الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع
هل السكوت عن النقل نقل للسكوت (هل ترك النقل ينزل منزلة نقل الترك)
؟
ذهب البعض إلى أن عدم نقل الصحابة رضي الله عنهم لما لو فعله النبي صلى الله عليه وسلم لتوفرت هممهم ودواعيهم لنقله يُنَزّل منزلة نقلهم لتركه صلى الله عليه وسلم لذلك الأمر ومن ثَمّ يُستدل به على عدم مشروعية العمل على خلاف ذلك الترك.
وقد نصر ابن قيم الجوزية هذا الرأي، وجعل عدم النقل هذا طريقاً من طرق نقل الترك، وسنّة من السنن، حيث يقول: "والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم-أو أكثرهم أو واحد منهم-على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة، ولا حدَّث به في مجمع أبداً عُلِم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنيّة عند دخوله في صلاة الصبح، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائماً بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات
…
فإن قيل من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدّاً عن معرفة هَدْيِه وسنّته وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقُبِل لاستحبّ لنا مُسْتَحِبُّ الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحبّ لنا مستحِبُّ آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟
…
وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟
…
". (1)
ويرى ابن العربي أن عدم النقل قد يُنزَّل منزلة عدم الدليل، لا وجود الدليل، وهو ما استدل به على ردّ هذهب المالكية في عدم وجوب الزكاة في الخضروات، كما سيأتي بيانه.
والقول بأن كل ما لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله فهو مسكوت عنه وينزّل منزلة النص على أن حكمه الإباحة أمر خطير؛ إذْ قد يؤدي إلى منع إجراء العموم على عمومه ليشمل ما لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وكذلك يقتضي منع القياس، ومقتضى هذا أن تحصر أفراد العام فيما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله فقط، وهذا فيه ما فيه. (2)
(1) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين، ج 2، ص 371 - 372.
(2)
انظر الأشقر: أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، ج 2، ص 65.
والذي يبدو هنا أن الضابط ليس مجرد ترك النقل، ولا حتى نقل الترك لوحدهما، إذْ أن كليهما لا يدلّ مستقلاً عن القرائن على حكم، وإنما الضابط هو ما يحفّ بذلك الترك من قرائن، وأساس ذلك ثلاثة أمور:
1 -
التفريق بين الشعائر التعبديّة والمعاملات، بكون الأصل في الأولى التوقيف، فلا يدخلها -بناءً على ذلك- الإجتهاد والقياس لعدم معقوليّة المعنى الذي خُصّت من أجله بالتشريع دون غيرها من الشعائر وفي الثانية الإجتهاد فيدخلها القياس.
3 -
ورود عموم قولي يشمل المتروك وغيره، فإذا لم يرد عموم قولي يشمل المسكوت عنه، وكان المسكوت عنه تعبديّاً عتُبِر السكوتُ بمثابة قصد الشارع إلى عدم الزيادة على المسكوت عنه ولا النقصان منه، أما إذا ورد عموم قولي يشمل المسكوت عنه وغيره، أو كان المسكوت عنه ليس تعبدياً فإن السكوت لا دلالة له على منع الزيادة أو الإنقاص. ويتضح هذا من خلال المثال الآتي في التفريق بين المسكوت عنه في العبادات وفي إخراج الزكاة من الخضروات.
3 -
النظر في سبب السكوت، هل كان سكوتَ رضا وإقرار، أم أنه كان سكوتاً لعدم توفر دواعي البيان بالقول أو الفعل، أم أنه كان سكوتا لمانع، كما سبق تفصيله.
سكوت الشارع عن إخراج الزكاة من الخضروات:
من المسائل التي اختلف الفقهاء في دلالة سكوت الشارع عنها مسألة إخراج الزكاة من الخضروات. فقد ذهب المالكية والحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى أنه لا زكاة فيها بحجة أنها كانت شائعة بين الناس في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يثبت عنه أنه أخذ الزكاة منها ولا أمر عماله بذلك، فدلّ على أنه لا زكاة فيها، وأن عدم نقل ذلك ينزل منزلة نقل ترك
أخذ الزكاة فيها وأن هذا مخصص لعموم ما ورد في الزكاة من نصوص (1).
وذهب أبو حنيفة ومن تبعه إلى القول بوجوب الزكاة فيها (2). واحتجوا بأن عدم
(1) انظر ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين، ج 2، ص 372، وابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد: مقدمات ابن رشد، (بيروت: دار صادر، د. ط، د. ت)، ج 1، ص 205 - 206.
(2)
انظر في تفصل آراء الفقهاء وأدلتهم فيما تجب فيه الزكاة الموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف الكويتية، ج 23، ص 278 - 280.
النقل لا يُعدّ دليلاً على عدم وجوب الزكاة فيها، وإنما هو عدم دليل فيحال على ما في نصوص القرآن والسنة من أدلة أخرى. وقد وردت نصوص عامة في القرآن والسنة تفيد وجوب إخراج الزكاة مما أخرجت الأرض، منها:
1 -
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267].
2 -
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].
3 -
قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)} [التوبة: 103].
4 -
قوله صلى الله عليه وسلم: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كانَ عَثَرِياً الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ"(1).
واعتماداً على ذلك قال ابن العربي: "فإن قيل: فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ الزكاة من خضر المدينة وخيبر؟ قلنا: كذلك قال علماؤنا، وتحقيقه أنه عدم دليل، لا وجود دليل. فإن قيل: لو أخذها لنقل. قلنا: وأيُّ حاجة إلى نقله والقرآن يكفي فيه"(2).
ومما يدعم الرأي الثاني -القائل بعدم حصر الزكاة في المنصوص عليه بالسنّة- ما ثبت في السنّة من وجوب الزكاة في أربعة أصناف (3) فقط: الحنطة، والشعير والتمر والزبيب (4).
(1) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب (57)، مج 1، ج 2، ص 458 - 459، الحديث (1483).
(2)
ابن العربي: أحكام القرآن، ج 2، ص 752.
(3)
أكثر الأحاديث الواردة ذكرت أربعة أصناف، وزيد صنف خامس (الذرة) في حديث ابن ماجة عن عمرو بن شعيب الآتي ذكره.
(4)
احتج القائلون بحصر الزكاة في الأصناف المذكورة بما رواه ابن ماجة عَن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عَن أَبيِهِ عَنْ جَدَّهِ قَالَ: "إِنَّمَا سَنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ: فِي الْحَنطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالَذرَةٍ". سنن ابن ماجة، أبواب الزكاة، باب (16)، ج 1، ص 334. الحديث (1815) وحديث الحاكم عن أبي موسى ومعاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهما إلى اليمن فأمرهما أَلّا يأخذا الصدقة إلّا من هذه الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب". الحاكم، أبو عبد الله: المستدرك على الصحيحين، (بيروت: دار المعرفة، د. ط، د. ت)، كتاب الزكاة، ج 1، ص 401.
وسكتت السنّة عن كلّ ما عدا هذه الأربعة، (1) ومع ذلك اتفق أصحاب المذاهب الأربعة -ومنهم المانعون للزكاة في الخضراوات- على أن ما تجب فيه الزكاة معلّل وليس توقيفيّاً، بمعنى أنه وإن كان أداء الزكاة في نفسه عبادة فإن ما تجب فيه الزكاة من أصناف مُعلّل وخاضع للقياس، ولذلك نجدهم قد عَدَّوْا الحكم إلى أصناف أخرى غير الأربعة الواردة في السنّة، كلّ بحسب ما رآه علّة لإيجاب الزكاة. وكان الأحرى بالقائلين بعدم وجوب الزكاة في الخضروات لعدم النص عليها الإقتصار على الأصناف المذكورة، وجعل ذلك توقيفيّاً غير معلل، فالقول بتعليل هذا الحكم وتعديته إلى غير الأصناف المذكورة يفسح المجال لتعديته إلى كلّ ما هو مسكوت عنه بما في ذلك الخضروات إذا توفرت فيها العلة.
ونظير هذه المسألة مسألة الربا، فما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أجرى فيه الربا محصور في الأصناف الستة الواردة في الأحاديث، ولم يثبت عنه أنه أجرى الربا في غيرها، ومع ذلك لم يَعُدّ جمهور العلماء ذلك حصراً للربا في تلك الأصناف، وإنما اعتبروه حكماً معلّلاً يتعدى إلى ما يشترك معها في العلة، كلّ على حسب العلّة التي علّل بها الحكم. (2)
ويمكن التوفيق بين الحصر الوارد في السنّة وعموم ما ورد في القرآن الكريم من وجوب إخراج الزكاة في كلّ ما أخرجت الأرض، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفرض في الخضروات الزكاة لعدم شيوعها وقلة شأنها في ذلك الوقت، وكون ما تنتجه لا يضل عادة إلى النصاب، فلذلك لم ينص عليه ضمن الأصناف التي تجب فيها الزكاة، أو يحمل على أنه إحالة لهم على عموم النصوص.
(1) لم يصح في زكاة الخضراوات حديث، وما ورد فيها لا يرقى إلى مرتبة الحسن، لكونها إما مراسيل، أو في إسنادها مجاهيل أو ضعفاء ومتروكين. انظر الشوكاني: نيل الأوطار، ج 5، ص 142 - 144، وقد قال الترمذي:"وليس يصح في هذا الباب (زكاة الخضراوات) عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء". سنن الترمذي، أبواب الزكاة، باب (13)، ج 2، ص 75، إثر الحديث (638).
(2)
انظر ابن العربي: أحكام القرآن، ج 2، ص 752.