المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الترغيب في الضيافة وإكراه الضيف وتأكيد حقه وترهيب الضيف أن يقيم حتى يؤثم أهل المنزل] - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ١٠

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌[ترغيب الإمام وغيره من ولاة الأمور في اتخاذ وزير صالح وبطانة حسنة]

- ‌[الترهيب من شهادة الزور]

- ‌[كتاب الحدود وغيرها]

- ‌[الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترهيب من تركهما والمداهنة فيهما]

- ‌[الترهيب من أن يأمر بمعروف وينهى عن منكر ويخالف قوله فعله]

- ‌[الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه وتتبع عورته]

- ‌[الترهيب من مواقعة الحدود وانتهاك المحارم]

- ‌[الترغيب في إقامة الحدود والترهيب من المداهنة فيها]

- ‌[الترهيب من شرب الخمر وبيعها وشرائها وعصرها وحملها وأكل ثمنها والتشديد في ذلك والترغيب في تركه والتوبة منه]

- ‌[الترهيب من الزنا سيما بحليلة الجار والمغيبة والترغيب في حفظ الفرج]

- ‌فصل

- ‌[الترهيب من اللواط وإتيان البهيمة والمرأة في دبرها سواء كانت زوجته أو أجنبية]

- ‌[الترهيب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق]

- ‌[الترهيب من قتل الإنسان نفسه]

- ‌[الترهيب أنه يحضر الإنسان قتل إنسان ظلما أو ضربه وما جاء فيمن جرد ظهر مسلم بغير حق]

- ‌[الترغيب في العفو عن القاتل والجاني والظالم والترهيب من إظهار الشماتة بالمسلم]

- ‌[الترهيب من ارتكاب الصغائر والمحقرات من الذنوب والإصرار على شيء منها]

- ‌[كتاب البر والصلة وغيرهما]

- ‌[الترغيب في بر الوالدين وصلتهما وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما وبر أصدقائهما من بعدهما]

- ‌[الترهيب من عقوق الوالدين]

- ‌[الترغيب في صلة الرحم وإن قطعت والترهيب من قطعها]

- ‌[الترغيب في كفالة اليتيم ورحمته والنفقة عليه والسعي على الأرملة والمسكين]

- ‌[الترهيب من أذى الجار وما جاء في تأكيد حقه]

- ‌[الترغيب زيارة الإخوان والصالحين وما جاء في إكراه الزائرين]

- ‌[الترغيب في الضيافة وإكراه الضيف وتأكيد حقه وترهيب الضيف أن يقيم حتى يؤثم أهل المنزل]

- ‌[الترهيب أن يحقر المرء ما قدم إليه، ويحتقر ما عنده أن يقدمه للضيف]

- ‌[الترغيب في الزرع وغرس الأشجار المثمرة]

- ‌[الترهيب من البخل والشح والترغيب في الجود والسخاء]

- ‌[الترهيب من عود الإنسان في هبته]

- ‌[الترغيب في قضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم وما جاء فيمن شفع فأهدي إليه]

- ‌فصل

- ‌[كتاب الأدب وغيره

- ‌الترغيب في الحياء وما جاء في فضله والترهيب من الفحش والبذاء]

الفصل: ‌[الترغيب في الضيافة وإكراه الضيف وتأكيد حقه وترهيب الضيف أن يقيم حتى يؤثم أهل المنزل]

[الترغيب في الضيافة وإكراه الضيف وتأكيد حقه وترهيب الضيف أن يقيم حتى يؤثم أهل المنزل]

3903 -

عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليصل رَحمَه وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو ليصمت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم

(1)

.

قوله: عن أبي هريرة رضي الله عنه: تقدمت ترجمته.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" الحديث، هذا الحديث فيه الحث على إكرام الضيف والإكرام بحقوقه هابراره وفيه التصريح بأنه ينبغي للإنسان الإمساك عن الكلام الذي ليس فيه خير ولا شر لأنه مما لا يعنيه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ولأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام وهذا موجود في العادة وكثير واللّه أعلم

(2)

وتقدم الكلام على صلة الرحم المذكورة في هذا الحديث.

3904 -

وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو رضي الله عنهما قالَ دخل عَليّ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ألم أخبر أَنَّك تقوم اللَّيْل وتصوم النَّهَار قلت بلَى قَالَ فَلَا تفعل قُم ونم وصم

(1)

أخرجه البخاري (6018) و (6136) و (6138) و (6475)، ومسلم (74 و 75 - 47)، وأبو داود (5154)، والترمذى (2500)، وابن ماجة (3971).

(2)

شرح النووي على مسلم (12/ 31).

ص: 621

وَأفْطر فَإِن لجسدك عَلَيْك حَقًا وَإِن لعينك عَلَيْك حَقًا وَإِن لزورك عَلَيْك حَقًا وَإِن لزوجك عَلَيْك حَقًا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَغَيرهمَا وَقَوله وَإِن لزورك عَلَيْك حَقًا أَي وَإِن لزوارك وأضيافك عَلَيْك حَقًا يُقَال للزائر زور بِفَتْح الزَّاي سَوَاء فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع

(1)

.

قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو، تقدم الكلام على ترجمته.

قوله: دخل عليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار، قلت: بلى قال: لا تفعل، الحديث.

واختلف العُلماء في صوم الدهر فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر، وذهب جماهير العُلماء إلى جوازه إذا لم يصم الإيام المنهي عنها وهي العيدان وأيام التشريق ومذهب الشافعي وأصحابه أن سرد الصيام إذا أفطر العيدين وأيام التشريق لا كراهة فيه بل هو مستحب بشرط أن لاي لحفه ضرر ولا يفوت حقا فإن تضرر أو فوت حقا فمكروه وقد ثبت عن ابن عمر أنه كان يسرد الصوم وكذلك أبو طلحة وعائشة وغيرهم من السلف، ويحمل النهي الوارد على من تضرر أو فوت به حقا

(2)

، وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن قيام كلّ الليل دائما لكل أحد ففرقوا بينه وبين صوم الدهر في حق من لا يتضرر ولا يفوت به حقا بأن صلاة الليل كلّه

(1)

أخرجه البخاري (1974) و (1975) و (1977) و (5199) و (6134) ومسلم (182 و 183 - 1159).

(2)

شرح النووي على مسلم (8/ 40).

ص: 622

لابد فيها من الإضرار بنفسه وتفويت بعض الحقوق لأنه إذا لم ينم بالنهار حصل له ضرر

(1)

.

حاصل الحديث بيان رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته وشفقته عليهم وإرشادهم إلى مصالحهم وحثهم على ما يطيقون المداومة عليه ونهيهم عن التعمق والإكثار من العبادات التي يخاف عليهم الملل بسببها أو تركها أو ترك بعضها، وقد بين ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:"عليكم من الأعمال بما تطيقون فإن اللّه لا يمل حتى تملوا" وقد ذم اللّه تعالى قوما أكثروا العبادة ثم فرطوا فيها فقال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}

(2)

الآية

(3)

، أ. هـ.

وتقدم الكلام عليه مبسوطًا وفي آخره: "وإن لزورك عليه حقا" أي وإن لزوارك وأضيافك عليك حقًّا، يقال للزائر زور بفتح الزاي سواء فبه الواحد والجمع أ. هـ قاله الحافظ.

3905 -

وَعَن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنِّي مجهود فَأرْسل إِلَى بعض نِسَائِهِ فَقَالَت لا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاء ثمَّ أرسل إِلَى أُخْرَى فَقَالَت مثل ذَلِك حَتَّى قُلْنَ كلهنَّ مثل ذَلِك لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاء فَقَالَ من يضيف هَذَا اللَّيْلَة رحمه الله فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ أَنا يَا رَسُول اللّه فَانْطَلق بِهِ إِلَى رَحْله فَقَالَ لامْرَأَته هَل عنْدك

(1)

المصدر السابق (8/ 41).

(2)

سورة الحديد، الآية:27.

(3)

المصدر السابق (8/ 39 - 40).

ص: 623

شَيْء قَالَت لا إِلَّا قوت صبياني قَالَ فعلليهم بِشَيْء فَإِذا أَرَادوا الْعشَاء فنوميهم فَإِذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أَنا نَأْكُل وَفِي رِوَايَة فَإِذا أَهْوى ليَأْكُل فقومي إِلَى السراج حَتَّى تطفئيه قَالَ فقعدوا وَأكل الضَّيْف وباتا طاويين فَلَمَّا أصبح غَدا على رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ قد عجب اللّه من صنيعكما بضيفكما زَاد فِي رِوَايَة فَنزلت هَذِه الآيَة {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

(1)

رَوَاهُ مسلم وَغَيره

(2)

.

قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه: تقدمت ترجمته.

قوله: جاء رجل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود، الحديث، أي: أصابني الجهد بفتح الجيم وهو المشقة والحاجة وسوء العيش والجوع

(3)

.

قوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه المجهود أرسل إلى بعض نسائه فقالت: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك، فقال من يضيف هذا الليلة رحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول اللّه فانطلق به إلى رحله، الحديث، الرجل الذي أضاف هو أبو طلحة الأنصاري، وقد جاء مصرحا به في بعض طرق مسلم.

(1)

سورة الحشر، الآية:9.

(2)

أخرجه البخاري (4889)، ومسلم (172 و 173 - 2054)، والترمذى (3304)، وابن حبان (5286) و (7264). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

(3)

شرح النووي على مسلم (14/ 11).

ص: 624

وقوله: فانطلق به إلى رحله، أي: إلى منزله، ورحل الإنسان هو منزله سوءا كان من حجر أو مدر أو شعر أو وبر.

وقوله: فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء فإذا أرادوا العشاء فنوميهم، الحديث قال النووي

(1)

: وهذا محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الطعام حاجة ضرورة لأن العادة أن الصبي إذا كان شبعا يطلب الطعام إذا رأى من يأكله وإذا تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان من غير جوع يضرجهم فإنهم لو كانوا على حاجة بحيث يضرهم [فإنهم لو كانوا على حاجة] ترك الأكل لكان إطعامهم واجبا ويجب تقديمهم على الضيف، فإن قلت: نفقة الأطفال واجبة والضيافة لم تكن واجبة، قلت: لعل ذلك كان فاضلًا عن قدر ضرورتهم، وقد أثنى اللّه عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل وامرأته فدل على أنهما لم يتركا واجبا بل أحسنا وأجملا رضي الله عنهما وأما هو وامرأته فآثرا على أنفسهما برضاهما مع حاجتهما وخصاصتهما فمدحهما اللّه تعالى وأنزل فيهما:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

(2)

الآية، والخصاصة الحاجة والفقر وأصل الخصاصة الخلل.

قوله: في الرِّواية الأخري: "فقعدوا وأكل الضيف وباتوا طاويين" أي: جائعين والطوي ضمور البطن من الجوع قاله عياض

(3)

.

(1)

شرح النووي على مسلم (14/ 12).

(2)

سورة الحشر، الآية:9.

(3)

مشارق الأنوار (1/ 323).

ص: 625

وقوله: "قد عجب اللّه من صنيعكما بضيفكما" قال القاضي عياض

(1)

: المراد بالعجب من اللّه تعالى رضاه ذلك الشيء، وقيل: مجازاته بالثواب، وقيل: تعظيمة ذلك، قال: وقد يكون المراد عجبت ملائكة الله.

قال الخطابي

(2)

: ويحتمل أن يكون التعجب للملائكة لأن الإيثار على النفس نادر في العادات مستغرب في الطباع فعجب منه الملائكة وإضافته إليه سبحانه وتعالى تشريفا. قال الخطابي

(3)

: إطلاق العجب لا يجوز على اللّه تعالى وإنما معناه الرضى وحقيقته أن ذلك الصنيع منهما حل من الرضى عند اللّه والقبول له ومضاعفة الثواب عليه محل العجب عندكم في الشيء التافه إذا رفع فوق قدره [وأعطى به] الأضعاف من [قيمته] أ. هـ.

ففي هذا الحديث فضيلة الإيثار والحث عليه، وقد أجمع العُلماء على فضيلة الإيثار بالإطعام ونحوه من أمور الدنيا وحظوظ النفس، وأما القربات فالأفضل أن لا يؤثر بها لأن الحق فيها للّه تعالى

(4)

وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم من الحلم والأخلاق المرضية والمحاسن المرضية والصبر وكرم النفس فـ صلى الله عليه وسلم

(5)

، قال النووي

(6)

: هذا الحديث مشتمل على فوائد كثيرة منها ما كان

(1)

إكمال المعلم (6/ 543 - 544).

(2)

أعلام الحديث (3/ 1368) وكذلك قال النووي في شرح مسلم (14/ 13).

(3)

أعلام الحديث (3/ 1922).

(4)

شرح النووي على مسلم (14/ 12).

(5)

المصدر السابق (14/ 15).

(6)

المصدر السابق (14/ 12).

ص: 626

عليه صلى الله عليه وسلم وأهل بيته من الزهد في الدنيا والصبر على الجوع وضيق حال الدنيا، ومنها: أنه ينبغي لكثير القوم أن يبدأ في مواساة الضيف ومن يطرقهم بنفسه فيواسيه من ماله أو لا بما تيسر إن أمكنه ثم يطلب له على سبيل التعاون على البر والتقوى من أحصابه، ومنها: المواساة في حال الشدائد، ومنها: فضيلة إكرام الضيف وإيثاره، ومنها: منقبة لهذا الأنصاري وامرأته رضي الله عنها، ومنها: الاحتيال في إكرام الضيف إذا كان يمتنع منه رفقا بأهل المنزل لقوله: (أطفئ السراج وأريه أنا نأكل) فإنه لو رأى قلة الطعام وأنهما لا يأكلان لامتنع من الأكل.

قوله في الحديث: زاد في رواية فنزلت هذه الآية: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

(1)

الآية، والخصاصة الفاقة والحاجة وشح النفس [كثرة] طمعها وضبطها على المال والرغبة فيه وامتداد الأمل وهو خلق سوء

(2)

، قال ابن عطية

(3)

: أثنى اللّه تعالى على الأنصار بأنهم يحبون المهاجرين وبأنهم يؤثرون على أنفسهم وبأنهم قد وقوا شح أنفسهم لأن مقتضى قوله: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ}

(4)

الآية، أن هؤلاء الممدوحين قد وقوا الشح، قال حذيفة العدوي: طلبت يوم اليرموك ابن عم لي في الجرحي

(1)

سورة الحشر، الآية:9.

(2)

تفسير الثعالبى (5/ 410)، وتفسير ابن عطية (5/ 288).

(3)

تفسير ابن عطية (5/ 287 - 288).

(4)

سورة الحشر، الآية:9.

ص: 627

ومعي شيء من الماء فوجدته فقلت أسقيك فأشار نعم فسمع رجلًا يتأوه فأشار ابن عمي أن انطلق إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاصي فقلت أتشرب فقال نعم، فإذا آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات فعجبت من إيثارهم رحمهم الله وإيانا، وقال أبو زيد البسطامي: قدم علينا شاب من بلخ حاجا فقال لي ما حد الزهد عندكم فقلت إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ، قلت: فما الزهد عندكم؟ قال: إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا آثرنا.

فالإيثار ضد الشح فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه والشحيح حريص على ما ليس بيده، فإذا حصل بيده شح عليه وبخل بإخراجه فالبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إياكم والشح" الحديث، فالبخيل من أجاب داعي الشح والمؤثر من أجاب داعي الجود وكذلك السخاء عما في أيدي الناس هو السخاء وهو أفضل من سخاء البذل، قال عبد اللّه بن المبارك رضي الله عنه: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل وهذا المنزل هو منزل الجود والسخاء والإحسان وسمي بمنزل الإيثار لأنه أعلى منازله فإن المنازل ثلاثة إحداها: أن لا ينقصه البذل، ولا يصعب عليه. فهو منزلة السخاء، الثانية: أن يعطي الأكثر ويبقى له شيئًا أو يبقى مثل ما أعطى فهو الجود، الثالثة: أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه فهي مرتبة الإيثار وعكسها الأثرة وهي استئثاره

ص: 628

عن أخيه بما هو محتاج إليه وهي المرتبة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: "إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا" الحديث، والأنصار هم الذين وصفهم اللّه تعالى بالإيثار في قوله:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

(1)

فوصفهم اللّه تعالى بأعلى مراتب السخاء، وكان ذلك فيهم معروفا وكان قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما من الأجواد المعروفين. حتى أنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة. فسأل عنهم، فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى اللّه مالا يمثع الإخوان من الزيارة. ثم أمر مناديا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل. فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه، لكثرة من عاده، وقالوا له يومًا: هل رأيتُ أسخي منك؟ قال: نعم نزلنا بالبادية على امرأة فحضر زوجها. فقالت: إنه نزل بك ضيفان. فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم، فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها. فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير. فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت. فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر. وهو يفعل ذلك. فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه، ومضينا. فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا. قفوا أيها الركب اللئام. أعطيتموني ثمن قراي؟ ثم إنه لحقنا وقال: لتأخذنه أو لأطاعننكم برمحي فأخذناه وانصرف

(2)

.

(1)

سورة الحشر، الآية:9.

(2)

مدارج السالكين (7/ 17 - 19).

ص: 629

وقال عبد اللّه بن مسعود: والذي لا إله غيره ما من رجل من المهاجرين إلا وللأنصار عليهم شكر واللّه لقد ءاووا خائفنا وأطعموا جائعنا وكسوا عارينا ومرضوا مريضنا، ونظر عبد اللّه بن جعفر إلى غلام أسود قد أخرج قوتا كان يجري عليه في كلّ يوم فألقاه إلى كلب كان بحضرته فقال عبد اللّه: آثرت هذا الكلب قال: ما هي بأرض كلاب ولا شك أنه جاء من مسافة بعيدة فكرهت أن يرجع وهو جائع، قال: مما أنت بصانع اليوم قال: أطوني نهاري قال: فاشتري عبد اللّه الغلام فأعتقه

(1)

وفضائل الأجواد كثيرة لا تنحصر واللّه أعلم.

3906 -

وَعَن أبي شُرَيْح خويلد بن عَمْرو رضي الله عنه أَن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه جائزته يَوْم وَلَيْلَة والضيافة ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا كَانَ بعد ذَلِك فَهُوَ صَدَقَة وَلَا يحل لَهُ أَن يثوي عِنْده حَتَّى يُخرجهُ رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَة قَالَ التِّرْمِذِيّ وَمعنى لا يثوي لا يُقيم حَتَّى يشْتَد على صَاحب الْمنزل والحرج الضّيق انْتهى وَقَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ لا يحل للضيف أَن يُقيم عِنْده بعد ثَلَاثَة أَيَّام من غير استدعاء مِنْهُ حَتَّى يضيق صَدره فَيبْطل أجره انْتهى قَالَ الْحَافِظ وللعلماء فِي هَذَا الحَدِيث تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا أَنه يُعْطِيهِ مَا يجوز بِهِ ويكفيه فِي يَوْم وَلَيْلَة إِذا اجتاز بهِ وَثَلَاثَة أَيَّام إِذا قَصده وَالثَّاني يُعْطِيهِ مَا يَكْفِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَة يستقبلهما بعد ضيافته

(2)

.

(1)

إحياء علوم الدين (3/ 258).

(2)

أخرجه البخاري (6019) و (6135) و (6476)، ومسلم (77 - 48) و (14 و 15 و 16 - 48)، وأبو داود (3748)، والترمذى (1967) و (1968)، وابن ماجة (3672) و (3675).

ص: 630

قوله: وعن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي رضي الله عنه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة" قال الخطابي: جائزة الضيف يوم وليلة [معناه أنه يتكلف له إذا نزل به الضيف يومًا وليلة فيتحفه ويزيده في البر على ما يحضره في سائر الأيام وفي اليومين الآخرين يقدم له ما حضر، فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقه، فإن زاد عليه استوجب به أجر الصدقة

(1)

] وقيل: أي إذا اجتاز به وثلاثة أيام إذا قصده قاله عياض

(2)

وروي أبو داود أنه سئل مالك بن أنس عن قول النبي صلى الله عليه وسلم "جائزته يوم وليلة" فقال: يكرمه ويتحفه و [يخصه] يوم وليلة وثلاثة أيام ضيافة، وقال العُلماء: معنى الحديث: الاهتمام [بالضيف] اليوم والليلة و [بما يمكن] من بر، وإلطاف يعني إكرامه بتقديم طعام حسن إليه مؤكد في اليوم الأول وليلته وأما في اليوم الثاني والثالث [يقدم له ما كان بحضرته ولا يزيد] على عادته وأما ما كان بعد الثالث فهو صدقة ومعروف، إن شاء فعل وإن شاء ترك

(3)

.

[و "الجائزة"] العطية والمنحة والصلة وذلك لا يكون إلا مع الاختيار

(4)

والجائزة فاعلة من الجواز وهي العطاء [لأنه] حق جوازه عليهم وهي مشتقة من الجواز وقدر بيوم وليلة لأن عادة المسافرين ذلك فيعطي ما يجوز [به

(1)

أعلام الحديث (3/ 2172).

(2)

مشارق الأنوار (1/ 164).

(3)

معالم السنن (4/ 238).

(4)

شرح النووي على مسلم (2/ 18).

ص: 631

مسافة] يوم وليلة، وتسمى الجيزة وهي قدر ما يجوز ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل والمعنى أنه يحتفل له في اليوم الأول يقال احتفل إذا أحسن القيام بالأمر ومنه الحديث:"أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم" أي: أعطوهم الجيزة والجائزة العطية يقال أجازه يجيزه إذا أعطاه قال الجوهري

(1)

: يقال إن أصل الجائزة إن والي فارس مر به [الاحنف] في جيشه غازيا إلى خراسان فوقف لهم على قنطرة فقال أجيزوهم ويعطي كلّ واحد بقدر حبيبه، أ. هـ.

وقال الشيخ زين الدين بن رجب

(2)

: ففي ها الحديث أن جائزة الضيف يوم وليلة وأن الضيافة ثلاثة أيام ففرق بين الجائزة والضيافة وأكد الجائزة وكذا ورد في تأكيدها أحاديث من جملتها قال: "ليلة الضيف حق على كلّ مسلم" أ. هـ[هذا محل قوله سابقا، قال الخطابي: الخ] إكرام الضيف بشاشة الوجه، قال اللّه تعالى:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24)}

(3)

قيل: أكرمهم إبراهيم بتعجيل قراهم أي ضيافتهم والقيام بنفسه عليهم وطلاقه وجهه

(4)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه" الحديث، قال الحافظ نقلًا عن الترمذي: ومعنى يثوي عنده: لا يقيم حتى يشد على صاحب المنزل

(1)

الصحاح (3/ 871).

(2)

جامع العلوم والحكم (1/ 393).

(3)

سورة الذاريات، الآية:24.

(4)

تفسير البغوى (4/ 285).

ص: 632

والحرج الضيق انتهى وأصل الحرج الضيق ويقع على الإثم والحرام وقيل الحرج أضيق الضيق

(1)

أي يضيق صدره ومعناه أي يعرضه للإثم حتى يتكلم بما لا يجوز من سيء القول فيأثم، وقد جاء في الرِّواية الأخرى "حتى يؤثمه" كما سيأتي قاله عياض

(2)

وعند بعض رواة مسلم حتى يؤلمه باللام ومعناه [قريب من الأولي] لو صحت الرِّواية ولكن الأول المعروف في التفسير واللّه أعلم. وقال الخطابي

(3)

: معناه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد ثلاثة أيام من غير استدعاء منه حتى يضيق صدره فيبطل أجره، أ. هـ.

قال الحافظ رحمه الله: وفيه تأويلان للعلماء: أحدهما أنه يعطيه ما يجوز ويكفيه في يوم وليلة إذا اجاز به وثلاثة أيام إذا قصده، والثاني: يعطيه ما يكفيه يومًا وليلة ويستقبلهما بعد ضيافه، أ. هـ.

3907 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول للضيف على من نزل بِهِ من الْحق ثَلَاث فَمَا زَاد فَهُوَ صَدَقَة وعَلى الضَّيْف أَن يرتحل لا يؤثم أهل الْمنزل رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَرُوَاته ثِقَات سوى لَيْث بن أبي سليم

(4)

.

(1)

النهاية (1/ 361).

(2)

مشارق الأنوار (1/ 19).

(3)

معالم السنن (4/ 238).

(4)

أخرجه الطيالسي (2683)، ومسدد كما في المطالب (2388/ 2 و 3)، البخاري في التاريخ الكبير (3/ 367)، والبزار (9674)، وأبو يعلى (6134)، والدولابى في الكنى والأسماء (1853)، وأبو نعيم في الحلية (6/ 265). قال الهيثمي في المجمع 8/ 176: =

ص: 633

قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه: تقدم الكلام على ترجمته.

قوله صلى الله عليه وسلم: "للضيف على من نزل به من الحق ثلاث فما زاد فهو صدقة وعلى الضيف أن يرتحل لا يؤثم أهل المنزل" الحديث، وفي لفظ آخر:"ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه" الحديث، ويؤثمه بالتخفيف من أثمه بمعنى أثمه بالتشديد، ومعنى الحديث: لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث حتى يوقعه في الإثم لأنه قد يغتابه لطول مقامه أو يعرض له بما يؤذيه أو يظن به ما لا يجوز وقد قال اللّه تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}

(1)

وهذ كله محمول على ما إذا قام بعد الثلاث من غير استدعاء من الضيف فإن حبسه مطر أو علة أنفق من ماله على نفسه، أما إذا استدعاه وطلب زيادة إقامته أو علم أو ظن أنه لا يكره إقامته فلا بأس بالزيادة لأن النهي إنما كان لكونه يؤثمه، وقد زال هذا المعنى والحالة هذه فلو شك في حال المضيف هل يكره الزيادة ويلحقه بها حرج أملا لم يحل له الزيادة إلا بإذنه لظاهر الحديث، واللّه أعلم

(2)

، قاله شارح مشارق الأنوار.

واعلم أن الضيافة من آداب الإسلام وخلق النبيين والصالحين وأحاديث الباب متظاهرة على الْأَمر بالضيافة والإهتمام بها وعظيم موقعها، وقد أجمع المسلمون على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام ثم قال الشافعي ومالك

= رواه أبو يعلى والبزار، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2590).

(1)

سورة الحجرات، الآية:12.

(2)

شرح النووي على مسلم (12/ 31)، ومبارق الأزهار (1/ 487).

ص: 634

أبو حنيفة والجمهور هذه الأحاديث وأشباهها على استحبابها ومكارم الأخلاق وتأكد حق الضيف كحديث غسل الجمعة واجب على كلّ محتلم أي متأكد الاستحباب وقال الليث والإمام أحمد: هي واجبة يومًا وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن

(1)

، أ. هـ وقال القاضي عياض: واختلف هل الضيافة على الحاضر والبادي أو على البادي خاصة فذهب الشافعي ومحمد بن الحكم إلى أنها عليهما، وقال الإمام مالك وسحنون: إنما ذلك على أهل البوادي لأن المسافر يجد في الحضر المنازل في الفنادق ومواضع النزول وما يشتري في الأسواق، وقد جاء في حديث الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر ولكن هذا الحديث موضوع عند أهل المعرفة وقد تتعين الضيافة لمن اجتاز محتاجا وخيف عليه وعلى أهل الذمة إذا شرطت عليهم قاله النووي في شرح مسلم

(2)

.

3908 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ أَيّمَا ضيف نزل بِقوم فَأصْبح الضَّيْف محروما فَلهُ أَن يَأْخُذ بِقدر قراه وَلَا حرج عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد

(3)

.

(1)

المصدر السابق (12/ 30 - 31).

(2)

إكمال المعلم (1/ 276)، وشرح النووي على مسلم (2/ 18 - 19).

(3)

أخرجه أحمد 2/ 380 (8948)، والطحاوي في مشكل الآثار (2816) و (2817)، وفي معاني الآثار (6637 و 6632)، والطبرانى في الشاميين (2062)، والحاكم (4/ 147).

وصححه الحاكم. قال الهيثمي في المجمع 8/ 175: رواه أحمد، ورجاله ثقات.

وصححه الألباني في الصحيحة (640) وصحيح الترغيب (2591).

ص: 635

قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه" الحديث.

قوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله" الأكثرون على أن حق بمعنى المتأكد [الاستحباب] عليه، وفيه أحاديث كثيرة، وقد أجمع المسلمون على الضيافة أنها من متأكدات الإسلام قال في المفهم

(1)

: حتى أن من تركها [يذم] عرفا فنحن وإن لم نقل أنها واجبة شرعا فهي متعينة لما يحصل منها من المصالح ويندفع بها من المضار عادة وعرفا. فقوله: "ليلة الضيف حق" الحديث جعلها حقا من طريق المعروف والمروءة ولم يزل قرى الضيف من شيم الكرام ومنع القرى مذموم

(2)

ومنه الحديث أيما رجل أضاف قوما فأصبح محروما فإن نصره حق على كلّ مسلم، الحديث قال الخطابي

(3)

: يشبه أن يكون هذا في المضطر الذي يخاف على نفسه التلف ولا يجد ما يأكله فله أن يتناول من مال أخيه المسلم بقدر حاجته الضرورية وقد اختلف الفقهاء في حكم ما يأكله هل يلزمه في مقابلته شيء أم لا فقال بعضهم على الضمان وتقدم الكلام على ذلك في غير هذا الحديث، قال العُلماء: فله أن يأخذ بقدر قراه عوضا مما أحرموه من القرى وهذا في

(1)

المفهم (16/ 107 - 108).

(2)

معالم السنن (4/ 238).

(3)

المصدر السابق (4/ 239)، وعنه ابن الأثير في النهاية (1/ 414).

ص: 636

المضطر الذي لا يجد طعاما ويخاف على نفسه التلف

(1)

أ. هـ.

لطيفة: قال بعض العُلماء: لكل شيء زكاة وزكاة الدار بيت الضيافة

(2)

، أ. هـ.

3909 -

وَعَن أبي كَرِيمَة وَهُوَ الْمِقْدَام بن معديكرب الْكِنْدِيّ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم لَيْلَة الضَّيْف حق على كل مُسلم فَمن أصبح بفنائه فَهُوَ عَلَيْهِ دين إِن شَاءَ قضى وَإِن شَاءَ ترك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَة

(3)

.

وعن أبي كريمة هو المقدام بن معدي كرب الكندي، تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ليلة الضيف حق على كلّ مسلم" الحديث، قال الخطابي

(4)

: يشبه أن يكون هذا في المضطر الذي لا يجد ما يطعمه ويخاف التلف على نفسه من الجوع وإذا كان بهذه الصفة كان له أن يتناول من مال

(1)

معالم السنن (4/ 299).

(2)

روى هذا الكلام مرفوعًا: أخرجه السهمى في تاريخ جرجان (ص 404)، والخطيب في الجامع (1515)، وبيبى في جزئها (119)، والجورقانى في الأباطيل والمناكير (450 و 451 و 452). قَالَ النهرواني هَذَا حَدِيث مُنكر. قال الجورقانى: هذا حديث منكر، وعبد الله بن عبد القدوس، مجهول لا يعرف. وقال الذهبي في الميزان 1/ 119: قال النقاش - في الموضوعات له: وضعه أحمد أو شيخه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (318).

(3)

أخرجه أحمد 4/ 130 (17172) و (17173) و 4/ 132 (17195) و (17196) و 4/ 133 (17220)، وهناد في الزهد 2/ 512، والبخارى في الأدب المفرد (744)، وأبو داود (3750)، وابن ماجة (3677)، والطحاوى في مشكل الآثار (1839) و (2812 و 2813) ومعانى الآثار (6634 و 6635 و 6636). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2592)، الصحيحة (2204).

(4)

معالم السنن (4/ 239).

ص: 637

أخيه ما يقيم به نفسه وإذا فعل ذلك فقد اختلف الناس هل يلزمه له قيمة فذهب بعضهم إلى أنه يؤدي إليه قيمته وهذا يشبه مذهب الشافعي، وقال آخرون: لا يلزمه له قيمة وهذ إلى هذا القول نفر من أصحاب الحديث، واحتجوا بأن أبا بكر الصديق حلب لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم لبنا من غنم لرجل من قريش فيها عبد يرعاها وصاحبها غائب وشربه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وذلك في مخرجه من مكة إلى المدينة، واحتجوا أيضًا بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من دخل حائطا فليأكل منه ولا يتخذ خُبنة"

(1)

وعن الحسن أنه قال: إذا مر الرجل بالإبل وهو عطشان صاح برب الإبل ثلاثًا فإن أجابه وإلا حلب وشرب، وقال زيد بن أسلم: ذكروا الرجل يضطر إلى الميتة وإلى مال المسلم فقال: يأكل الميتة، وقال عبد اللّه بن دينار: يأمل مال المسلم، فقال سعيد أصبت إن الميتة تحل إذا اضطر إليها ولا يحل له مال المسلم، أ. هـ.

وعن عقبة بن عامر أنه قال: قلنا لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إنك تبعثنا - فننزل بقوم فلا يقرونا فما ترى في لك فقال لنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوه وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" رواه الجماعة إلا النسائي ورواه البخاري ومسلم وغيرهم هذا

(1)

أخرجه الترمذي (1287) والعلل (339)، وابن ماجة (2301). قال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: يحيى بن سليم يروي أحاديث عن عبيد اللّه يهم فيها.

وكأنه لم يعرف هذا إلا من حديث يحيى بن سليم. وقال في السنن: حديث ابن عمر حديث غريب، لا نعرفه من هذا الوجه إلا من حديث يحيى بن سليم. وحسنه الألباني في المشكاة (2954).

ص: 638

الحديث

(1)

، حمله الليث والإمام أحمد على ظاهره وتأوله الجمهور على أوجه، أحدها: أنه محمول على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة فإذا لم يضيفوهم فلهم أن يأخذوا حاجتهم من مال الممتنعين، والثاني: أن المراد أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم وتذكروا للناس لؤمهم وبخلهم والعيب عليهم وذمهم، والثالت: أن هذا كان في أول الإسلام وكانت المواساة واجبة فلما اتسع الإسلام نسخ ذلك، هكذا حكاه القاضي عياض

(2)

، قال النووي

(3)

: هذا تأويل ضعيف أو باطل الذي ادعاه قائله [لا يعرف والرابع:] أنه محمول على من [مر بأهل الذمة] الذين شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين وهو أيضًا ضعيف إنما صار هذا في زمن عمر رضي الله عنه، وقد رأى مالك سقوط ما وجب عليهم من ذلك لما أحدّث عليهم من الظلم

(4)

، أ. هـ

وقال في موضع آخر: وأما المواساة فهي واجبة إذا أدى الحال إلى موت المحتاج أو إضاعته لم ينسخ أبدًا وقد صرح في المفهم بالوجوب إلى يوم القيامة مهما نزل حاجة أو مجاعة في السفر أو في الحضر

(5)

أما إذا لم يصل

(1)

أخرجه البخاري (2461) و (6137)، ومسلم (17 - 1727)، وأبو داود (3752)، والترمذى (1589)، وابن ماجة (3676).

(2)

إكمال المعلم (6/ 23).

(3)

شرح النووي على مسلم (12/ 32).

(4)

المفهم (16/ 110).

(5)

المصدر السابق (16/ 111).

ص: 639

إلى هذه الحال فنص النووي على استحبابها واللّه أعلم

(1)

.

3910 -

وَعنهُ رضي الله عنه عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ أَيّمَا رجل أضَاف قوما فَأصْبح الضَّيْف محروما فإن نَصره حق على كلّ مُسلم حَتَّى يَأْخُذ بقرى ليلته من زرعه وَمَاله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد

(2)

.

قوله: وعنه رضي الله عنه تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما رجل استضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره حق على كلّ مسلم حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله" الحديث، تقدم الكلام عليه.

3911 -

وَعَن التلب رضي الله عنه: قالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول الضِّيَافَة ثَلَاثَة أيَّام حق لازم فَمَا كَانَ بعد ذَلِك فصدقة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد فِيهِ نظر

(3)

.

(1)

شرح النووي على مسلم (12/ 33).

(2)

أخرجه الطيالسي (1245)، وأحمد 4/ 131 (17178) و 4/ 133 (17197) و (17198)، وأبو داود (3751)، والدارمي (2199)، والنسائي في الإغراب (222)، والحاكم (4/ 132). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: منكر الضعيفة (6881) وضعيف الترغيب (1536).

(3)

أخرجه الحربى في إكرام الضيف (123)، والرويانى (1461)، وابن قانع في معجم الصحابة (1/ 112)، والطبراني في الأوسط (3/ 97 رقم 2604) والكبير (2/ 63 رقم 1297)، وأبو نعيم في المعرفة (1318 و 1319). وقال الهيثمي في المجمع 8/ 176: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه من لم أعرفه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2593).

ص: 640

قوله: وعن التلب رضي الله عنه[هو التلب بن ثعلبة بن ربيعة بن عطية بن الأخيف وهو مجفر بن كعب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مر التميمي العنبري، نسبه كذلك خليفة بن خياط، سكن البصرة، يكنى أبا الملقام. روى عنه ابنه ملقام ابن التلب

(1)

].

قوله صلى الله عليه وسلم: "الضيافة ثلاثة أيام حق لازم" الحديث، تقدم الكلام عليه.

3912 -

وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم من كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ رجل وَمَا كرَامَة الضَّيْف يَا رَسُول اللّه قَالَ ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا زَاد بعد ذَلِك فَهُوَ صَدَقَة رَوَاهُ أَحْمد مطولا مُخْتَصرا بأسانيد أَحدهَا صَحِيح وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى

(2)

.

قوله: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

(1)

الاستيعاب (1/ الترجمة 241)، وأسد الغابة (1/ 509)، وتهذيب الكمال (4/ 797)، والإصابة (1/ ترجمة 831).

(2)

أخرجه عبد الرزاق في جامع معمر (20528) ومن طريقه أحمد في المسند (3/ 37 رقم 11325)، وعبد بن حميد (870)، والبيهقى في الكبرى (9/ 331 رقم 18691)، وأحمد 3/ 8 (11045) و 3/ 21 (11159) و 3/ 64 (11615) و 3/ 76 (11726) و 3/ 86 (11812)، والحارث بن أبي أسامة (922/ بغية الباحث)، والبزار كما في كشف الأستار (1931 و 1932)، وأبو يعلى (1244) و (1287)، وابن حبان (5281)، وأبو نعيم في الحلية (3/ 99) و (6/ 203 - 204). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد إلا حمَّاد بن سلمة.

وقال الهيثمي في المجمع 8/ 176: رواه أحمد مطولا هكذا ومختصرا بأسانيد، وأبو يعلى والبزار، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح. وصححه الألبانى في صحيح الترغيب (2594).

ص: 641

قوله: قال رجل: وما كرامة الضيف يا رسول اللّه؟ قال: "ثلاثة أيام فما زاد بعد ذلك فهو صدقة" تقدم الكلام على ذلك.

3913 -

وَعَن عبد اللّه يَعْنِي ابْن مَسْعُود رضي الله عنه عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا زَاد فَهُوَ صَدَقَة وكل مَعْرُوف صَدَقَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته ثِقَات

(1)

.

قوله: وعن عبد اللّه يعني ابن مسعود رضي الله عنه تقدمت ترجمته.

قوله صلى الله عليه وسلم: "الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة" تقدم الكلام على ذلك.

3914 -

وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم من أَقامَ الصَّلاة وَآتى الزَّكَاة وَصَامَ رَمَضَان وقرى الضَّيْف دخل الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير

(2)

.

قوله: وعن ابن عباس رضي الله عنهما، تقدم.

(1)

أخرجه البزار (1589). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى من حديث مسلم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه، إلا من حديث عبد ربه، ولم نسمعه إلا من إسحاق. وقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (4/ 107 - 108): تفرد به أبو نبهان عن مسلم الأعور عن إبراهيم ولم يروه غير إسحاق بن بهلول عن أبيه عنه. وقال الهيثمي في المجمع 8/ 176: رواه البزار، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2595).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده؛ كما في المطالب العالية (307) وإتحاف الخيرة (1/ 411 رقم 750)، والحربى في إكرام الضيف (50) والطبراني في الكبير (12/ 36 رقم 12692)، وابن عدي في الكامل (2/ 415)، وأبو الشيخ في طبقات المحدّثين بأصبهان (3/ 304 - 305)، وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين (23). وقال الهيثمي في المجمع 1/ 45 - 46: رواه الطبراني في الكبير، وفي إسناده حبيب بن حبيب أخو حمزة بن حبيب الزيات، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (459) و (1537).

ص: 642

قوله صلى الله عليه وسلم: "من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وقرى الضيف دخل الجنة" الحديث.

قوله: "فما يقرونا؟ " بفتح الياء يقال قريت الضيف أقر به قري بكسر القاف والقصر وقرى بالفتح والمد أحسنت إليه واللّه أعلم.

3915 -

وَرُوِيَ عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم الْمَلَائِكَة تصلي على أحدكُم مَا دَامَت مائدته مَوْضُوعَة رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ

(1)

.

قوله: وعن عائشة رضي الله عنها، تقدمت ترجمتها.

قوله: "الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة" تقدم الكلام على الصلاة من الملائكة أنها الاستغفار وتقدم الكلام أيضًا على الأصبهاني، وقال أنس بن مالك: كلّ بيت لا يدخله ضيف لا تدخله الملائكة

(2)

.

(1)

أخرجه إسحاق (1025) ومن طريقه البيهقى في الشعب (12/ 141 رقم 9179)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (138)، والطبراني في الأوسط (1/ 308 رقم 1035) و (5/ 80 - 81 رقم 4729) ومكارم الأخلاق (160)، والسلمى في الأربعون (29)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (2036). قال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: مندل بن علي. وقال العراقى في تخريج الإحياء (440): أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة بسند ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع 5/ 24: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مندل بن علي، وهو ضعيف جدًّا، وقد وثق. وضعفه الألباني في الضعيفة (5272) و (7107) وضعيف الترغيب (1538).

(2)

إحياء علوم الدين (2/ 13).

ص: 643

تتمة: قال في الإحياء

(1)

: من آداب الضيافة أن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم لأنهم يستحيون بل ينبغي أن يكون آخرهم أكلا؛ كان بعض الكرام يخير القوم بجميع الألوان ويتركهم يستوفون فإذا قاربوا الفراغ جثى على ركبتيه ومد يده إلى الطعام وأمل وقال بسم اللّه ساعدوني بارك اللّه عليكم وكان السلف يستحسنون منه ذلك، وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "إذا وضعت المائدة فلا يقوم رجل حتى ترفع المائدة ولا يرفع يده وإن شبع حتى يفرغ القوم وليعذر فإذا ذلك الرحل يخجل جليسه فيقبض يده وعسى أن يكون له في الطعام حاجة" انفرد به ابن ماجه

(2)

قاله في الديباجة.

3916 -

وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم الْخَيْر أسْرع إِلَى الْبَيْت الَّذِي يُؤْكَل فِيهِ من الشَّفْرَة إِلَى سَنَام الْبَعِير رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا من حَدِيث أنس وَغَيره قَالَ الْحَافِظ وَتقدم بَاب فِي إطْعَام الطَّعَام وَفِيه غير مَا حَدِيث يَلِيق بِهَذَا الْبَاب لم نعد مِنْهَا شَيْئا

(3)

.

(1)

المصدر السابق (2/ 17).

(2)

أخرجه ابن ماجه (3295)، وأبو بكر الزبيرى في الفوائد (89)، وابن حبان في المجروحين (2/ 156)، وأبو نعيم في الحلية (2/ 74)، والبيهقى في الشعب (8/ 46 - 47 رقم 5478). وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (238)، المشكاة (4254/ التحقيق الثاني).

(3)

أخرجه ابن ماجه (3357)، والطبراني في الكبير (12/ 116 رقم 12638) عن ابن عباس. وقال البوصيرى في الزجاجة 4/ 33: هذا إسناد ضعيف. وضعفه الألباني في المشكاة (4265/ التحقيق الثاني)، وضعيف الترغيب (1539). وأخرجه ابن ماجه (3356)، وابن أبي الدنيا في قرى الضيف (46)، والطبراني في الأوسط (3/ 288 - 289 رقم 3174)، والبيهقى في الشعب (12/ 140 رقم 9177). وقال البوصيرى في الزجاجة =

ص: 644

قوله: وعن ابن عباس رضي الله عنهما، تقدم.

قوله: "الخير أسرع إلى البيت الذي يؤكل فيه من الشفرة إلى سنام البعير" الحديث، هي السكين، وسميت شفرة لأنها [

]

(1)

وسنام البعير هو أعلاه.

3917 -

وَعَن شهَاب بن عباد أَنه سمع بعض وَفد عبد الْقَيْس وهم يَقُولُونَ قدمنَا على رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَاشْتَدَّ فَرَحهمْ فَلَمَّا انتهينا إِلَى الْقَوْم أوسعوا لنا فَقَعَدْنَا فَرَحَّبَ بِنَا النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ودعا لنا ثمَّ نظر إِلَيْنَا فَقَالَ من سيدكم وزعيمكم فأشرنا جَمِيعًا إِلَى الْمُنْذر بن عَائِذ فَقَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَهَذا الأشَج فَكَانَ أول يَوْم وضع عَلَيْهِ الاسْم لضربة كَانَت بِوَجْهِهِ بحافر حمَار قُلْنَا نعم يَا رَسُول اللّه فَتخلف بعد الْقَوْم فعقل رواحلهم وَضم مَتَاعهمْ ثمَّ أخرج عيبته فَألْقى عَنهُ ثِيَاب السّفر وَلبس من صَالح ثِيَابه ثمَّ أقبل إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَقد بسط النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم رجله واتكأ فَلَمَّا دنا مِنْهُ الأشَج أوسع الْقَوْم لَهُ وَقَالُوا هَهُنَا يَا أشج فَقَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم واستوى قَاعِدا وَقبض رجله هَهُنَا يَا أشج فَقعدَ عَن يَمِين رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَرَحَّبَ بِهِ وألطفه وَسَأَلَهُ عَن بِلَادهمْ وسمى لَهُم قَرْيَة قَرْيَة الصَّفَا والمشقر وَغير ذَلِك من قرى هجر فَقَالَ بِأبي وَأمي يَا رَسُول اللّه لأَنْت أعلم بأسماء قرانا منا فَقَالَ إِنِّي وطِئت بِلادكُمْ وفسح لي فِيهَا قَالَ ثمَّ أقبل على الأَنْصَار فَقَالَ يَا معشر الْأَنْصَار أكْرمُوا إخْوَانكُمْ فَإِنَّهُم أشباهكم فِي الإِسْلَام أشبه

= 4/ 33: هذا إسناد ضعيف لضعف كثير وجبارة. وضعفه الألباني في المشكاة (4260/ التحقيق الثاني)، وضعيف الترغيب (1540).

(1)

بياض بالأصل.

ص: 645

شَيْء بكم أشعارا وأبشارا أَسْلمُوا طائعين غير مكرهين وَلَا موتورين إِذْ أَبى قوم أَن يسلمُوا حَتَّى قتلوا قَالَ فَلَمَّا أَصْبحُوا قَالَ كيفَ رَأَيْتُمْ كَرَامَة إخْوَانكُمْ لكم وضيافتهم إيَّاكُمْ قَالُوا خير إخْوَان ألانوا فرشنا وأطابوا مطعمنا وَبَاتُوا وَأَصْبحُوا يعلمونا كتاب رَبنَا تبارك وتعالى وَسنة نَبينَا صلى الله عليه وسلم فأعجب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَفَرح وَهَذَا الحَدِيث بِطُولِهِ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح العيبة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت بعْدهَا بَاء مُوَحدَة هِيَ مَا يَجْعَل الْمُسَافِر فِيهِ الثِّيَاب

(1)

.

قوله: وعن شهاب بن عباد [هو شهاب بن عباد العبدي العصري البصري والد هود بن شهاب روى عن: أبيه عباد العصري، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وعن بعض وفد عبد القيس قصة وفادتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"

(2)

].

قوله: أنه سمع بعض وفد عبد القيس وهم يقولون قدمنا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاشتد فرحهم بنا، الحديث، الوفد: جمع وافد مثل صاحب وصحب وراكب وركب، والوافد هو الذي يرد على السلطان رسولا هذا أصله، وقال صاحب التحرير: الوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي

(1)

أخرجه أحمد 3/ 432 - 433 (15559) و 4/ 203 - 207 (17831)، والبخاري في الأدب المفرد (1198). قال الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 177 - 178: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وضعفه اللبانى في ضعيف الترغيب (1541).

(2)

تهذيب الكمال (12/ الترجمة 2778)، وتهذيب التهذيب: 4/ 368.

ص: 646

العظماء والمصير إليهم في المهمات واحدهم وافد

(1)

، أ. هـ.

وقال صاحب المغيث

(2)

: والوفد هم القوم يجتمعون فيردون البلاد وفي حديث آخر: "وفد اللّه ثلاثة" وفي حديث الشهداء: "فإذا قتل فهو وافد لسبعين يشفع لهم" قال عبد الغافر: أي وارد على هؤلاء، أ. هـ.

قوله: عبد القيس، وعبد القيس هو ابن أقصى يعني بفتح الهمزة وبالقاف وبالصاد المهملة المفتوحة وعبد القيس من ربيعة وهي قبيلة عظيمة من قبائل العرب، قال صاحب التحرير: وكان سبب وفودهم أن منقذ بن حيان أحد بني غنم بن وديعة كان متجره إلى يثرب في الجاهلية فشخص أي سافر إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها فبينا منقذ بن حيان قاعدا إذ مر به النبي صلى الله عليه وسلم فنهض منقذ إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمنقذ بن حيان: "كيف جميع هاتيك وقومك" ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم بأسمائهم فأسلم منقذ وتعلم سورة الفاتحة و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)}

(3)

ثم رحل قبل هجر فكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جماعة عبد القيس كتابا فذهب وكتمه أياما ثم اطلعت عليه امرأته وهي بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة بن الحارث العصري بفتح العين والصاد المهملتين هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله ابن عبد البر والأكثرون أو الكثيرون، وقال الكلبي: اسمه المنذر بن الحارث بن زيادة بن عصر بن عوف وقيل: عائذ بن المنذر وقيل: المنذر بن الحارث وقيل: غير ذلك، والمنذر هو

(1)

شرح النووي على مسلم (1/ 181).

(2)

المجموع المغيث (3/ 438).

(3)

سورة العلق، الآية:1.

ص: 647

الإشج وكان منقذ رضي الله عنه يصلي ويقرأ فأنكرت امرأته ذلك فذكرته لأبيها المنذر فقالت أنكرت بعلي منذ قدم من يثرب أنه يغسل أطرافه ويستقبل الجحفة يعني القبلة، فيحني ظهره ويضع جبينه مرة، ذلك ديدنه منذ قدم فتلاقيا فتحاربا ذلك فوقع الإسلام في قلبه ثم سار الأشج إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم وأجمعوا على السير إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم

(1)

، أ. هـ قال بعض العُلماء: وكانوا أربعة عشر راكبا فسار الوفد فلما دنوا من المدينة قال النبي صلى الله عليه وسلم لجلسائه: أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج العصري وهو رئيسهم غير ناكثين ولا مبدلين ولا مرتابين إذا لم يسلم قوم حتى وتر

(2)

، أ. هـ.

قوله: فرحب بنا النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لنا، الحديث، وفي لفظ آخر فقال: مرحبا بالقوم وهو منصوب على المصدر استعملته العرب وأكثرت يريدون به البر وحسن اللقاء ومعناه صادفت رحبًا وسعة

(3)

.

قوله: "وسمى لهم قرية المشقر وقرية الصفا وغير ذلك من قرى هجر" الحديث، وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قريت الماء في الحوض إذا جمعته قاله في شرح المشارق

(4)

.

3918 -

وَعَن حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ دخل عَلَيْهِ قوم يعودونه فِي مرض لَهُ فَقَالَ يَا جَارِيَة هَلُمِّي لِأَصْحَابِنَا وَلَو كسرا فَإِنِّي سَمِعت

(1)

شرح النووي على مسلم (1/ 181).

(2)

المصدر السابق.

(3)

شرح النووي على مسلم (1/ 187).

(4)

مشارق الأنوار (2/ 181)، ومطالع الأنوار (5/ 346)، والمفهم (11/ 62).

ص: 648

رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول مَكَارِم الأخْلَاق من أَعمال الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِى فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد

(1)

.

وقوله: وعن حميد الطويل [هو أبو عبيدة، وقيل: أبو عبيد حميد بن أبي حميد، واسم أبي حميد تيرويه، وقيل: تير، وقيل: ذا ذويه، وقيل: طرخان، وقيل: مهران، ويقال: عبد الرحمن، ويقال: داود، وهو تابعى بصري، سمع أنس بن مالك، وسمع جماعات من التابعين. روى عنه يحيى الأنصارى التابعي، وعبيد اللّه العمري، ومالك، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وهشيم، والحمادان، وابن المبارك، وابن علية، ويحيى القطَّان، وخلائق، قيل: إنه كان قصيرا، طويل اليدين، فقيل: حميد الطويل، قيل: كان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه رأسه والأخرى رجليه. قال البخاري: قال الأصمعى: رأيتُ حميدا لم يكن طويلا، لكن طويل اليدين، وهو مولى طلحة الطلحات الخزاعي، وقيل: كان في جيرانه رجل يقال له: حميد القصير، فقيل له: حميد الطويل؛ ليتميز. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة

(2)

].

قوله: فقال يا جارية هلمي لأصحابنا ولو كسرا، الحديث، هلمي معناه [تعال. وفيه لغتان: فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والجميع، والاثنين والمؤنث بلفظ واحد مبني على الفتح. وبنو تميم تثني وتجمع وتؤنث،

(1)

أخرجه الطبرانى في الأوسط (6/ 313 رقم 6501). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن حميد إلا يحيى بن أيوب، ولا عن يحيى إلا طلق بن السمح، تفرد به عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم. وقال الهيثمي في المجمع 8/ 177: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (1542) والضعيفة (1280).

(2)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 170 ترجمة 134).

ص: 649

فتقول: هلم وهلمي وهلما وهلموا

(1)

].

تتمة: روى الحاكم عن شقيق بن سلمة قال: دخلت أنا وصاحب لي على سلمان فقرب إلينا خبزا وملحا، وقال: لولا أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن التكلف لتكلفت لكم، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر فبعث بمطهرته برهنها وجاء بصعتر فلما أكلتا قال صاحبي: الحمد للّه الذي قنعنا بما رزقنا فقال سلمان لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة عند البقال ثم قال صحيح، ثم روى عن سلمان قال: نهانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نتكلف للضيف

(2)

، أ. هـ.

3919 -

وَعَن عقبَة بن عَامر رضي الله عنه عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا خير فِيمَن لَا يضيف رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح خلا ابْن لَهِيعَة

(3)

.

(1)

النهاية (5/ 272).

(2)

أخرجه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثالث 3/ 190 (4436)، وابن أبي الدنيا في الجوع (264)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (5/ 526 رقم 5178)، وأبو عبد اللّه العطار في جزئه (61)، والطبراني في الأوسط (6/ 104 رقم 5935) والكبير (6/ 235 رقم 6083 و 6085)، وأبو الطاهر الذهلى (162)، والسهمى في تاريخ جرجان (ص 162)، والحاكم (4/ 123)، والبيهقى في الشعب (12/ 127 رقم 9153)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (2031). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع 8/ 179: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن منصور الطوسي، وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (2392) والإرواء (1957).

(3)

أخرجه أحمد 4/ 155 (17419)، والحربى في إكرام الضيف (54)، والرويانى (176)، والخرائطى في المكارم (325)، والبيهقى في الشعب (12/ 120 - 121 رقم 9142). وقال الهيثمي في المجمع 8/ 175: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير ابن لهيعة، وحديثه حسن. وصححه الألباني في الصحيحة (2434) وضعفه في ضعيف الترغيب (1543).

ص: 650

قوله: وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "لا خير فيمن لا يضيف" تقدم الكلام على الضيافة.

خاتمة: قال الهيثم خرجت في سفر على ناقة فأمسيت عند خيمة أعرابي فنزلت فقالت الخباء: من أنت، فقلت: ضيف، قالت: وما يصنع الضيف عندنا إن الصحراء الواسعة ثم قامت إلى بر فطحنته ثم عجنته وخبزته ثم فعدت تأكل فأكلت فلم تلبث أن جاء زوجها [ومعه لبن، فسلم] ثم قال: من الرجل؟ قلت: ضيف، فقال: أهلا.

وسهلا حياك اللّه وملأ قعبا من لبن وسقاني ثم قال: ما أراك أكلت شيئًا وما أراها أطعمتك؟ فقلت: لا واللّه فدخل عليها مغضبا وقال: ويلك أكلت وتركت الضيف قالت: وما أصنع به أطعمه طعامي وجاراها الكلام حتى شجها ثم أخذ شفرة وخرج إلى ناقتب فنحرها فقلت: ما صنعت عافاك اللّه، فقال: لا واللّه لا يبيت ضيفي جائعا ثم جمع حطبا وأجج نارا وأقبل يكبب ويطعمني ويأكل ويلقي إليها ويقول: كلّ لا أطعمك اللّه حتى إذا أصبح تركني ومضى فقعدت مغموما لما تغالي النهار أقبل ومعه بعير ما يسئم الناظر أن ينظر إليه وقال: هذا مكان ناقتك ثم زودني من ذلك اللحم ومما حضره وخرجت من عنده فمضى الليل إلى خيمة أعرابي فسلمت فردت صاحبة الخباء على السَّلام وقالت: من الرجل، قلت: ضيف، فقالت: مرحبا بك حياك اللّه وعافاك فنزلت ثم عمدت إلى بر فطحنته وعجنته ثم خبزت ثم روت ذلك بالزبد واللبن ووضعته بين يدي وقال: كلّ وأعذر فلم ألبث أن

ص: 651

أقبل أعرابي كريه الوجه فسلم فرددت عليه السلام فقال: من الرجل؟ قلت: ضيف، قال: وما يصنع الضيف عندنا ثم دخل إلى أهله وقال: أين طعامي قال: أطعمته الضيق فقال: أتطعمين طعامي الأضياف ثم تكالما فضربها فشجها، فجعلت أضحك فخرج إليّ وقال: ما يضحكك فأخبرته بقصة الرجل والمرأة اللذين نزلت عندهما قبله فأقبل على وقال: إن هذه التي عندي أخت ذلك الرجل وتلك التي عنده أختي فنمت ليلتي متعجبا

(1)

، أ. هـ.

(1)

حياة الحيوان (1/ 336).

ص: 652