المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الترهيب من قتل الإنسان نفسه] - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ١٠

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌[ترغيب الإمام وغيره من ولاة الأمور في اتخاذ وزير صالح وبطانة حسنة]

- ‌[الترهيب من شهادة الزور]

- ‌[كتاب الحدود وغيرها]

- ‌[الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترهيب من تركهما والمداهنة فيهما]

- ‌[الترهيب من أن يأمر بمعروف وينهى عن منكر ويخالف قوله فعله]

- ‌[الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه وتتبع عورته]

- ‌[الترهيب من مواقعة الحدود وانتهاك المحارم]

- ‌[الترغيب في إقامة الحدود والترهيب من المداهنة فيها]

- ‌[الترهيب من شرب الخمر وبيعها وشرائها وعصرها وحملها وأكل ثمنها والتشديد في ذلك والترغيب في تركه والتوبة منه]

- ‌[الترهيب من الزنا سيما بحليلة الجار والمغيبة والترغيب في حفظ الفرج]

- ‌فصل

- ‌[الترهيب من اللواط وإتيان البهيمة والمرأة في دبرها سواء كانت زوجته أو أجنبية]

- ‌[الترهيب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق]

- ‌[الترهيب من قتل الإنسان نفسه]

- ‌[الترهيب أنه يحضر الإنسان قتل إنسان ظلما أو ضربه وما جاء فيمن جرد ظهر مسلم بغير حق]

- ‌[الترغيب في العفو عن القاتل والجاني والظالم والترهيب من إظهار الشماتة بالمسلم]

- ‌[الترهيب من ارتكاب الصغائر والمحقرات من الذنوب والإصرار على شيء منها]

- ‌[كتاب البر والصلة وغيرهما]

- ‌[الترغيب في بر الوالدين وصلتهما وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما وبر أصدقائهما من بعدهما]

- ‌[الترهيب من عقوق الوالدين]

- ‌[الترغيب في صلة الرحم وإن قطعت والترهيب من قطعها]

- ‌[الترغيب في كفالة اليتيم ورحمته والنفقة عليه والسعي على الأرملة والمسكين]

- ‌[الترهيب من أذى الجار وما جاء في تأكيد حقه]

- ‌[الترغيب زيارة الإخوان والصالحين وما جاء في إكراه الزائرين]

- ‌[الترغيب في الضيافة وإكراه الضيف وتأكيد حقه وترهيب الضيف أن يقيم حتى يؤثم أهل المنزل]

- ‌[الترهيب أن يحقر المرء ما قدم إليه، ويحتقر ما عنده أن يقدمه للضيف]

- ‌[الترغيب في الزرع وغرس الأشجار المثمرة]

- ‌[الترهيب من البخل والشح والترغيب في الجود والسخاء]

- ‌[الترهيب من عود الإنسان في هبته]

- ‌[الترغيب في قضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم وما جاء فيمن شفع فأهدي إليه]

- ‌فصل

- ‌[كتاب الأدب وغيره

- ‌الترغيب في الحياء وما جاء في فضله والترهيب من الفحش والبذاء]

الفصل: ‌[الترهيب من قتل الإنسان نفسه]

[الترهيب من قتل الإنسان نفسه]

3697 -

عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من تردى من جبل فَقتل نَفسه فَهُوَ فِي نَار جَهَنَّم يتردى فِيهَا خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا وَمن تحسى سما فَقتل نَفسه فسمه فِي يَده يتحساه فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا وَمن قتل نَفسه بحديدة فحديدته فِي يَده يتوجأ بهَا فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ بِتَقْدِيم وَتَأْخِير وَالنَّسَائِيّ وَلأبي دَاوُد وَمن حسا سما فسمه فِي يَده يتحساه فِي نَار جَهَنَّم تردى أَي رمى بِنَفسِهِ من الْجَبَل أَو غَيره فَهَلَك يتوجأ بهَا مهموزا أَي يضْرب بهَا نَفسه

(1)

.

قوله: عن أبي هريرة رضي الله عنه تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من تردى من جبل فقتل نفسه" الحديث، تردي أي رمى بنفسه من الجبل فهلك كذا قاله المنذري. قوله صلى الله عليه وسلم:"فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا" الحديث، أي: ينزل فيها.

قوله: "فهو في نار جهنم" فهو اسم لنار الآخرة عافانا الله منها [غير منصرف إما للعجمة والعلمية وإنا للتأنيث والعلمية

(2)

].

(1)

أخرجه البخاري (5778)، ومسلم (175 - 109)، وأبو داود (3872)، والترمذي (2043) و (2044)، وابن ماجه (3460)، والنسائي في الكبرى (2103) والمجتبى 4/ 109 (1981)، والبزار (9175 و 9176).

(2)

الكواكب الدرارى (21/ 48 - 49).

ص: 367

قوله: "ومن تحسى سما فقتل نفسه" الحديث، السم بضم السين وفتحها وكسرها ثلاث لغات أفصحهن الفتح الثالثة في المطالع وجمعه سمام وسموم

(1)

.

قوله: "فسمه في يده يتحساه في نار جهنم" الحديث، ومعنى يتحساه يشربه في تمهل ويتجرعه

(2)

.

قوله: "ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها" هو بالجيم وهمزة آخره ويجوز تسهيلها بقلب الهمزة ألفا قال الحافظ رحمه الله ومعناه يضرب بها نفسه أ. هـ.

قوله: "خالدا مخلدا فيها أبدا" قيل فيه أقوال أحدها: أنه محمول على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بالتحريم فهذا كافر وهذه عقوبته، والثاني: أن المراد بالخلود طول المدة والإقامة المتطاولة لا حقيقة الدوام كما يقال خلد الله ملك السلطان والثالث: أن هذا جزاؤه ولكن تكرم الله سبحانه وتعالى فأخبر أنه لا يخلد في النار من مات مسلما، أ. هـ، قاله النووي في شرح مسلم

(3)

.

وقال غير النووي: وقد اختلف الناس في هذه النصوص على طرق أحدها القول بظاهرها وتخليد أرباب هذه الجرائم في النار وهو قول الخوارج والمعتزلة ثم اختلفوا فقالت الخوارج هم كفار فإنه لا يخلد في النار إلا الكفار وقالت المعتزلة ليسوا بكفار بل فساق مخلدون في النار هذا كله إذا لم يتوبوا وقالت فرقة بل هذا الوعيد في حق المستحل لها لأنه كافر وتقدم ذلك

(1)

شرح النووي على مسلم (2/ 121).

(2)

المصدر السابق.

(3)

شرح النووي على مسلم (2/ 125).

ص: 368

في الذي قاله النووي وأما من فعلها يعتقد تحريمها لم يلحقه هذا الوعيد وعيد الخلود وإن لحقه وعيد الخلود وقد أنكر الإمام أحمد هذا القول وقال: لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافرًا والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال من فعل كذا وكذا وقالت فرقة ثالثة الاستدلال بهذه النصوص مبنى على ثبوت العموم وليس في اللغة ألفاظ عامة

(1)

.

ففي هذا الحديث دليل على أن القصاص من القاتل يكون بمثل ما قتل به محددا كان أو غيره اقتداء بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه والاستدلال بهذا لهذا ضعيف

(2)

.

وفي هذا الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار بل هو في حكم المشيئة

(3)

.

3698 -

وَعنهُ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الَّذِي يخنق نَفسه يخنقها فِي النَّار وَالَّذِي يطعن نَفسه يطعن نَفسه النَّار وَالَّذِي يقتحم يقتحم فِي النَّار رَوَاهُ البُخَارِيّ

(4)

.

قوله: وعنه رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

(1)

مدارج السالكين (1/ 398).

(2)

شرح النووي على مسلم (2/ 125 - 126).

(3)

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (9/ 128).

(4)

أخرجه البخاري (1365) دون قوله والذي يقتحم فإنه من رواية الإمام أحمد 2/ 435 (9618) وابن حبان (5987).

ص: 369

قوله صلى الله عليه وسلم: "الذي يخنق نفسه يخنقها في النار والذي يطعن نفسه يطعن نفسه النار والذي يقتحم يقتحم في النار" يخنقها بضم النون، ويطعنها بفتح العين وضمها والاقتحام معناه [الدخول في الشيء بغتة من غير روية] وفي الحديث إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي فإن هذا عوقب في بدنه ففيه رد على المرجئة القائلين بأن هذه المعاصي لا تضر.

3699 -

وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ حَدثنَا جُنْدُب بن عبد الله فِي هَذَا الْمَسْجِد فَمَا نَسِينَا مِنْهُ حَدِيثا وَمَا نَخَاف أَن يكون جُنْدُب كذب على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ كَانَ بِرَجُل جراح فَقتل نَفسه فَقَالَ الله بَدَرَنِى عَبْدِى بِنَفْسِهِ فَحرمت عَلَيْهِ الْجنَّة

(1)

.

3700 -

وَفِي رِوَايَة كَانَ فِيمَن قبلكُمْ رجل بِهِ جرح فجزع فَأخذ سكينا فحز بهَا يَده فَمَا رقأ الدَّم حَتَّى مَاتَ فَقَالَ الله بادرني عَبدِي بِنَفسِهِ الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَلَفظه قَالَ إِن رجلا كَانَ مِمَّن كَانَ قبلكُمْ خرجت بِوَجْهِهِ قرحَة فَلَمَّا آذته انتزع سَهْما من كِنَانَته فنكأها فَلم يرقإ الدَّم حَتَّى مَاتَ قَالَ ربكُم قد حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة رقأ مهموزا أَي جف وَسكن جَرَيَانه الكنانة بِكَسْر الْكَاف جعبة النشاب نكأها بِالْهَمْز أَي نخسها وفجرها

(2)

.

قوله: وعن الحسن البصري، تقدم.

(1)

أخرجه البخاري (1364) و (3463)، ومسلم (180 و 181 - 113)، وابن حبان (5988 و 5989).

(2)

انظر ما قبله.

ص: 370

قوله: حدثنا جُندب بن عبد الله في هذا المسجد فما نسينا منه حديثا، الحديث، جندب يجوز في أوله الفتح والضم وهو جندب بن عبد الله البجلي العلقي بفتح العين واللام، والعلق بطن من بجيلة ومنهم خمسة من نسبه إلى جده فيقول جندب بن سفيان كنيته أبو عبد الله كان بالكوفة ثم صار إلى البصرة

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "برجل جراح فقتل نفسه" الحديث وفي رواية: "خرج به خراج" والخراج بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء هو القرحة والقرحة بفتح القاف وإسكان الراء وهي واحدة القروح وهي حبات تخرج في بدن الإنسان

(2)

.

وقيل: بثرة تخرج في بدن الإنسان والبثرة بفتح الباء الموحدة وإسكان الثاء المثلثة وبفتحها أيضا لغتان وهي خراج صغاروقيل بثر وجهه وبثَر وبثُر ثلاث لغات

(3)

.

وخص بعضهم به الوجه والمشهور أنه يعم الوجه وسائر البدن

(4)

وروى ابن السني والنسائي في اليوم والليلة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وقد خرج من أصبعي بثرة فقال: "عندك ذريرة" قلت: نعم، فوضعها عليها وقال: قولي اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير صغر [ما بي]

(1)

الاستيعاب (1/ 256).

(2)

شرح النووي على مسلم (2/ 124 - 125).

(3)

الأذكار (ص 132) للنووي.

(4)

النجم الوهاج (2/ 211).

ص: 371

فطفيت

(1)

، أ. هـ، والذريرة هي فتات قصب من قصب الطيب يجاء به من الهند

(2)

.

قوله: "فقال الله تعالى بدرني عبدي بنفسه" وفي الرواية الأخرى: "بادرني عبدي بنفسه" الحديث، فيه دليل للمعتزلة أن القاتل يقطع أجل المقتول وأنه لو تركه لعاش إلى أجله ومذهب أهل السنة أنه لا يموت أحد إلا بأجل وأن القاتل لم يقطع أجل المقتول وإنما قتله عند انتهاء أجله، ووجب القصاص لتعديه وفعله به هذا الفعل الشنيع ويتأول قوله تعالى:"بادرني بنفسه" باعتبار ما في ظن الذي قتل نفسه فإنه قد ظن أن الأجل كان متأخرًا عن ذلك الوقت أو أنه بادر إلى تعاظم سبب إزهاق روحه ولو ترك هو هذا السبب لخلق الله تعالى سببا لهلاكه غير القتل فهذا معنى المبادرة فهي مبادرة إلى تعاطي سبب الموت وليست مبادرة إلى الموت فاعرفه ذكره ابن العماد في شرح العمدة.

قوله تعالى: "فحرمت عليه الجنة" أما تحريم الجنة عليه فيحتمل أن يكون مشركا قد ضم إلى شركه هذا الفعل أو مستحلا لذلك فإن لم

(1)

أخرجه أحمد 5/ 370 (23141)، والنسائي في الكبرى (10803) وعمل اليوم والليلة (1031)، وابن السنى (635)، والحاكم (4/ 207)، وأبو نعيم في الطب (489)، وابن حجر في نتائج الأفكار (4/ 157). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع 5/ 95 - 96: رواه أحمد، وفيه مريم بنت أبي إياس، تفرد عنها عمرو بن يحى، وهو ومن قبله من رجال الصحيح. وقال ابن حجر: هذا حديث صحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (4068).

(2)

الأذكار (ص 132) للنووى.

ص: 372

يكن كان تحريم الجنة المرتفعة القدر من بين الجنان أو المنع من دخول الجنة في أول الأمر إلى أن يعذب بالنار لأنه إذا وقع العرض دخل قوم الجنة وقوم إلى النار أ. هـ قاله في [كشف المشكل]

(1)

.

وقال بعض العلماء في قوله: "حرمت عليه الجنة" فإن قيل: المؤمن لا بد أن يدخل عاقبة أمره الجنة وإن كان صاحب الكبائر؟ قلت: معناه حرمت عليه قبل دخوله النار أو جنة خاصة لأن الجنان كثيرة أو هو من باب التغليظ أو إذا كان مستحلا للقتل أو التحريم جزاؤه، وقد يعفى عنه أو هو مقدر بمشيئة الله

(2)

أ. هـ.

فهذا الوعيد إن حمل على ظاهره خص به من فعل ذلك مستحلا [فلذلك حرمت الجنة] وإلا فالمؤمن لا يخلد في النار ولعل حرم عليه في أول الأمر ليذوق وباله بإدخاله النار ثم ينجيه منها بفضله ورحمته وقيل: يحتمل أنه كان كافرا أو راتد من الجراحة والله أعلم فيحمل على تحريم الجنة قبل أن يعذب أو على تحريمها عليه حين يدخلها السابقون والأبرار إذا فتحت أبوابها لهم أو يطيل حسابه أو يحبس في الأعراف هذا كلام القاضي قال النووي: ويحتمل أن شرع أهل ذلك العصر تكفير أصحاب الكبائر

(3)

.

قوله: في الرواية الأخرى: "فأخذ سكينا فجز بها يده فما رقا الدم حتى مات" وجز يده أي قطعها أو بعضها.

(1)

كشف المشكل (2/ 46) لابن الجوزي.

(2)

الكواكب الدرارى (7/ 141).

(3)

شرح النووي على مسلم (2/ 127).

ص: 373

وقوله: "فلم يرقا الدم" الحديث، ورقأ الدم، قال الحافظ: هو مهموز، أي: جف وانقطع وكذا قولها "لا يرقأ لي دمع" أي انقطع قاله عياض

(1)

.

وقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: "إن رجلا كان ممن كان قبلكم خرجت بوجهه قرحة فلما آذته انتزع سهما من كنانته فنكأها" تقدم الكلام على القرحة والكنانة بكسر الكاف جعبة النشاب قاله المنذرى والجعبة بفتح الجيم وسميت كنانة لأنها تكن السهام: أي تسترها

(2)

.

وقوله: "فنكأها" بالهمز أي نخسها وفجرها، أ. هـ قاله الحافظ المنذري ثم إن هذا محمول على أنه نكأها استعجالا للموت ولغير مصلحة فإنه لو كان على طريق المداواة التي يغلب على الظن نفعها لم يكن حرامًا

(3)

.

تنبيه: ويدل على ذلك الحديث الصحيح في مسلم في الرجل الذي هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصابته في يده آفة فأخذ مشاقصه فجز بها أصابعه فما رقأ الدم حتى مات فرئ بعد موته فقيل له ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما كان من يدي فإنه قيل لي أنا لي نصلح منك ما أفسدت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما قصت عليه الرؤيا: "اللهم وليديه فاغفر"

(4)

وسبب استحقاق الوعيد الدخول إلى الدار الآخرة بغير إذن والله أعلم قاله ابن العماد.

(1)

مشارق الأنوار (1/ 298).

(2)

شرح النووي على مسلم (2/ 124).

(3)

المصدر السابق (2/ 127).

(4)

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (614)، ومسلم (184 - 116) عن جابر.

ص: 374

فائدة: وفي الحديث دليل على أن نفس الإنسان مملوكة لله تعالى لا يحل للإنسان التصرف فيها بما يضرها ولا يحل له أن يقتل نفسه في مسائل منها إذا أحاطت به النار وتحقق أنه لا يمكنه التخلص منها إلا بأن يلقي نفسه في بئر أو حفرة فيموت فيجوز له ذلك مراعاة لتوقع الصلاة عليه ودفنه.

الثانية: إذا وقع في أيدي المشركين وتحقق أنهم يمثلون به لمؤلم يقتل نفسه فهذا من العوارض المبيحة للقتل وليس من الأشياء المبيحة للقتل أن يزني وهو محصن ويريد قتل نفسه بل طريقه أن يرفع نفسه إلى الإمام ويقر ليقتله والستر على نفسه أولى، أ. هـ قاله ابن العماد.

3701 -

وَعَن جَابر بن سَمُرَة رضي الله عنه أَن رجلا كَانَت بِهِ جِرَاحَة فَأتى قرنا لَهُ فَأخذ مشقصا فذبح بِهِ نَفسه فَلم يصل عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه الْقرن بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء جعبة النشاب والمشقص بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْقَاف سهم فِيهِ نصل عريض وَقيل هُوَ النصل وَحده وَقيل سهم فِيهِ نصل طَوِيل وَقيل النصل وَحده وَقيل هُوَ مَا طَال وَعرض من النصال

(1)

.

قوله: وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله: "أن رجلًا كانت به جراحة فأتى قرنا له فأخذ مشقصا فذبح به نفسه فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم" الحديث، القرن: هو جعبة النشاب، والمشقص: قد

(1)

أخرجه أبو داود (3185)، وابن ماجه (1526)، والنسائي في المجتبى 4/ 108 (1980)، وابن حبان (3093) و (3095). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2457)، والأحكام (84).

ص: 375

ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو سهم فيه نصل عريض، وقيل: هو النصل وحده، وقيل: سهم فيه نصل طويل، وقيل: ما طال وعرض من النصال، أ. هـ. وقيل: هو [السكين]

(1)

وقد رواه الطبراني بمشقص

(2)

، وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلي على قاتل نفسه لعصيانه ومذهب أهل السنة أنه لا يكفر [من قتل نفسه] ونصوا على أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وتقدم في المديون أنهم كانوا يصلون عليه وهو متعلق الذمة وحاله أشد ممن ذنبه فيما بينه وبين الله وإنما ترك الصلاة عليه تحذيرا من مثل فعله وتعظيما لذنبه وبهذا قال مالك زجرا لهم ولعل هذا القاتل كان مستحلا القتل نفسه فمات كافرا فلم يصل عليه لذلك وهذا مذهب عمر عبد العزيز، وأما المسلم القاتل لنفسه أو لغيره فيصلي عليه عند الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبي حنيفة والشافعي وجماهير العلماء خلافا للأوزاعي وقال أحمد: لا يصلي عليه الإمام ويصلي عليه غيره وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله وصلت عليه الصحابة وهذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر الصلاة على من عليه دين زجرا لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائها وأمر الصحابة بالصلاة عليه فقال: "صلوا على صاحبكم" قال القاضي عياض: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه ومرتكب الكبائر وولد الزنا، وعن الإمام

(1)

قاله الداودي كما في المشارق (2/ 257) وإكمال المعلم (4/ 326).

(2)

أخرجه الطبراني في الكبير (2/ 230 رقم 1956).

ص: 376

مالك وغيره: أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد الزنا وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجرا لهم، وعن الزهري: لا يصلي على المرجوم ويصلي على المقتول في قصاص، وقال أبو حنيفة: لا يصلي على محارب ولا على قتل الفئة الباغية، وقال قتادة: لا يصلي على ولد الزنا، وعن الحسن: لا يصلي على النفساء تموت من زنا ولا على ولدها، ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير والله أعلم

(1)

ذكره ابن العماد في شرح العمدة.

وفرق بعضهم بين قاتل نفسه لعدم إمكان التوبة متعجلا فلا يصلي عليه بخلاف قاتل غيره وأما من قتل في حد فتقدم ونقل عن الشافعي أنه لا يصلي على تارك الصلاة إذا قتل والصحيح أنه يصلي عليه وفي أبي داود: "صلوا على من قال لا إله إلا الله"

(2)

قاله شارح الإلمام.

3702 -

وَعَن أبي قلَابَة رضي الله عنه أَن ثَابت بن الضَّحَّاك رضي الله عنه أخبرهُ بِأَنَّهُ بَايع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تَحت الشَّجَرَة وَأَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ من حلف على يَمِين بِملَّة غير الْإِسْلَام كَاذِبًا مُتَعَمدا فَهُوَ كمَا قَالَ وَمن قتل نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلَيْسَ على رجل نذر فِيمَا لَا يملك وَلعن الْمُؤمن كقتله وَمن رمى

(1)

شرح النووي على مسلم (7/ 47 - 48).

(2)

أخرجه الطبراني في الكبير (12/ 447 رقم 13622)، وابن عدي في الكامل (3/ 913)، والدارقطني (1761 - 1763) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2/ 217). قال ابن عدى: منكر. وقال الهيثمي في المجمع 2/ 67: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن الفضل بن عطية وهو كذاب. وضعفه الألباني في الإرواء (728) وضعيف الجامع (3483).

ص: 377

مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقتله وَمن ذبح نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِاخْتِصَار وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَلَفظه إِن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَيْسَ على الْمَرْء نذر فِيمَا لَا يملك ولا عن الْمُؤمن كقاتله وَمن قذف مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقاتله وَمن قتل نَفسه بِشَيْء عذبه الله بِمَا قتل بِهِ نَفسه يَوْم الْقِيَامَة

(1)

.

قوله: وعن أبي قلابة رضي الله عنه اسمه [عبد الله بن زيد بن عمرو، أبو قلابة الجرمي البصري، أحد الأئمة الأعلام].

قوله: أن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أخبره بأنه بايع رسول الله تحت الشجرة، الحديث ثابت بن الضحاك بن [خليفة بن ثعلبة بن عدي ابن كعب بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي الأشهلي، أبو زيد المدني، سكن البصرة. وهو أخو جبيرة بن الضحاك، وثبيتة بنت الضحاك، التي كان محمد بن مسلمة يطاردها ببصره ليتزوجها، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد روى عنه: أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وعبد الله بن معقل بن مقرن المزني

(2)

].

والمبايعة مأخوذة من البيع وتقدم الكلام على ذلك.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال" الحديث، الحلف بالشيء هم القسم به، وهذا الحديث

(1)

أخرجه البخاري (6047) و (6105) و (6652)، ومسلم (176 و 177 - 110)، وأبو داود (3257)، والترمذي (1527) و (2636)، والنسائي في المجتبى 6/ 309 (3803) و (3804) و 6/ 335 (3847) والكبرى (4736).

(2)

الاستيعاب لابن عبد البر: 1/ 205 وأسد الغابة: 1/ 226، والإصابة: 1/ 194.

ص: 378

له صورتان، الأولى: أن يقول ودين اليهودية أو دين النصرانية لا أفعل كذا فهذا حكمه حكم من حلف باللات والعزى، وسيأتي الكلام على ذلك، اللات قيل إنها تأنيث اسم الله تعالى وقيل أرادوا في الجاهلية أن يسموا بعض آلهتهم باسم الله تعالى فصرف ألسنتهم عن ذلك فقالوا اللات صيانة للاسم العظيم أن يسمي به غيره ولما نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام وعلى الحلق بها وأنعم عليها بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف جعل كفارة ذلك قول لا إله إلا الله إفراد الألوهية وتذكيرا من الغفلة وإتماما للنعمة وخص اللات بالذكر هنا لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم وحكم غيرها من أسماء آلهتهم كذلك، الصورة الثانية: قال النووي إذا حلف بشيء من الأصنام، أو يقول: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني وبرئ من الإسلام أو من النبي صلى الله عليه وسلم فهذا ليس بيمين لأن اليمين لا تنعقد بغير اسم الله تعالى وصفاته ولكن يحرم عليه الحلف بذلك كما قاله النووي في الأذكار [بل عليه] أن يستغفر الله تعالى [ويقول لا إله إلا الله] ولا كفارة [عليه سواء فعله أم لا] هذا مذهب الشافعي ومالك ومالك وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة في ذلك

(1)

.

ولا يترتب على ذلك الكفر في الحال لأنه قصد بذلك إبعاد نفسه عن الفعل فإن قصد تعليق الكفر على الفعل كفر في الحال هذا إن حلف على مستقبل فإن حلف على ماض كقوله إن كنت فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني فظاهر الحديث أنه يصير كافرا لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "فهو كما قال"، وقد

(1)

شرح النووي على مسلم (11/ 107).

ص: 379

اختلف الحنفية في تكفيره فقيل يكفر كما لو قال هو يهودي وقيل لا يكفر كما لو حلف بذلك على مستقبل ولم يقصد تعليق الكفر على الفعل ولا الرضى به، ثم إن كان الحلف به معظما لما حلف به مجلا له كان كافرا وإن لم يكن معظما بل كان قلبه مطمئنا بالإيمان فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به ومعاملته إياه معاملة ما يحلف به ولا يكون كافرا خارجا عن ملة الإسلام، ويجوز أن يطلق عليه اسم الكفر ويراد به كفر الإحسان وكفر نعمة الله تعالى فإنها تقتضي أن لا يحلف هذا الفعل القبيح

(1)

، أ. هـ.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة" الحديث، يؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في استحقاق إثم القتل ووجوب الكفارة في ماله لأن نفس الإنسان ليست ملكا له بل هي ملك لله تعالى

(2)

.

وقوله: "عذب به" أي: بمثله، واستدل على اعتبار المماثلة في القصاص فيقتل القاتل بما قتل به محددا كان أو غير محدد، ويحتمل أن يكون المراد عذب بنفس تلك الألة التي قتل بها نفسه ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" والخلود محمول على المكث الطويل أو على تأبيد الخلود إن فعل ذلك مستحلا للقتل وتقدم ذلك من كلام النووي في أول الباب أ. هـ.

قوله صلى الله عليه وسلم: "وليس على رجل نذر فيما لا يملك" فيه أنه لا يصح النذر فيما لا يملك ولا يلزم بهذا النذر شيء، وفيه دليل على أن التصرفات الواقعة قبل

(1)

شرح النووي على مسلم (2/ 126).

(2)

إحكام الأحكام (2/ 261).

ص: 380

الملك باطلة وأن بيع الفضولي وتصرفاته باطلة، فلو باع عبد الغير أو أعتقه أو نذر نذرا متعلقا به لغى ذلك، وهذه التصرفات المالية، أما تعليق الطلاق على النكاح فاختلفوا فيه فالشافعي يلغيه كالأول ومالك وأبو حنيفة يعتبرانه

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ولعن المؤمن كقتله" الحديث، فالظاهر أن المراد أنهما سواء في أصل التحريم وإن كان القتل أغلظ، وقال في موضع آخر: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم وهو تشبيه واقع لأن اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف، قال القاضي عياض: وقيل: لعنته تقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمين ومنعهم منافعه وتكثير عددهم به كما لو قتله وقيل لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية وبعده منها بإباحة لعنته فهو كمن قتل في الدنيا وقطعت عنه منافعه منها، وقيل: معناه استواؤهما في التحريم وفي اللعنة قطعا عن الرحمة وهي أبلغ ضررا من قطع الحياة بالقتل

(2)

، أ. هـ.

فائدة: واتفق العلماء على تحريم اللعن فإنه في اللغة الإبعاد والطرد، وفي الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى فلا يجوز أن يبعد من رحمة الله من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطيعة، فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحد بعينه مسلم كان أو كافرا أو دابة إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر أو يموت عليه كأبي جهل وإبليس وأما اللعن بالوصف فليس بحرام كلعن

(1)

إحكام الأحكام (2/ 262).

(2)

المصدر السابق (2/ 263).

ص: 381

الواصلة والمستوصلة والواشمة وآكل الربا وموكله والمصورين والظالمين والفاسقين والكافرين ولعن من غير منار الأرض ومن تولي غير مواليه ومن انتسب إلى غير أبيه ومن أحدث في الإِسلام حدثا أو آوي محدثا وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان والله أعلم. أ. هـ.

تنبيه: ومن الكبائر أن يقول لمسلم يا كافر أو يا عدو الله.

فرع: لو دعا على مسلم فقال: اللهم اسلبه الإيمان فقد جزم النَّووي في الأذكار بأنه يعصي بذلك، قال: وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء فيه وجهان حكاهما القاضي حسين في الفتاوي أصحهما لا يكفر وقال العلماء وقال شخص لو كان فلان نبيا ما آمنت به كفر واختلفوا فيمن دعا على شخص فقال لا ختم الله له بخير أو أسلبه الإيمان كما تقدم فقال بعضهم أنه يكفر لأنه رضي بموته على الكفر والرضى بالكفر كفر واحتج لهذا بقوله تعالى إخبار عن موسى عليه الصلاة والسلام: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ}

(1)

الآية، وينبغي أن يكون محل الخلاف إذا قصد بذلك أن يكون عقوبة له لأجل ما فعل لأنه رضي بالكفر فإن الرضى بالكفر كفر والله أعلم

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله" وتقدم معنى القتل.

وقوله: "ومن ذبح نفسه بشيء عذب به يوم القيامة" تقدم الكلام على ذلك.

(1)

سورة يونس، الآية:88.

(2)

الأذكار (ص 554 - 555).

ص: 382

3703 -

وَعَن سهل بن سعد رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم التقى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتلُوا فَلَمَّا مَال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى عسكره وَمَال الْآخرُونَ إِلَى عَسْكَرهمْ وَفِي أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لَهُم شَاذَّة وَلا فاذة إِلَا اتبعها يضْربهَا بِسَيْفِهِ فَقَالُوا مَا أَجْزَأَ منا الْيَوْم أحد كَمَا أَجْزَأَ فلَان فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أما إِنَّه من أهل النَّار

(1)

.

3704 -

وَفِي رِوَايَة فَقَالُوا أَيّنَا من أهل الْجنَّة إِن كَانَ هَذَا من أهل النَّار فَقَالَ رجل من الْقَوْم أَنا صَاحبه أبدا قَالَ فَخرج مَعَه كلما وقف وقف مَعَه وَإِذا أسْرع أسْرع مَعَه قَالَ فجرح الرجل جرحا شَدِيدا فاستعجل الْمَوْت فَوضع سَيْفه بِالْأَرْضِ وذبابه بَين ثدييه ثمَّ تحامل على سَيْفه فَقتل نَفسه فَخرج الرجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أشهد أَنَّك رَسُول الله قَالَ وَمَا ذَاك قَالَ الرجل الَّذِي ذكرت آنِفا أَنه من أهل النَّار فأعظم النَّاس ذَلِك فَقلت أَنا لكم بِهِ فَخرجت فِي طلبه حَتَّى جرح جرحا شَدِيدا فاستعجل الْمَوْت فَوضع نصل سَيْفه بِالأَرْضِ وذبابه بَين ثدييه ثمَّ تحامل عَلَيْهِ فَقتل نَفسه فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الرجل ليعْمَل عمل أهل الْجنَّة فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل النَّار وَإِن الرجل ليعْمَل عمل أهل النَّار فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل الْجنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم

(2)

الشاذة بالشين الْمُعْجَمَة والفاذة بِالْفَاءِ وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة فيهمَا هِيَ الَّيي انْفَرَدت عَن الْجَمَاعَة وأصل ذَلِك فِي المنفردة عَن الْغنم فَنقل إِلَى كل من فَارق الْجَمَاعَة وَانْفَرَدَ عَنْهَا.

(1)

انظر ما بعده.

(2)

أخرجه البخاري (2898) و (4202) و (4207) و (6493) و (6607)، ومسلم (179 - 111).

ص: 383

قوله: وعن سهل بن سعد رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله: وفي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، الحديث، هذا الرجل اسمه قزمان قاله الخطيب البغدادي وكان من المنافقين.

قوله: "شاذة ولا فاذة" الشاذة بالشين المعجمة، والفاذة بالفاء وتشديد الذال المعجمة فيهما هي التي انفردت عن الجماعة وأصل ذلك في المنفردة عن الغنم فنقل إلى كل من فارق الجماعة وانفرد عنها، أ. هـ قاله المنذري.

وقال غيره: الشاذ والشاذة الخارج والخارجة عن الجماعة والتاء في الشاذة والفاذة للمبالغة فيهما، قال القاضي عياض: أنث الكلمة على معنى النسمة أو تشبيه الخارج بشاذة الغنم ومعناه أنه لا يدع أحدا على طريق المبالغة أي لا يدع من الناس أحدا ولا من شذ وفذ أي انفرد ولا يسلم منه من خرج من جماعة الجيش ولا من فيه وإنما هي عبارة عن المبالغة أي لا يدع نفسا إلا قتلها واستقصاها، قال ابن الأعرابي: يقال لا يدع شاذة ولا فاذة إذا كان شجاعا لا يلقاه أحد إلا قتله

(1)

، وقيل: الشاذة هو الذي يكون مع الجماعة ثم يفارقهم والفاذة وهو الذي لم يكن قط قد اختلط بهم

(2)

.

قوله: فقالوا ما أجزأ منا اليوم أحد، الحديث معناه: ما أغني وأكفى أحد غناءه وكفايته

(3)

.

(1)

إكمال المعلم (1/ 393 - 394).

(2)

الكواكب الدرارى (12/ 163).

(3)

شرح النووي على مسلم (2/ 123).

ص: 384

قوله: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما إنه من أهل النار" أما بمعنى الاستفتاح.

تنبيه: فإن قلت: القتل هو معصية والعبد لا يكفر بالمعصية هو من أهل الجنة لأنه مؤمن، قلت: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بالوحي أنه ليس مؤمنا أو أنه سيرتد حيث يستحل قتل نفسه، أو المراد من كونه من أهل النار أنه من العصاة الذين يدخلون النار ويخرجون منها، وفيه: أن الاعتبار بالخواتيم وبالنيات وأن الله تعالى يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، أ. هـ قاله الكرماني

(1)

.

قوله: فقال رجل من القوم أنا صاحبه أبدا، كذا وقع في الأصول ومعناه أنا أصحبه في خفية وألازمه أدا لأنظر السبب الذي يصير به من أهل الناء فإن فعله في الظاهر جميل وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار فلابد له من سبب عجيب، قاله النَّووي.

قوله: "فوضع سيفه بالأرض" وفي رواية أخرى "فوضع نصل سيفه بالأرض" يعني به: ما يلي القبيعة، القبيعة هي التي تكون على رأس قائمة السيف وقيل ما تحت شارب السيف، وفي الحديث كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة، الحديث، والنصل في اللغة هو السيف كله.

قوله: "وذبابه بين ثدييه" وذباب السيف بضم الذال وتخفيف الباء هو طرفه الأسفل المحدد الذي يضرب به وحسامه وظبته وغربا السيف جانباه.

وقوله: "بين ثدييه" هو تثنية ثدي بفتح الثاء وهو مذكر على اللغة الفصيحة قال ابن فارس: الثدي للمرأة ويقال لذلك الموضع من الرجل [ثندوة وثندؤة

(1)

الكواكب الدرارى (12/ 163 - 164).

ص: 385

بالفتح بلا همزة وبالضم مع الهمزة] وقال الجوهري: والثدي للمرأة والرجل، فعلى قول ابن فارس يكون في هذا الحديث قد استعمل الثدي للرجل والله أعلم

(1)

.

وقوله: "آنفا" أي: قريبا وفيه لغتان المد وهو أفصح والقصر.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة" الحديث، ففي هذا الحديث التحذير من الاغترار بالأعمال وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها ولا يركن إليها مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يقنطه من رحمة الله تعالى، قال: ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "أن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة وأنه من أهل النار" وكذا عكسه أن هذا قد يقع والله أعلم ذكره النووي في شرح مسلم

(2)

.

واعلم أن لسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسباب ولها طرق وأبواب أعظمها الإنكباب على الدنيا والإعراض عن الآخرة والإقدام بالمعصية على الله تعالى

(3)

.

(1)

شرح النووي على مسلم (2/ 123 - 124).

(2)

شرح النووي على مسلم (2/ 126 - 127).

(3)

قاله عبد الحق الإشبيلي كما في الجواب الكافى (ص 165 - 166).

ص: 386