).

(حدثنا سليمان بن بلال) التيمي مولاهم أبو محمد المدني، ثقة، من الثامنة، مات سنة سبع وسبعين ومئة (177 هـ). يروي عنه:(ع).

(حدثني سهيل) بن أبي صالح ذكوان السمان أبو يزيد المدني، صدوق تغير حفظه بأخرة، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه:(ع).

ص: 249

عَنْ أَبيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ".

===

(عن أبيه) أبي صالح السمان ذكوان الزيات المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (101 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سورة ("قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن) أي: يعدل ويساوي أجر قراءتها أَجْرَ قراءة ثُلُثِ القرآن، قال النووي: وفي الرواية الأخرى: (إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل "قل هو الله أحد" جزءًا من أجزاء القرآن).

قال القاضي: قال المازري: قيل: معناه: أن القرآن على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وصفات لله تعالى، و (قل هو الله أحد) متمحضة للصفات، فهي ثلث وجزء من ثلاثة أجزاء، وقيل: معناه: أن ثواب قراءتها يضاعف بقدر ثواب قراءة ثلث القرآن بغير تضعيف. انتهى من "العون".

وفي "الأبي": قال ابن رشد: والذي عندي في معنى: (تعدل ثلث القرآن): أن ما ترتب من الثواب على ختمة، ثلثه لها، وثلثاه لبقيتها، وليس معناه أن من قرأها وحدها .. يكون له مثل ثواب ثلث ختمة، ولو كان معناه كذلك .. لآثر العلماء قراءتها على قراءة السور الطوال في الصلاة، وقراءتها ثلاث مرات على قراءة سائر القرآن، وقد أجمعوا على أن قراءتها ثلاث مرات لا يساوي في الأجر قراءة من أحيا الليل بختمة. انتهى منه.

قال القرطبي: وإيضاح معنى هذا الحديث: أن القرآن بالنسبة إلى معانيه الكلية على ثلاثة أقسام: قصص، وأحكام، وأوصاف لله تعالى، و (قل

ص: 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

هو الله أحد) تشتمل على ذكر أوصاف الحق سبحانه وتعالى، فكانت ثلثًا من هذه الجهة.

قلت: وهذا إنما يتم إذا حقق أن هذه السورة مشتملة على ذكر جميع أوصافه تعالى، وليس ذلك ظاهرًا فيها، لكنها اشتملت على اسمين من أسمائه يتضمنان جميع أوصاف كماله تعالى، لم يوجدا في غيرها من جميع السور، وهما الأحد والصمد؛ فإنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع صفات الكمال المعظمة.

فالأحد في أسمائه تعالى مشعر بوجوده الخاص به الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو المعبر عنه بواجب الوجود.

وأما الصمد .. فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال؛ فإن الصمد هو الذي انتهى سؤدده؛ بحيث يصمد إليه في الحوائج كلها؛ أي: يقصد، ولا يصح ذلك تحقيقًا إلا ممن حاز جميع خصال الكمال حقيقة، وذلك لا يكمل إلا لله تعالى؛ فهو الأحد الصمد الذي {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (1).

فقد ظهر أن لهذين الاسمين من شمول الدلالة على الله تعالى وصفاته ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا بموجودين في شيء من سور القرآن، فظهرت خصوصية هذه السورة بأنها ثلث القرآن؛ كما قررناه.

وقد كثرت أقوال الناس في هذا المعنى، وهذا أنسبها وأحسنها حسب ما ظهر، فلنقتصر عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى من "المفهم" باختصار.

(1) سورة الإخلاص: (3 - 4).

ص: 251

(87)

-3731 - (10) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ،

===

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شواهد في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء.

فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف تاسعًا لحديث عائشة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(87)

- 3731 - (10)(حدثنا الحسن بن علي) بن محمد الهذلي أبو علي (الخلال) الحلواني - بضم المهملة - نزيل مكة، ثقة حافظ له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (242 هـ). يروي عنه:(خ م د ت ق).

(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (206 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن جرير بن حازم) بن زيد بن عبد الله الأزدي أبي النضر البصري والد وهب، ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، من السادسة، مات سنة سبعين ومئة (170 هـ) بعدما اختلط، لكن لم يحدث بعدما اختلط. يروي عنه:(ع).

(عن قتادة) بن دعامة، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه:(ع).

ص: 252

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ".

(88)

- 3732 - (11) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ،

===

(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

(قال) أنس: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل هو الله أحد" تعدل) وتساوي (ثلث) سائر (القرآن) من حيث المعنى والمدلول، وقد تقدم بسط الكلام على معناه في الحديث الذي قبله، فراجعه.

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد من الأحاديث المذكورة قبله وبعده وغيرهما، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف عاشرًا لحديث عائشة بحديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(88)

- 3732 - (11)(حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).

أحدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه:(ع).

(عن سفيان) بن سعيد الثوري، ثقة إمام كوفي، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (161 هـ). يروي عنه:(ع).

ص: 253

عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللهُ أَحَدٌ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ".

===

(عن أبي قيس) عبد الرحمن بن ثروان - بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة - (الأودي) الكوفي، صدوق ربما خالف، من السادسة، مات سنة عشرين ومئة (120 هـ). روى عن: عمرو بن ميمون، ويروي عنه: الثوري، وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، يقدم على عاصم، وقال العجلي: ثقة ثبت، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة، وقال أحمد في روايته عنه: ليس به بأس، وبالجملة: قد وثقه الجمهور. يروي عنه: (خ عم).

(عن عمرو بن ميمون) الأودي أبي عبد الله، ثقة عابد مخضرم مشهور، من الثانية، نزل الكوفة، مات سنة أربع وسبعين (74 هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه:(ع).

(عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة (الأنصاري) البدري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات قبل الأربعين، وقيل بعدها. يروي عنه:(ع).

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(قال) أبو مسعود: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل هو (الله أحد الواحد الصمد تعدل) وتساوي من حيث المعنى والمدلول (ثلث القرآن) لأن مدلولها ذات الله وصفاته، والقرآن من حيث المدلول والمعنى: ثلاثة أقسام: أحكام، وقصص، وذات الله تعالى وصفاته؛ أي: السورة التي مضمونها هذا المذكور تعدل ثلث القرآن من حيث المعنى.

ص: 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد مما ذكر قبله وغيره مما ذكر في الكتب الصحاح، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: أحد عشر حديثًا: الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.

والله سبحانه وتعالى أعلم

ص: 255