الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عبد الرَّحْمَن بن أبي الموَالِي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، قَالَ:(رَأَيْت جَابِرا يُصَلِّي فِي ثوب) الحَدِيث، وَهَهُنَا أخرجه عَن عبد الْعَزِيز بن عبد االأويسي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الموَالِي، بِفَتْح الْمِيم.
وَقد تكلمنا هُنَاكَ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة. ولنتكلم هَهُنَا بِمَا لم نتكلم هُنَاكَ.
فَقَوله: (وَهُوَ يُصَلِّي) جملَة حَالية. قَوْله: (ملتحفاً) بِالنّصب، حَال، وَهُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي:(ملتحف) بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ ملتحف. وَقَالَ بَعضهم: وَفِي نُسْخَتي عَنْهُمَا بِالْجَرِّ على الْمُجَاورَة. قلت: نسخته لَيست بعمدة حَتَّى يسلم الْجَرّ، ثمَّ يُقَال: للمجاورة. قَوْله: (وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوع) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، أَي: مَوْضُوع على شَيْء، وَهُنَاكَ: مَوْضُوعَة على المشجب. قَوْله: (فَلَمَّا انْصَرف) أَي: من الصَّلَاة. قَوْله: (قُلْنَا: يَا أَبَا عبد ا) أَصله: يَا أَبَا عبد ا، بِالْهَمْزَةِ فحذفت تَخْفِيفًا، وَهُوَ كنية جَابر رَضِي اتعالى عَنهُ. قَوْله:(أَحْبَبْت أَن يراني الْجُهَّال)، وَهُنَاكَ:(ليراني أَحمَق مثلك) سَبَب تغليظه القَوْل فِيهِ كَونه فهم من كَلَام السَّائِل إِنْكَاره عَلَيْهِ، وَالْغَرَض فِي محبته لرؤية الْجُهَّال أَن يَقع السُّؤَال وَالْجَوَاب فيستفاد مِنْهُ بَيَان الْجَوَاز. قَوْله:(مثلكُمْ) بِالرَّفْع، صفة: للجهال، وَهُوَ بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْهَاء، جمع: جَاهِل، وَهُنَاكَ ذكرنَا أَن لفظ: مثل، متوغل فِي النكرَة فَلَا يتعرف، وَإِن أضيف إِلَى الْمعرفَة، فَلذَلِك وَقع صفة للنكرة. وَهُوَ قَوْله:(أَحمَق) ، وَأما هَهُنَا فَإِنَّهُ وَقع صفة للمعرفة، فوجهه أَنه إِذا أضيف إِلَى مَا هُوَ مَشْهُور بالمماثلة يتعرف، وَهَهُنَا كَذَلِك، على أَن التَّعْرِيف فِي: الْجُهَّال، للْجِنْس فَهُوَ فِي حكم النكرَة. و: الْمثل، بعنى: المثيل، على وزن: فعيل، فيستوي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث والمفرد وَالْجمع، فَلذَلِك مَا طابق الْجُهَّال مَعَ أَن التطابق بَين الصّفة والموصوف فِي الْإِفْرَاد وَالْجمع شَرط، أَو تَقول: هُوَ اكْتسب الجمعية من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو هُوَ جنس يُطلق على الْمُفْرد والمثنى وَالْجمع. قَوْله: (يُصَلِّي كَذَا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (هَكَذَا) .
21 -
(بابُ مَا يُذْكَرُ فِي الفَخِذِ)
أَي: هَذَا بَاب مَا يذكر فِي حكم الْفَخْذ، يجوز فِي: خاء، الْفَخْذ الْكسر والسكون مَعًا.
وَقد ذكرنَا وَجه إِدْخَال هَذَا الْبَاب بَين الْأَبْوَاب الَّتِي فِي حكم الثِّيَاب، وَوجه مناسبته بِمَا قبله.
قالَ أبُو عَبْدُ ا.
هُوَ البُخَارِيّ، وَذكر نَفسه بكنيته وَلَيْسَ هَذَا بموجود فِي غَالب النّسخ.
وَيُرْوَى عنِ ابنِ عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ ومُحَمَّدِ بنِ جَحْشٍ عنِ النبيِّ الفَخِذُ عَوْرَةٌ.
هَذَا تَعْلِيق بِصِيغَة التمريض ذكره عَن ثَلَاثَة أنفس.
الأول: عَن عبد ابْن عَبَّاس، وَهُوَ عِنْد التِّرْمِذِيّ مَوْصُول، أخرجه عَن وَاصل بن عبد الْأَعْلَى عَن يحيى بن آدم عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن أبي يحيى القَتَّات عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي قَالَ:(الْفَخْذ عَورَة) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَأَبُو يحيى القَتَّات ضَعِيف وَهُوَ مَشْهُور بكنيته، وَاخْتلف فِي اسْمه على سَبْعَة أَقْوَال: قيل: مُسلم، وَقيل: زَاذَان، وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن دِينَار، وَقيل: يزِيد، وَقيل: زيان، وَقيل: عمرَان، وَقيل: دِينَار وَهُوَ الْمَشْهُور، والقتات، بتفح الْقَاف وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق.
وَأما حَدِيث جرهد فَأخْرجهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن ابْن النَّضر عَن زرْعَة بن عبد الرَّحْمَن بن جرهد عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: وَكَانَ جدي من أهل الصّفة، قَالَ:(جلس رَسُول الله عِنْدِي وفخذي مكشوفة، فَقَالَ: خمِّر عَلَيْك أما علمت أَن الْفَخْذ عَورَة) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: روى هَذَا الحَدِيث أَصْحَاب (الْمُوَطَّأ) : ابْن بكير وَابْن وهب ومعن وَعبد ابْن يُوسُف، وَهُوَ عِنْد القعْنبِي خَارج (الْمُوَطَّأ) فِي الزِّيَادَات عَن مَالك، وَلم يذكرهُ ابْن الْقَاسِم فِي (الْمُوَطَّأ) وَلَا ابْن عفير وَلَا أَبُو مُصعب، وَرَوَاهُ عَن مَالك ابْن مهْدي وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان وَعَمْرو بن مَرْزُوق وَأَبُو قُرَّة وَإِسْحَاق بن عدي ومطرف وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَفِي رِوَايَة ابْن بكير وَابْن طهْمَان ومطرف وَغَيرهم، زرْعَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه، من غير ذكره جده، وَعَن ابْن عَسَاكِر: رَوَاهُ عبد ابْن نَافِع عَن مَالك عَن أبي النَّضر عَن زرْعَة بن عبد الرَّحْمَن ابْن جرهد عَن أَبِيه عَن جده، وَرَوَاهُ قبيصَة عَن الثَّوْريّ عَن أبي النَّضر عَن زرْعَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده جرهد، لم يذكر أَبَاهُ، وَرَوَاهُ ابْن أبي عمر عَن ابْن عُيَيْنَة عَن أبي النَّضر عَن زرْعَة بن مُسلم بن جرهد عَن أَبِيه عَن جده. وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث أبي عَاصِم: عَن سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد عَن زرْعَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
عَن ابْن أبي عمر قَالَ: حدّثنا سُفْيَان عَن أبي النَّضر مولى عمر بن عبيد اعن زرْعَة بن مُسلم بن جرهد الْأَسْلَمِيّ عَن جده جرهد قَالَ: (مر النَّبِي، بجرهد فِي الْمَسْجِد وَقد انْكَشَفَ فَخذه، وَقَالَ: إِن الْفَخْذ عَورَة)، هَذَا حَدِيث حسن مَا أرى إِسْنَاده بِمُتَّصِل. وَقَالَ: حدّثنا الْحسن بن عَليّ، قَالَ: حَدثنِي عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أخبرنَا معمر عَن أبي الزِّنَاد، قَالَ: أَخْبرنِي ابْن جرهد عَن أَبِيه: (أَن النَّبِي، مر بِهِ وَهُوَ كاشف عَن فَخذه، فَقَالَ النَّبِي عليه الصلاة والسلام: غط فخذك فَإِنَّهَا من الْعَوْرَة) . هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه عَن وَاصل من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَقد ذَكرْنَاهُ وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد عَن آل جرهد، وَلما ذكره ابْن الْقطَّان أعله بِالِاضْطِرَابِ وبجهالة حَال الرَّاوِي عَن جرهد، وَلما ذكره البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) من حَدِيث ابْن أبي الزِّنَاد عَن زرْعَة عَن عبد الرَّحْمَن عَن جده قَالَ: وَرَوَاهُ صَدَقَة عَن ابْن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد عَن آل جرهد، وَعَن سَالم أبي النَّضر عَن زرْعَة بن مُسلم بن جرهد عَن جرهد، قَالَ البُخَارِيّ؛ وَلَا يَصح. وَقَالَ ابْن الْحذاء: إِنَّمَا لم يُخرجهُ البُخَارِيّ فِي مُصَنفه لهَذَا الِاخْتِلَاف، و: جرهد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْهَاء، وَفِي آخِره دَال مُهْملَة. وَفِي (التَّهْذِيب) : جرهد الْأَسْلَمِيّ هُوَ ابْن رزاح بن عدي، وَقيل: غير ذَلِك، لَهُ صُحْبَة، عداده فِي أهل الْمَدِينَة، لَهُ عَن النَّبِي، حَدِيث وَاحِد:(الْفَخْذ عَورَة) وَفِي إِسْنَاد حَدِيثه اخْتِلَاف كثير، يُقَال: إِنَّه مَاتَ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ. وَقَالَ أَبُو عمر: جعل ابْن أبي حَاتِم: جرهد بن خويلد غير جرهد بن رزاح، ثمَّ قَالَ: هَذَا وهم، وَهُوَ رجل وَاحِد من أسلم لَا يكَاد يسلم، لَهُ صُحْبَة.
وَأما حَدِيث مُحَمَّد بن جحش فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن يحيى بن أَيُّوب عَن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي كثير، مولى مُحَمَّد بن جحش، عَنهُ قَالَ:(كنت أُصَلِّي مَعَ النَّبِي، فَمر على معمر وَهُوَ جَالس عِنْد دَاره بِالسوقِ وفخذاه مكشوفتان فَقَالَ: يَا معمر غط فخذيك فَإِن الفخذين عَورَة) . وَقَالَ ابْن حزم: رِوَايَة أبي كثير مَجْهُولَة، وَذكره البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) وَأَشَارَ إِلَى الِاخْتِلَاف فِيهِ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي كثير مولى مُحَمَّد بن جحش عَنهُ، وَمُحَمّد بن جحش هُوَ مُحَمَّد بن عبد ابْن جحش، نسب إِلَى جده، لَهُ ولأبيه عبد اصحبة، وَزَيْنَب بنت جحش أم الْمُؤمنِينَ هِيَ عمته، وَكَانَ مُحَمَّد صَغِيرا فِي عهد النَّبِي عليه الصلاة والسلام، وَقد حفظ عَنهُ. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ مولده قبل الْهِجْرَة لخمس سِنِين، هَاجر مَعَ أَبِيه إِلَى الْمَدِينَة، لَهُ صُحْبَة. وَا أعلم.
وَأما معمر الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فَهُوَ ابْن عبد ابْن فضلَة الْعَدوي، وَقد أخرج ابْن نَافِع هَذَا الحَدِيث من طَرِيقه أَيْضا.
وقالَ أنَسٌ حَسَرَ النَّبيُّ عنْ فَخِذِهِ.
13
- هَذَا أَيْضا تَعْلِيق، وَلكنه قد وَصله فِي هَذَا الْبَاب كَمَا يَأْتِي قَرِيبا، وحسر، بِفَتْح حروفها المهملات، وَمَعْنَاهُ: كشف، وسنتكلم فِيهِ مستقصًى عَن قريب.
وَحَدِيثُ أنَسٍ أسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أحْوَطُ، حَتَّى نَخْرُجَ مِن اخْتِلَافِهِمْ.
لما وَقع الْخلاف فِي الْفَخْذ: هَل، هُوَ عَورَة أم لَا؟ فَذهب قوم إِلَى أَنه لَيْسَ بِعَوْرَة، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أنس، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه عَورَة، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث جرهد، وَبِمَا رُوِيَ مثله فِي هَذَا الْبَاب، كَأَن قَائِلا قَالَ؛ إِن الأَصْل أَنه إِذا رُوِيَ حديثان فِي حكم أَحدهمَا أصح من الآخر فَالْعَمَل يكون بالأصح، فههنا حَدِيث أنس أصح من حَدِيث جرهد وَنَحْوه، فَكيف وَقع الِاخْتِلَاف؟ فَأجَاب البُخَارِيّ عَن هَذَا بقوله:(وَحَدِيث أنس أسْند) إِلَى آخِره تَقْدِيره: أَن يُقَال: نعم، حَدِيث أنس أسْند، يَعْنِي أقوى وَأحسن سنداً من حَدِيث جرهد، إلَاّ أَن الْعَمَل بِحَدِيث جرهد لِأَنَّهُ الْأَحْوَط، يَعْنِي أَكثر احْتِيَاطًا فِي أَمر الدّين، وَأقرب إِلَى التَّقْوَى، لِلْخُرُوجِ عَن الِاخْتِلَاف، وَهُوَ معنى قَوْله:(حَتَّى نخرج من اخْتلَافهمْ) أَي: من اخْتِلَاف الْعلمَاء، وَهُوَ على صِيغَة جمَاعَة الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع، بِفَتْح النُّون وَضم الرَّاء.
وَلأَجل هَذِه النُّكْتَة لم يقل البُخَارِيّ: بَاب الْفَخْذ عَورَة، وَلَا قَالَ أَيْضا: بَاب الْفَخْذ لَيْسَ بِعَوْرَة، بل قَالَ: بَاب مَا يذكر فِي الْفَخْذ، أما الْقَوْم الَّذين ذَهَبُوا إِلَى أَن الْفَخْذ لَيْسَ بِعَوْرَة فهم: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب وَإِسْمَاعِيل بن علية وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ وَأحمد، فِي رِوَايَة، ويروى ذَلِك أَيْضا عَن الْإِصْطَخْرِي من
أَصْحَاب الشَّافِعِي حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَنهُ، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : والعورة الْمَفْرُوض سترهَا عَن النَّاظر وَفِي الصَّلَاة من الرِّجَال الذّكر وحلقة الدبر فَقَط، وَلَيْسَ الْفَخْذ مِنْهُ عَورَة، وَهِي من الْمَرْأَة جَمِيع جَسدهَا حاشا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَقَط، الْحر وَالْعَبْد والحرة وَالْأمة سَوَاء فِي ذَلِك، وَلَا فرق. ثمَّ قَالَ، بعد أَن روى حَدِيث أنس الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ:(إِن رَسُول اعليه الصَّلَاة وَالسَّلَام، غزا خَيْبَر) وَفِيه: (
…
ثمَّ حسر الْإِزَار عَن فَخذه حَتَّى إِنِّي أنظر إِلَى بَيَاض فَخذ النَّبِي عليه الصلاة والسلام . فصح أَن الْفَخْذ من الرجل لَيْسَ بِعَوْرَة، وَلَو كَانَ عَورَة لما كشفها اتعالى من رَسُوله المطهر الْمَعْصُوم من النَّاس فِي حَال النُّبُوَّة والرسالة، وَلَا أَرَاهَا أنس بن مَالك وَلَا غَيره، وَهُوَ تَعَالَى عصمه من كشف الْعَوْرَة فِي حَال الصِّبَا، وَقبل النُّبُوَّة.
وَأما الْآخرُونَ الَّذين هم خالفوهم وَقَالُوا: الْفَخْذ عَورَة، فهم جُمْهُور الْعلمَاء من التَّابِعين وَمن بعدهمْ، مِنْهُم: أَبُو حنيفَة وَمَالك فِي أصح أَقْوَاله وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي أصح روايتيه وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر بن الْهُذيْل، حَتَّى قَالَ أَصْحَابنَا: إِن الصَّلَاة مَكْشُوف الْعَوْرَة فَاسِدَة. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: الْفَخْذ عَورَة إلَاّ فِي الْحمام، وَقَالَ ابْن بطال: أَجمعُوا على أَن من صلى مَكْشُوف الْعَوْرَة لَا إِعَادَة عَلَيْهِ. قلت: دَعْوَى الْإِجْمَاع غير صَحِيحَة، فَيكون مُرَاده إِجْمَاع أهل مذْهبه.
وَفِي (التَّوْضِيح) : حَاصِل مَا فِي عَورَة الرجل عندنَا خَمْسَة أوجه. أَصَحهَا وَهُوَ الْمَنْصُوص أَنَّهَا: مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة، وهما ليستا بِعَوْرَة، وَهُوَ صَحِيح مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ بِهِ زفر وَمَالك. وَثَانِيها: أَنَّهُمَا عَورَة، كَمَا هُوَ رِوَايَة عَن أبي حنيفَة. وَثَالِثهَا: السُّرَّة من الْعَوْرَة. وَرَابِعهَا: عَكسه. وخامسها: للإصطخري: الْقبل والدبر، وَهُوَ شَاذ. انْتهى. وَفِي (الوبري) : السُّرَّة من الْعَوْرَة عِنْد أبي حنيفَة. وَفِي (الْمُفِيد) : الرّكْبَة مركبة من عظم الْفَخْذ والساق، فَاجْتمع الْحَظْر وَالْإِبَاحَة فغلب الْحَظْر احْتِيَاطًا.
وَأما الْجَواب عَن حَدِيث أنس فَهُوَ أَنه مَحْمُول على غير اخْتِيَار الرَّسُول فِيهِ بِسَبَب ازدحام النَّاس، يدل عَلَيْهِ مس ركبة أنس فَخذه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ويرجح حَدِيث جرهد وَهُوَ أَن تِلْكَ الْأَحَادِيث الْمُعَارضَة لَهُ قضايا مُعينَة فِي أَوْقَات وأحوال مَخْصُوصَة، يتَطَرَّق إِلَيْهَا الِاحْتِمَال مَا لَا يتَطَرَّق لحَدِيث جرهد، فَإِنَّهُ أعْطى حكما كلياً، فَكَانَ أولى. وَبَيَان ذَلِك أَن تِلْكَ الوقائع تحْتَمل خُصُوصِيَّة النَّبِي بذلك، أَو الْبَقَاء على الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة، أَو كَأَن لم يحكم عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْوَقْت بِشَيْء، ثمَّ بعد ذَلِك حكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَورَة. فَإِن قلت: روى الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ؛ حدّثنا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حدّثنا أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو خَالِد عَن عبد ابْن سعيد الْمَدِينِيّ، قَالَ: حَدَّثتنِي حَفْصَة بنت عمر قَالَت: (كَانَ رَسُول الله ذَات يَوْم قد وضع ثَوْبه بَين فَخذيهِ، فجَاء أَبُو بكر فَاسْتَأْذن فَأذن لَهُ النَّبِي على هَيئته، ثمَّ جَاءَ عمر بِمثل هَذِه الصّفة، ثمَّ جَاءَ أنَاس من أَصْحَابه وَالنَّبِيّ على هَيئته، ثمَّ جَاءَ عُثْمَان فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ فَأذن لَهُ ثمَّ أَخذ رَسُول الله ثَوْبه فجلله، فتحدثوا ثمَّ خَرجُوا. فَقلت: يَا رَسُول اجاء أَبُو بكر وَعمر وَعلي وأناس من أَصْحَابك وَأَنت على هيئتك، فَلَمَّا جَاءَ عُثْمَان جللت بثوبك؟ فَقَالَ: (أَو لَا أستحي مِمَّن تَسْتَحي مِنْهُ الْمَلَائِكَة؟) قَالَت: وَسمعت أبي وَغَيره يحدثُونَ نَحوا من هَذَا. وَأخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا. قلت: أجَاب الطَّحَاوِيّ عَنهُ: بِأَن هَذَا الحَدِيث عَن قَاسم بن زَكَرِيَّا على هَذَا الْوَجْه غَرِيب، لِأَن جمَاعَة من أهل الْبَيْت رَوَوْهُ على غير هَذَا الْوَجْه الْمَذْكُور، وَلَيْسَ فِيهِ. ذكر: كشف الفخذين، فحينئذٍ لَا تثبت بِهِ الْحجَّة. وَقَالَ أَبُو عمر: الحَدِيث الَّذِي رَوَوْهُ عَن حَفْصَة فِيهِ اضْطِرَاب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: وَالَّذِي رُوِيَ فِي قصَّة عُثْمَان من كشف الفخذين مَشْكُوك فِيهِ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي كتاب (تَهْذِيب الْآثَار وَالْأَخْبَار) : الَّتِي رويت عَن النَّبِي أَنه دخل عَلَيْهِ أَبُو بكر وَعمر وَهُوَ كاشف فَخذه واهية الْأَسَانِيد لَا يثبت بِمِثْلِهَا حجَّة فِي الدّين، وَالْأَخْبَار الْوَارِدَة بِالْأَمر بتغطية الْفَخْذ وَالنَّهْي عَن كشفها أَخْبَار صِحَاح. وَقَول الطَّحَاوِيّ: لِأَن جمَاعَة من أهل الْبَيْت رَوَوْهُ على غير هَذَا الْوَجْه، حَدِيث عَائِشَة وَعُثْمَان أخرجه مُسلم: حدّثنا عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد، قَالَ: حدّثنا بِي عَن جدي، قَالَ: حدّثنا عقيل بن خَالِد عَن ابْن شهَاب: (عَن يحيى بن سعيد بن الْعَاصِ أَن سعيد بن الْعَاصِ أخبرهُ إِن عَائِشَة، زوج النَّبِي، وَعُثْمَان رَضِي اتعالى عَنهُ، حَدَّثَاهُ: أَن أَبَا بكر اسْتَأْذن على رَسُول الله وَهُوَ مُضْطَجع على فرَاشه، لابس مرط عَائِشَة، فَأذن لأبي بكر وَهُوَ كَذَلِك، فَقضى إِلَيْهِ حَاجته ثمَّ انْصَرف، ثمَّ اسْتَأْذن عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، فَأذن لَهُ وَهُوَ على تِلْكَ الْحَالة، فَقضى إِلَيْهِ حَاجته ثمَّ انْصَرف. قَالَ عُثْمَان: ثمَّ اسْتَأْذَنت عَلَيْهِ فَجَلَسَ وَقَالَ لعَائِشَة: إجمعي عَلَيْك ثِيَابك، فَقضيت إِلَيْهِ حَاجَتي ثمَّ انصرفت، فَقَالَت عَائِشَة يَا رَسُول اما لي لم أرك، فزعت لأبي بكر وَعمر كَمَا فزعت لعُثْمَان؟ قَالَ رَسُول ا: (إِن عُثْمَان رجل حييّ، وَإِنِّي خشيت: إِن أَذِنت لَهُ على تِلْكَ الْحَالة أَن لَا
يبلغ إِلَيّ فِي حَاجته) .
وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَقَالَ: فَهَذَا أصل هَذَا الحَدِيث، لَيْسَ فِيهِ ذكر كشف الفخذين أصلا فَإِن قلت: قد روى مُسلم أَيْضا فِي (صَحِيحه) وَأَبُو يعلى فِي (مُسْنده) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) هَذَا الحَدِيث، وَفِيه ذكر كشف الفخذين. فَقَالَ مُسلم: حدّثنا يحيى بن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَابْن حجر، قَالَ يحيى بن يحيى: أخبرنَا، وَقَالَ الْآخرُونَ: حدّثنا إِسْمَاعِيل يعنون ابْن جَعْفَر (1) عَن مُحَمَّد بن أبي حَرْمَلَة عَن عَطاء وَسليمَان ابْني يسَار وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَن عَائِشَة قَالَت: (كَانَ رَسُول الله مُضْطَجعا فِي بَيته كاشفاً عَن فَخذيهِ أَو سَاقيه، فَاسْتَأْذن أَبُو بكر فَأذن لَهُ وَهُوَ على تِلْكَ الْحَال، فَتحدث ثمَّ اسْتَأْذن عمر فَأذن لَهُ وَهُوَ كَذَلِك، فَتحدث ثمَّ اسْتَأْذن عُثْمَان فَجَلَسَ رَسُول اوسوى ثِيَابه. قَالَ مُحَمَّد: وَلَا أَقُول ذَلِك فِي يَوْم وَاحِد فَدخل فَتحدث، فَلَمَّا خرج قَالَت عَائِشَة: دخل أَبُو بكر فَلم تهتش لَهُ، ثمَّ دخل عمر فَلم تهتش لَهُ وَلم تباله، فَلَمَّا دخل عُثْمَان فَجَلَست وسويت ثِيَابك؟ فَقَالَ) ألَا أستحي من رجل تَسْتَحي مِنْهُ الْمَلَائِكَة؟ ، قلت: لما أخرجه الْبَيْهَقِيّ قَالَ. لَا حجَّة فِيهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن هَذَا مَشْكُوك فِيهِ لِأَن الرَّاوِي قَالَ: (فَخذيهِ أَو سَاقيه)، فَدلَّ ذَلِك على مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: إِن أصل الحَدِيث لَيْسَ فِيهِ ذكر كشف الفخذين، وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا حَدِيث مُضْطَرب.
وقالَ أَبُو مُوسَى غَطَّى النَّبيُّ رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ.
وَجه مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الرّكْبَة إِذا كَانَت عَورَة فالفخذ بِالطَّرِيقِ الأولى، لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْفرج الَّذِي هُوَ عَورَة إِجْمَاعًا. وَأَبُو مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد ابْن قيس، وَهَذَا طرف حَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي مَنَاقِب عُثْمَان من رِوَايَة عَاصِم الْأَحول: عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَنهُ، وَفِيه:(أَن النَّبِي كَانَ قَاعِدا فِي مَكَان فِيهِ مَاء قد انْكَشَفَ عَن ركبته، أَو رُكْبَتَيْهِ، فَلَمَّا دخل عُثْمَان غطاها) . وَزعم الدَّاودِيّ الشَّارِح: أَن هَذِه الرِّوَايَة الْمُعَلقَة عَن أبي مُوسَى وهم، وَأَنَّهَا لَيست من هَذَا الحَدِيث، وَقد أَدخل بعض الروَاة حَدِيثا فِي حَدِيث:(إِنَّمَا أَتَى أَبُو بكر إِلَى رَسُول الله وَهُوَ فِي بَيته منكشف فَخذه، فَلَمَّا اسْتَأْذن عُثْمَان غطى فَخذه، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِن عُثْمَان رجل حييّ، فَإِن وجدني على تِلْكَ الْحَالة لم يبلغ حَاجته) . قلت: الَّذِي ذَكرْنَاهُ من رِوَايَة عَاصِم يرد عَلَيْهِ بَيَان ذَلِك أَنا قد ذكرنَا إِن فِي حَدِيث عَائِشَة: (كاشفاً عَن فَخذيهِ أَو سَاقيه)، وَعند أَحْمد بِلَفْظ:(كاشفاً عَن فَخذه) ، من غير شكّ، وَعِنْده من حَدِيث حَفْصَة مثله، وَقد ظهر من ذَلِك أَن البُخَارِيّ لم يدْخل حَدِيثا فِي حَدِيث، بل هما قضيتان متغايرتان، فِي إِحْدَاهمَا كشف الرّكْبَة، وَفِي الْأُخْرَى كشف الْفَخْذ، وَفِي رِوَايَة أبي مُوسَى الَّتِي علقها البُخَارِيّ:(كشف الرّكْبَة) ، وَرِوَايَة عَائِشَة، (فِي كشف الْفَخْذ) ، ووافقها حَفْصَة وَلم يذكر البُخَارِيّ روايتهما، وَإِنَّمَا ذكر مُسلم رِوَايَة عَائِشَة كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الرّكْبَة لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون عَورَة أَو لَا؟ فَإِن كَانَت عَورَة فَلم كشفها قبل دُخُول عُثْمَان؟ وَإِن لم تكن فلِمَ غطاها عَنهُ؟ قلت: الشق الثَّانِي هُوَ الْمُخْتَار، وَأما التغطية فَكَانَت للأدب والاستحياء مِنْهُ. وَقَالَ ابْن بطال. فَإِن قلت: فلِمَ غطى حِين دُخُوله؟ قلت: قد بَين مَعْنَاهُ بقوله: (أَلَا أستحي مِمَّن تَسْتَحي مِنْهُ مَلَائِكَة السَّمَاء؟) وَإِنَّمَا كَانَ يصف كل وحد من الصَّحَابَة بِمَا هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ من أخلاقه، وَهُوَ مَشْهُور فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ الْحيَاء الْغَالِب على عُثْمَان اسْتَحى مِنْهُ، وَذكر أَن الْملك يستحي مِنْهُ فَكَانَت المجازاة لَهُ من جنس فعله.
وقالَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسولِهِ وَفَخِذُهُ عَلى فَخذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أنْ تُرضَّ فَخذِي.
هَذَا أَيْضا تَعْلِيق وطرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء فِي نزُول قَوْله تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} (النِّسَاء: 59) الْآيَة حدّثنا إِسْمَاعِيل بن عبد احدثني إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح بن كيسَان عَن ابْن شهَاب حَدثنِي سهل بن سعد السَّاعِدِيّ
…
الحَدِيث. وَفِيه: (فَأنْزل اعلى رَسُوله وَفَخذه على فَخذي) إِلَى آخِره، وَأخرجه أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عبد الْعَزِيز بن عبد ا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي
الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن عبد ا. قَوْله: (مَا أنزل اعلى رَسُوله) أَي قَوْله تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} (النِّسَاء: 59) . قَوْله: (وَفَخذه على فَخذي) جملَة إسمية حَالية. قَوْله: (أَن ترض)، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الرَّاء: على صِيغَة الْمَجْهُول، وَيجوز أَن يكون على صِيغَة الْمَعْلُوم أَيْضا من الرض، وَهُوَ: الدق. وكل شَيْء كَسرته فقد رضضته، وإيراد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث هَهُنَا لَيْسَ لَهُ وَجه، لِأَنَّهُ لَا يدل على أَن الْفَخْذ عَورَة، وَلَا يدل أَيْضا على أَنه لَيْسَ بِعَوْرَة، فَأَي شقّ مَال إِلَيْهِ لَا يدل عَلَيْهِ على أَنه مَال إِلَى أَن الْفَخْذ عَورَة، حَيْثُ قَالَ: وَحَدِيث جرهد أحوط. نعم، لَو كَانَ فِيهِ التَّصْرِيح بِعَدَمِ الْحَائِل لدل على أَنه لَيْسَ بِعَوْرَة، إِذْ لَو كَانَ عَورَة فِي هَذِه الْحَالة لما مكن النَّبِي فَخذه على فَخذ زيد، وَقَالَ بَعضهم: وَالظَّاهِر أَن المُصَنّف تمسك بِالْأَصْلِ. قلت: لم يبين مَا مُرَاده من الأَصْل، فعلى كل حَال لَا يدل الحَدِيث على مُرَاده صَرِيحًا.
173 -
ح دّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قالَ حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ قالَ حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ عنْ أنَسٍ أنَّ رسولَ الله غزَا خَيْبَرَ فَصَلَّيْنَا عِنْدَها صَلَاةَ الغَدَاة بِغَلَسٍ فَرَكِبَ نَبيُّ اللَّهِ وَرَكِبَ أبُو طَلحَةَ وَأنَا رَدِيفُ أبي طَلْحَةَ فأجْرَي نَبِيُّ الله فِي زقاقِ خَيْبَرَ وإنَّ رُكْبَتي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبيِّ اللَّهِ ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أنْظُرُ إلَى بَيَاضٍ فَخِذِ نَبِيِّ الله فَلَمَّا دَخَلَ القَرْيَةَ قالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خيْبَرُ إِنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ قالَهَا ثَلَاثاً قَالَ وَخَرَجَ القَوْمُ إلَى أعْمَالِهِمْ فَقَالُوا مُحَمَّدٌ قالَ عَبْدُ العَزِيزِ وَقَالَ بَعْضُ أصْحَابِنا وَالْخَمِيسُ يَعْنِي الْجَيْشَ قَالَ فأصَبْنَاها عَنْوَةً فَجُمِعَ السَّبْيُ فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أعْطِني جارِيَةً مِنَ السَّبْي قالَ اذْهَبْ فَخُذْ جَاريَةً فأخَذَ صَفِيَّة بِنْتَ حُيَيَ فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ فقالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيَ سَيَّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ لَا تَصْلُحُ إلَاّ لَكَ قالَ ادْعُوهُ بِهَا فَجَاءَ بِهَا فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النبيُّ قالَ خذْ جارِيَةً مِنَ السَّبْي غَيْرَهَا قالَ فَأَعْتَقَهَا النبيُّ وَتَزوَّجَهَا فَقال لَهُ ثابِتٌ يَا أبَا حَمْزَةَ مَا أصْدَقَها قَالَ نَفْسَها أعْتَقَها وَتَزَوَّجَها حَتَّى إذَا كانَ بالطَّرِيقِ جَهَّزَتْها لهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَأَهْدَتْها لَهُ مِنَ اللَّيْلِ فأصْبحَ النبيُّ عَرُوساً فقالَ منْ كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِيء بِهِ وَبَسَطَ نِطَعاً فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ قالَ وَأحْسِبُهُ قد ذَكَرَ السَّوِيقَ قَالَ فَحَاسُوا حَيْساً فكانَتْ وَليمَةَ رَسولِ اللَّهِ. (الحَدِيث 173 أَطْرَافه فِي: 016، 749، 8222، 5322، 9882، 3982، 3492، 4492، 5492، 1992، 5803، 6803، 7633، 7463، 3804، 4804، 7914، 8914، 9914، 0024، 1024، 1124، 2124، 3124، 5805، 9515، 9615، 7835، 5245، 8255، 8695، 5816، 3636، 9636، 3337) .
هَذَا وصل الحَدِيث الَّذِي علقَة فِيمَا قبل قَرِيبا، وَهُوَ قَوْله:(وَقَالَ أنس: حسر النَّبِي عَن فَخذه) فَإِن قلت: مَا كَانَت فَائِدَة هَذَا التَّعْلِيق بِذكر قِطْعَة من هَذَا الحَدِيث الْمُتَّصِل قبل أَن يذكر الحَدِيث بِكَمَالِهِ؟ قلت: يحْتَمل أَنه أَرَادَ بِهِ الْإِشَارَة إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ أنس من أَن الْفَخْذ لَيْسَ بِعَوْرَة، فَلهَذَا ذكره بعد ذكر مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن عَبَّاس وجرهد وَمُحَمّد بن جحش: أَنه عَورَة.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة. الأول: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. الثَّالِث: عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب الْبنانِيّ الْبَصْرِيّ الأعمي. الرَّابِع: أنس بن مَالك رَضِي اتعالى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده:. هَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه تقدم فِي بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: من هُوَ مَشْهُور باسم أمه وَهُوَ إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم بن سهم بن مقسم الْبَصْرِيّ أَبُو بشر الْأَسدي، أَسد خُزَيْمَة مَوْلَاهُم، الْمَعْرُوف بِابْن علية، وَهِي أمه، مَاتَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة. وَفِيه: أَن
رُوَاته مَا بَين كُوفِي وبصري وأصل الدَّوْرَقِي من الْكُوفَة وَلَيْسَ هُوَ من بلد دورق، وَإِنَّمَا كَانَ يلبس قلنسوة دورقية فنسب إِلَيْهَا.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرج البُخَارِيّ حَدِيث: (أعتق صَفِيَّة وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا) فِي النِّكَاح عَن قُتَيْبَة من حَدِيث ثَابت وَشُعَيْب بن الْحجاب، كِلَاهُمَا عَن أنس بِهِ وَعَن مُسَدّد عَن ثَابت وَعبد الْعَزِيز، كِلَاهُمَا عَن أنس بِهِ فِي حَدِيث خَيْبَر، وَحَدِيث الْبَاب أخرجه مُسلم أَيْضا فِي النِّكَاح، وَفِي الْمَغَازِي عَن زُهَيْر بن حَرْب وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح، وَفِي الْوَلِيمَة عَن زِيَاد بن أَيُّوب، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
ذكر مَعَانِيه وَإِعْرَابه: قَوْله: (غزا خَيْبَر) ، يَعْنِي غزا بَلْدَة تسمى خَيْبَر، وخبير بلغَة الْيَهُود: حصن، وَقيل: أول مَا سكن فِيهَا رجل من بني إِسْرَائِيل يُسمى خَيْبَر فسميت بِهِ، وَهِي بلد عترة فِي جِهَة الشمَال والشرق من الْمَدِينَة النَّبَوِيّ على سِتَّة مراحل، وَكَانَ لَهَا نخيل كثير، وَكَانَت فِي صدر الْإِسْلَام دَارا لبني قُرَيْظَة وَالنضير، وَكَانَت غَزْوَة خَيْبَر فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع من الْهِجْرَة، قَالَه ابْن سعد. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: أَقَامَ رَسُول ا، بعد رُجُوعه من الْحُدَيْبِيَة ذَا الْحجَّة وَبَعض الْمحرم، وَخرج فِي بَقِيَّته غازياً إِلَى خَيْبَر، وَلم يبْق من السّنة السَّادِسَة إِلَاّ شهر وَأَيَّام، وَهُوَ غير منصرف العلمية والتأنيث. قَوْله:(بِغَلَس)، بِفَتْح الْغَيْن وَاللَّام: وَهُوَ ظلمَة آخر اللَّيْل. قَوْله: (فَركب نَبِي ا) أَي: ركب مركوبه، وَعَن أنس بن مَالك، قَالَ:(كَانَ رَسُول ا، يَوْم قُرَيْظَة وَالنضير على حمر، وَيَوْم خَيْبَر عل حمَار مَخْطُوم برسن لِيف وَتَحْته إكاف من لِيف) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: وَهُوَ ضَعِيف، وَقَالَ ابْن كثير: وَالَّذِي ثَبت فِي (الصَّحِيح) عِنْد البُخَارِيّ عَن أنس: (أَن رَسُول ا، أجري فِي زقاق خَيْبَر حَتَّى انحسر الْإِزَار عَن فَخذه) . فَالظَّاهِر أَنه كَانَ يومئذٍ على فرس لَا على حمَار، وَلَعَلَّ هَذَا الحَدِيث، إِن كَانَ صَحِيحا، فَهُوَ مَحْمُول على أَنه رَكبه فِي بعض الْأَيَّام وَهُوَ محاصرها. قَوْله:(وَركب أَبُو طَلْحَة) هُوَ: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ، شهد الْعقبَة والمشاهد كلهَا وَهُوَ أحد النُّقَبَاء، رُوِيَ لَهُ اثْنَان وَتسْعُونَ حَدِيثا، روى لَهُ البُخَارِيّ مِنْهَا ثَلَاثَة، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ أَو أَربع وَثَلَاثِينَ بِالْمَدِينَةِ أَو بِالشَّام أَو فِي الْبَحْر، وَكَانَ أنس ربيبه. قَوْله:(وَأَنا رَدِيف أبي طَلْحَة)، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله:(فَأجرى) ، على وزن أفعل، من الإجراء، وفاعله النَّبِي، وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي: أجْرى مركوبه. قَوْله: (فِي زقاق خَيْبَر)، بِضَم الزَّاي وبالقافين: وَهُوَ السِّكَّة، يذكر وَيُؤَنث، وَالْجمع: أَزِقَّة. وزقان، بِضَم الزَّاي وَتَشْديد الْقَاف وبالنون. وَفِي (الصِّحَاح) : قَالَ الْأَخْفَش: أهل الْحجاز يؤنثون الطَّرِيق والصراط والسبيل والسوق والزقاق، وَبَنُو تَمِيم يذكرُونَ هَذَا كُله، وَالْجمع: الزقان. والأزقة، مثل: حوار وحوران وأحورة. قَوْله: (عَن فَخذه) يتَعَلَّق بقوله: (حسر) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا مَا وَقع فِي رِوَايَة أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن علية:(فانحسر) ، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْموضع، وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَلَفظه:(فَأجرى نَبِي ا، فِي زقاق خَيْبَر إِذْ خر الْإِزَار) ، وَلَا شكّ أَن الخرور هُنَا بِمَعْنى الْوُقُوع، فَيكون لَازِما، وَكَذَلِكَ الانحسار فِي رِوَايَة مُسلم، وَهَذَا هُوَ الأصوب، لِأَنَّهُ لم يكْشف إزَاره، عَن فَخذه قصدا، وَإِنَّمَا انْكَشَفَ عَن فَخذه لأجل الزحام، أَو كَانَ ذَلِك من قُوَّة إجرائه، وَقَالَ بَعضهم: الصَّوَاب أَنه عِنْد البُخَارِيّ بِفتْحَتَيْنِ يَعْنِي؛ أَن حَسَر، على صِيغَة الْفَاعِل، ثمَّ اسْتدلَّ عَلَيْهِ بقول أنس فِي أَوَائِل الْبَاب:(حسر النَّبِي عَن فَخذه) قلت: اللَّائِق بِحَالهِ الْكَرِيمَة أَن لَا ينْسب إِلَيْهِ كشف فَخذه قصدا مَعَ ثُبُوت قَوْله: (الْفَخْذ عَورَة) ، على مَا تقدم، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: لَا يلْزم من وُقُوعه كَذَلِك فِي رِوَايَة مُسلم أَن لَا يَقع عِنْد البُخَارِيّ على خِلَافه.
قلت: منع الْمُلَازمَة مَمْنُوع، وَلَئِن سلمنَا فَيحْتَمل أَن أنسا لما رأى فَخذ رَسُول الله مكشوفاً ظن أَنه كشفه، فأسند الْفِعْل إِلَيْهِ، وَفِي نفس الْأَمر لم يكن ذَلِك إلَاّ من أجل الزحام أَو من قُوَّة الجري على مَا ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا، أَي: وَفِي بعض النّسخ أَو فِي بعض الرِّوَايَة: على فَخذه، أَي: الْإِزَار الْكَائِن على فَخذه، فَلَا يتَعَلَّق بحسر، إلَاّ أَن يُقَال: حُرُوف الْجَرّ يُقَام بَعْضهَا مقَام بعض. قلت: إِن صحت هَذِه الرِّوَايَة يكون مُتَعَلق: على، محذوفاً كَمَا قَالَه، لِأَنَّهُ
حينئذٍ لَا يجوز أَن يتَعَلَّق: على، بقوله:(حسر) لفساد الْمَعْنى، وَيجوز أَن تكون: على، بِمَعْنى: من، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى:{إِذا اكتالوا على النَّاس} (المطففين: 2) أَي: من النَّاس، لِأَن: على، تَأتي لتسعة معَان، مِنْهَا أَن تكون بِمَعْنى: من. قَوْله: (حَتَّى أَنِّي أنظر)، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني:(حَتَّى أَنِّي لأنظر)، بِزِيَادَة لَام التَّأْكِيد. قَوْله:(فَلَمَّا دخل الْقرْيَة) أَي: خَيْبَر، وَهَذَا مشْعر بِأَن ذَلِك الزقاق كَانَ خراج الْقرْيَة. قَوْله:(خربَتْ خَيْبَر) أَي: صَارَت خراباً، وَهل ذَلِك على سَبِيل الخبرية؟ فَيكون ذَلِك من بَاب الْإِخْبَار بِالْغَيْبِ؟ أَو يكون ذَلِك على جِهَة الدُّعَاء عَلَيْهِم؟ أَو على جِهَة التفاؤل لما رَآهُمْ خَرجُوا بِمساحِيهِمْ وَمَكَاتِلهمْ؟ وَذَلِكَ من آلَات الحراث. وَيجوز أَن يكون أَخذ من اسْمهَا، وَقيل: إِن اأعلمه بذلك. قَوْله: (بِسَاحَة قوم) قَالَ الْجَوْهَرِي: ساحة الدَّار ناحيتها، وَالْجمع: ساحات وسوح وساح، أَيْضا مثل: بَدَنَة وبدن، وخشبة وخشب. قلت: على هَذَا أصل: ساحة سوحة، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها، وانفتاح مَا قبلهَا، وأصل الساحة الفضاء بَين الْمنَازل، وَيُطلق على: النَّاحِيَة والجهة وَالْبناء. قَوْله: (وَخرج الْقَوْم إِلَى أَعْمَالهم) . قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: مَوَاضِع أَعْمَالهم. قلت: بل مَعْنَاهُ خرج الْقَوْم لأعمالهم الَّتِي كَانُوا يعملونها، وَكلمَة: إِلَى، تَأتي بِمَعْنى: اللَّام. قَوْله: (فَقَالُوا: مُحَمَّد) أَي: جَاءَ مُحَمَّد، وارتفاعه على أَنه فَاعل لفعل مَحْذُوف، وَيجوز أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا مُحَمَّد. قَوْله: (قَالَ عبد الْعَزِيز) وَهُوَ: عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، وَهُوَ أحد رُوَاة الحَدِيث عَن أنس. قَوْله:(وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه لم يسمع هَذِه اللَّفْظَة من أنس، وَإِنَّمَا سَمعه من بعض أَصْحَابه عَنهُ، وَهَذِه رِوَايَة عَن الْمَجْهُول، إِذْ لم يعين هَذَا الْبَعْض من هُوَ، وَقَالَ بَعضهم، يحْتَمل أَن يكون بعض أَصْحَاب عبد الْعَزِيز مُحَمَّد بن سِيرِين لِأَن البُخَارِيّ أخرج من طَرِيقه أَيْضا، أَو يكون ثَابتا الْبنانِيّ، لِأَن مُسلما أخرجه من طَرِيقه أَيْضا. قلت: يحْتَمل أَن يكون غَيرهمَا، فعلى كل حَال لَا يخرج عَن الْجَهَالَة، وَالْحَاصِل أَن عبد الْعَزِيز قَالَ: سَمِعت من أنس، قَالُوا: جَاءَ مُحَمَّد. فَقَط، وَقَالَ بعض أَصْحَابه: قَالُوا مُحَمَّد وَالْخَمِيس، ثمَّ فسر عبد الْعَزِيز: الْخَمِيس، بقوله: يَعْنِي الْجَيْش، وَيجوز أَن يكون التَّفْسِير مِمَّن دونه، وعَلى كل حَال هُوَ مدرج.
قَوْله: (وَالْخَمِيس) ، بِفَتْح الْخَاء، وَسمي الْجَيْش خميساً لِأَنَّهُ خَمْسَة أَقسَام: مُقَدّمَة وساقة وقلب وجناحان، وَيُقَال: ميمنة وميسرة وقلب وجناحان، وَقَالَ ابْن سَيّده: لِأَنَّهُ يُخَمّس مَا وجده، وَقَالَ الْأَزْهَرِي (1) : الْخمس إِنَّمَا ثَبت بِالشَّرْعِ، وَكَانَت الْجَاهِلِيَّة يسمونه بذلك، وَلم يَكُونُوا يعْرفُونَ الْخمس. ثمَّ ارْتِفَاع: الْخَمِيس، بِكَوْنِهِ عطفا على؛ مُحَمَّد، وَيجوز أَن تكون: الْوَاو، فِيهِ بِمَعْنى: مَعَ، على معنى: جَاءَ مُحَمَّد مَعَ الْجَيْش. قَوْله: (عنْوَة) بِفَتْح الْعين وَهُوَ الْقَهْر، يُقَال: أَخَذته عنْوَة أَي: قهرا. وَقيل: أَخَذته عنْوَة، أَي: عَن غير طَاعَة. وَقَالَ ثَعْلَب: أخذت الشَّيْء عنْوَة أَي: قهرا فِي عنف، وأخذته عنْوَة أَي: صلحا فِي رفق. وَقَالَ ابْن التِّين: وَيجوز أَن يكون عَن تَسْلِيم من أَهلهَا وَطَاعَة بِلَا قتال، وَنَقله عَن الْقَزاز فِي (جَامعه) : قلت: فحيئذٍ يكون هَذَا اللَّفْظ من الأضداد. وَقَالَ أَبُو عمر: الصَّحِيح فِي أَرض خَيْبَر كلهَا عنْوَة، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: اخْتلفُوا فِي فتح خَيْبَر كَانَت عنْوَة أَو صلحا؟ أَو جلاء أَهلهَا عَنْهَا بِغَيْر قتال؟ أَو بَعْضهَا صلحا وَبَعضهَا عنْوَة وَبَعضهَا جلاء أَهلهَا عَنْهَا؟ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَبِهَذَا أَيْضا ينْدَفع التضاد بَين الْآثَار. قَوْله:(فجَاء دحْيَة)، بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا: ابْن خَليفَة بن فَرْوَة الْكَلْبِيّ، وَكَانَ أجمل النَّاس وَجها، وَكَانَ جِبْرِيل عليه الصلاة والسلام، يَأْتِي رَسُول الله فِي صورته وَتقدم ذكره مُسْتَوفى، فِي قصَّة هِرقل.
قَوْله: (فَقَالَ: اذْهَبْ)، ويروى: قَالَ، بِدُونِ: الْفَاء. قَوْله: (فَخذ جَارِيَة)، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ للرسول إعطاؤها لدحية قبل الْقِسْمَة؟ قلت: صفي الْمغنم لرَسُول ا، فَلهُ أَن يُعْطِيهِ لمن شَاءَ. قلت: هَذَا غير مقنع، لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ ذَلِك قبل أَن يعين الصفي، وَهَهُنَا أجوبة جَيِّدَة. الأول: يجوز أَن يكون أذن لَهُ فِي أَخذ الْجَارِيَة على سَبِيل التَّنْفِيل لَهُ، إِمَّا من أصل الْغَنِيمَة أَو من خمس الْخمس، سَوَاء كَانَ قبل التَّمْيِيز أَو بعده. الثَّانِي: يجوز أَن يكون أذن لَهُ على أَنه يحْسب من الْخمس إِذا ميز. الثَّالِث: يجوز أَن يكون أذن لَهُ ليقوّم عَلَيْهِ بعد ذَلِك ويحسب من سَهْمه. قَوْله: (فَأخذ صَفِيَّة بنت حييّ) ، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة، وحيي، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَكسرهَا وَفتح الْيَاء الأولى المخففة وَتَشْديد الثَّانِيَة: ابْن أَخطب بن سعية، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن سفلَة بن ثَعْلَبَة، وَهِي من بَنَات هَارُون عليه الصلاة والسلام، وَأمّهَا برة بنت سمؤل. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَت فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة خمسين. وَقَالَ غَيره: مَاتَت فِي خلَافَة عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ. سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ، ودفنت بِالبَقِيعِ، وَكَانَت تَحت كنَانَة بن أبي
الْحقيق؛ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف الأولى: قتل يَوْم خَيْبَر. قَوْله: (فجَاء رجل)، مَجْهُول لم يعرف. قَوْله:(قُرَيْظَة) ، بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالظاء الْمُعْجَمَة. (وَالنضير) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة، وهما قبيلتان عظيمتان من يهود خَيْبَر، وَقد دخلُوا فِي الْعَرَب على نسبهم إِلَى هَارُون عليه الصلاة والسلام. قَوْله:(خُذ جَارِيَة من السَّبي غَيرهَا) أَي: غير صَفِيَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: لما وَهبهَا من دحْيَة فَكيف رَجَعَ عَنْهَا؟ قلت: إِمَّا لِأَنَّهُ لم يتم عقد الْهِبَة بعد وَإِمَّا لِأَنَّهُ أَبُو الْمُؤمنِينَ، وللوالد أَن يرجع عَن هبة الْوَلَد، وَإِمَّا لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ. قلت: أجَاب بِثَلَاثَة أجوبة: الأول: فِيهِ نظر لِأَنَّهُ لم يجر عقد هِبته حَتَّى يُقَال: إِنَّه رَجَعَ عَنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ إعطاؤها إِيَّاه بِوَجْه من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا عَن قريب. الثَّانِي: فِيهِ نظر أَيْضا، لِأَنَّهُ لَا يمشي مَا ذكره فِي مَذْهَب غَيره. الثَّالِث: ذكر أَنه اشْتَرَاهَا مِنْهُ، أَي: من دحْيَة، وَلم يجر بَينهمَا عقد بيع أَولا، فَكيف اشْتَرَاهَا مِنْهُ بعد ذَلِك؟
فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة مُسلم: أَن النَّبِي، اشْترى صَفِيَّة مِنْهُ بسبعة أرؤس. قلت: إِطْلَاق الشِّرَاء على ذَلِك على سَبِيل الْمجَاز، لِأَنَّهُ لما أَخذهَا مِنْهُ على الْوَجْه الَّذِي نذكرهُ الْآن، وعوضه عَنْهَا بسبعة أرؤس على سَبِيل التكرم وَالْفضل، أطلق الرَّاوِي الشِّرَاء عَلَيْهِ لوُجُود معنى الْمُبَادلَة فِيهِ، وَأما وَجه الْأَخْذ فَهُوَ أَنه لما قيل لَهُ: إِنَّهَا لَا تصلح لَهُ من حَيْثُ إِنَّهَا من بَيت النُّبُوَّة، فَإِنَّهَا من ولد هَارُون أخي مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمن بَيت الرياسة، فَإِنَّهَا من بَيت سيد قُرَيْظَة وَالنضير، مَعَ مَا كَانَت عَلَيْهِ من الْجمال الْبَاعِث على كَثْرَة النِّكَاح المؤدية إِلَى كَثْرَة النَّسْل، وَإِلَى جمال الْوَلَد لَا للشهوة النفسانية، فَإِنَّهُ مَعْصُوم مِنْهَا.
وَعَن الْمَازرِيّ: يحمل مَا جرى مَعَ دحْيَة على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون رد الْجَارِيَة بِرِضَاهُ، وَأذن لَهُ فِي غَيرهَا. الثَّانِي: أَنه إِنَّمَا أذن لَهُ فِي جَارِيَة من حَشْو السَّبي لَا فِي أَخذ أفضلهن، وَلما رأى أَنه أَخذ أَنْفسهنَّ وأجودهن نسبا وشرفاً وجمالاً استرجعها لِئَلَّا يتَمَيَّز دحْيَة بهَا على بَاقِي الْجَيْش، مَعَ أَن فيهم من هُوَ أفضل مِنْهُ، فَقطع هَذِه الْمَفَاسِد وعوضه عَنْهَا. وَفِي (سير) الْوَاقِدِيّ: أَنه أعطَاهُ أُخْت كنَانَة بن الرّبيع بن أَي الْحقيق، وَكَانَ كنَانَة زوج صَفِيَّة، فَكَأَنَّهُ طيب خاطره لما اسْترْجع مِنْهُ صَفِيَّة بِأَن أعطَاهُ أُخْت زَوجهَا. وَقَالَ القَاضِي: الأولى عِنْدِي أَن صَفِيَّة كَانَت فَيْئا لِأَنَّهَا كَانَت زَوْجَة كنَانَة بن الرّبيع، وَهُوَ وَأَهله من بني الْحقيق كَانُوا صَالحُوا رَسُول ا، وَشرط عَلَيْهِم أَن لَا يكتموا كنزاً، فَإِن كتموه فَلَا ذمَّة لَهُم، وسألهم عَن كنز حَيّ بن أَخطب فَكَتَمُوهُ، فَقَالُوا: أذهبته النَّفَقَات، ثمَّ عثر عَلَيْهِ عِنْدهم، فَانْتقضَ عَهدهم فسباهم، وَصفِيَّة من سَبْيهمْ، فَهِيَ فَيْء لَا يُخَمّس بل يفعل فِيهِ الإِمَام مَا رأى. قلت: هَذَا تَفْرِيع على مذْهبه: أَن الْفَيْء لَا يُخَمّس، وَمذهب غَيره أَنه يُخَمّس. قَوْله:(فاعتقها) أَي: فاعتق النَّبِي صَفِيَّة، وَسَنذكر تَحْقِيقه فِي الْأَحْكَام. قَوْله:(فَقَالَ لَهُ ثَابت) أَي: قَالَ لأنس رَضِي اتعالى عَنهُ، ثَابت الْبنانِيّ:(يَا با حَمْزَة) . أَصله، يَا أَبَا حَمْزَة، حذفت الْألف تَخْفِيفًا. قَوْله:(وَأَبُو حَمْزَة) كنية أنس. قَوْله: (أم سليم) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة، وَهِي: أم أنس. قَوْله: (حَتَّى إِذا كَانَ بِالطَّرِيقِ) جَاءَ فِي (الصَّحِيح) : (فَخرج بهَا حَتَّى إِذا بلغنَا سد الروحاء)، و: السد، بِفَتْح السِّين وَضمّهَا، وَهُوَ جبل الروحاء، وَهِي قَرْيَة جَامِعَة من عمل الْفَرْع لمزينة على نَحْو أَرْبَعِينَ ميلًا من الْمَدِينَة أَو نَحْوهَا، و: الروحاء، بِفَتْح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة مَمْدُود. وَفِي رِوَايَة:(أَقَامَ عَلَيْهَا بطرِيق خَيْبَر ثَلَاثَة أَيَّام حِين أعرس بهَا، وَكَانَت فِيمَن ضرب عَلَيْهَا الْحجاب) . وَفِي رِوَايَة: (أَقَامَ بَين خَيْبَر وَالْمَدينَة ثَلَاثَة أَيَّام، فَبنى بصفية) .
قَوْله: (فاهدتها) أَي: أَهْدَت أم سليم صَفِيَّة لرَسُول ا، وَمَعْنَاهُ: زفتها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا: فهدتها، لَهُ، وَقيل: هَذَا هُوَ الصَّوَاب. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الهداء مصدر قَوْلك أهديت أَنا الْمَرْأَة إِلَى زَوجهَا هداء. قَوْله: (عروساً) على وزن، فعول، يَسْتَوِي فِيهِ الرجل وَالْمَرْأَة مَا داما فِي إعراسهما. يُقَال: رجل عروس وَامْرَأَة عروس، وَجمع الرجل: عروس، وَجمع الْمَرْأَة: عرائس. وَفِي الْمثل: كَاد الْعَرُوس أَن يكون ملكا. والعروس. اسْم حصن بِالْيمن، وَقَول الْعَامَّة: الْعَرُوس للْمَرْأَة، والعريس للرجل لَيْسَ لَهُ أصل. قَوْله:(من كَانَ عِنْده شَيْء فليجىء بِهِ) : كَذَا هُوَ فِي البُخَارِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ رِوَايَة، وَفِي بَعْضهَا:(فليجئني بِهِ)، بنُون الْوِقَايَة. قَوْله:(نطعاً) بِكَسْر النُّون وَفتح الطَّاء، وَعَن أبي عبيد: هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ثَعْلَب فِي (الفصيح) وَفِي (الْمُخَصّص) : فِيهِ أَربع لُغَات: نطع، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الطَّاء، ونطع؛ بِفتْحَتَيْنِ، ونطع، بِكَسْر النُّون وَفتح الطَّاء، و: نطع، بِكَسْر النُّون وَسُكُون الطَّاء. وَجمعه: أنطاع ونطوع، وَزَاد فِي (الْمُحكم) : أنطع. وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فِي (نوادره) : النطع: هُوَ المبناة والستارة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: المبناة والمبناة: النطع.
قَوْله: (قَالَ: وَأَحْسبهُ قد ذكر السويق) أَي: قَالَ عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب:
أَحسب أنسا ذكر السويق أَيْضا، وَجزم عبد الْوَارِث فِي رِوَايَته بِذكر السويق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي قَالَ: وَجعل الرجل يَجِيء بالسويق، وَيحْتَمل أَن يكون فَاعل: قَالَ، هُوَ البُخَارِيّ. وَيكون مقولاً للفربري، ومفعول: أَحسب، يَعْقُوب، وَالْأول هُوَ الظَّاهِر. قَوْله:(فحاسوا حَيْسًا) الحيس، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة: هُوَ تمر يخلط بِسمن وأقط، يُقَال: حاس الحيس يحيسه أَي: يخلطه. وَقَالَ ابْن سَيّده: الحيس هُوَ الأقط يخلط بالسمن وَالتَّمْر، وحاسه حَيْسًا وحيسة: خلطه. قَالَ الشَّاعِر:
(وَإِذا تكون كريهة يدعى لَهَا
…
وَإِذا يحاس الحيس يدعى جُنْدُب)
قَالَ الْجَوْهَرِي: الحيس: الْخَلْط، وَمِنْه سمي الحيس، وَفِي (الْمُخَصّص) قَالَ الشَّاعِر:
(التَّمْر وَالسمن جَمِيعًا والأقط
…
الحيس إلَاّ أَنه لم يخْتَلط)
وَفِي (الغريبين) : هُوَ ثريد من أخلاط. قَالَ الْفَارِسِي فِي (مجمع الغرائب) : اأعلم بِصِحَّتِهِ. قَوْله: (فَكَانَت وَلِيمَة رَسُول ا) اسْم: كَانَت، الضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة الَّتِي اتخذ مِنْهَا الحيس. قَوْله:(وَلِيمَة النَّبِي) بِالنّصب: خَبره.
ذكر الْأَحْكَام الَّتِي تستنبط مِنْهُ مِنْهَا: جَوَاز إِطْلَاق صَلَاة الْغَدَاة على صَلَاة الصُّبْح، خلافًا لمن كرهه من بعض الشَّافِعِيَّة. وَمِنْهَا: جَوَاز الإرداف إِذا كَانَت الدَّابَّة مطيقة، وَفِيه غير مَا حَدِيث. وَمِنْهَا: اسْتِحْبَاب التَّكْبِير وَالذكر عِنْد الْحَرْب، وَهُوَ مُوَافق لقَوْله تَعَالَى:{يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم فِئَة فأثبتوا واذْكُرُوا اكثيراً} (الْأَنْفَال: 54) وَمِنْهَا: اسْتِحْبَاب التَّثْلِيث فِي التَّكْبِير لقَوْله: (قَالَهَا ثَلَاثًا) أَي ثَلَاث مَرَّات. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ دلَالَة على أَن الْفَخْذ لَيْسَ بِعَوْرَة، وَقد ذكرنَا الْجَواب عَنهُ. وَمِنْهَا: أَن إِجْرَاء الْفرس يجوز وَلَا يضر بمراتب الْكِبَار، لَا سِيمَا عِنْد الْحَاجة أَو لرياضة الدَّابَّة أَو لتدريب النَّفس على الْقِتَال. وَمِنْهَا: اسْتِحْبَاب عتق السَّيِّد أمته وَتَزَوجهَا، وَقد صَحَّ أَن لَهُ أَجْرَيْنِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي مُوسَى، وَسَيَأْتِي، إِن شَاءَ اتعالى. وَقَالَ ابْن حزم: اتّفق ثَابت وَقَتَادَة وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس أَنه: عتق صَفِيَّة وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا، وَبِه قَالَ قَتَادَة فِي رِوَايَة، وَأخذ بِظَاهِرِهِ أَحْمد وَالْحسن وَابْن الْمسيب، وَلَا يحل لَهَا مهر غَيره، وتبعهم ابْن حزم فَقَالَ: هُوَ سنة فاضلة وَنِكَاح صَحِيح وصداق صَحِيح، فَإِن طَلقهَا قبل الدُّخُول فَهِيَ حرَّة فَلَا يرجع عَلَيْهَا بِشَيْء، وَلَو أَبَت أَن تتزوجه بَطل عتقهَا. وَفِي هَذَا خلاف مُتَأَخّر ومتقدم.
قَالَ الطَّحَاوِيّ: حدّثنا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حدّثنا مُسلم بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حدّثنا أبان وَحَمَّاد بن زيد، قَالَ: حدّثنا شُعَيْب بن الحبحاب عَن أنس بن مَالك: (أَن رَسُول الله أعتق صَفِيَّة وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا) . وَأخرجه مُسلم، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَذهب قوم إِلَى أَن الرجل إِذا أعتق أمته على أَن عتقهَا صَدَاقهَا جَازَ ذَلِك، فَإِن تزوجت فَلَا مهر لَهَا غير الْعتاق. قلت: أَرَادَ بهؤلاء الْقَوْم: سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعامر الشّعبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَقَتَادَة وطاوساً وَالْحسن بن حييّ وَأحمد وَإِسْحَاق فَإِنَّهُم قَالُوا: إِذا أعتق الرجل أمته على أَن يكون عتقهَا صَدَاقهَا جَازَ ذَلِك، فَإِذا عقد عَلَيْهَا لَا تسْتَحقّ عَلَيْهِ مهْرا غير ذَلِك الْعتاق، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك: سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو يُوسُف وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَذكر التِّرْمِذِيّ أَنه مَذْهَب الشَّافِعِي أَيْضا. وَقَالَ عِيَاض: وَقَالَ الشَّافِعِي: هِيَ بِالْخِيَارِ إِذا أعْتقهَا، فَإِن امْتنعت من تزَوجه فَلهُ عَلَيْهَا قيمتهَا إِن لم يُمكن الرُّجُوع فِيهَا، وَهَذِه لَا يُمكن الرُّجُوع فِيهَا، وَإِن تزوجت بِالْقيمَةِ الْوَاجِبَة لَهُ عَلَيْهَا صَحَّ بذلك عِنْده.
وَفِي (الْأَحْكَام) لِابْنِ بزيزة، فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: اخْتلف سلف الصَّحَابَة، وَكَانَ ابْن عمر لَا يرَاهُ، وَقد روينَا جَوَازه عَن عَليّ وَأنس وَابْن مَسْعُود، وروينا عَن ابْن سِيرِين أَنه اسْتحبَّ أَن يَجْعَل مَعَ عتقهَا شَيْئا مَا كَانَ، وَصَحَّ كَرَاهَة ذَلِك أَيْضا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَجَابِر بن زيد وَالنَّخَعِيّ. وَقَالَ النَّخعِيّ: كَانُوا يكْرهُونَ أَن يعْتق الرجل جَارِيَته ثمَّ يَتَزَوَّجهَا، وجعلوه كالراكب بدنته. وَقَالَ اللَّيْث بن سعد وَابْن شبْرمَة وَجَابِر بن زيد وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَزفر وَمَالك: لَيْسَ لأحد غير رَسُول الله أَن يفعل هَذَا فَيتم لَهُ النِّكَاح بِغَيْر صدَاق، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لرَسُول الله خَاصَّة، لِأَن اتعالى لما جعل لَهُ أَن يتَزَوَّج بِغَيْر صدَاق كَانَ لَهُ أَن يتَزَوَّج على الْعتاق الَّذِي لَيْسَ بِصَدَاق. ثمَّ إِن فعل هَذَا وَقع الْعتاق، وَلها عَلَيْهِ مهر الْمثل، فَإِن أَبَت أَن تتزوجه تسْعَى لَهُ فِي قيمتهَا عِنْد