الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومذهب البصريين أنه تصغير أبْنى على وزن أفْعل كأضحى، وهو اسم للجمع، مذهب الكوفيين أنه تصغير ابن مثل أدْل، ووزنه فعْل. ومذهب أبي عبد الله أنه تصغير بنين.
وقال صاحب "النهاية": قد اختلف في هذه اللفظة: فقيل هي تصغير أبْنى كأعمى وأعيمى، وهو اسم مفرد يدل على الجمع، وقيل إنّ ابنًا يجمع على أبناء مقصورًا وممدودًا، وقيل هي تصغير ابن وفيه نظر.
وقال أبو عبيد: هي تصغير بنيّ جمع ابن مضافًا إلى النفس، فهذا يوجب أن يكون صيغة اللفظة في الحديث أُبَيْنِيّ بوزن سُرَيْجِيّ.
وقال ابن الحاجب في "أماليه": الأولى أن يقال إنه تصغير بنيّ مجموعًا، وكان أصله بنين، لأنه يكون أضفته إلى ياء المتكلم فصار بنوي في الرفع، وبنيّ في النصب والجرّ، فوجب أن يقلب الواو ياء ويدغم على ما هو قياسها في مثل قولك: ضاربيّ، وكذلك النصب والجر، ولذلك كان لفظ ضاربيّ في الأحوال الثلاث سواء، كرهوا اجتماع الياءات والكسرة فقلبوا اللام إلى موضع الفاء أبينيّ،، وليس في هذا الوجه إلا قلب اللام إلى موضع الفاء. وهو قريب لما ذكرناه من الاستثقال، وقلب الواو المضمومة همزة، وهو جائز قياسًا، وهذا أولى من قول من يقول إنه تصغير أبناء ردًّا إلى الواحد وروعي مشاكلة الهمزة لأنه لو كان تصغيرًا لقيل أبينائي، ولم يردّ إلى الواحد، لأن (أفعالاً) من جمع القلة فيصغر من غير ردّ كقولك: أحيمال، وهو أيضًا أولى من قول من قال: إنه جمع للأبناء صغّر وجمع بالواو والنون لأنه لا يعرف ذلك مفردًا، فلا ينبغي أن يحمل الجمع عليه، ولأنه لا يجمع أفعل اسمًا جمع التصحيح. انتهى.
461 - حديث: "سبحان الله عدد خلقه، وسبحان الله رضى نفسه، وسبحان الله زنة
عرشه، وسبحان الله مداد كلماته".
سئلت قديمًا عن وجه نصب (زنة عرشه) فأجبت بأنه نصب على الظرف، فاستغربه جاهلون، وخلطوا فيما ليس لهم به علم، فألفت في ذلك تأليفًا سميته: رفع السِّنَة في نصب الزِّنَة، وها هو ذا:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يقدر لعرشه زنة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي نزل عليه أفصح الحديث وأحسنه وبعد، فقد سئلت عن وجه النصب في قوله صلى الله عليه وسلم:(سبحان الله وبحمده، زنة عرشه ورضى نفسه وعدد خلقه ومداد كلماته)، والجواب عندي أن هذه الكلمات الأربع منصوبات على تقدير الظرف، والتقدير: قدرَ زنة عرشه، وكذا البواقي، فلما حذف الظرف قام المضاف إليه مقامه في إعرابه، فهذا الإعراب هو المتجه المطرد السالم من الانتقاض.
وقد ذكر السائل أنه هل يصحّ أن يكون منصوبًا على الحال أو المصدر أو على حذف الخافض؟
وأقول: أمّا النصب على المصدر فقد ذكره المظهري في "شرح المصابيح" قال: (عدد خلقه) منصوب على المصدر، أي: أعدّ تسبيحه وتحميده بعدد خلقه، وبمقدار ما يرضاه خالصًا، وبثقل عرشه ومقداره بمقدار كلماته.
وسبقه إلى ذلك الأشرفي في شرحه قال: (عددَ خلقه) وكذلك ما بعده منصوب على المصدر أي: سبحته تسبيحًا يساوي خلقَه عند التعداد، وزنة عرشه ومداد كلماته في المقدار يوجب رضى نفسه. انتهى.
فإن أراد بذلك أنه نفسه مصدر، وأنه منصوب على أنه مفعول مطلق فلا يخفى ما فيه، فإنه لا يكون مصدرًا للتسبيح كما هو واضح، بل يكون مصدرًا لفعل من الزنة، ويكون التقدير: سبحان الله أزِنُهُ زنةَ عرشه، ولا يخفى فساد هذا التقدير، لأنه ليس المراد إنشاء وزن التسبيح، بل المراد إنشاء قول التسبيح، والمعنى: أقول سبحان الله قولاً كثيرًا مقدار زنة عرشه في الكثرة والعظم. وعلى تقدير فعل الزنة يكون المعنى: أزن التسبيح زنة عرشه، وهو ظاهر الفساد.
ثم إذا قدّر في الأخرى: أعدّه عدد خلقه، كما أفصح به المظهري، أدّى إلى أن المعنى: أنشأ عدّ التسبيح، وليس مرادًا، بل المراد: قوله قولاً عدد خلقه. ثم لا يمكنه ذلك في رضى نفسه، فإن قيل: أُرْضيه رضى نفسه، قلنا حينئذ يعود الضمير على غير التسبيح، وهو في أزنه وأعدّه عائد على التسبيح، فيختل التناسق في الكلمات، ثم لا يمكن ذلك في (مداد كلماته) بلا مرية.
ويبقى على كلام المظهري تعقّبان: أحدهما: أنّ عددًا لو كان مصدرًا لم يجئ بالفك لأنه مصدر عدّ بالتشديد كردّ وسدّ قال تعالى: (إنّما نعدُّ لهم عدًّا)[مريم: 84].
والثاني: أنه قال منصوب على المصدر، ثم قال: أي أعدّ تسبيحه بعدد خلقه، فأدخل الباء، وليس هذا شأن المصدر الذي هو مفعول مطلق. لا يقال: ضربت زيدًا بضرب في موضع ضربته ضربًا. ثم قال: وبمقدار ما يرضاه، وبثقل عرشه ومقداره بمقدار كلماته، وهذا كله يبطل القول بأنه منصوب على المصدر، ويؤول إلى نزع الخافض أو الظرفية، فإن النصب على الظرفية ونزع الخافض متقاربان، فإن الظرف منصوب على إسقاط الخافض الذي هو (في)، غير أنه باب مطرد، والنصب بنزع الخافض في غير الظرف غير مطرد، فاتجه بذلك أنه منصوب على الظرف بتقدير (قدر) وقد صرّح بذلك الخطابي في "معالم السنن" فقال: وقوله: (ومدادَ كلماتِه) أي قدر ما يوازنها في العدد والكثرة.
وقال ابن الأثير في "النهاية": (ومداد كلماته) أي مثل عددها، وقيل قدر ما يوازنها في الكثرة عيارَ كيْل أو وَزْن أو ما أشبهه، وهذا تمثيل يراد به التقريب. انتهى.
فأشار بقوله: (مِثْل) إلى المصدر أو الوصف، وبقوله:(وقيل قدر) إلى الظرف.
وقال الشيخ أكمل الدين في "شرح المشارق": قوله: (عدد خلقه) أي: عدد العدد خلقه، وزنة عرشه: أي بمقدار عرشه، ورضى نفسه: أي غير منقطع. فأشار إلى أن لكل واحدة إعرابًا على حدة: الأولى مصدر، والثانية ظرف، والثالثة حال، ولا شك أن تساوي الكل في الإعراب حيث أمكن أولى، وتقدير (قدر) في كل منها صحيح، فاتجه نصب الكل على الظرف بتقدير (قدر).
فإن قيل: لم يصرح أحد بأن قدرًا ينصب على الظرف قلت: ذلك لعدم اطلاعك في أمهات الكتب، وقد صرّح الخطيب التبريزي والمرزوقي كلاهما في شرح الحماسة في قول الشاعر:
فسايرْتُه مقدار ميلٍ وليتني
وقوله:
هل الوجد إلاّ أن قلبي لو دنا
…
من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
بأنّ نصب (مقدارَ) و (قيدَ)، كلاهما على الظرف. و (قيد) بمعنى قدر.
وقال ابن يسعون في "شرح شواهد الإيضاح" في قول الفرزدق:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره
…
فسما وأدرك خمسة الأشبار
يجوز نصب (خمسة الأشبار) نصب الظرف بـ (سما) بتقدير مضاف أي: فسما مقدار خمسة الأشبار.
وقال جماعة في حديث (إنّ موسى سأل ربّه أن يدنيه من الأرض المقدسة رَمْيَةَ الحجر) إنّ (رميةَ) نصب على الظرف بتقدير (قدر) أي: قدر رمية الحجر.
وقال الطيبي في "شرح المشكاة"، في حديث (فضلُ الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعين ضعفًا): قوله: (سبعين) مفعول مطلق أو ظرف، أي يفضل مقدار سبعين.
وقال أبو البقاء في حديث: (من فارق الجماعة شبرًا): منصوب، أي: هو منصوب على الظرف، والتقدير: قدر شبر.
وقال الطيبي في حديث (من تقرب إليّ شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن تقرّب إليّ ذراعًا تقربتُ منه باعًا)، (شبرًا وذراعًا وباعًا) منصوبات في الشرط والجزاء على الظرفية، أي: من تقرب إليّ بمقدار شبر.
وقال أيضًا في حديث: (من ظلم شبرًا من أرض): المفعول به محذوف و (شبرًا) يجوز أن يكون مفعولاً مطلقًا، أي ظُلْمَ شبرٍ، أو مفعولاً فيه أي: مقدار شبر.
وقال أيضًا في حديث: (أنه صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير حضْرَ فرسه) نصب (حضر) على حذف مضاف، أيّ قدر ما يعدو عدوة واحدة. ثم إن المسألة منصوصة في كتب النحو. قال ابن مالك في "التسهيل": الصالح للظرفية القياسية ما
دلّ على مقدار. وقال في "ألفيته":
وقد ينوب عن مكان مصدر
…
وذاك في ظرف الزمان يكثر
وقال ابن هشام في "توضيحه": ينوب المصدر عن الظرف إذا كان معينًا لمقدار نحو: انتظرتك حلبَ ناقة.
وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": قال الصفار في شرح الكتاب: اعلم بأن المصدر إذا استعمل في معنى الظرف جاز أن يضاف إلى الفعل، تقول: آتيك رَيْثَ قام زيد، أي: قدر بطء قيامه، فلما خرجت إلى الظرف جاز فيها ما جاز في الظرف.
ثم إنّ نصب (زنة) بخصوصها على الظرفية منصوص عليه من سيبويه وأئمة النحو، قال ابن مالك في "شرح التسهيل": من الجاري مجرى ظرف المكان باطراد مصادر قامت مقام مضاف إليها تقديرًا نحو قولهم: هو قربَ الدار، ووزنَ الجبل وزنته، والمراد بالاطراد أن لا تختص ظرفيته بعامل كاختصاص ظرفية المشتق من اسم الواقع فيه. انتهى.
وقال في "الارتشاف": فرق سيبويه بين وزن الجبل وزنة الجبل، فمعنى وزن الجبل ناحية توازنه أي يتقابله، أي قريبة منه كانت أو بعيدة. وزنة الجبل حذاءه، أي متصلة به، وكلاهما مبهم يصل إليهما الفعل، وينتصب ظرفًا. انتهى.
وقد قال التوربشتي شارح المصابيح: في هذا الحديث (زنةَ عرشه) ما يوازيه في التقدير، يقال: هو زنة الجبل حذاءه في الثقل والوزانة. انتهى.
وهذا منه إيماء إلى تخريج الحديث على الظرفية، وقد خرجوا على الظرفية ما
هو أبلغ من ذلك: روي أن معاوية استعمل ابن أخيه عمرو بن عتبة بدل أبي سفيان على صدقات كلب، فاعتدى عليهم، فقال ابن العدّاء الكلبي:
سعى عقالاً فلم يترك لنا سبدًا
…
فكيف لو قد سعى عمرو عقالَيْنِ
قال ابن الأثير في "النهاية": نصب (عقالا) على الظرف، أراد مدة عقال، والعقال صدقة عام.
وقال ابن يعيش في "شرح المفصل": من المنصوب على الظرف قولهم: سير عليه ترويحتين، وانشطر به نحر جزورين، والمراد مدة ذلك، والترويحتين تثنية، الترويحة واحد التراويح في الصلاة.
وقال أبو البقاء: قوله صلى الله عليه وسلم: (لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطه) إنه منصوب على تقدير الظرف، أي: مدة نشاطه، فحذف المضاف وأقام المصدر مقامه.
وقال الأشرفي في "شرح المصابيح": يجوز أن يكون (نشاطه) بمعنى الوقت، وأن يراد به الصلاة التي نشط لها. فإن قلت: فما تقول في نصبه على الصفة للمصدر؟ قلت: هذا ذكره طائفة، وأقول لا يخلو إمّا أن يجعل صفة للمصدر المذكور وهو (سبحان)، أو لمقدر. فأمّا الأول فيعكر عليه الفصل بينه وبين موصوفه بقوله:(وبحمده) وذلك ضعيف أو ممنوع، مع أن عندي في جواز وصف (سبحان) وقفة، فإنه غير منصرف، ولم يستعمل إلاّ علمًا للتسبيح منصوبًا، ولم يتصرف فيه بشيء.
وأما الثاني وهو أن يجعل التقدير: سبحان الله تسبيحًا زنة عرشه، ففيه وقفة من وجوه:
الأول: أنه تقدير ما لا حاجة إليه، لأن المصدر مصرح به في اللفظ، فأي حاجة إلى تقدير مصدر آخر؟
الثاني: المصدر المذكور منصوب بفعل مقدر، فإذا قدر منصوب آخر، لزم منه تقدير ثلاثة: فعل المصدر الظاهر، والمصدر المقدر، وفعل آخر له، لأن الفعل الواحد لا ينصب مصدرين، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك.
الثالث: أن الكلام لا يصحّ إلاّ بتقدير شيء آخر، لأنّ التسبيح ليس نفس الزنة، فيكون التقدير: مثل زنة عرشه، وإذا آل الأمر إلى تقدير "مثل" فالمراد المثلية في المقدار، فرجع إلى ما قلناه من الظرفية، وخصوصًا أن قوله:(رِضى نفسه) لا يصح فيه تقدير المِثْلية، ولهذا قال الأشرفي: يساوي خلقه عند التعداد، وزنة عرشه في المقدار، ويوجب رضى نفسه، فأخرجه عن حيّز المساواة. وتقدير (قدر) صحّ فيه، أي قدرًا يبلغ رضى نفسه.
فإن قلت بقي وجه إبطال الحال، قلت: إذا قدر أسبح أو أقول سبحان الله موازنًا لعرشه، فإن جعل حالاً من الفاعل نافره كون "زنة عرشه" وما بعده جاريًا على (سبحان) لا على قائله. أو من المفعول نافره أن المفعول هنا مطلق، والمعهود مجيء الحال من المفعول به. ولا يمكن كونه من المضاف إليه، كما لا يخفى ولا يطرد التقدير بالمشتق في (مداد كلماته) كما هو ظاهر. فبطل الحال، وبقي من الوجوه الممكنة في إعرابه أربعة:
أحدها: أن يجعل مفعولاً به لفعل أو وصف مقدر، أي: يبلغ زنة عرشه، أو: بالغًا زنة عرشه.
الثاني: أن يكون القول مقدرًا، و (سبحان الله) مفعول أول، و (زنة عرشه) مفعول ثان على لغة من يجري القول مجرى الظنّ بلا شرط.
الثالث: أن يكون خبرًا لكان مقدرة هي واسمها ضمير راجع إلى التسبيح.