المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الترغيب في إتباع الكتاب والسنة] - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ١

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌أهمية هذا الكتاب:

- ‌القسم الأول ترجمة الحافظ المنذري

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌نشأته وتعلمه:

- ‌شيوخه:

- ‌ومن أهم شيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌مؤلفاته:

- ‌ثناء العلماء عليه:

- ‌أهم مؤلفاته:

- ‌وفاته:

- ‌القسم الثاني دراسة موجزة لكتاب الترغيب والترهيب للمنذري

- ‌الباعث على تأليفه:

- ‌موضوعه:

- ‌مصادره وكيفية عزوه إليها:

- ‌اصطلاحه في الكتاب:

- ‌حكمه على الحديث:

- ‌القيمة العلمية للكتاب:

- ‌تعقبات على الترغيب والترهيب:

- ‌مختصرات الترغيب والترهيب:

- ‌القسم الثالث ترجمة الشارح

- ‌اسمه، ونسبه، ونسبته:

- ‌شيوخه:

- ‌وأما أقرانه:

- ‌تلاميذه:

- ‌مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه وبعضر الانتقادات التي وجِّهت إليه:

- ‌عقيدته:

- ‌آثاره العلمية:

- ‌القسم الرابع: التعريف بكتاب فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

- ‌نسبة الكتاب إليه وسبب تأليفه:

- ‌سبب تأليفه:

- ‌موضوع الكتاب:

- ‌موارد المؤلف في الكتاب، وطريقته في النقل منها:

- ‌أولًا: موارد المؤلف في الكتاب:

- ‌ثانيًا: منهجه وطريقته في النقل

- ‌المطلب الرابع: القيمة العلمية للكتاب، والمآخذ عليه

- ‌أولًا: القيمة العلمية للكتاب

- ‌ثانيًا: أهم المآخذ عليه:

- ‌وَصْفُ النُّسَخ الخَطِّيَّة المُعْتَمَدَةِ في التَّحقِيق، وصورٌ منها:

- ‌عملي في الكتاب:

- ‌أولًا: تحقيق النص:

- ‌منهجي في التحقيق:

- ‌توثيق النص:

- ‌نماذج من النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق

- ‌فصل فيما يتعلق بما [يخصه] قوله: "الحمد للّه

- ‌فصل في ذكر أولاده صلى الله عليه وسلم

- ‌الترغيب في الإخلاص والصدق والنية

- ‌خاتمة في المدح والذم

- ‌فصل

- ‌المعصية بأحد الحرمين

- ‌الترهيب من الرياء، وما يقوله من خاف شيئا منه

- ‌[من صلى فطولها من أجل الناس]

- ‌[سيدنا عوف بن مالك الأشجعي الصحابي]:

- ‌ عبد الملك بن مروان

- ‌[المعصية بأحد الحرمين]:

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌[الترغيب في إتباع الكتاب والسنة]

- ‌الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء

- ‌خاتمة الباب

- ‌[التَّرْغِيب فِي الْبدَاءَة بِالْخَيرِ ليستن بِهِ والترهيب من الْبدَاءَة بِالشَّرِّ خوف أَن يستن بِهِ]

- ‌كتاب العلم

- ‌الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين

- ‌فصل

- ‌فصلٌ

- ‌فصل

- ‌الترغيب في الرحلة في طلب العلم

- ‌الترغيب بها سماع الحديث وتبليغه ونسخه والترهيب من الكذب على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌[الترغيب في إتباع الكتاب والسنة]

[الترغيب في إتباع الكتاب والسنة]

61 -

عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة رضي الله عنه قَالَ: وعظنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت مِنْهَا الْقُلُوب وذرفت مِنْهَا الْعُيُون فَقُلْنَا يَا رَسُول الله كَأَنَّهَا موعظة مُودع فأوصنا قَالَ أوصيكم بتقوى الله والسمع وَالطَّاعَة وَإِن تَأمر عَلَيْكُم عبد وَإنَّهُ من يَعش مِنْكُم فسيرى اخْتِلَافا كثيرا فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكم ومحدثات الأُمُور فَإِن كل بِدعَة ضَلَالَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح.

(1)

قَوْله: عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ أَي اجتهدوا على السّنة والزموها واحرصوا عَلَيْهَا كَمَا يلْزم العاض على الشَّيء بنواجذه خوفًا من ذَهَابه وتفلته والنواجذ: بالنُّون وَالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة هِيَ الأنياب وَقيل الأضراس.

قوله: وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه، كنيته: أبو نجيح السلمي الصحابي، كان من أهل الصفة وهو من البكّائين نزل بالشام وسكن حمص روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عنه: أبو أمامة الباهلي وغيره من الصحابة وخلق من

(1)

أخرجه أحمد 4/ 126 (17142) و (17144) و (17145) و 4/ 127 (17146 و 17147)، والدارمى (96)، وأبو داود (4607)، والترمذى (2676)، وابن ماجه (42 و 43 و 44)، وابن حبان (5). وصححه الألباني في الصحيحة (937 و 3007)، ظلال الجنة (26 - 34) وصحيح الترغيب (37).

ص: 462

التابعين، توفى سنة خمس وسبعين، وقيل: توفي في زمن ابن الزبير

(1)

.

قوله: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة) الحديث، الموعظة: الموعظة ما يوعظ به والوعظ والموعظة معناهما التخويف

(2)

، وفي رواية الإمام أحمد وأبي داود والترمذي موعظة بليغة وفي روايتهم: أن ذلك كان بعد صلاة الصبح، وفيه: إشارة إلى أنه يستحسن تحري ذلك الوقت للوعظ لحدة الذهن وصفاء الخاطر حينئذ ففيه استحباب عظة الرجل أصحابه لينفعهم في دينهم ودنياهم، وفيه أيضا استحباب الإبلاغ في الموعظة لترقيق القلوب فيكون أسرع إلى الإجابة

(3)

انتهى.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الدائمة كخطب الجمع والأعياد وقد أمر الله بذلك في كتابه العزيز، فقال:{وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا}

(4)

وقال الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}

(5)

ولكنه لا يديم وعظهم بل يتخولهم به أحيانا قاله ابن رجب الحنبلي

(6)

.

قوله: (وجلت منها القلوب) أي خافت والوجل الخوف والفزع وهو من

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 330 الترجمة 402).

(2)

قاله النووي في شرح الأربعين (ص 81).

(3)

التعيين في شرح الأربعين (ص 213 - 214).

(4)

سورة النساء، الآية:63.

(5)

سورة النحل، الآية:125.

(6)

جامع العلوم والحكم (ص 213 - 214).

ص: 463

باب ضرب، قال أبو بكر الآجري ولم يقل: صرخنا من موعظته ولا زعقنا ولا طرقنا رؤوسنا ولا ضربنا على صدورنا ولا رقصنا ولا قمنا كما يفعل في زماننا هذا كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم الشيطان، وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون ويسكتون ولا يصيحون ويتحازنون ولا يتماوتون انتهى بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أصدق الناس لهجة وأنصحهم لأمته وأصحابه رضي الله عنهم أرق قلوبًا ولو كان محمودا لكانوا أولى الناس به فلو كان هذا جائزًا صحيحا مشروعًا لكانوا يفعلونه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولكن منكر باطل

(1)

.

[فائدة في تلبيس إبليس لابن الجوزي] قال أبو الفرج بن الجوزي: اعلم وفقك الله أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع فجرى من بعض غربائهم نحو ما أنكرنا فبالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنكار عليه فأخبرنا محمد بن ناصر الحافظ فذكره إلى أن قال عن ثابت عن أنس قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فإذا رجل قد صعق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ذا الملبس علينا ديننا إن كان صادقا قد شهر نفسه وإن كان كاذبا فمحقه الله"

(2)

قال ابن شاهين: وحدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث فذكره إلى أن قال عن أنس بن مالك قال: ذكر عنده هؤلاء الذين

(1)

الأربعون (ص 97 - 98).

(2)

أخرجه الضراب في ذم الرياء (138)، وابن الجوزى في القصاص (216) وتلبيس إبليس (ص 224 - 225)، وابن لال كما في الزيادات على الموضوعات (2/ 710). قال الذهبى في الميزان (1/ 143): وهذا باطل، ذكره ابن طاهر.

ص: 464

يصعقون عند القراءة فقال أنس: لقد رأيتنا ووعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم حتى سمحت للقوم حنينا حين أخذتهم الموعظة وما سقط منهم أحد

(1)

.

تنبيه: فإن قيل: فقد صح عن جماعة من السلف رضي الله عنهم أنهم صرخوا عند سماع القرآن والمواعظ فقد روى عن عمر بن الخطاب أنه سمع قارئا يقرأ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7)}

(2)

فصاح صيحة خر مغشيًّا عليه فحمل إلى أهله فلم يزل مريضًا شهرًا، وروى أن زرارة بن أوفى قرأ {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)}

(3)

فصعق ومات في المحراب، فالجواب: أين الدر من الصدف والمسك من الجيف هيهات قياس الملائكة بالحدادين والمحققين بالمجرمين

(4)

انتهى.

فائدة: نقل القرطبي عن أبي بكر الطرطوشي رحمه الله أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان يقرؤون شيئًا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والسبابة هل الحضور معهم حلال أو لا؟ فقال مذهب الصوفية أن هذه بطالة وجهالة در ضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع

(1)

تلبيس إبليس (ص 224 - 225).

(2)

سورة الطور، الآية:7.

(3)

سورة المدثر، الآية:16.

(4)

المفهم (19/ 77 - 78).

ص: 465

أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير مع الوقار فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين والله أعلم بالصواب

(1)

.

قوله: وذرفت منها العيون، بالذال المعجمة والراء المهملة المفتوحتين قال الجوهري

(2)

: يقال ذرفت عينه إذا سال منها الدمع وهو من باب ضرب، وهذان الوصفان الدال عليهما وهما وجلت وذرفت بهما مدح الله المؤمنين عند سماع الذكر كما قال الله عز وجل:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}

(3)

، وقال تعالى:{وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}

(4)

الآية، وقال تعالى:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}

(5)

والآيات في ذلك كثيرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت عيناه كأنه منذر جيش

(6)

وسيأتي الكلام على هذا الحديث قريبا في محله والله أعلم.

(1)

تفسير القرطبي (11/ 237 - 238).

(2)

الصحاح (4/ 1361).

(3)

سورة الأنفال، الآية:2.

(4)

سورة الحج، الآية:37.

(5)

سورة الحج، الآية:16.

(6)

جامع العلوم والحكم (2/ 762).

والحديث أخرجه مسلم (43 و 44 - 867) عن جابر.

ص: 466

قوله: فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع"، فيه جواز الحكم بالقرائن فهو يدل على أنه كان صلى الله عليه وسلم قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها فلذلك فهموا أنها موعظة مودع

(1)

فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي صلاة مودع لأن من استشعر أنه مودع بصلاته أتقنها على أكمل وجهها ولربما كان قد وقع منه صلى الله عليه وسلم تعريض في تلك الخطبة بالتوديع انتهى قاله ابن رجب في شرح الأربعين النواوية

(2)

.

قوله: فأوصنا، يعنون وصية جامعة كافية فافهم لما فهوا أنه مودع استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها وسعادة له في الدنيا والآخرة

(3)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" ففيه استحباب استدعاء الوصية والوعظ من أهلها واغتنام أوقات أهل الخير والدين قبل وفاتهم فجمع في ذلك كل ما يحتاج، فإن التقوى والسمع والطاعة امتثال المأمورات واجتناب المحذورات وتكاليف الشرع ليست إلا بذلك قاله الطوفي

(4)

.

فهاتان الكلمتان تجمعان شهادة الدنيا والآخرة أما التقوى فهي كلمة كاملة بسعادة الآخرة لمن تمسك بها وهي وصية الله للأولين والآخرين كما

(1)

التعيين في شرح الأربعين (ص 214).

(2)

جامع العلوم والجكم (2/ 767).

(3)

المصدر السابق (2/ 767).

(4)

التعيين (ص 214).

ص: 467

قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}

(1)

(2)

.

تنبيه: التقوى في القرآن تطلق على ثلاثة أشياء، أحدها: الخشية والهيبة، قال الله تعالى:{وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}

(3)

، وقال:{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}

(4)

، والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}

(5)

، قال ابن عباس: أطيعوه حق طاعته، قال مجاهد: هو أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر، والثالث: في تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأولين ألا ترى أن الله تعالى قال:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)}

(6)

، ذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى فعلم أن حقيقة التقوى معنى سوى الطاعة والخشية وهي تنزيه القلب عما ذكرنا، ثم قال: حقيقة التقوى هي اجتناب كل ما فيه ضررٌ للدين

(7)

، انتهى، قاله في الديباجة.

وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم

(1)

سورة النساء، الآية:131.

(2)

جامع العلوم والحكم (2/ 767).

(3)

سورة البقرة، الآية:41.

(4)

سورة البقرة، الآية:281.

(5)

سورة آل عمران، الآية:102.

(6)

سورة النور، الآية:52.

(7)

منهاج العابدين (ص 128 - 130).

ص: 468

مصالح العباد في معايشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم كما قال علي بن طالب: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر إن كان فاجر عبد المؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله

(1)

، انتهى، قاله ابن رجب

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "وإن تأمر عليكم عبدٌ وحشي" وفي رواية: "حبشي

أوصيكم بسمع كلام الخليفة والأئمة وطاعتهم وإن كان الخليفة عبدًا حبشيًا

" واعلم أنه لايجوز أن يكون الخليفة عبدًا ولكن المراد بالعبد هنا من جعله الخليفة حاكمًا على قوم في كل بلد يعني اقبلوا أقوال الخليفة ونوابه وأطيعوه وإن كان من جعله الخليفة واليا عليكم عبدًا حبشيًا لأن طاعة نائب الخليفة طاعةٌ للخليفة وطاعة الخليفة طاعة الرسول وطاعة الرسول طاعة الله تعالى فقوله: "وإن أمّر عليكم عبدًا" وفي الراوية الأخرى "حبشي"، هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مما اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أمر أمته بعده وولاية العبيد عليهم والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان"

(3)

وقوله صلى الله عليه وسلم "الناس تبع لقريش"

(4)

وقوله: "الأئمة من قريش"

(5)

لأن ولاية العبيد قد

(1)

أخرجه البيهقي في الشعب (10/ 15 رقم 7102).

(2)

جامع العلوم والحكم (2/ 767 - 768).

(3)

أخرجه البخاري (3495) و (7145)، ومسلم (1 ز 2 - 1818) عن أبي هريرة.

(4)

أخرجه مسلم (3 - 1819) عن جابر.

(5)

أخرجه الطيالسي (2133)، وابن أبي شيبة (32388)، وأحمد 3/ 129 (12307) و 3/ 183 (12900)، والنسائي في الكبرى (5942)، وأبو يعلى (3644) و (4032)، =

ص: 469

تكون من جهة إمام قرشي ويشهد لذلك قوله: الأئمة من قريش أبرارها وفجارها أمراء، ولكل حق فآتوا كل ذي حق حقه وإن أمّرت عليكم قريش عبدًا حبشيًا مجدعًا فاسمعوا له وأطيعوا

"

(1)

إسناده جيد ولكنه روي عن علي رضي الله عنه مَوقوفًا، وقال الدارقطني هو أشبه

(2)

وقد قيل إن العبد الحبشي إنما ذكر على وجه المثل وإن لم يصح وقوعه قال أبو سليمان الخطابي

(3)

: ضرب المثل عند المبالغة بما لا يكاد يصح في الموجود وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من بنى مسجدًا ولو كمفحص قطاء لبيضها بنى الله له مثله في الجنة"

(4)

، ومفحص القطاة لا يصلح مسجدًا للناس أو لآدمي ونظائر هذا في الكلام كبيرة.

فائدة: فإن قيل كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة كونه قرشيًا حرًّا؟

فالجواب: من وجهين، أحدهما: أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه لا أن الخليفة يكون عبدًا، والوجه الثاني: أن المراد لو قهر عبدٌ

= والبيهقي 8/ 247 (16541) من حديث أنس بن مالك. وصححه الألباني في الإرواء (520) وصحيح الترغيب (2188) و (2259).

(1)

أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1517) و (1518).

(2)

العلل (3/ 198 رقم 359).

(3)

معالم السنن (4/ 300 - 301)، وشرح السنة (1/ 206).

(4)

أخرجه البزار (4017)، وابن حبان (1610) و (1611)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 217، والقضاعي في مسند الشهاب (479) عن ابن عباس. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (272).

ص: 470

مسلم واستولى بالقهر نفذت أحكامه ووجبت طاعته ولم شق العصا عليه والله أعلم

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا

" الحديث، الظاهر أن هذا بوحي أوحي إليه بأنه صلى الله عليه وسلم كُشِفَ له عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم كما صح في حديث أبي سعيد وغيره ويحتمل أنه بنظر واستدلال فإن اختلاف المقاصد والشهوات سبب لإختلاف الآراء والمقامات ويجوز أن يكون بقياس أمته بعده على أمم الأنبياء السابقين بعدهم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "لم تكن نبوة إلا كان بعدها اختلاف"

(2)

أو كما قال، قاله الطوفي

(3)

.

وقال ابن رجب

(4)

: فهذا إخبارٌ منه صلى الله عليه وسلم بما وقع بعده من كثرة الإختلاف في أصول الدين وفروعه في الأقوال والأفعال والاعتقادات وهذا موافق لما روي عنه صلى الله عليه وسلم من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي من كان ما هو عليه وأصحابه رضي الله عنهم ولذلك أمر

(1)

شرح النووي على مسلم (9/ 47).

(2)

لم أجده بهذا اللفظ ولكن ورد بلفظ: قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية. أخرجه أحمد 4/ 432 (19884) و 4/ 435 (19901) و (19902)، والترمذى (3168) و (3169)، والطبراني في الكبير (18/ 151 رقم 328) عن عمران بن حصين. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذى (618).

(3)

التعيين (ص 215).

(4)

جامع العلوم والحكم (2/ 772 - 773)، ومختصر أبي داود (7/ 12)، وشرح الأربعين (ص 81).

ص: 471

في هذا الحديث عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده فقال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" فالسنة هي الطريقة المسلوكة فيشمل ذلك التمسك بما كان هو عليه وأصحابه رضي الله عنهم والخلفاء الراشدين الذين أمر بالإقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي كذا قاله المنذري وغيره.

وهذا ما اشتهر عند الخاصة والعامة الأربعة الذين ولوا الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستدل بالحديث على جواز إطلاق السنة على [طريقتهم] كإطلاقها على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الفضيلة التامة لهم خلفاء وصفهم بكونهم راشدين، ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضًا

(1)

.

واستدل أيضًا بهذا الحديث على أن الواحد منهم إذا قال قولًا وخالفه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولي على أن النبي صلى الله عليه وسلم عالمًا بأنهم الذين يكون الأمر بعده فيهم

(2)

.

وقد يستدل به على أن قولهم وطريقتهم حجة مأخوذ بها وذلك لأن قوله عليه السلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين"، ليس المراد منه أن يكون الشيء الواحد سنته وسنتهم فسنته وحدها حجةٌ مأخوذٌ بها فأشعر بأن سنتهم أيضًا كذلك والله أعلم، قاله في الديباجة.

(1)

شرح السنة (1/ 208)، جامع العلوم والحكم (2/ 775).

(2)

معالم السنن 4/ 278، وعارضة الأحوذى (1/ 148)، وجامع العلوم والحكم (2/ 776).

ص: 472

تنبيه: الخليفة من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده والهاء فيه للمبالغة وجمعه الخلفاء على معنى التذكير لا على اللفظ مثل ظريف وظرفاء ويجمع على اللفظ "خلائف" كظريفة وظرائف انتهى، قاله في النهاية

(1)

.

وفي تاريخ كنز الدرر وقال علماء اللغة: الخليفة هو القائم مقام غيره خلف عمن يقدمه وقال الجوهري: ويقال خلف فلان فلانًا إذا كان خليفته فقال خلفه في قومه خلافة فإن الخليفة هو السلطان الأعظم وقيل إن الله تعالى ذكر خمسة نفر بالخلافة .. آدم وداود وهارون وصالح .. أما آدم قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ}

(2)

، وصالحًا في قوله:{وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ}

(3)

، وفي معنى خلافة آدم قولان أنه خليفة عن الله تعالى في أرضه في إقامة شرعه روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما والثاني أنه خلف عمن تقدمه في الأرض قبله وهو مروي عن ابن عباس أيضًا والأول أصح وأظهر لأن آدم عليه السلام كان بهذه المتابة وقال أبو اسحاق الثعلبي سأل عمر بن الخطاب طلحة والزبير وسلمان الفارسي وكعب الأحبار أخليفة أنا أم ملك؟ فقال طلحة والزبير ما ندري وقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعية ويقسم بينهم بالسوية ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله ويقضي بينهم بكتاب الله عز

(1)

النهاية (2/ 69).

(2)

سورة النور، الآية:55.

(3)

سورة النمل، الآية:62.

ص: 473

وجل وفي رواية إن جبيت من أرض المسلمين درها ووضعته في غير حقه فأنت ملك ولست خليفة كأبي بكر رضي الله عنه، فقال كعب: ما كنت أحسب في المجلس من يعرف الخليفة من الملك غيري؟ ولكن الله ألهم سلمان حكمًا وعلمًا

(1)

، انتهى.

فائدة: جميع خلفاء بني مروان أربعة عشر رجلًا أولهم معاوية وآخرهم مروان بن محمد بن مروان ومدة خلافتهم من خلص لهم الأمر هالى حين قتل مروان بن محمد إحدى وتسعين سنة وتسعة أشهر، خمسة أيام منها فتنة ابن الزبير، وأيامه تسع سنين واثنان وعشرون يومًا، فخلص لهم اثنان وثمانون سنةً وشهورًا فكان من مدة ملكهم ألف شهر وقد تأولوا قوله تعالى {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)}

(2)

، أنها أيام بني أمية، روى الترمذي وغيره أن رجلًا قام إلى الحسن بن علي بعد تنازله لمعاوية فقال له: يا مُسوِّد وجوه المؤمنين! فقال لا تؤنبني أى لا توبخنى رحمك الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1)}

(3)

وأنزلت {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)} إلى قوله: {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}

(4)

تملكها بعدك بنو أمية قال القاسم راوي الحديث: فعددناها فإذا

(1)

كنز الدرر (2/ 24 - 25).

(2)

سورة القدر، الآية:2.

(3)

سورة الكوثر، الآية:1.

(4)

سورة القدر، الآية: 1 - 3.

ص: 474

هي ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص يومًا

(1)

انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر

(2)

.

وفي حديث سفينة رضي الله عنه عن النبي رضي الله عنه قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا وقد صححه الإمام أحمد بن حنبل واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة وفي رواية أخرى ثم تكون ملكًا أو قال ملوكًا ثم يقول سفينة: أمسك أبو بكر سنتين وخلافة عمر عشرةً و عثمان اثنتي عشر وعلي ستة".

وفي رواية أخرى عن سفينة: "فكان خلافة الحسن تمام ثلاثين سنة وثلاثة عشر يومًا من أول خلافة أبي بكر"

(3)

.

(1)

أخرجه الترمذى (3350). وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل وقد قيل عن القاسم بن الفضل، عن يوسف بن مازن، والقاسم بن الفضل الحداني هو ثقة؛ وثقه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، ويوسف بن سعد رجل مجهول ولا نعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذى (636).

(2)

كنز الدرر (4/ 446).

(3)

أخرجه أحمد 5/ 220 (21919) و (21923) و 5/ 221 (21928)، وأبو داود (4646) و (4647)، والترمذى (2226)، وابن عاصم في السنة (1181)، وابن حبان (6943). قال الترمذي: هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جمهان وقال ابن أبي عاصم: وحديث سفينة ثابت من جهة النقل، وقال ابن عبد البر: قال أحمد بن حنبل: حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه أذهب في الخلفاء. قال أبو زرعة الدمشقي: سألت أحمد بن حنبل عن حديث سفينة: الخلافة بعدي ثلاثون سنةً. يثبت؟ قال: نعم، قد رواه بهز، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة. وحسبت أنه قال: ورفع من ذكر بهز. تاريخه (1158).

وقال الخلال في السنة (ص 419): أخبرنا أبو بكر المروذي قال: ذكرت لأبي عبد الله =

ص: 475

تنبيه: واختلف في اسم سفينة فقيل رومان وقيل مهران وقيل طهمان وقيل عمير وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عبدًا لأم سلمة فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ما عاش فأعتقته بالشرط المذكور سمي سفينة لأنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فكلما أُعيِيَ إنسان ألقى عليه سيفه وترسه فحمل شيئًا كثيرًا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت سفينة"

(1)

.

تتمة: ذكر أبو منصور الثعالبي في كتابه لطائف المعارف

(2)

: أن مروان بن محمد كان يقول نجد في المدخر في علومنا أن عين بن عين بن عين يقتل ميم بن ميم بن ميم، وأظن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فأنا مروان بن محمد بن مروان فبلغ ذلك عبد الله بن علي فقال غلط أبو عبد الملك: أنا أكثر عينات منه لأني عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباسر بن عبد المطلب بن عمرو بن عبد مناف، وكان هو الذي قتله، وذلك أن العساكر تجهزت من خراسان وغيرها من قبل السفاح لحرب مروان ومقدمها عبد الله بن علي بن عبد الله عم السفاح فتقدم مروان إلى الزاب وكانت الواقعة على كاف، فانكسر مروان وهرب إلى الشام فتبعه عبد الله بالجيوش إلى فلسطين فهرب مروان إلى مصر فتبعه عبد الله بن علي وجرّد خلفه عامر بن إسماعيل فلحقه بقرية من قرى

= حديث سفينة فصححه. وقال: قلت: إنّهم يطعنون في سعيد بن جمهان، فقال: سعيد بن جمهان ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة 460، 1534، 1535.

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 225 - 226 الترجمة 217).

(2)

لطائف المعارف (ص 58 - 59)، وكنز الدرر (4/ 444).

ص: 476

مصر تسمى بوصير غربي النيل بصعيد مصر فقتله هناك وكانت قتلته ليلة الأربعاء وقيل ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهو الصحيح ثم تفرق بنو أمية في البلاد وقتل أكثرهم ولحق بعضهم بالمغرب فكانت مدة ولايته إلى أن بويع السفاح خمس سنين وشهرًا إلى أن قُتل خمس سنين وعشرة أشهر وكان عمره يوم قتل خمسة وخمسين سنة وقيل ستًا وخمسين، انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "الراشدين" الراشد اسم فاعل والراشد الذي أتى بالرشد واتصف به والرشد خلاف الغي فالراشد ضد الغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه وهم يريدون بالراشدين الخلفاء الأربعة الذين تقدم ذكرهم وليس المراد أنه لا يكون من غير هؤلاء الأربعة، الذين تقدم ذكرهم، وليس المراد أن لا يكون الخليفة غير الأربعة، بل يكون الخليفة موجودًا واحدًا بعد واحد إلى قرب القيامة، وأيضًا أراد صلى الله عليه وسلم بهذا تفضيل هذه الأربعة على غيرهم وحسن قيامهم على الدين ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"اقتدوا بالذي من بعدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي"

(2)

.

وقوله "المهديين" يعني: أن الله يهديهم إلى الحق ولا يضلهم عنه والمهدي من هداه الله عز وجل إلى الحق وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة وبه سمي المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجيء في آخر

(1)

كنز الدرر (4/ 445).

(2)

المفاتيح (1/ 272)، وجامع العلوم والحكم (2/ 780 - 781).

ص: 477

الزمان والمهدي يظهر بالمغرب والمشهور ظهوره بمكة أو المدينة أو العراق والله أعلم، فالأقسام ثلاثة راشد وغاو وضال فالراشد من عرف الحق واتبعه، والغاوي من عرف الحق ولم يتبعه والضال لم يعرفه بالكلية

(1)

ومنه الحديث "وإرشاد الضال" أي هدايته الطريق وتعريفه قاله في النهاية

(2)

، فكل راشدٍ مهتدٍ وكل مهتد هداية تامة فهو راشد لأن الهداية إنما تتم بعد معرفة الحق والعمل به، أيضًا

(3)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "عضوا عليها بالنواجذ" أي اجتهدوا على السنة والزموها واحرصوا عليها كَمَا يَلْزَمُ الْعَاضُّ عَلَى الشَّيءِ بِنَوَاجِذ خَوْفًا مِنْ ذهابه وتفلُّته.

(4)

.

وقال الخطابي

(5)

: وقد يكون معناه الأمر بالصبر على ما يصيب الإنسان من وجع المصيبة عند مشاهدة العدول عن أمر الله تعالى واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يفعله المتألم بما يصيبه من الوجع واعلم أن إتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جالبٌ لمحبة الله تعالى لقوله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}

(6)

، وبالسمع والطاعة تحصل السلامة من الفتن والتحرز عن

(1)

جامع العلوم والحكم (2/ 781).

(2)

النهاية (2/ 225)

(3)

جامع العلوم والحكم (2/ 781).

(4)

مختصر السنن (7/ 12).

(5)

مختصر السنن (7/ 12).

(6)

سورة آل عمران، الآية:31.

ص: 478

الآفات وبتقوى الله تحصل النجاة في الدارين من المهلكات فاشتمل ما أوصاهم به على بيان أهم المهمات انتهى. قاله في الديباجة.

والنواجذ: بالنون والجيم والذال المعجمة هي الأنياب وقيل الأضراس، انتهى. قاله المنذري.

وقال بعض العلماء هذا مثلٌ في شدة الاستمساك بأمر الدين لأن العض بالنواجذ عض بجميع الفم والأسنان وهي أواخر الأسنان وقيل التي بعد الأنياب وهي أربعة أضراس في أقصى الناب وهو السن الذي بين الناب والضرس نبت بعد أن شيب الإنسان وتسمى أضراس العقل والحلم، قيل: هي الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك وفي الحديث "أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه"

(1)

، والمراد بها هاهنا الضواحك لأنه صلى الله عليه وسلم كان معظم ضحكه تبسمًا

(2)

(3)

.

تنبيه: جملة الأسنان اثنتان وثلاثون سنة فالثنايا أربع اثنتان من فوق واثنتان من أسفل فإذن الثنايا هي أوائل ما يبدو للناظر في مُقدم الفم ثم الرباعيات على جانب ثم الرباعيات على جانب الرباعيات اثنتان من جانب

(1)

أخرجه البخاري (4811) و (7414 و 7415) و (7513)، ومسلم (20 و 21 - 2786) عن ابن مسعود.

(2)

أخرجه الترمذى (3642) عن عبد الله بن الحارث بن جزء. وقال الترمذى: هذا حديث صحيح غريب. وصححه الألباني في المشكاة (5796).

(3)

انظر النهاية (5/ 20)، والميسر (1/ 89)، والمفاتيح (1/ 273)، والمعين في شرح الأربعين (ص 335)، ونخب الأفكار (2/ 151) و (5/ 308) والفتح المبين (1/ 475).

ص: 479

واثنتان من جانب واحدة من فوق واحدة من تحت فم الأضراس وهي عشرون ضرسًا من كل جانب عشر ومنها الضواحك وهي أربعة من الجانبين ثم الطواحن وهم اثنا عشر طاحنًا من الجانبين ثم النواجذ وهي الأواخر من كل جانب اثنتان، واحدة من أعلى الفم وأخرى من أسفله ويقال له ضرس الحلم وضرس العقل وقيل النواجذ الأضراس كلها والله أعلم، قاله في شرح المصابيح

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "وإياكم ومحدثات الأمور" أي اتقوها واحذروا الأخذ بها "فإنها بدعة" والمراد ما أحدث من الأمور غير راجع إلى أصل أو دليل شرعي وإلا فسنة الخلفاء الراشدين من محدثات الأمور وقد أُمِرنَا باتباعها وسواها بسنته في وجوب الاقتداء بها وما ذاك إلا لرجوعها إلى أصل شرعي واعتمادها على دليل مرعي فإذن قوله: "إياكم ومحدثات الأمور" عالم مراد به الخاص وبذلك قوله: "بسنة الخلفاء الراشدين" عام مراد به الخاص إذ لو فرض خليفة راشد في عامة أموره سن سنة لا يعضدها دليل شرعي لما جاز اتباعها فيجب تحذير الأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة

(2)

.

قوله: "فإن كل بدعة ضلالة" أي كل بدعة لا يساعدها دليل الشرع ضلالة، لأن من فيها جاء به الشرع فيما لا يرجع إليه بوجه يكون ضلالة إذ ليس بعد

(1)

انظر المخصص (1/ 127)، والعزيز شرح الوجيز (10/ 375)، وروضة الطالبين (9/ 281)، ومرقاة المفاتيح (1/ 253).

(2)

التعيين (ص 216 - 217).

ص: 480

الحق إلا الضلال، وفي بعض روايات هذا الحديث:"فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"

(1)

انتهى.

فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" فالمراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة وملخص ذلك أن البدعة بدعتان، بدعة هدى وبدعة ضلالة، فما كان على خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله فهو في حيز المدح ومن هذا قول عمر رضي الله عنه عن التراويح:(نعمت البدعة هذه)، لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنها وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها ولا كانت زمن أبي بكر وإنما جمع الناس عليها عمر وندبهم إليها فيها فبهذا إنما هي بدعة وهي على الحقيقة سنة لقوله صلى الله عليه وسلم:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقوله:"اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي" وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: "كل محدثة بدعة" إنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة وأكثر ما تستعمل البدع عرفًا في الذم

(2)

والله أعلم، قاله في الديباجة. انتهى.

62 -

وَعَن أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ قَالَ خرج علينا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَلَيْسَ تَشْهَدُون أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأنِّي رَسُول الله قَالُوا بلَى قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد

(1)

التعيين (ص 218).

(2)

انظر تفسير غريب ما في الصحيحين (1/ 302)، والنهاية (1/ 106 - 107).

ص: 481

الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فَتمسكُوا بهِ فَإِنَّكُم لن تضلوا وَلنْ تهلكوا بعده أبدا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيدَ

(1)

.

قوله: عن أبي شريح الخزاعي، أبو شريح بضم السين المعجمة وفتح الراء وبالحاء المهملة اسمه خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي الكعبي وقيل اسمه: عبد الرحمن بن عمرو وقيل: هانئ بن عمرو وقيل: كعب بن عمر وقيل: عمرو بن خويلد والمشهور خويلد بن عمرو وله صحبة، أسلم قبل فتح مكة وكان يحمل أحد ألوية بني كعب الثلاثة يوم الفتح وكان من عقلاء الرجال، رُوي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون حديثا ذكر البخاري منها ثمان

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 6/ 125 (30006) وعنه عبد بن حميد (483) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (2302)، والمروزى في مختصر قيام الليل (ص 178)، والبغوى في معجم الصحابة (2018)، وابن حبان في صحيحه (122)، والطبراني في الكبير (22/ 188 رقم 491)، والبيهقي في الشعب (3/ 338 - 339 رقم 1792) و (3/ 391 - 392 رقم 1858)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (1/ 195 - 196).

قال ابن أبي حاتم في العلل (1653): وسمعت أبي، وسئل عن حديث أبي خالد الأحمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي شريح، عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وسبب طرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا. ورواه الليث، عن سعيد المقبري، عن نافع بن جبير. ورواه أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن مسلم بن أبي حرة، عن نافع بن جبير، قال النبي صلى الله عليه وسلم

مرسلا. قال أبي: هذا أشبه، قد أفسد الحديثين.

وقال الهيثمى في المجمع 1/ 169: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (713) وصحيح الترغيب (38).

ص: 482

وستين، مات بالمدينة سنة ثمان وستين والله أعلم

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به" الحديث وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني تارك فيكم ثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض طرفه في يد الله عز وجل وطرفه الآخر في أيديكم فاستمسكوا به ألا وعترتي"

(2)

وعن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي ما أخذتم بهما وعملتم بما فيهما، كتاب الله وسنتي"

(3)

خرجهما الوائلي في الإبانة من طرق، قاله القرطبي في كتاب التذكار

(4)

فأوجب علينا التمسك بكتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والرجوع إليهما عند الاختلاف.

63 -

وَرُوِيَ عَن جُبَير بن مطعم قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِالْجُحْفَةِ فَقَالَ أَلَيْسَ تَشْهَدُون أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ وَأَنِّي رَسُول الله وَأَن الْقُرْآن جَاءَ

(1)

انظر: تهذيب الأسماء واللغات (2/ 243 الترجمة 804)، والإصابة (4/ 101، 102)، والاستيعاب (4/ 101 - 103)، وأسد الغابة (5/ 225، 226).

(2)

أخرجه أحمد 3/ 14 (11154) و 3/ 17 (11131) و 3/ 26 (11211) و 3/ 59 (11561)، والترمذى (3788). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في الصحيحة (1761).

(3)

أخرجه البزار (8993)، والعقيلى في الضعفاء (2/ 250)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (632)، والدارقطنى (4606)، والحاكم (1/ 93)، والبيهقي في الكبرى (10/ 195 رقم 20337). وصححه الألباني في الصحيحة (1761)، والمشكاة (186).

(4)

التذكار (ص 74 - 75).

ص: 483

من عِنْد الله قُلْنَا بلَى قَالَ فأبشروا فَإِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فَتمسكُوا بِهِ فَإِنَّكُم لن تهلكوا وَلنْ تضلوا بعده أبدا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالصَّغِير

(1)

.

قوله: عن جبير بن مطعم، كنيته: أبو محمد ويقال: أبو عدي هو جبير بن مطعم بكسر العين بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني، أسلم عام خيبر، وقيل: أسلم يوم فتح مكة روي له رسول صلى الله عليه وسلم ستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث، روى عنه سليمان بن صرد الصحابي وابناه محمد ونافع بن جبير وسعيد بن المسيب وآخرون، قال الزبير بن بكار: كان من حكماء قريش وسادتهم توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين وقال ابن سنة تسع وخمسين، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات

(2)

.

(1)

أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (9/ 54)، والبزار (3421)، والطبراني في الصغير (2/ 209 رقم 1044) والكبير (2/ 126 رقم 1539) وعنه أبو نعيم في أخبار أصبهان (2/ 229)، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جبير بن مطعم إلا من هذا الوجه، وقد روي عن غير جبير نحو من هذا الكلام، ولا نعلم رواه عن الزهري إلا أبو عبادة الأنصاري.

قال البيهقي: ورواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري، عن نافع بن جبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا. قال البخاري: وهذا أصح. وقال الهيثمى في المجمع 1/ 169: رواه البزار والطبراني في الكبير والصغير، وفيه أبو عبادة الزرقي، وهو متروك الحديث. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (39).

(2)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 146 - 147 الترجمة 103).

ص: 484

قوله رضي الله عنه: بايع النبي صلى الله عليه وسلم بالجحفة، فقال:"أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله"، الجحفة: بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء قرية على ستة أميال من البحر وثمان مراحل من المدينة وقيل سبع مراحل ونحو ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة وسميت بذلك لأن السيل اجتحفها في وقت وحمل أهلها وهي مهيعة بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح المثناة تحت كما ذكر مسلم في رواية وحكى القاضي كسر الهاء والصحيح الأول وهي الآن خربة لا يصل إليها أحد لوخمها وإنما يحرم الناس من رابغ وهي على محاذيها وهي ميقات أهل مصر والشام وذكر بعضهم أن مهيعة قريب من الجحفة والمعتمد ما قدمنا أنها هي الجحفة نفسها وأما في ذلك الوقت فكانت مسكن اليهود

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا أو لن يضلوا بعده أبدًا"، تضلوا: هو بكسر الضاد، قاله الجوهري الضلالة: هي من ضد الرشاد

(2)

.

64 -

وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من أكل طيبا وَعمل فِي سنة وَأمن النَّاس بوائقه دخل الْجنَّة قَالُوا يَا رَسُول الله إِن هَذَا فِي أمتك الْيَوْم كثير قَالَ وسيكون فِي قوم بعدِي رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت

(1)

انظر إكمال المعلم (4/ 169 - 170)، ومطالع الأنوار (2/ 194) و (4/ 82)، وشرح النووي على مسلم (8/ 81).

(2)

الصحاح (5/ 1748).

ص: 485

وَغَيره وَالْحَاكم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد

(1)

.

قوله: عن أبي سعيد الخدري. أبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بالباء الموحدة والجيم، الأنصاري الخزرجي الخدري واسم امه أنيسة بنت أبي حارث، استُصِغَرَ أبوسعيد يوم أحد فرد وغزا بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة غزوة وكان أبوه صحابيًا استشهد يوم أحد، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف حديث ومائة حديث وسبعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ست وأربعين وانفرد البخاري بست عشر ومسلم باثنين وخمسين حديثًا، توفي رضي الله عنه بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين وقيل سنة أربع وسبعين ودفن بالبقيع ومناقبه كثيرة مشهورة

(1)

أخرجه هناد في الزهد (2/ 548)، والفسوي في مشيخته (117)، والترمذي في العلل (619) والسنن (2520)، وابن أبي الدنيا في الصمت (26)، والطبراني في الأوسط (4/ 25 - 26 رقم 3520)، والحاكم (4/ 104)، والبيهقي في الشعب (7/ 105 رقم 5368)، والهروى في ذم الكلام (1488)، وابن الجوزى في العلل (1252) من طريق الإمام أحمد.

قال أحمد: ما سمعت بأنكر من هذا الحديث لا أعرف هلال بن مقلاص ولا أبا بشر وأنكر الحديث إنكارا شديدا. قال الترمذى: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا أعرف أبا بشر هذا، ولا أدري ما هذا الحديث وعرف هذا الحديث من هذا الوجه وضعفه. وقال في السنن: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث إسرائيل. وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي وائل، عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إسرائيل. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وقال الألباني: منكر الضعيفة (6855)، المشكاة (178)، وضعيف الترغيب (29) و (1068).

ص: 486

والله أعلم

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من أكل طيبًا وعمل في سُنَّةٍ وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ دَخَلَ الْجَنَّة" الحديث المرادَ بالطيب الحلال والسنة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته في الدين وتطلق السنة أيضًا على الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المندوب والتطوع والنفل والمرغب فيه والمستحب وكلما كان فعله راجحًا على تركه ولا إثم في تركه وقال سن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أي جعله شرعًا عامًا

(2)

انتهى قاله في الديباجة.

قوله: "وأمن الناس بوائقه" والبوائق: قال الهروي الدواهي وهي الشر وغائلته

(3)

.

65 -

وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من تمسك بِسنتي عِنْد فَسَاد أمتِي فَلهُ أجر مائَة شَهِيد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الْحسن بن قُتَيْبَة وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فَلهُ أجر شَهِيد

(4)

.

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (2/ 237 الترجمة 795).

(2)

تهذيب الأسماء واللغات (3/ 156).

(3)

غريب الحديث (1/ 348).

(4)

أخرجه ابن عدى في الكامل (3/ 174)، وابن بشران (501) و (700)، والبيهقي في الزهد (207). قال ابن عدى: وللحسن بن قتيبة هذا أحاديث غرائب حسان، وأرجو أنه لا بأس به. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (326) وضعيف الترغيب (30).

وأخرجه الطبراني في الأوسط (5/ 315 رقم 5414) وعنه أبو نعيم في الحلية (8/ 200)، والبغوى في الأنوار (1237) وعند أجر مائة شهيد. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن =

ص: 487

66 -

وَعنهُ أَيْضا أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خطب النَّاس فِي حجَّة الْوَدَاع فَقَالَ إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد بأرضكم وَلَكِن رَضِي أَن يطاع فِيمَا سوى ذَلِك مِمَّا تحاقرون من أَعمالكُم فاحذروا إِنِّي قد تركت فِيكُم مَا إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تضلوا أبدا كتاب الله وَسنة نبيه الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد

(1)

.

احْتج البُخَارِيّ بِعِكْرِمَةَ وَاحْتج مُسلم بِأبي أويس وَله أصل فِي الصَّحِيح.

قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه.

قوله: "من تمسك بسنتي بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد" تقدم الكلام على السنة في الحديث قبله وسيأتي الكلام على الشهيد في بابه مبسوطًا والله أعلم وتقدم الكلام في ابن عباس ومناقبه.

وقوله: في حديث ابن عباس الذي بعده "إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنة نبيه" الحديث، العصمة: المنعة، العاصم المانع الحامي.

والاعتصام: الإمتساك بالشيء، افتعال منه، ومنه شعر أبي طالب:

وأبْيضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ

ثِمالَ اليَتامى عِصْمَةٌ للأرامِلِ

= عطاء إلا عبد العزيز بن أبي رواد، وتفرد به: ابنه عبد المجيد. وقال أبو نعيم: غريب من حديث عبد العزيز عن عطاء. وضعفه الألباني في المشكاة (176) والضعيفة (327) وضعيف الترغيب (31).

(1)

أخرجه الحاكم (1/ 93)، والبيهقي في الاعتقاد (ص 228) والدلائل (5/ 449) والكبرى (10/ 194 - 195 رقم 20336)، والخطيب في المتفق والمفترق (3/ 1425 رقم 808). وصححه الحكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (40).

ص: 488

أي: يمنعهم من الضياع والحاجة، ومنه الحديث:"فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم" وحديث الإفك فعصمها الله بالورع

(1)

.

فالاعتصام تمثيل لوثوق المعتصِم بحماية المعتصَم به.

وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن هو حبل الله

" الحديث، قيل: المراد بحبل الله عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه ورحمته، وقيل: هو نوره الذي يهتدى به، فالحبل يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة، وعلى السبب، وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبال عند شدائد أمورهم ويصلون بها المفرق فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور

(2)

، وتقدم الكلام عليه.

67 -

وَعَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ الاقتصاد فِي السّنة أحسن من الاجْتِهَاد فِي الْبِدْعَة رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفا وَقَالَ إِسْنَاده صَحِيح على شَرطهمَا

(3)

.

قوله: الاقتصاد في السنة أحسن من الاجتهاد في البدعة، الاقتصاد الاعتدال والتوسط في المعيشة وغيرها، وفي الحديث:"ما عال من اقتصد" أي: ما افتقر

(1)

النهاية (3/ 249).

(2)

انظر إكمال المعلم (5/ 568 و 7/ 420)، وشرح النووي على مسلم (12/ 12 و 15/ 181).

(3)

أخرجه أحمد في الزهد (876)، والمروزى في السنة (ص 30)، وابن بطة في الاعتصام (161) و (178) و (201) و (246)، والحاكم (1/ 103)، والبيهقي في الكبرى (3/ 28 رقم 4745). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (41).

ص: 489

من اعتدل في معيشته، قاله الأصبهاني شارح الأربعين حديثا الودعانية

(1)

؛ وقوله: أحسن من الاجتهاد في البدعة سيأتي الكلام على البدع وتنوعها قريبًا إن شاء الله.

قوله: رواه الحاكم موقوفًا تقدم الكلام على الحاكم وعلى الحديث الموقوف.

68 -

وَعَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ [عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

(2)

، قَالَ خرج علينا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مرعوب فَقَالَ وأطيعوني مَا كنت بَين أظْهركُم وَعَلَيْكُم بِكِتَاب الله أحلُّوا حَلَاله وحرموا حرَامه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات

(3)

.

قوله: عن أبي أيوب الأنصاري، اسمه: خالد بن زيد بن كليب الخزرجي الأنصاري الصحابي الجليل المدني ثم الشامي، وأمه: هند بنت سعد بن

(1)

شرح الأربعين الودعانية (ص 322/ ح 12).

(2)

سقط من الأصل.

(3)

أخرجه أحمد في العلل (1/ 256)، والطبراني في الكبير (18/ 38 رقم 65)، وتمام في الفوائد (748 و 749). وقال الدارقطنى في أطراف الغرائب والأفراد (4/ 244): قال غريب وحديث أربعة من الصحابة وبعضهم عن بعض نعيم والمقدام وأبو أيوب وعوف، تفرد به سليمان بن عبد الرحمن عن معاوية بن صالح الأودي عن محمد بن جبير عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن نعيم.

وقال الهيثمى في المجمع 1/ 170: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وصححه الألباني في الصحيحة (1472) وصحيح الترغيب (42).

ص: 490

امرئ القيس، شهد بدرًا والعقبة والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل صلى الله عليه وسلم في داره حين قدم المدينة مهاجرًا فأقام عنده شهرًا حتى بنيت مساكنه ومسجده فانتقل إليها، وكان أبو أيوب قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون هو في العلو وأبو أيوب في أسفل الدار فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، وقدم على ابن عباس البصرة، قال: إني أخرج من مسكني كما خرجت لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسكنك فأعطاه ما أغلق عليه الدار وعشرين ألفًا وأربعين عبدًا، وهو ممن غلبت عليه كنيته، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وخمسون حديثًا، أخرج البخاري منها ثمانية، وكان مع علي في حروبه، مات بالقسطنطينية سنة إحدى وخمسين، وذلك مع يزيد بن معاوية، خرج معه فمرض، فلما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملوني فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم ففعلوا، فقبره قريب من سورها معروف إلى اليوم معظم يستسقون به فيسقون، وعلى قبره قبة عظيمة ويزار ويتبرك به إلى يومنا هذا، وهذا من أعجب

(1)

الأشياء وأغربها، وهو أن مسلما يقاتل الإفرنج فيقتل منهم ما شاء الله أن يقتل من أكابرهم ثم إنه لما قتل عندهم ودفن يفعلون بقبره ما ذكرناه، وهذا من بعض كرامات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حيي، وذلك بعد فتح خيبر في بعض الطريق فبات بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة وبات أبو أيوب متوشحًا بسيفه يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطوف بالقبة حتى أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى مكانه قال: "ما لك

(1)

مجمع الأحباب (لوحة 201 و 202).

ص: 491

يا أبا أيوب؟ " قال: يا رسول الله لقد خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قَتَلْتَ أباها وزوجها وقومَها، وكانت حديثه عهد بكفر فخفت عليك منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني"

(1)

، قاله في مختصر الأحباب، وآخي رسول الله بينه وبين مصعب بن عمير

(2)

ومناقبه كثيرة مشهورة.

قوله صلى الله عليه وسلم: "وعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه"، أي الزموا العمل بالقرآن (أحلوا حلاله وحرموا حرامه) يعني ما أحله افعلوه وما حرمه لا تقربوه ومحصوله ما دمت بينكم حيا فعليكم اتباع ما أقول وأفعل فإن الكتاب علي نزل وأنا أعلم الخلق به وأما بعدي فالزموا القرآن فما أذن في فعله افعلوه وما نهى عنه فانتهوا.

69 -

وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن شَافِع مُشَفع من اتبعهُ قَادَهُ إِلَى الْجنَّة وَمن تَركه أَو أعرض عَنهُ أَو كلمة نَحْوهَا زج فِي قَفاهُ إِلَى النَّار رَوَاهُ الْبَزَّار هَكَذَا مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود وَرَوَاهُ مَرْفُوعا من حَدِيت جَابر وَإسْنَاد الْمَرْفُوع جيد

(3)

.

(1)

انظر حلية الأولياء (1/ 361 - 363)، والاستيعاب (2/ 426)، وسيرة ابن هشام (2/ 420)، وتهذيب الأسماء واللغات (2/ 177 الترجمة 722).

(2)

انظر أسد الغابة (1/ 572).

(3)

أما حديث ابن مسعود: أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 131 (30054)، وأحمد في الزهد (847)، وابن الضريس في فضائل القرآن (93) و (96) و (107)، والبزار (121/كشف الأستار)، وعبد الرحمن بن أحمد الرازي في فضائل القرآن (124)، والفريابي في فضائل =

ص: 492

قوله: عن عبد الله بن مسعود، وروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثا

(1)

، وتقدم الكلام على مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن شافع مشفع" فذكر إلى أن قال: "ومن تركه أو أعرض عنه" يعني: القرآن "زخ في قفاه إلى النار" الحديث، زخه بالزاي والخاء المعجمة: دفعه في وهدة، وفي حديث أبي موسى:"من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة ومن يتتبع القرآن يزخ في قفاه ويقذف به في نار جهنم"

(2)

، والزج بالزاي والجيم الحديدة التي في أسفل الرمح، يقال:

= القرآن (23)، والطبراني في الكبير (9/ 132 رقم 8655)

وأخرجه الطبراني (10/ 198 رقم 10450) وابن عدى في الكامل (4/ 30)، وابن أبي شريح في المائة الشريحية (2)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 108) عن ابن مسعود مرفوعًا.

وقال الدارقطنى في العلل (748): والصحيح، عن ابن مسعود، موقوف. قال الهيثمى في المجمع 1/ 171: رواه البزار هكذا موقوفا على ابن مسعود. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (32).

وأما حديث جابر: أخرجه البزار (122/ كشف الأستار)، وابن حبان (1793)، والبيهقي في الشعب (3/ 389 - 390 رقم 1855) عن جابر. قال البزار: لا نعلم أحدا يرويه عن جابر إلا من هذا الوجه. قال الهيثمى في المجمع 1/ 171: ورجال حديث جابر المرفوع ثقات، ورجال أثر ابن مسعود فيه المعلى الكندي، وقد وثقه ابن حبان. وصححه الألباني في الصحيحة (2019) وصحيح الترغيب (1423).

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 288).

(2)

أخرجه أبو عبيد في الفضائل (ص 25 رقم 54، 55)، وفي غريب الحديث (4/ 172 - 173)، وسعيد بن منصور في التفسير (8)، وابن أبي شيبة 6/ 126 (30014) و 7/ 142 (34821)، والدارمى (3371)، والفريابي في الفضائل (ص 128 - 129 رقم =

ص: 493

أزججت الرجل أزجه زجا إذا طعنته بالزج وهي الحديدة التي في أسفل الرمح، والزج أيضًا: طرف المرفق، والزج بضم الزاي، قاله الجوهري في صحاحه

(1)

.

قوله: رواه البزار هكذا موقوفًا على ابن مسعود، تقدم الكلام على الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين.

70 -

وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ خطب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِن اللّه قد أعْطى كل ذِي حق حَقه إِلَا أَن اللّه قد فرض فَرَائض وَسن سننا وحد حدودا وَأحل حَلالا وَحرم حَرَامًا وَشرع الدّين فَجعله سهلا سَمحا وَاسِعًا وَلم يَجعله ضيقا أَلا إِنَّه لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلا دين لمن لَا عهد لَهُ وَمن نكث ذمَّة الله طلبه وَمن نكث ذِمَّتِي خاصمته وَمن خاصمته فلجت عَلَيْهِ وَمن نكث ذمَّتِي لم ينل شَفَاعَتِي وَلم يرد على الْحَوْض الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير.

(2)

= (22)، وابن الضريس في فضائل القرآن (67)، الآجري في أخلاق أهل القرآن (ص 40 رقم (3)، وأبو نعيم في الحلية (1/ 257) والبيهقي في الشعب (3/ 396 رقم 1866).

(1)

الصحاح (1/ 318 - 319) و (1/ 422).

(2)

أخرجه مسدد كما في إتحاف الخيرة 1/ 138 رقم 127/ 2) والمطالب (2913/ 1)، وأبو يعلى (2458)، والطبراني في الكبير (11/ 213 رقم 11532).

قال الهيثمى في المجمع 1/ 172: رواه الطبراني في الكبير، وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وهو متروك الحديث. قال البوصيرى: هذا إسناد مداره على حسين بن قيس الرحبي المعروف بحنش، وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والبخاري والساجي والعقيلي والدارقطني وابن عدي وابن عبد البر وغيرهم. رواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (33).

ص: 494

قَوْله: فلجت عَلَيْهِ بِالْجِيم أَي ظَهرت عَلَيْهِ بِالْحجَّةِ والبرهان وظفرت بِهِ.

قوله: عن ابن عباس، تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "وشرع الدين فجعله سهلا سمحا واسعا ولم ضيقًا" الحديث، قد تكرر في الحديث ذكر الشرع والشريعة وهو: ما شرع اللّه تعالى لعباده من الدين أي سنه لهم وافترضه عليهم، يقال: شرع لهم يشرع شرعا فهو شارع، وقد شرع الدين شرعا إذا أظهره وبينه والشارع الطريق الأعظم والشريعة مورد الإبل على الماء الجاري

(1)

. انتهى.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن نكث ذمة الله طلبه، ومن نكث ذمتي خاصمته، ومن خاصمته، فلجت عليه" الحديث، والمراد بقوله:"ومن "نكث ذمة اللّه" النكث: نقض العهد، يقال: نكث الحبل والعهد فانتكث أي نقضه فانتقض

(2)

، والله أعلم، والمراد بذمة الله تعالى أي ضمان الله وعهده وأهل الذمة أهل العهد وهو ما أعطوا من الأمان على دمائهم وقيل للمعاهد ذمي من ذلك

(3)

.

وقوله: "ومن خماصمته" المخاصمة المحاججة والمجادلة. وقوله: "فلجت عليه" بالجيم أي ظهرت عليه بالحجة والبرهان، وظفرت به، والبرهان هو الحجة القاطعة

(4)

.

(1)

النهاية (2/ 460).

(2)

النهاية (5/ 114).

(3)

تفسير غريب ما في الصحيحين (ص 101)، ومطالع الأنوار (3/ 78).

(4)

التعيين (ص 8)، وجامع العلوم والحكم (2/ 646).

ص: 495

71 -

وَعَن عَابس بن ربيعَة قَالَ رَأَيْت عمر بن الْخطاب رضي الله عنه يقبل الْحجر يَعْني الأسود وَيَقُول إِنِّي لأعْلم أَنَّك حجر لَا تَنْفَع وَلَا تضر وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك مَا قبلتك. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتّرمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ

(1)

.

قوله: وعن عابس بن ربيعة، وعابس بفتح العين المهملة وبعد الألف باء موحدة مكسورة وسين مهملة، ابن ربيعة النخعي، روى عن عمر وعلي وحذيفة وعائشة، قال أبو داود: جاهلي، سمع من عمر رضي الله عنه

(2)

.

قوله: رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر الأسود، تقدم الكلام على مناقب عمر رضي الله عنه، وهذا الحديث أصل عظيم في الإتباع واقتفاء الآثار النبوية وترك ما كانت الجاهلية عليه من تعظيم الأصنام والأحجار. والإعلام بأن النفع والضر بيد الله عز وجل وأن الأحجار لا تنفع من حيث هي بل لما أودع فيها

(3)

، ففي هذا الحديث متابعة السنن وإن لم نعقل معناها

(4)

؛ قال الطبري

(5)

: إنما قال ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، والله أعلم، لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر رضي الله عنه أن يظن الجهال أن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله، فأراد عمر رضي الله عنه أن

(1)

أخرجه البخاري (1597) و (1605) و (1610)، ومسلم (248 و 249 و 250 و 251 - 1270) و (252 - 1271)، وأبو داود (1873)، والترمذى (860)، والنسائي في المجتبى 5/ 227 (2958) و 5/ 228 (2959).

(2)

تهذيب الكمال (13/ 472 - 473 الترجمة 3001).

(3)

العدة (2/ 1000)، والإعلام (6/ 190 - 191).

(4)

معالم السنن (2/ 191)، كشف المشكل (1/ 96)، والإعلام (6/ 190).

(5)

انظر شرح الصحيح (4/ 278) لابن بطال.

ص: 496

يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله والوقوف على أمر نبيه عليه الصلاة والسلام، وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله تعالى بتعظيمها وأن استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر رضي الله عنه على مجانبة هذا الاعتقاد وأنه لا ينبغي أن يُعبد إلا من يملك الضر والنفع وهو الله تعالى، قاله الحافظ المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود

(1)

.

وقال شيخ الإسلام النووي قدس الله سره

(2)

: هذا الحديث فيه فوائد منها: استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف بعد استلامه أى من غير صوت يظهر من التقبيل، وكذا يستحب السجود على الحجر أيضًا بأن يضع جبهته عليه فيستحب أن يستلمه ثم يقبله ثم يضع جبهته عليه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن عباس وطاووس والشافعي وأحمد قال، وبه أقول، وانفرد الإمام مالك عن العلماء فقال: السجود عليه بدعة، واعترض عليه القاضي عياض المالكي لشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء، وأما الركن اليماني فيستلمه ولا يقبله بل يقبل اليد بعد استلامه، هذا مذهبنا، وبه قال جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه، وقال مالك والإمام أحمد: يستلمه ولا يقبل اليد بعده، وعن مالك رواية أنه يقبله، وعن الإمام

(1)

انظر معالم السنن (2/ 191)، ومختصر السنن (2/ 373)، والعدة شرح العمدة (2/ 1000).

(2)

شرح النووي على مسلم (9/ 16).

ص: 497

أحمد رواية أنه يقبله، والله أعلم. وأما قول عمر رضي الله عنه: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع فأراد به بيان الحديث على الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في تقبيله، ونبه على أنه لولا الإقتداء لما فعلته

(1)

.

تتمة: قال أبو سعيد الخدري: حججنا مع عمر بن الخطاب في أولى حجة حجها في إمارته، فلما دخل المسجد الحرام دنا من الحجر فقبله واستلمه وقال: أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، الحديث، فقال له علي رضي الله عنه: بلى يا أمير المؤمنين إنه ليضر وينفع، ولو علمت ذلك في كتاب الله لعلمت الذي أقول لك إن صح كما أقول، قال اللّه تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}

(2)

الآية، فلما أقروا أنه الرب عز وجل وأنهم العبيد وكتب ميثاقهم في رق ثم ألقمه من الحجج وأنه يبعث وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وافاه بالموافاة فهو أمين الله عز وجل في هذا المكان، ألا ترى أنه يقول إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك هو هذا العهد

(3)

، قاله في مختصر مجمع الأحباب

(4)

.

(1)

المصدر السابق.

(2)

سورة الأعراف، الآية:172.

(3)

أخرجه ابن شاهين في الترغيب في الفضائل (335)، والحاكم (1/ 457)، والبيهقي في الشعب (5/ 480 - 481 رقم 3749). قال الحاكم: ليس من شرط الشيخين فإنهما لم يحتجا بأبي هارون عمارة بن جوين العبدي، وتعقبه الذهبى فقال: قلت: أبو هارون ساقط. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 535): وفي إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف جدًّا.

(4)

مجمع الأحباب (الوحة 72 - 73).

ص: 498

فائدة: اعلم أن التقبيل لا يشرع إلا للحجر الأسود والمصحف ولأيدي الصالحين والعلماء، ومما يسن له التقبيل بين عيني الموتى وشفاههم وكذا شفة من نطق بحكمة أو علم ينتفع به وكل ذلك ثابت في الأحاديث الصحيحة وفعل السلف؛ فأما تقبيل الأحجار والقبور والجدران والستور وأيدي الظلمة والفسقة واستلامها فلا يجوز حتى حجارة الكعبة والقبر النبوي أو الحجرة أو ستورها أو صخرة بيت المقدس فإن ذلك تعظيم وهو خاص بالله تعالى، فلا يجوز إلا فيما أذن فيه، قاله ابن العطار في شرح العمدة

(1)

، واللّه أعلم.

فائدة لها مناسبة بحديث تقبيل الحجر الأسود: مِنَ الْبِدَع تَقْبِيلُ الْخُبْزِ وَهُوَ بِدْعَةٌ لَا تَجُوزُ، وَقَدْ أَفْتَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ دَوْسُهُ وَلَا يَجُوزُ بَوْسُهُ، لَكِنَّ دَوْسَهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَرُبَّمَا كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَأَمَّا بَوْسُهُ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَارْتكَابُ الْبِدَعِ لَا يَجُوزُ، وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِ عمر رضي الله عنه: فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، هَذَا وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي هُوَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ وَهُوَ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَقْبِيلُ الْخُبْزِ؟ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إِكْرَامُهُ وَرَفْعُهُ مِنْ تَحْتِ الْأَقْدَامِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي إِكْرَامِ الْخُبْزِ أَحَادِيثُ لَا أَعْلَمُ فِيهَا شَيْئًا صَحِيحًا وَلَا حَسَنًا. انتهى، قاله ابن النحاس في تنبيهه

(2)

.

(1)

العدة شرح العمدة (2/ 1001).

(2)

تنبيه الغافلين (ص 515 - 516)، وذكره السيوطي في الحاوي (1/ 221).

ص: 499

72 -

وَعَن عُرْوَة بن عبد الله بن قُشَيْر قَالَ حَدثني مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه قَالَ أتيت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فِي رَهْط من مزينة فَبَايَعْنَاهُ وَإنَّهُ لمُطلق الأزرار فأدخلت يَدي فِي جنب قَمِيصه فمسست الْخَاتم قَالَ عُرْوَة فَمَا رَأَيْت مُعَاوِيَة وَلا ابْنه قطّ فِي شتاء وَلا صيف إِلَا مطلقي الأزرار رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ ابْن مَاجَه إِلَا مُطلقَة أزرارهما

(1)

.

قوله: عن عروة بن عبد الله بن قشير، وهو الجعفي، عن ابن سيرين وطائفة، وعنه سفيان وزهير بن معاوية، وثق

(2)

.

قوله: قال حدثني معاوية بن قرة عن أبيه، ووالد معاوية هو قرة بن إياس المزني، له صحبة وهو جد إياس بن معاوية بن قرة، قاضي البصرة

(3)

.

وذكر الدارقطني: أن هذا الحديث تفرد به عروة بن قشير بن معاوية بن قرة بن إياس المزني أبو إياس البصري، روى عن أنس بن مالك وعائذ بن عمرو وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مغفل المزني وغيرهم، روى عنه: ابن إياس بن معاوية وشعبة وشهر بن حوشب وعروة بن عبد الله بن قشير وغيرهم، وثقه الجماعة، وذكره ابن حبان فيهم، كان معاوية بن قرة يقول:

(1)

أخرجه ابن سعد في الطبقات (1/ 356 و 1/ 426 و 1/ 460)، وأحمد 3/ 434 (15581) و 4/ 19 (16243) و 5/ 35 (20368)، وأبو داود (4082)، والترمذى في الشمائل (59)، وابن ماجه (3578)، وابن حبان (5452) والبغوي في الجعديات (2682). وصححه الألباني في "المشكاة"(4336)، "صحيح الترغيب"(45).

(2)

الكاشف (2/ 19).

(3)

المؤتلف والمختلف (2/ 1051)، وتهذيب الأسماء واللغات (2/ 60 الترجمة 509).

ص: 500

لقيت من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا منهم خمسة وعشرين رجلا من مزينة، وكان يقول: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قيل: إنه ولد يوم الجمل ومات سنة عشرة ومائة وهو ابن ست وسبعين سنة، روى له الجماعة

(1)

.

وأما ولده إياس بن معاوية بن قرة بن إياس فروى عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير وابن المسيب وابنه وغيرهم، كان يقول: أذكر الليلة التي ولدت فيها قذفت أمي على رأسي جفنة، وقال عبد الله بن شوذب: كان يقال يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، وكانوا يرون أن إياس بن معاوية منهم، وكان إياس على قضاء البصرة، وكان فقيهًا عفيفا، دخل عليه ثلاث نسوة فقال: أما واحدة فمرضع والأخرى بكر والأخرى ثيب، فقيل له: بما علمت ذلك؟ قال: أما المرضع فلما قعدت أمسكت ثديها بيدها، وأما البكر فلما دخلت فلم تلتفت إلى أحد، وأما الثيب. فلما دخلت نظرت ورمت بعينها

(2)

، انتهى، قاله في الديباجة.

قوله: أتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة، الحديث؛ الرهط: ما دون العشرة من الرجال خاصة، لا يكون لهم امرأة، وليس له واحد من لفظه، والجمع: أرهط وأرهاط وأراهط وأراهيط

(3)

، وتقدم الكلام على النفر والرهط في حديث الصخرة في أوائل هذا التعليق مبسوطًا، واللّه أعلم؛

(1)

تهذيب الكمال (28/ الترجمة 6065).

(2)

تهذيب الكمال (3/ الترجمة 594).

(3)

الصحاح (3/ 1128).

ص: 501

ومزينة: اسم قبيلة معروفة.

قوله: فبايعناه، والمبايعة: المعاهدة، مأخوذة من البيع، وسيأتي الكلام على ذلك في مواضع متعددة من هذا التعليق، والله اعلم.

قوله: وإنه لمطلق الإزار، أي: لمفتوح الإزار؛ والأزرار: جمع زر، وهي ما يعلق بالعروة، والعروة: حلق الجيب

(1)

.

قوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه، قال الحافظ: جيب القميص هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه، يعني: كان جيب قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم واسعا ولم يكن مشدودًا، وكانت عادة العرب أن تكون جيوبهم واسعة فربما يشدونها وربما يتركونها

(2)

، وروى الحاكم وابن خزيمة وأبو داود والنسائي عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله إنا نصيد أفنصلي في الثوب الواحد، قال:"نعم [وازرره ولو بشوكة] "

(3)

أي إذا كان جيب القميص واسعًا يظهر منه عورته، فعليه أن يزرره

(4)

.

وأشار النووي - قدس الله روحه - إلى أنه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك تنعقد الصلاة ثم تبطل عند الانحناء، هذا هو الأصح، وقيل: لا تنعقد أصلًا

(5)

.

(1)

المفاتيح (5/ 15).

(2)

المصدر السابق.

(3)

أخرجه أبو داود (632)، والنسائي في المجتبى 2/ 238 (777) والكبرى (843)، وابن خزيمة (777) و (778)، وابن حبان (2294)، والحاكم (1/ 250). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وحسنه الألباني في الإرواء (268).

(4)

المفاتيح (2/ 93).

(5)

النجم الوهاج (2/ 195).

ص: 502

قال النووي في كتب الفقه

(1)

: فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ فَلْيُزِرَّهُ، أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أي لعدم الشرط لتستدام الصحة.

وقد اختلف العلماء في صلاة الرجل محلول الأزرار وليس عليه إزار، فمنعه الإمام أحمد بن حنبل والشافعي لعلة النظر لعورته إلا إذا استتر ذلك بلحيته أو نحوها، وأجازه مالك وأبو حنيفة والثوري وأصحاب الرأي

(2)

.

واعلم أنه لو اتزر وصلى على علو بحيث ترى عورته من تحته لا يضره بخلاف ما لو رئيت من طوقه ونحو ذلك، وهذا عكس الخف فإنه يجب أن يستر محل الفرض من أسفل لا من أعلى

(3)

. انتهى. [قاله في شرح (الإلمام)].

قوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه. الحديث، جيب القميص: هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه

(4)

، يعني كان جيب قميص رسول الله رضي الله عنه واسعًا ولم يكن مشدودًا

(5)

، وفي تاريخ ابن الفرات الحنفي: عن أنس بن مالك رضي الله عنه: كان قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم قطنًا قصير الطول قصير الكمين

(6)

]، سئل الشيخ الإمام محمد بن عبد اللّه الزركشي الشافعي: عن

(1)

انظر منهاج الطالبين (ص 31)، والنجم الوهاج (2/ 194).

(2)

انظر رياض الأفهام (2/ 457) والمفهم (5/ 41).

(3)

النجم الوهاج (2/ 194).

(4)

قاله المنذرى كما في باب (الترهيب من النياحة على الميت والنعي ولطم الخدّ وخمش الوجه وشق الجيب) كتاب الجنائز.

(5)

شرح المصابيح (5/ 20) لابن الملك.

(6)

أخرجه ابن سعد في الطبقات (1/ 458).

ص: 503

كيفية قميص النبي صلى الله عليه وسلم هل كان مفتوح الصدر أو على هيئة الدلق فأجاب - قدس الله سره -: ظاهر النقل يقتضي أنه كان مفتوحًا لحديث عروة بن عبد الله بن قشير المتقدم وفي آخره (وانه لمطلق الإزار)، وفي تاريخ ابن الفرات الحنفي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم قطنًا قصير الطول قصير الكمين

(1)

.

مسألة أيضًا في السراويل: سئل الزركشي أيضًا عن السراويل: هل لبسه النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب - رحمه الله تعالى - أيضاُ: وأما السراويل فروى الترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه لكن لم يذكر أنه لبسه، فاعتمد على ذلك بعضهم وهو الشيخ تقي الدين السبكي في فتاويه

(2)

فقال: إنه اشتراه ولم يلبسة، وصار لبسه حسنًا لأجل (الستر)، وقال الزركشي: قلت: لكن البيهقي في شعب الإيمان روى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله إنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم بالليل والنهار وفي السفر والحضر

(3)

[وأول من لبسه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وجوز في تركه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلبسه

(1)

مر تخريجه.

(2)

الفتاوى (2/ 550) للسبكي.

(3)

أخرجه ابن حبان في المجروحين (2/ 51)، والطبراني في الأوسط (6/ 349 - 350 رقم 6594)، والبيهقي في الآداب (509) والشعب (8/ 283 - 284 رقم 5830).

قال ابن الجوزي في الموضوعات (3/ 47): هذا حديث لا يصح، قال الدارقطني: الحمل فيه على يوسف بن زياد لأنه مشهور بالأباطيل، ولم يروه عن الإفريقي غيره، وقال ابن حبان: الافريقي يروي الموضوعات عن الأثبات، وضعفه يحيى.

ص: 504

عثمان أبدًا إلا يوم قتل] وعن علي رضي الله عنه قال: كنت قاعدًا عند النبي صلى الله عليه وسلم في البقيع يوم (وجد) مطر فمرت امرأة على حمار ومعها (مكاري) فهوت يد الحمار في وهدة من الأرض فسقطت المرأة، فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنها بوجهه، قال: فقال: يا رسول اللّه إنها متسرولة، قال:"اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي" يقولها ثلاثًا، "أيها الناس اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم وخصوا بها نسائكم إذا خرجن من بيوتهن"

(1)

انتهى، نقل من تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال للشيخ صلاح الدين العلائي، وفي تاريخ أصبهان عن مالك عن ابن عتاهية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الأرض تستغفر للمصلي بالسراويل"

(2)

.

فرع: ومما يكره في الصلاة السدل وهو إرسال ثوبه عليه من كتفيه وهو متزر وبطنه مكشوفة وأجازه ابن مالك وأصحابه، وقال أبو الفرج من

(1)

أخرجه الفسوى في مشيخته (41)، والبزار (898)، والعقيلى في الضعفاء (1/ 54)، وابن عدى (1/ 134)، والبيهقي في الآداب (511) وابن الجوزي في الموضوعات (1438).

قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وابراهيم بن زكريا، هذا لم يتابع على هذا الحديث وهو منكر الحديث. وقال العقيلى: لا يعرف هذا الحديث إلا بهذا الشيخ فلا يتابع عليه. قال أبو حاتم في العلل (1476): هذا حديث منكر، وإبراهيم مجهول.

وقال ابن عدي: "وهذا الحديث منكر لا يرويه عن همام غير إبراهيم بن زكريا، ولا أعرفه إلا من هذا الوجه". وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، والمتهم به إبراهيم بن زكريا.

(2)

أخرجه أبو الشيخ في طبقات أصبهان (4/ 151)، وعنه أبو نعيم في أخبار أصبهان (1/ 387). وقال الألباني: منكر الضعيفة (1824).

ص: 505

المالكية: ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وهو شاذ

(1)

، انتهى، قاله في شرح الإلمام.

قوله في حديث عروة: فمسست الخاتم، مسست هو بكسر السين الأولى، هذه هي اللغة المشهورة في لغة قليلة بفتحها حكاه أبو عبيدة والجوهري، وقال الجوهري: يقال مسست الشيء بكسر السين أمسه بفتح الميم مسا، فهذه اللغة الفصيحة، قال: وحكى أبو عبيدة رحمه الله: مسست الشيء بالفتح أمُسه بضم الميم

(2)

.

والخاتم فيه لغتان كسر التاء وفتحها، وهما قراءتان قرئ بهما في السبع، أي خاتم النبوة أي خاتمه الذي ختمت به النبوة وهو أثر كان بين كتفيه صلى الله عليه وسلم نُعت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة يعلم بها أنه النبي صلى الله عليه وسلم المبشر به في الكتب وصيانة يصون بها نبوته عن تطرق التكذيب والقدح فيها صيانة المستوثق بالختم

(3)

. وقيل: مكتوب عليه لا إله إلا اللّه محمد رسول الله

(4)

، وقيل: مكتوب عليه توجه فإنك منصور

(5)

.

فائدة [جليلة] في صفة الخاتم وقدره: في سائر الأحاديث بين كتفيه، [وقد ذكر في حديث أنه على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين محله من ظهره، وقد

(1)

انظر إكمال المعلم (2/ 431)، ورياض الأفهام (2/ 456)، والمفهم (5/ 40 - 41).

(2)

شرح النووي على مسلم (8/ 161).

(3)

تحفة الأبرار (1/ 209)، شرح المشكاة (3/ 826) للطيبى، الكواكب الدرارى (3/ 36 - 37).

(4)

حياة الحيوان (2/ 373).

(5)

شرف المصطفى (2/ 111).

ص: 506

اختلفت الأحاديث في صفته وقدره

(1)

]، ففي حديث السائب بن يزيد أنه كان بين كتفيه خاتم مثل زر الحجلة وهو في الصحيحين، والحجلة: بفتح الحاء والجيم كما هو في الصحيح المشهور، وقال الترمذي: المراد بالحجلة هذا الطائر المعروف، زرها: بيضها، والصواب: أنها حجلة السرير، واحدة: الحجال، والحجلة: بيت العروس كالقبة يزين بالثياب والستور، ولها أزرار كبار وهو [البشخانة]، وزرها: هو الذي يدخل في عروتها، هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور، قال: وروى البيهقي في دلائل النبوة عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا: لما شك في موت النبي صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه رضي الله عنه، فقالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رفع الخاتم من بين كتفيه، وكان هذا الذي عرف به موته، وأفاد الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه أنه قال: لم يبعث اللّه نبيًا إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه

(2)

.

وفي حديث جابر بن سمرة: فكأنه بيضة حمام، رواه مسلم

(3)

، وفي رواية الترمذي: كأنه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة تشبه جسده

(4)

، وفي حديث أبي زيد بن أخطب أنه قيل له: وما الخاتم؟ قال: شعيرات مجتمعات، رواه

(1)

زيادة في المخطوطة المغربية.

(2)

الروض الأنف (2/ 221 - 228)، وسبل الهدى والرشاد (2/ 45 - 50)، وحياة الحيوان (1/ 325 - 324).

(3)

أخرجه مسلم (110 - 2344).

(4)

أخرجه مسلم (109 - 2344)، والترمذى (3644) والشمائل (17).

ص: 507

الترمذي في الشمائل

(1)

، ورواه الحاكم بلفظ: شعر مجتمع

(2)

، وفي حديث عبد الله سرجس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت معه خبزا ولحما أو قال ثريدًا، ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال التآليل، رواه مسلم وغيره

(3)

.

قوله: عند ناغض كتفه، قال الجمهور: والنغض أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يظهر منه عند التحرك، والناغض من الإنسان أصل العنق حيث ينغض رأسه ناغضا لتحركه، ومنه قوله تعالى:{فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ}

(4)

أي: يحركونها على سبيل الهزء

(5)

.

وقوله: "جمعًا"، بضم الجيم وإسكان الميم، والمراد: جمع الكف وهو أن يجمع الأصابع ويضمها، يقال: ضربه بجمع كفه، بضم الجيم

(6)

.

قوله: وعليه خيلان، بكسر الخاء المعجمة وإسكان الياء، جمع خال وهو الشامة في الجسد أي: النقطة، والتي تكون في الجسد سوداء

(7)

.

(1)

أخرجه الترمذى في الشمائل (20).

(2)

أخرجه أحمد 5/ 341 (22889)، والحاكم (2/ 606).

وصححه الألباني في مختصر الشمائل (ص 31 رقم 17).

(3)

أخرجه مسلم (112 - 2346).

(4)

سورة الإسرا، الآية:51.

(5)

شرح النووي على مسلم (15/ 98)، والمفهم (59/ 19 - 60).

(6)

شرح النووي على مسلم (15/ 98 - 99).

(7)

شرح النووي على مسلم (15/ 99) وكشف المناهج (5/ 134)، وشرح المصابيح (6/ 213) لابن الملك.

ص: 508

وقوله: كأمثال الثآليل، جمع ثؤلول وهو هذه الحبة التي تظهر على الجلد كالحمصة فوقها دونها، وقال أبو الربيع سليمان بن سبع في كتاب شفاء الصدور

(1)

: هو شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرالت متواليالت كأنها عرف فرس بمنكبه الأيمن، وفي رواية عن أبي رمثة: مثل التفاحة

(2)

، وروي عن ابن عمر: مثل البندقة من لحم عليه مكتوب محمد رسول الله، رواه ابن عساكر

(3)

. انتهى.

وقال ابن حبان: وكانت ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر، وكانت تقرأ من أسفلها ليكون اسم الله تعالى فوق الجميع، وعن ابن هشام: تشبيهه بالمحجم، يعني: كأثر المحجمة القابضة على اللحم حتى يكون ناتئًا، وجاء في صحيح البخاري: كأنه بضعة ناشزة، أي: مرتفعة على جسده، وفي رواية: فراشه مثل السلعة، والسلعة: غدة تظهر بين الجلد واللحم إذا غزت باليد تحركت، قاله القاضي عياض رحمه الله، وهذه الروايات متقاربه متفقة على أنه شاخص في جسده قدر بيضة الحمامة، وهو نحو بيضة الحجلة، وأما رواية الكف فظاهره المخالفة فتتأول على وفق الروايالت الكثيرة، ويكون معناه على هيئة جمع الكف لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة، ثم إن السهيلي رحمه الله

(1)

طرح الترتيب في شرح التقريب (4/ 41).

(2)

أخرجه أحمد 4/ 163 (17493)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1142)، والطبراني في الكبير 22/ 280 (718). وصححه الألباني في موارد الظمآن (1522).

(3)

أخرجه ابن حبان (6302). وضعفه الألباني في الضعيفة (6932).

ص: 509

قال: لم ندر هل خلق بالنبي صلى الله عليه وسلم -أو وضع فيه بعد ما وضع أو حين نبئ، قال السهيلي: والحكمة في خاتم النبوة على جهة الاعتبار أنه لما ملئ قلبه صلى الله عليه وسلم حكمة ويقينا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درًا، ولما روي عن جابر رضي الله عنه قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه فالتقمت خاتم النبوة بفمي فكان ينم عليّ مسكًا، ورأيته في بعض النسخ فكان يشج على مسكًا، أي: أشم منه مسكا وهو من شج الشراب إذا مزجه بالماء، كأنه كان يخلط النسيم الواصل على مشمه بريح المسك. انتهى.

وأما وضعه عند نغص الكتف [أي: أعلاه] فلأنه رضي الله عنه معصوم من وسوسة الشيطان فذلك الموضع يوسولس الشيطان لابن آدم، وروى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا سأل ربه سنة أن يريه موضع الشيطان منه، فأراه جسدا كالبلور يرى داخله من خارجه، والشيطان في صورة ضفدع عند نغص كتفه يحاذي قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة قد أدخله إلى قلبه يوسوس إذا ذكر الله العبد خفس أي تأخر

(1)

، انتهى، قاله العراقي

(2)

في شرح الأحكام.

فائدة أخرى تتعلق بخاتم النبوة: ذكره السهيلي عن رواية ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في بني سعد نزل عليه كركيان فشق أحدهما بمنقاره جوفه ومج الآخر بمنقاره في فيه ثلجا أو بردا أو نحو هذا، وهي رواية غريبة، ذكرها

(1)

الروض الأنف (2/ 178)، وسبل الهدى والرشاد (2/ 49 - 50).

(2)

طرح التثريب (4/ 40 - 42).

ص: 510

يونس عنه؛ وفي أوائل المجالسة للدينوري أنه أقبل عليه أبيضان لأنهما نسران إلى آخره؛ وفي المستدرك: فأقبل عليه طيران أبيضان كأنهما نسران، وذكر الحديث بطوله، وروى ابن أبي الدنيا وغيره بإسناد يرفعه إلى أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله: كيف علمت أنك نبي وكيف علمت حنى استيقنت؟ قال: "يا أبا ذر أتاني ملكان فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: فوزنني برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة، فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة، فوزنني فرجحنهم، ثم قال: زنه بألف وزنني فرجحتهم، ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشق بطني فأخرج قلبي فأخرج منه معد الشيطان" الحديث، وفيه:"ثم قال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي ووليا عني، فكأني أعاين الأمر معاينة" وفي هذا الحديث من الفوائد أن خاتم النبوة لم تكن قبل ذلك، واختلف الناس في صفته على عشرين قولًا، حكاها الحافظ قطب الدين؛ وتقدم بعض ذاك في الفائدة قبل هذه، وروى الحاكم والترمذي في المناقب عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذا سيد الخلق أجمعين هذا رسول رب العالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك بهذا، فقال: أنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا لله تعالى وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يفعل ذلك إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم

ص: 511

النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة حتى رجع فصنع لهم طعامًا فلما أتاهم به وكانوا في رعية الإبل فأرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من النوم وجدهم قد سبقوا إلى فيء الشجرة فلما أجلس، قال: فيء الشجرة عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الرومان، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه.

(1)

سؤال: فلم جعل خاتم النبوة بين كتفيه؟ قيل: فهو خاتم الأنبياء بالرحمة، وأيضًا الختم على الشيء يقتضي ثباته وعدم تغيره، كما ختم له صلى الله عليه وسلم بالنبوة والسعادة، كذلك ختم على قلوب الكافرين بالشقاوة:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ}

(2)

الآية، انتهى، قاله في كشف الأسرار

(3)

.

لطيفة: سئل شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين السبكي

(4)

، قدس الله روحه، عن العلقة السوداء التي أخرجت من قلب النبي صلى الله عليه وسلم حين شق فؤاده، وقول الملك: هذا حظ الشيطان منك، فقال: تلك علقة خلقها اللّه تعالى في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فإن نكت من قلبه صلى الله عليه وسلم شق فيه مكان قابل لأن يلقي الشيطان فيه وشيًا، هذا معنى الحديث، ولم يكن للشيطان منه صلى الله عليه وسلم حظ، وإنما الذي نقاه الملك أمر هو في الجبلالت البشرية فأزيل القابل الذي

(1)

هذه زيادة في المخطوطة المغربية: انظر الروض الأنف (2/ 168 - 170) و (2/ 223 - 224)، وحياة الحيوان (2/ 273).

(2)

سورة البقرة، الآية:7.

(3)

كشف الأسرار (لوحة 35).

(4)

حياة الحيوان (2/ 208).

ص: 512

لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب، قيل له: فلم خلق الله تعالى هذا القابل في هذه الذات الشريفة وكان يمكن أن لا يخلقه سبحانه وتعالى فيها، فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإنساني فلابد منه ونزعه كرامة ربانية طرأت بعده، والله أعلم.

تنبيه: قد شق صدره صلى الله عليه وسلم مرتين، مرة في حال صباه عند مرضعته أم حليمة السعدية ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء، ومرة أخرى ليلة المعراج في حال كهولته ليصير قلبه مثل قلوب الملائكة

(1)

، وقال قوم: هو في أول شق صدره ابن ثلات سنين، قاله في شرح الإلمام.

73 -

وَعَن زيد بن أسلم قَالَ رَأَيْت ابْن عمر يُصَلِّي محلولا أزراره فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَله رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن الْوَليد بن مُسلم عَن زيد وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن زيد

(2)

.

قوله: عن زيد بن أسلم (هو أبو أسامة زيد بن أسلم القريشى العدوى

(1)

انظر شرح المصابيح (6/ 276 - 277) لابن الملك.

(2)

أخرجه البزار (127/ كشف الأستار)، وابن خزيمة (779)، وابن حبان (5453)، الحاكم 1/ 250، والبيهقي في الكبرى (2/ 340 رقم 3296). قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد.

وقال الهيثمى في المجمع 1/ 175: رواه البزار وأبو يعلى، وفيه عمرو بن مالك، ذكره ابن حبان في الثقات، قال: يغرب ويخطئ. وقال ابن حجر في إتحاف المهرة 8/ 320: قلت: رواية الشاميين عن زهير بن محمد منكرة. قال البخاري وغيره. وذكر الترمذي في (العلل) عن البخاري، أنه قال: أنا أتقي حديث هذا الشيخ كأن حديثه موضوع. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (34).

ص: 513

المدنى، مولى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، التابعى الصالح الفقيه، رحمه الله. روى عن ابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن عباد، وسلمة بن الأكوع الصحابيين، رضى الله عنهم. وروى عن أبيه، وعطاء بن يسار، وحمران، وعلي بن الحسين، وأبى صالح السمان، وآخرين من التابعين. روى عنه الزهري، ويحيى الأنصاري، وأيوب السختياني، ومحمد بن إسحاق التابعيون، ومالك، والثوري، ومعمر، وخلائق من الأئمة.

قال يحيى بن معين: سمع زيد بن أسلم من ابن عمر، ولم يسمع جابرا ولا أبا هريرة. وقال محمد بن سعد: كانت لزيد بن أسلم حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ثقة كثير الحديث. وقال أبو حاتم: لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيها، أدنى خصلة فينا التواسى بما في أيدينا، وما رأيت فيه متمارين ولا متنازعين في حديث لا ينفعهما، وكان أبو حازم يقول لهم: لا يرينى الله يوم زيد، وقدمنى بين يدى زيد أنه لم يبق أحد أرضى لنفسى ودينى غيره، فأتاه نعى زيد فعقر، فما قام ولا شهده، وكان أبو حازم يقول: اللهم إنك تعلم أنى أنظر إلى زيد فأذكر بالنظر إليه القوة على عبادتك، فكيف بملاقاته ومحادثته. ومناقبه كثيرة. توفى بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: ثلاث وأربعين. وحكى البخارى في تاريخه أن علي بن الحسين، رضى الله عنهما، كان يجلس إلى زيد بن أسلم ويتخطا مجالس قومه، فقيل له: تتخطا مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب، فقال: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه

(1)

.

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 200 الترجمة 185).

ص: 514

قوله: رأيت ابن عمر يصلي محلول أزراره، الحديث، وتقدم الكلام على الأزرار في الحديث قبله قوله: رواه ابن خزيمة في صحيحه عن الوليد بن مسلم؛ الوليد بن مسلم كنيته: أبو العباس الدمشقي مولى بني أمية، وقيل: مولى العباس بن محمد أخي المنصور، كان عالم أهل الشام في زمانه، قال ابن المديني: ما رأيت في الشاميين مثل الوليد، وقد أغرب أحاديث صحيحة لم يشركه فيها أحد، قاله ابن جوصا: لم نزل. نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد بن مسلم صلح أن يلي القضاء، ومصنفاته سبعون كتابا، قال الذهبي: وكان الوليد واسع العلو ثقة لكنه يدلس، وكان إمامًا في المغازي، وقرأ القرآن على يحيى النهاري، وحدث عنه من شيوخه الليث بن سعد وغيره، ولد سنة تسع عشرة ومائة وحج سنة أربع وتسعين ومائة، ومات بعد الحج قبل أن يصل إلى دمشق سنة خمس

(1)

.

قوله: ورواه البيهقي وغيره عن زهير بن محمد، هو زهير بن محمد بن (قمير بن شعبة المروزي، نزيل بغداد، كنيته أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن عبد الرزاق وروح وعنه ابن ماجه والمحاملي وابن عياش القطان قالى البغوي: ما رأيت أحدا بعد أحمد أفضل منه حدثني ابنه محمد أنه كان يختم في رمضان تسعين ختمة قال الخطيب ثقة ورع زاهد تحول فرابط بطرسوس توفي سنة ثمان وخمسين ومئتين

(2)

.

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (2/ 147 الترجمة 671).

(2)

تهذيب الكمال (9/ الترجمة 2016)، والكاشف (1/ 407).

ص: 515

74 -

وَعَن مُجَاهِد قَالَ كنَّا مَعَ ابْن عمر رحمه الله فِي سفر فَمر بمَكَان فحاد عَنهُ فَسئلَ لم فعلت ذَلِك قَالَ رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فعل هَذَا فَفعلت رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد قَوْله حاد بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي تنحى عَنهُ وَأخذ يَمِينا أَو شمالا

(1)

.

قوله: عن مجاهد، هو مجاهد (بن جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير، المكى المخزومى، مولاهم مولى عبد الله بن أبي السائب، ويقال: مولى السائب بن أبي السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث، وهو تابعى، إمام، متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمرو بن العاص، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، رضى الله عنهم. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبي ليلى، ومصعب بن سعد، وآخرين.

روى عنه طاووس، وعكرمة، وعمر و بن دينار، وأبو الزبير، والحكم، وابن عون، والأعمش، ومنصور، وحماد بن أبي سليمان، وطلحة بن مصرف، وأيوب السختيانى، وعبد الله بن أبي نجيح، وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام في الفقه، والتفسير، والحديث.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (1/ 194 رقم 252)، وأحمد 2/ 32 (4870)، والبزار (128/ كشف الأستار)، وابن بطة في الإبانة (74)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2/ 115). وقال الهيثمى في المجمع 1/ 174: رواه أحمد والبزار، ورجاله موثقون. وقال البوصيرى: رواه أحمد بن حنبل والبزار بإسناد جيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (46).

ص: 516

قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل: سنة ثلاث ومائة

(1)

.

قوله: كنا مع ابن عمر في سفر بمكان فحاد عنه، الحديث، تقدم الكلام على مناقب ابن عمر في أول هذا التعليق مبسوطًا.

قوله: فحاد عنه، بالحاء المهملة والدال المهملة أيضًا، أي: تنحي عنه وأخذ يمينا أو شمالًا، انتهى، قاله المنذري.

75 -

وَعَن ابْن عمر رضي الله عنهما أَنه كَانَ يَأْتِي شَجَرَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فيقيل تحتهَا ويخبر أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يفعل ذَلِك رَوَاهُ الْبَزَّار بإسْنَاد لا بَأْس بِهِ

(2)

.

قوله: وعن ابن عمر، تقدم.

قوله: أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها، الحديث، كان ابن عمر شديد الاتباع لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنه كان ينزل منازله ويصلي في كل مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويترك ناقته في مبرك ناقة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ونقلوا أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء كيلا تيبس

(3)

.

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (2/ 83 الترجمة 553).

(2)

أخرجه البزار (5908 و 5909). وقال الهيثمى في المجمع 1/ 175: رواه البزار، ورجاله موثقون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (47).

(3)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 279).

ص: 517

قال ابن بطال

(1)

: وإنما كان ابن عمر يصلي في تلك المواضع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التبرك بها ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين

(2)

. وأما ما روي أن ابن عمر رضي الله عنه كره ذلك فلأنه خشي أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع فيشكل ذلك على من يأتي بعدهم ويرى ذلك واجبًا، وكذا ينبغي للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزاما شديدًا أن يترخص فيها في بعض المرات ويتركها ليعلم بفعله، وذلك أنها غير واجب كما فعل ابن عباس في ترك الأضحية

(3)

.

قال النوويُّ: روينا عن الزهري قال: لا يعدل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستين سنة فلم يخف عليه شيء من أمره صلى الله عليه وسلم ولا من أمر أصحابه؛ وعن مالك قال: أقام ابن عمر ستين سنة تقدم عليه وفود الناس،

(1)

شرح الصحيح (2/ 126).

(2)

قلت: التبرك بالأماكن والأشخاص وبآثار الصالحين من غير الأنبياء لا يجوز لعدم ورود الدليل الشرعي، ولإجماع الصحابة رضي الله عنهم على تركه، ولسد ذرائع الغلو المذموم المفضي إلى الشرك والبدع، قال ابن رجب في الحكم الجديرة بالإذاعة (ص: 54): التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ببعض، ولا يفعله التابعون مع الصحابة، مع علو قدرهم، فدلّ على أن هذا لا يُفعل، إلَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم، مثل التبرك بوضوئه وفضلاته وشعره وشرب فضل شرابه وطعامه. انظر للتفصيل: فتح الباري لابن رجب (3/ 427). وتيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ص 153، 154). وفتح الباري لابن حجر مع تعليقات ابن باز (3/ 143). والتوسل أنواعه وأحكامها للشيخ الألباني (ص 144 - 145).

وعقيدة التوحيد للشيخ الفوزان (ص 234 - 236).

(3)

الكواكب الدرارى (4/ 150).

ص: 518

وروينا عن البخاري الإمام قال: قال جابر بن عبد الله: لم يكن أحد منهم ألزم لطريق النبي صلى الله عليه وسلم ولا اتبع من ابن عمر

(1)

.

تنبيه: قوله (روينا) أكثر الناس يقولون (روينا) بفتح الواو مخففة من روى يروي إذا نقل عن غيره مثل رمى يرمي، والأجود:(رُوِّينَا) بضم الراء وكسر الواو ومشددًا، أي: روانا مشايخنا أي: نقلوا لنا فسمعنا، كذا حرر هذه اللفظة بعض أئمة الحديث، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية

(2)

، والله أعلم.

وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: رأيت في المنام كأن في يدي قطعة إستبرق، وليس مكان أريد من الجنة إلا طارت إليه فقصصته على حفصة فقصت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن عبد اللّه رجل صالح"، وفي رواية الصحيح:"إن أخاك رجل صالح" أو "إن عبد الله رجل صالح"

(3)

، قال نافع: كان ابن عمر رضي الله عنه. إذا اشتد عجبه بشيء من ماله تقرب به إلى الله تعالى فكان رفيقه قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له، وكان رضي الله عنه كثير الحج، وكان كثير الصدقة فربما تصدق في اليوم الواحد بثلاثين ألفًا، ومناقبه كثيرة مشهورة رضي الله عنه

(4)

.

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 279).

(2)

التعيين في شرح الأربعين (ص 14 - 15).

(3)

أخرجه البخاري (7015 و 7016) و (7028 و 7029) و (7031)، ومسلم (140 - 2479) وابن ماجه (3919).

(4)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 279 - 280).

ص: 519

76 -

وَعَن [أَنَسِ] ابْن سِيرِين قَالَ كنت مَعَ ابْن عمر رحمه الله بِعَرَفَات فَلَمَّا كَانَ حِين رَاح رحت مَعَه حَتَّى أَتَى الإِمَام فصلى مَعَه الأولى وَالْعصر ثمَّ وقف وَأَنا وَأَصْحَاب لي حَتَّى أَفاضَ الامام فأفضنا مَعَه حَتَّى انْتهى إِلَى الْمضيق دون المأزمين فَأَنَاخَ وأنخنا وَنحن نحسب أَنه يُرِيد أَن يُصَلَّي فَقَالَ غُلَامه الَّذِي يمسك رَاحِلَته إِنَّه لَيْسَ يُرِيد الصَّلاة وَلكنه ذكر أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما انْتهى إِلَى هَذَا الْمَكَان قضى حَاجته فَهُوَ يحب أَن يقْضِي حَاجته رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح

(1)

.

قَالَ الْحَافِظ رحمه الله والآثَار عَن الصَّحَابَة رضي الله عنهم فِي اتباعهم لَهُ واقتفائهم سنته كَثِيرَة جدا. وَالله الْمُوفق لَا رب غَيره.

قوله: عن ابن سيرين، ابن سيرين، اسمه: محمد، ومحمد يكنى بأبي بكر، وسيرين يكنى بأبي عمرو، مولى أنس بن مالك، من كبار التابعين بالبصرة، كان عالمًا فاضلًا متقنًا زاهدًا، من أورع أهل زمانه، وسمع جماعة من الصحابة: عبد الله بن عمر وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة وعمران بن حصين وعبد الله بن عباس وأبا بكرة، ومولاه أنس بن مالك وهو الذي تولى غسله وتكفينه وأم عطية الأنصارية وجماعة من أعلام التابعين، وقال أبو عوانة: رأيت محمد بن سيرين في السوق فما رآه أحد إلا ذكر اللّه عز وجل، وكان ابن سيرين أعلم أهل زمانه بالرؤيا، وقد أثنى اللّه عز وجل على يوسف عليه السلام

(1)

أخرجه أحمد 2/ 131 (6151). قال الهيثمى في المجمع 1/ 175: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (48).

ص: 520

فعلمها، فرأى في المنام كأن الجوزاء تقدمت الثريا فأخذ في وصيته وقال: يموت الحسن وأموت بعده، هو أشرف مني، فمات رحمه الله تعالى في شوال سنة عشر ومائة بعد الحسن بن أبي الحسن بمائة يوم

(1)

، انتهى.

قوله: كنت مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حين راح رحت معه حتى أتى الإمام فصلى معه الأولى والعصر، الحديث، والمراد بالإمام: الإمام الأعظم وهو الخليفة أو نائبة في إقامة الحج، والمراد بالأولى قال النووي: يعني صلاة الظهر وبدأ الشافعي في الجديد بها، وإن كان في القديم بدأ بالصبح لأن جبريل عليه الصلاة والسلام بدأ بها، ولأنها أول صلاة وجبت بطلوع الشمس، ولذلك سميت الأولى، وسميت الظهر ظهرًا، قيل: لأنها أول صلاة ظهرت حين صلاها جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم

(2)

.

قوله: ثمَّ وقف وَأَنا وَأَصْحَاب لي حَتَّى أَفَاضَ الإمام فأفضنا مَعَه، الإفاضة: الدفع، يقال: أفاض الناس من عرفات أي: دفعوا منها، فالمراد: أفاض من وقوف عرفة أي: رجع، انتهى، قاله الكرماني

(3)

.

قوله: حتى انتهى إلى المضيق دون المأزمين، والسنة: أن يسلك في طريقه إلى المزدلفة على طريق المأزمين وهو بين العلمين اللذين هما حد الحرم

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 82 - 84 الترجمة 11)، وتهذيب الكمال (25/ الترجمة 5280)، وتذهيب تهذيب الكمال (8/ الترجمة 6006). قلنا كذا هو ترجم في هذا الموضع لمحمد بن سيرين وإنما الحديث عن أنس بن سيرين أخيه.

(2)

انظر الحاوى (2/ 12)، وكفاية النبيه (2/ 328).

(3)

الكواكب الدرارى (3/ 21).

ص: 521

من تلك الناحية، والمأزمين: بهمزة بعد الميم الأولى، ويجوز ترك الهمزة كما في رأس ونظائره، والزاي مكسورة، والمأزم: المضيق بين جبلين، هذا أصله في اللغة، ومراد الفقهاء: الطريق الذي بين الجبلين وهما جبلان بين عرفات ومزدلفة، قاله النووي

(1)

.

خاتمة: اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقا، بل يأتي بما تيسر منه لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته:"إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم"

(2)

، قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك، فإذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة فإن المستحب أن يتنزه عنه ولكن لا يجب

(3)

، وقال ابن مهدي

(4)

: إذا روينا أحاديث الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا روينا فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات تساهلنا في الأسانيد.

(1)

الإيضاح (ص 296)، والمجموع (8/ 132).

(2)

أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (130 و 131 - 1337) و (412 - 1337) عن أبي هريرة.

(3)

الأذكار (ص 47).

(4)

دلائل النبوة (1/ 34)، والمدخل إلى الإكليل (ص 29)، الجامع (1267) للخطيب.

ص: 522