الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعصية بأحد الحرمين
تنبيه: تضمنت نصوص هذه الروايات كتابة الحسنات والسيئات والهم بالحسنة والهم بالسيئة وتقدم الكلام على ثلاث، وبقي الهم بالسيئة إذا عملها كتبها الله سيئة واحدة كما في حديث ابن عباس، ففيه إشارة إلى أنها غير مضاعفة كما صرح به في الحديث المذكور، ولكن السيئة تعظم أحيانًا بشرف الزمان ومكان كما قال الله تعالى:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} إلى قوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}
(1)
قال قتادة
(2)
في هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا فيما سوى ذلك، وقد روى في حديثين مرفوعين أن السيئات تضاعف في رمضان، وكان جماعة من الصحابة يتقون سكني الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه منهم ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة يعني، بغير مكة أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة
(3)
، وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات
(4)
، وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة مائة خطيئة والحسنة
(1)
سورة التوبة، الآية:36.
(2)
أخرجه: الطبري في تفسيره (12974)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1793 (10010).
(3)
أخرجه: عبد الرزاق (8871).
(4)
ذكره السيوطي في الدر المنثور 4/ 635.
على نحو ذلك وقد تضاعف السيئات لشرف فاعلها وقوة معرفته بالله وقربه منه فإن من عصى السلطان على بساطه أعظم أجرا ممن عصاه على بعد
(1)
.
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس: زاد في رواية: "أو محاها" يعني أن عمل السيئة أن تكتب لعاملها سيئة واحدة أو يمحوها الله بما شاء من الأسباب كالتوبة والاستعفار وعمل الحسنات
(2)
.
وقوله بعد ذلك: "ولا يهلك على الله هالك" أي: لا يعاقب مع هذه المسامحة إلا مفرط غاية التفريط يعني بعد هذا الفضل العظيم والرحمة الواسعة فيه بمضاعفة الحسنات والتجاوز عن السيئات: "لا يهلك على الله إلا من هلك وألقي بيديه إلى التهلكة وتجرأ على السيئات ورغب في الحسنات وأعرض عنها" ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: ويل لمن غلب وحداته عشراته، وروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا هكذا: من غلب واحدة عشرا انتهى كلام ابن رجب
(3)
.
سؤال: ما معنى قوله: ويل لمن غلب آحاده أعشاره، قيل: الآحاد السيئات لأن كل سيئة تكتب بواحدة والأعشار أصول الحسنات وتضاعيف الحسنات فإن الحسنة بعشر أمثالها قاله ابن العماد في كشف الأسرار
(4)
.
(1)
جامع العلوم والحكم (3/ 1040 - 1042).
(2)
جامع العلوم والحكم (3/ 1053).
(3)
جامع العلوم والحكم (3/ 1053).
(4)
كشف الأسرار (لوحة 78).
تنبيه: قال بعض العلماء لأن تفضل حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلى من الدنيا جميعًا.
سؤال آخر: ما الحكمة في إضعاف الحسنات؟ قال النيسابوري: لئلا يفلس العبد إذا اجتمع الخصماء في مطالبته فيدفع إليهم واحدة وتبقى له تسعة ثم توفي العباد من أصواب حسناته ولا يوفي من التضعيفات لأنها فضل من الله تعالى قد ذكر البيهقي في كتاب البعث والنشور فقال: إن التضعيفات فضل من الله تعالى لا يتعلق بها العباد بل يدخرها للعبد إذا أدخله الجنة أثابه بها قاله أيضا في كشف الأسرار
(1)
، وفي حديث مرسل أخرجه ابن أبي الدنيا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل يا فلان إنك تبني وتهدم يعني تعمل الحسنات والسيئات فقال يا رسول الله سوف أبني ولا أهدم"
(2)
، علامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة بعدها، وعلامة ردها أن توصل بمعصية ما أحسن الحسنة بعد الحسن وأقبح السيئة بعد الحسنة ذنب بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها النكسة أصعب من المرض الأول
(3)
.
25 -
عَن معن بن يزِيد رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ أبي يزِيد أخرج دَنَانِير يتَصَدَّق بهَا فوضعها عِنْد رجل فِي الْمَسْجِد فَجئْت فأخذتها فَأَتيْته بهَا فَقَالَ وَالله مَا إياك أردْت فَخَاصَمته إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَك مَا نَوَيْت يَا يزِيد
(1)
كشف الأسرار (لوحة 78).
(2)
أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة رقم (188).
(3)
هذا كله زيادة في المخطوطة المغربية، ولعله سقط من المخطوطة المصرية.
وَلَك مَا أخذت يَا معن"
(1)
رواه البخاري.
قوله: وعن معن بن يزيد [هو معن بن يزيد بن الأخنس بن حبيب بن جرة بن زعب بن مالك بن عفاف بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار، أبو يزيد السلمي، له ولأبيه ولجده صحبة، وقد اختلف في نسبه نزل الكوفة، وقدم مصر سنة ثلاث وأربعين، وصار إلى الإسكندرية، وكان له بدمشق دار، وشهد يوم مرج راهط مع الضحاك بن قيس سنة أربع وستين، وقتل ابنه ثور بن معن بن يزيد يومئذ.
وروي عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أن معن بن يزيد بن الأخنس هو وأبوه وجده شهدوا بدوا، قال: ولا أعلم رجلا هو وابنه وابن ابنه مسلمين شهدوا بدرا غيرهم، ولم يتابعه أحد على هذا القول
(2)
].
قوله: كان أبي يزيد أخرج دنانير، فتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فذكر الحديث إلى أن قال: فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"لك ما نويت يا يزيد من أجر الصدقة، ولك ما أخذت يا معن" الحديث، أي: لك ما نويت يا يزيد من أجر الصدقة وهو التقرب والثواب، لأنك نويت أنا تتصدق بها على من يحتاج إليها، ورأيتك تحتاج إليها" وقوله:"ولك ما أخذت يا معن لأنك أخذتها محتاجا إليهًا" ففي هذا الحديث إشارة
(1)
أخرجه البخاري رقم (1422).
(2)
تهذيب الكمال (28/ الترجمة 6118).
إلى جواز التصدق على الفرع، وذلك إنما يجوز في الصدقة النافلة فيحمل عليها، فأخذ الإمام أحمد بهذا الحديث وعمل به في المنصوص عنه وإن كان أكثر الصحابة على خلافه، فإن الرجل إنما يمنع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن تكون محاباة، فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر كانت المحاباة منتفية، وهو من أهل إستحقاق الصدقة في نفس الأمر، ولهذا لو دفع صدقة إلى من يظنه فقيرًا فكان غنيًا في نفس الأمر أجزأته على الصحيح؛ لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَّلَعُ على حقيقته، انتهى، قاله ابن رجب
(1)
.
26 -
عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رجل: لأتصدقن اللَّيْلَة بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على غَنِي فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق وزانية وغني فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك على سَارِق فَلَعَلَّهُ أَن يستعف عَن سَرقته، وَأما الزَّانِيَة فلعلها أَن تستعف عَن زنَاهَا وَأما الْغَنِيّ فَلَعَلَّهُ أَن يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله"
(2)
.
(1)
جامع العلوم والحكم (1/ 89).
(2)
أخرجه البخاري رقم (1421)، ومسلم رقم (1022)، والنسائي (5/ 55).
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَالنَّسَائيِّ قَالَا فِيهِ "فَقيل لَهُ أما صدقتك فقد تقبلت
…
" ثمَّ ذكر الحَدِيث.
قوله: وعن أبي هريرة، تقدمت ترجمته.
قوله صلى الله عليه وسلم: "قال رجل: لأتصدقن بصدقة" أي: والله لأتصدقن بصدقة
(1)
.
قوله: "فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون، تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق" أي: على التصدق على سارق، ولفظ:"تصدق على سارق" إخبار في معنى التعجب أو الإنكار وهو بلفظ المجهول
(2)
.
فوله: "فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية" الحديث، فلما جوزي بوضعه في يد زانية حمد الله تعالى على أنه لم يقدر أن يتصدق على من هو أسوأ حالا من الزانية، أو يجري لك الحمد مجرى سبحان الله في استعماله عند مشاهدة ما يتعجب منه تعظيمًا لله تعالي، فلما تعجبوا من فعله وقالوا: تصدق على الزانية تعجب أيضًا من فعل نفسه، وقال: الحمد لله، انتهى، قاله الكرماني
(3)
.
قوله صلى الله عليه وسلم: "فأتى فقيل له: أما صدقتك على سارق" الحديث، وفي الرواية
(1)
الكواكب الدراري (7/ 191).
(2)
الكواكب الدراري (7/ 191).
(3)
في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (7/ 191).
الأخرى: "صدقتك فقد قبلت" أتي بلفظ المجهول وعبارة بعضهم على البناء للمفعول ومعناه: أتاه آت في المنام أو سمع هاتفا ملكا أو غيره أو أفتى له عالم نبيا أو غيره والله أعلم قاله الكرماني
(1)
وغيره.
واعلم أنه استعمل لعل في قوله لعله تارة استعمال عسى وأخرى استعمال كاد، وفيه دليل على أن الله يجزي العبد على حسب نيته في الخير لأن هذا المتصدق لما قصد بصدقته وجه الله تعالى قبلت منه ولم يضره وضعها عند من لا يستحقها وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة المفروضة فلا يجزئ دفعها إلى الأغنياء وإن كان فيه اعتبار لمن تصدق عليه بأن يتحول عن الحال المذمومة إلى الحال المحمودة فيستعف السارق من سرقته والزانية من زناها والغني من إمساكه انتهى قاله الكرماني
(2)
، وقال الإمام القرطبي
(3)
: فيه إشعار بألم قلبه إذا ظن أن صدقته لم توافق محلها وإن ذلك لم ينفعه ولذلك كرر الصدقة فلما علم الله تعالى صحة نيته تقبلها منه واعلمه بقبول صدقاته ويستفاد منه صحة الصدقة وإن لم توافق محلًّا مرضيًّا إذا حسنت نية المتصدق، فأما لو علم المتصدق أن المتصدق عليه يستعين بتلك الصدقة على معصية لحزم عليه ذك فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، انتهى.
(1)
في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (7/ 192).
(2)
الكواكب الدراري (7/ 192).
(3)
المفهم (9/ 36).
27 -
عَن أبي الدَّرْدَاء يبلغ بِهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كتِبَ لَهُ مَا نَوَى وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ"
(1)
رَوَاهُ النَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي ذَر أَو أبي الدَّرْدَاء على الشَّك.
قوله: وعن أبي الدرداء يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، أبو الدرداء اسمه عويمر، وقيل غير ذلك، واختلفوا في أنه شهد أحدا أم لا، وأنه لم يشهد بدر، وقد شهد أكثر المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاه أمير المؤمنين القضاء بدمشق وفرض له عمر أربعمائة درهم في الشهر وألحقه بالبدريين وكان رضي الله عنه: تاجرًا قبل البعثة فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ترك التجارة واشتغل بالعبادة وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم الفارس عويمر" وقال فيه "حكيم أمتي عويمر" وقرأ القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وجمعه في حياته، قال الذهبي: ولما مرض أبو الدرداء دخل عليه أصحابه يعودونه فقالوا: ما تشتكي، قال: ذنوبي، فقالوا: ما تشتهي قال أشتهي الجنة، فقالوا: ألا ندعوا لك طبيبا، قال: الطبيب هو الذي أمرضني، وقال عبد الله بن عتبة: سألت أم الدرداء ما كان أفضل عمل أبي الدرداء قالت: التفكر والاعتبار، توفي أبو الدرداء بدمشق سنة اثنتين وثلاثين في
(1)
أخرجه النسائي (3/ 258) وفي السنن الكبرى رقم (1463)، وابن ماجه رقم (1344)، والبزار في مسنده (10/ 87)، وابن خزيمة رقم (1172)، وأخرجه ابن حبان رقم (2588) عن أبي ذر أو أبي الدرداء على الشك، وحسنه الألباني في الجامع الصغير رقم (10885).
خلافة عثمان رضي الله عنه ومناقبه كثيرة
(1)
.
قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى فراشه هو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى" الحديث وفي بعض النسخ فغلبته عينه على الأفراد هو عن النوم، وروي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال:"من هم بصلاة أو صيام أو حج أو عمرة أو غزو وحيل بينه وبين ذلك بلغه الله ما نواه"
(2)
.
وقال أبو عمران الجوني: ينادي الملك اكتب لفلان كذا وكذا فيقول يا رب إنه لم يعمله فيقول إنه قد نواه، انتهى، وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يقول الله عز وجل للحفظة يوم القيامة اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر فيقولون ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا في صحفنا فيقول إنه نواه إنه نواه"
(3)
قلت: ولهذا المعنى ونحوه قيل إن نية المؤمن خير من عمله قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية
(4)
والله تعالى أعلم.
(1)
راجع في ترجمته: الاستيعاب (3/ 1227)، وأسد الغابة (4/ 18)، والإصابة (4/ 621).
(2)
أخرجه أبو نعيم في الحلية (8/ 52).
(3)
أخرجه: ابن أبي الدنيا كما في فتح الباري 11/ 394 ومن طريقه السلفي في الطيوريات (3535) وأورده العيني في عمدة القاري (1/ 35) وعزاه لأبي يعلى.
(4)
التعيين (ص 37 - 38).