المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترهيب من تركهما والمداهنة فيهما] - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ١٠

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌[ترغيب الإمام وغيره من ولاة الأمور في اتخاذ وزير صالح وبطانة حسنة]

- ‌[الترهيب من شهادة الزور]

- ‌[كتاب الحدود وغيرها]

- ‌[الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترهيب من تركهما والمداهنة فيهما]

- ‌[الترهيب من أن يأمر بمعروف وينهى عن منكر ويخالف قوله فعله]

- ‌[الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه وتتبع عورته]

- ‌[الترهيب من مواقعة الحدود وانتهاك المحارم]

- ‌[الترغيب في إقامة الحدود والترهيب من المداهنة فيها]

- ‌[الترهيب من شرب الخمر وبيعها وشرائها وعصرها وحملها وأكل ثمنها والتشديد في ذلك والترغيب في تركه والتوبة منه]

- ‌[الترهيب من الزنا سيما بحليلة الجار والمغيبة والترغيب في حفظ الفرج]

- ‌فصل

- ‌[الترهيب من اللواط وإتيان البهيمة والمرأة في دبرها سواء كانت زوجته أو أجنبية]

- ‌[الترهيب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق]

- ‌[الترهيب من قتل الإنسان نفسه]

- ‌[الترهيب أنه يحضر الإنسان قتل إنسان ظلما أو ضربه وما جاء فيمن جرد ظهر مسلم بغير حق]

- ‌[الترغيب في العفو عن القاتل والجاني والظالم والترهيب من إظهار الشماتة بالمسلم]

- ‌[الترهيب من ارتكاب الصغائر والمحقرات من الذنوب والإصرار على شيء منها]

- ‌[كتاب البر والصلة وغيرهما]

- ‌[الترغيب في بر الوالدين وصلتهما وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما وبر أصدقائهما من بعدهما]

- ‌[الترهيب من عقوق الوالدين]

- ‌[الترغيب في صلة الرحم وإن قطعت والترهيب من قطعها]

- ‌[الترغيب في كفالة اليتيم ورحمته والنفقة عليه والسعي على الأرملة والمسكين]

- ‌[الترهيب من أذى الجار وما جاء في تأكيد حقه]

- ‌[الترغيب زيارة الإخوان والصالحين وما جاء في إكراه الزائرين]

- ‌[الترغيب في الضيافة وإكراه الضيف وتأكيد حقه وترهيب الضيف أن يقيم حتى يؤثم أهل المنزل]

- ‌[الترهيب أن يحقر المرء ما قدم إليه، ويحتقر ما عنده أن يقدمه للضيف]

- ‌[الترغيب في الزرع وغرس الأشجار المثمرة]

- ‌[الترهيب من البخل والشح والترغيب في الجود والسخاء]

- ‌[الترهيب من عود الإنسان في هبته]

- ‌[الترغيب في قضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم وما جاء فيمن شفع فأهدي إليه]

- ‌فصل

- ‌[كتاب الأدب وغيره

- ‌الترغيب في الحياء وما جاء في فضله والترهيب من الفحش والبذاء]

الفصل: ‌[الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترهيب من تركهما والمداهنة فيهما]

[كتاب الحدود وغيرها]

[الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترهيب من تركهما والمداهنة فيهما]

3476 -

عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ من رأى مِنْكُم مُنْكرا فَغَيره بِيَدِهِ فقد برئ وَمن لم يسْتَطع أَن يُغَيِّرهُ بِيَدِهِ فَغَيره بِلِسَانِهِ فقد برئ وَمن لم يسْتَطع أَن يُغَيِّرهُ بِلِسَانِهِ فَغَيره بِقَلْبِه فقد برئ وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان

(1)

.

قوله: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه واسمه: سعد بن مالك تقدمت ترجمته.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" الحديث.

فقوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده" المنكر ما لا يجوز في الشرع، والمنكر ضد المعروف وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر والمعروف خلافه

(2)

.

(1)

أخرجه مسلم (78 و 79 - 49)، وابن ماجه (1275) و (4013)، وأبو داود (1140) و (4340)، والترمذي (2172)، والنسائي في المجتبى 7/ 539 (5052) و 7/ 540 (5053)، وأبو عوانة (166)، وابن حبان (306) و (307).

(2)

النهاية (5/ 115)، وعمدة القارى (13/ 12) و (15/ 166).

ص: 23

وقال بعضهم أيضًا: المنكر ما كان مستقبحًا عقلًا أو شرعًا، والمعروف ما كان مستحسنًا عقلًا أو شرعًا

(1)

.

وقوله: "من رأى منكم منكرا فليغيره" هو خطاب للأمة جميعا حاضرها حينئذ بمشافهته بالأمر وغائبها ممن يأتي لقوله عليه الصلاة والسلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو لأن الحاضر يضمن الغائب

(2)

.

وقوله: "رأى" يحتمل أنه من رؤية العين ثم يقاس عليه ما علمه وما لم يره فيجب تغيره مع القدرة لأن المقصود دفع مفسدة المنكر ولا فرق بين ما ابصره أو علمه ولم يره ويحتمل أن رأى من رؤية القلب أي من عمل منكم منكرا فليغيره فهو أعم مما أبصره أو علمه وهو أشبه في النظر وإن كانت لفظ رأى ظاهرا في الإبصار، أ. هـ قاله الطوفي

(3)

.

وأما صفة النهي ومراتبه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه معناه فليكرهه بقلبه وليس ذلك بإزالة وتغير منه للمنكر لكنه هو الذي في وسعه فالإنكار بالقلب هو كراهة تلك المعصية وبغضها فإن كان المنكر مما يغير باليد بادر إلى تغييره كإخراجه من المسجد إذا كان جنبًا أو قد أكل بصلا أو ثوما أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة يتأذي بها الإنسان، ففي صحيح

(1)

تفسير الزمخشرى (1/ 472)، وتفسير النسفى (1/ 331) وتفسير النيسابورى (2/ 352).

(2)

التعيين في شرح الأربعين (ص 287).

(3)

المصدر السابق (ص 287 - 288).

ص: 24

مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وجد من الرجل في المسجد ريح البصل أو الثوم أمر به فأخرج إلى البقيع

(1)

وان لم يخرج إلا بجره فليجره بيده ونحوها دون ذقنه وشعر رأسه وإن أمكنه أن لا يباشر شيئًا من ذلك بيده ويوليه غيره فليفعل وقال بعض أهل العلم: إنكار باليد للأمراء وباللسان للعلماء وبالقلب للفقراء، أ. هـ رواه النسائي ولفظه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فغيره بيده فقد برء" الحديث، أي فقد برئ من الإثم بإنكاره، وفيه الدليل الواضح على أن من استطاع الإنكار فلم ينكر أنه غير برئ من الإثم بل هو شريك فيه وفيه التصريح الشافي بأن من أنكر بلسانه فلم يرجع إليه مع إمكان إنكاره باليد لا يسقط عنه الإثم وإنما يسقط عنه الإثم إذا لم يستطع الإنكار باليد وفيه أنه لا يقتصر على الإنكار بالقلب إلا من ضعف إيمانه سواء استطاع الإنكار باليد واللسان أو لم يستطع إلا أنه عند عدم الاستطاعة يسقط عنه الإثم وإن كان ضعيف الإيمان قاله ابن النحاس في تنبيهه

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "وذلك أضعف الإيمان" معناه والله أعلم أي أضعف أفعال أهل الإيمان وهذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان فدل على أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان كان أفضل ممن تركها عجزا عنها ويدل على ذلك أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم في حق النساء: "أما نقصان دينها فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي شيئًا إلى أيام الحيض" مع أنها

(1)

أخرجه مسلم (78 - 567) عن عمر بن الخطاب.

(2)

تنبيه الغافلين (ص 26)

ص: 25

ممنوعة عن الصلاة حينئذ وقد جعل ذلك نقصا في دينها فدل على أن من قدر على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه وإن كان معذورا في تركه والله أعلم قاله ابن رجب الحنبلي

(1)

.

فائدة: روي عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أمر بمعروف أو نهى عن منكر فهو خليفة الله وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفة كتابه" ذكره القرطبي في تفسيره

(2)

.

قوله: في الحديث: "من رأى منكم منكرًا فليغيره" وهذا أمر إيجاب بإجماع الأمة وهو أيضًا من النصيحة الواجبة التي هي الدين وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة والإجماع ولم يخالف في ذلك إلا الرافضة ولم يعتد بخلافهم

(3)

، فالأمر بالمعروف والنهي

(1)

جامع العلوم والحكم (3/ 959 - 960).

(2)

التفسير (4/ 47). والحديث رواه علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية ثنا بقية ابن الوليد الحمصي عن حسان بن سليمان عن أبي نضرة عن الحسن كما في تخريج الكشاف (1/ 213) للزيلعى. وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (245) من طريق بقية بن الوليد، عن عبد الله بن نعيم المعافري، قال: سمعت المشيخة فذكره. وأخرجه ابن عدى في الكامل (7/ 230) عن عبادة. وقال ابن عدى: ولكادح غير ما أمليت أحاديث وأحاديثه عامة ما يرويه غير محفوظة، ولا يتابع عليه في أسانيده، ولا في متونه ويشبه حديثه حديث الصالحين فإن أحاديثهم يقع فيها ما لا يتابعهم عليه أحد. وأخرجه النسفى في القند (1/ 362) من طريق بقية بن الوليد، عن أبي المتوكل القشيري، عن حميد، عن أنس. وإنما هو متوكل بن يحيى القشيرى ومنهم من قال أبو المتوكل القتسرينى الشامى. وحميد هو ابن العلاء وكلاهما مجهول. والحديث ضعفه الألباني في الضعيفة (4840).

(3)

شرح النووي على مسلم (2/ 21).

ص: 26

عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين وإذا تركه الجميع أثم كل من يمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم أنه قد يتعين كما إذا كان بموضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته سواه وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين وما على الرسول إلا البلاغ، ومثل العلماء هذا بمن يرى إنسانا في الحمام أو غيره مكشوف العورة أو بعضها أو نحو ذلك، قال العلماء: ولا يشترط في الأمر ولا في الثاني أن يكون كامل الحال ممتثلا لما أمر به مجتنبا لما نهي عنه بل عليه الأمر وإن كان مخللا بأن يأمر به أو كان متلبسا بما ينهي عنه فإنه يجب عليه شيئان أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك ثابت لأحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين لهم وترك توبيخهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية ثم إنه لا يأمر ولا ينهى من كان عالما بما يأمر به وينهي عنه وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها وإن كان دقائق الأقوال والأفعال ومما يتعلق بالاجتهاد ولم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكار بل ذلك للعلماء ولا ينكر إلا ما أجمع عليه لا ما

ص: 27

اختلف فيه لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق به ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب فقد قال الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سار فقد نصحه ومن وعظه علانية فقد فضحه، وكأنه مما يتساهل أكثر الناس فيه من هذا الباب ما إذا رأى إنسانا يبيع متاعا معيبا أو نحوه وأنهم لا ينكرون ذلك ولا يعلمون المشتري بعيبه وهذا خطأ ظاهر، وقد نص العلماء على أنه يحب على من علم ذلك أن ينكر على البائع وأن يعلم المشتري وأما صفة النهي ومراتبه قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح:"فليغيره بيده" الحديث، فهذه صفة النهي ومراتبه والإنكار بالقلب هو كراهته لأنه الذي في وسعه وكان أضعف الإيمان لقلة ثمرته فحق عليه أن يغير بكل ما يمكنه قولا كان أو فعلا

(1)

، أ. هـ

قال القاضي: هذا الحد [يث أصل في صفة] التغيير فحق على أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولا أو فعلا فيكسر آلات الباطل ويريق المكسر بنفسه أو يأمر من يفعله وينزع المغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو يأمره إذا أمكنه [ويرفق] في التغيير جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف شره إذ ذاك أدعى إلى قبول قوله كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى [ويغلظ] على المتمادي في غيه والمسرف في بطالته وليس من الأمر بالمعروف البحث والتجسس واقتحام الدور بالظنون،

(1)

شرح النووي على مسلم (2/ 22 - 25).

ص: 28

بل إن عثر على منكر غيره جهده، وقال الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات

(1)

، أ. هـ.

وقال الماوردي

(2)

في الروضة: ولا يكفي الوعظ لمن أمكنه أن يغير بيده ولا كراهة القلب لمن قدر على النهي باللسان، وأما قوله تعالى:{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}

(3)

فليس مخالفا لما ذكرنا لأن المذهب الصحيح في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به وأمرتم بالمعروف ثم عجزتم عن إزالة المنكر فلا يضركم ضلالهم وهذا مثل قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}

(4)

(5)

.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم" أي من أنكر بقدر استطاعته سلم من الإثم ومن لم يستطع إنكارًا أو كره تلك المعصية بقلبه فقد برئ من الإثم، قاله الحافظ الدمياطي.

3477 -

وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت رضي الله عنه قَالَ بَايعنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على السّمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر والمنشط وَالْمكْره وعَلى أَثَرَة علينا وَأَن لَا ننازع الْأَمر أَهله إِلَّا أَن تروا كفرا بواحا عنْدكُمْ من الله فِيهِ برهَان وعَلى أَن نقُول بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَاف فِي الله لومة لائم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم

(6)

.

(1)

المصدر السابق (2/ 25 - 26).

(2)

كذا هو بالأصل وإنما هو كلام النووي.

(3)

سورة المائدة، الآية:105.

(4)

سورة الأنعام، الآية:164.

(5)

روضة الطالبين (10/ 220) وشرح مسلم (2/ 22) للنووى.

(6)

أخرجه البخاري (7055 و 7056)، ومسلم (41 و 42 - 1709)، وابن ماجه (2866)، =

ص: 29

قوله: وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان" الحديث، المراد بالمبايعة المعاهدة وهي مأخوذة من البيع لأن كل واحد من المتبايعين كان يمد يده إلى صاحبه وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم الله تعالى من عظيم الجزاء، قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}

(1)

الآية

(2)

.

قوله: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، يعني: المحبوب والمكروه وهما مصدران

(3)

، وفي لفظ:"في الحزن والسهل"

(4)

والحزن هو الذي فيه عنف وغلظ، والسهل هو الذي فيه رفق ولين والله أعلم

(5)

، وقيل

(6)

: المنشط مفعل من النشاط وهو الأمر الذين ينشط له ويخف إليه ويؤثر فعله وهو مصدر معنى النشاط.

= والنسائي في المجتبى 6/ 595 (4187) و 6/ 596 (4188) و (4189) و 6/ 597 (4190) و 6/ 598 (4191) و (4192)، وابن حبان (4562) و (4566).

(1)

سورة التوبة، الآية:111.

(2)

إكمال المعلم (6/ 247 - 248)، وشرح النووي على مسلم (12/ 229 - 230).

(3)

النهاية (4/ 169)، وكشف المناهج (3/ 267).

(4)

لم أعثر على هذه الرواية.

(5)

كشف المناهج (1/ 110).

(6)

النهاية (5/ 57)، وعمدة القارى (24/ 403).

ص: 30

قوله: "وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله" الأثرة بفتح الهمزة والثاء المثلثة على مثال شجرة، ويقال: بضم الهمزة وإسكان الثاء، وبكسر الهمزة وإسكان الثاء على مثال غرفة وعلى مثال مرية ثلاث لغات حكاهن في المشارق وغيره

(1)

وهو استيثار الأمراء بأموال بيت المال

(2)

، وقال النووي: وهو الاستيثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم

(3)

، قال الأزهري: وهو الاستيثار أي يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل عليكم غيركم نفسه ولا يجعل لكم في الأمر نصيب

(4)

. اهـ. ومعنى الحديث: أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال سببها اجتماع كلمة المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم

(5)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا أن تروا كفرا بواحا" هكذا هو في معظم الروايات وفي معظم النسخ بواحا بالواو، وفي بعضها براحا بالراء والباء مفتوحة فيهما ومعناهما كفرا ظاهر والمراد بالكفر هنا المعاصي

(6)

.

(1)

مشارق الأنوار (1/ 18)، ومطالع الأنوار (1/ 194) شرح النووي على مسلم (12/ 225).

(2)

شرح النووي على مسلم (12/ 232).

(3)

شرح النووي على مسلم (12/ 225)

(4)

تفسير الخازن (4/ 371)، والتوضيح (15/ 383)، وفتح الباري (1/ 75).

(5)

شرح النووي على مسلم (12/ 225).

(6)

المصدر السابق (12/ 228 - 229).

ص: 31

رواية أكثر الشيوخ هنا بالواو وعند أبي جعفر وبعضهم براحا بالراء وهو بمعنى الأول أي بينا ظاهر مشتهرًا والمعنى جهارًا، وقال عياض: أي بيانًا لا تأويل فيه ولا خفاء به ومن رواه بواحا بالواو فهو من باح بالشيء إذا أظهره أي ظاهرا معناه لا عن ظن ولا إلزام

(1)

، أ. هـ والمراد بالكفر هنا المعصية لقوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}

(2)

وكقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارًا"

(3)

أي عصاة وقيل لابسي السلاح، وقيل: من الكفر على الحقيقة أي لا يكفر بعضهم بعضًا

(4)

، وفي الحديث أن الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم على بعض بالسيوف فأنزل الله عز وجل:{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ}

(5)

وليس المراد به الكفر بالله، وفي الحديث أيضًا:"من أيضًا: "من أتى حائضا فقد كفر ومن أتى امرأة في دبرها فقد كفر"

(6)

.

وفيه أيضًا "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"

(7)

، ومعنى: "عندكم من الله

(1)

إكمال المعلم (6/ 246 - 247)، وتحفة الأبرار (2/ 544).

(2)

سورة المائدة، الآية:44.

(3)

أخرجه: البخاري (4402)، ومسلم (119 و 120 - 16) عن ابن عمر.

(4)

مشارق الأنوار (1/ 344 - 345)، وشرح النووي على مسلم (2/ 55).

(5)

سورة آل عمران، الآية:101.

(6)

أخرجه ابن ماجه (639)، وأبو داود (3904)، والترمذي (135)، والنسائي في الكبرى (8967) و (8968) عن أبي هريرة. وصححه الألباني في صَحِيح الْجَامِع: 5939، الصَّحِيحَة: 3387، صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب:3044.

(7)

أخرجه البخاري (48) و (6044) و (7076)، ومسلم (116 و 117 - 64) عن ابن مسعود.

ص: 32

الله فيه برهان" أي تعلمونه من دين الله تعالى، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمر في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم

(1)

.

قوله: "اسمعوا وأطيعوا" قال العلماء: يجب طاعة الأمراء فيما يشق وتكرهه النفوس مما ليس بمعصية فإن كان معصية فلا سمع ولا طاعة

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" معناه: نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان الكبار والصغار لا نداهن فيه أحدا ولا نخافه ولا نلتفت إلى لائميه، ففيه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجمع العلماء على أنه فرض كفاية فإن خاف من ذلك على نفسه أو ماله أو غيره سقط الإنكار بيده ولسانه ووجب كراهته بقلبه وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير وحكى القاضي عياض عنا عن بعضهم أنه ذهب إلى الإنكار مطلقا في هذه الحالة وغيرها قاله النووي في شرح مسلم

(3)

.

3478 -

وَعَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على كل ميسم من الْإِنْسَان صَلَاة كل يَوْم فَقَالَ رجل من الْقَوْم هَذَا من أَشد مَا أنبأتنا بِهِ قَالَ أَمرك

(1)

شرح النووي على مسلم (12/ 229).

(2)

شرح النووي على مسلم (12/ 224).

(3)

شرح النووي على مسلم (12/ 230).

ص: 33

بِالْمَعْرُوفِ ونهيك عَن الْمُنكر صَلاة وحملك عَن الضَّعِيف صَلَاة وإنحاؤك القذى عَن الطَّرِيق صَلَاة وكل خطْوَة تخطوها إِلَى الصَّلَاة صَلَاة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه

(1)

.

قوله: وعن ابن عباس رضي الله عنهما، تقدم الكلام على ابن عباس.

قوله صلى الله عليه وسلم: "على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم" الحديث، الميسم العلامة وتقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق.

3479 -

وَعَن أبي ذَر رضي الله عنه أَن أُنَاسًا قَالُوا يَا رَسُول الله ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ يصلونَ كمَا نصلي وَيَصُومُونَ كمَا نَصُوم وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُول أَمْوَالهم قَالَ أَو لَيْسَ قد جعل الله لكم مَا تصدقُونَ بِهِ إِن بِكُل تَسْبِيحَة صَدَقَة وَبِكُل تَكْبِيرَة صَدَقَة وَبِكُل تَحْمِيدَة صَدَقَة وَبِكُل تَهْلِيلَة صَدَقَة وَأمر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة وَنهي عَن مُنكر صَدَقَة رَوَاهُ مسلم وَغَيره

(2)

.

(1)

أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (806)، والبزار كما في الكشف (926)، وأبو يعلى (2434)، وابن خزيمة (1497)، والطبراني في الكبير (11/ 296 رقم 11791). قال البزار: لا نعلمه، عن ابن عباس إلا عن سماك، عن عكرمة عنه.

وقال الهيثمي في المجمع 3/ 104: رواه أبو يعلى، والبزار، والطبراني في الكبير، والأوسط، والصغير بنحوه، وزاد فيها:"ويجزي من ذلك كله ركعتا الضحى". ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (1076)، وضعيف الترغيب (1076) و (1386) و (1764).

(2)

أخرجه مسلم (53 - 1006)، وابن ماجه (927)، وابن حبان (838) و (3377). ولم يدرج المصنف تحته شرحًا.

ص: 34

3480 -

وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ فضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان أَو أَمِير جَائِر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كلهم عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب

(1)

.

قوله: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر" الحديث، ففي هذا الحديث والأحاديث بعده دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الجهاد المفترض على المسلمين وأنه في الأئمة الجائرين والأمراء الظالمين أفضل أنواعه لأنه يعرض نفسه فيه للقتل ويجود بها لله تعالى

(2)

، ولهذا جاء في المستدرك من حديث جابر عن النبي قال:"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"

(3)

وخرج البزار

(1)

أخرجه الحميدي (769)، وأحمد 3/ 19 (11312) و 3/ 61 (11765)، وعبد بن حميد (864)، وابن ماجه (4011)، وأبو داود (4344)، والترمذي (2174)، وأبو يعلى (1101)، والحاكم في المستدرك (4/ 505 - 506). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه ابن جدعان، صالح الحديث. وصححه الألباني في الصحيحة (491) وصحيح الترغيب (2305)، والمشكاة (3705 - 3706)، والروض النضير (909).

(2)

تنبيه الغافلين (ص 28).

(3)

أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 119 - 120) و (3/ 195)، والطبراني في الأوسط (1/ 501 - 502 رقم 922)، والخطيب في تاريخ بغداد (6/ 377). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه حفيد الصفار، لا يدرى من هو؟ قال الهيثمي في المجمع (9/ 268): فيه حكيم بن زيد، قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله وثقوا. وصححه الألباني في الصحيحة (374) وصحيح الترغيب (2308).

ص: 35

عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله عز وجل قال: "رجل قام إلى وال جار فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله"

(1)

.

قال الشيخ شهاب الدين بن النحاس، قلت: وإنما كان أكرم الشهداء لأن الشرط في الشهيد في سبيل الله أن يبذل نفسه لتكون كلمة الله هي العليا وهذا قد بذل نفسه لذلك غير أن الأول قد شفي نفسه ببسط يده إلى العدو فقتل عزيزا وهذا قد تعرض للقتل مع كف يده فقتل ذليلا فجازاه الله تعالى على ذله فيه بإكرامه له هذا ما يظهر والله أعلم أ. هـ

(2)

.

وقال الخطابي

(3)

: إنما صار هذا أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو وكان مترددا بين رجاء وخوف لا يدرني هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمر بالمعروف فقد تعرض للتلف [وأهدف] نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف.

لطيفة: اتفق الشيخ نور الدين البكري على بن يعقوب [بن جبريل] وكان ورعا علامة صالحا نظارا متصوفا نظارا أوصي إليه ابن الرفعة أن يكمل ما

(1)

أخرجه البزار (1285)، والطبراني في الشاميين (3541). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، عن أبي عبيدة، ولا نعلم له طريقا، عن أبي عبيدة غير هذا الطريق، ولم أسمع أحدا سمى أبا الحسن الذي روى عنه محمد بن حمير. وقال الهيثمي في المجمع 7/ 272: رواه البزار، وفيه ممن لم أعرفه اثنان.

(2)

تنبيه الغافلين (ص 28 - 29).

(3)

معالم السنن (4/ 350).

ص: 36

بقي من شرحه على الوسيط وهو من صلاة الجمعة إلى البيع لما علمه من أهليته لذلك دون غيره فلم يتفق له ذلك لما غلب عليه من التخلي والانقطاع غالبا بالأعمال الجيزية بسبب ما اتفق له مع الملك الناصر محمد بن قلاوون أنه دخل عليه فقال له قال رسول الله: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" وأنت جائر ظالم لم تفعل كذا وكذا، فأمر السلطان بقطع رأسه فحصل للشيخ جزع، فشفع فيه الحاضرون، فقال السلطان: والله ما أردت بهذا القول إلا تجربته هل هو مخلص في أمره ثم رسم أن لا يقيم بالقاهرة ولا بمصر فأقام بالجيزة إلى أن مات سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ومن شعره:

كن يا علي على الطريق الأقوم

وأذعن بخلاف الأنام وسلم

ودع النفس والعوى عنك بمعزل

والوجه منك أقم لدين قيم

(1)

3481 -

وَعَن أبي عبد الله طَارق بن شهَاب البَجلِيّ الأحمسي أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقد وضع رجله فِي الغرز أَي الْجِهَاد أفضل قَالَ كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح

(2)

الغرز بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة

(1)

شذرات الذهب (6/ 64)، الدرر الكامنة (3/ 214 - 215)، وحسن المحاضرة (1/ 423 - 424).

(2)

أخرجه أحمد 4/ 314 (19130) و 4/ 315 (19132)، والنسائي في المجتبى 6/ 637 (4247)، وفي الكبرى (7786)، والدولابي في الكنى والأسماء (427)، والبيهقي في الشعب (10/ 68 رقم 7175). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2306)، الصحيحة (491)، المشكاة (3705).

ص: 37

وَسُكُون الرَّاء بعدهمَا زَاي هُوَ ركاب كور الْجمل إِذا كَانَ من جلد أَو خشب وَقيل لَا يخْتَص بهما.

قوله: وعن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي

(1)

، هو: أبو عبد الله طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة الكوفي البجلي الأحمسي بالحاء والسين المهملتين منسوب إلى أحمس بن الغوث بن أنمار أدرك الجاهلية وصحب النبي صلى الله عليه وسلم وغزا في زمن أبي بكر وعمر ثلاثًا وثلاثين أو ثلاثًا وأربعين غزوة روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة وروى عنه جماعة من التابعين سكن الكوفة وتوفي سنة ثلاث وثمانين وتقدم الكلام عليه مبسوطًا.

قوله: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز، فذكر الحديث، الغرز ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: لا يختص بهما وقيل هما للكور مطلقا مثل الركاب للسرج

(2)

.

3482 -

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: "عَرَضَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أيُّ الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سألهُ، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجلهُ في الغَرْزِ ليركب. قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: كلمة حق تُقالُ عند ذي سُلطان جائرٍ" رواه ابن ماجه بإسناد صحيح

(3)

.

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 251 ترجمة 268).

(2)

مجمل اللغة (1/ 693)، ومشارق الأنوار (2/ 131)، والنهاية (3/ 359).

(3)

أخرجه أحمد 5/ 251 (22588) و (22637) و 5/ 256 (22735)، والفاكهى في أخبار مكة (2641)، وابن ماجه (4012)، والرويانى (2/ 270 و 272)، والطبراني في الأوسط =

ص: 38

قوله: وعن أبي أمامة يعني الباهلي، تقدم الكلام عليه.

قوله: عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى، فذكر الحديث إلى أن قال فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب، الحديث، جمرة العقبة هي حد منى من الغرب وليست من منى وهي التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار عندها على الإسلام والهجرة، قال الشافعي رحمه الله: الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى فمن رمى في المجتمع اجزأه أو رمى في السائل فلا ذكره النووي في تحريره

(1)

.

3483 -

وَعَن جَابر رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ سيد الشُّهَدَاء حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَرجل قَامَ إلَى إِمَام جَائِر فَأمره وَنَهَاهُ فَقتله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد

(2)

.

قوله: وعن حذيفة، تقدم الكلام عليه.

= (2/ 166 رقم 1596) و (7/ 52 رقم 6824)، والكبير (8/ 282 رقم 8081)، والبغوى في الجعديات (3326)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (1010)، والبيهقي في الشعب (10/ 67 رقم 7174)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (2186).

وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (2307) والصحيحة (491)، والروض النضير (909).

(1)

المجموع شرح المهذب (8/ 176)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص 156).

(2)

أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 119 - 120) و (3/ 195)، والطبراني في الأوسط (1/ 501 - 502 رقم 922)، والخطيب في تاريخ بغداد (6/ 377). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه حفيد الصفار، لا يدرى من هو؟ قال الهيثمي في المجمع (9/ 268): فيه حكيم بن زيد، قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله وثقوا. وصححه الألباني في الصحيحة (374) وصحيح الترغيب (2308).

ص: 39

قوله: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه" فيه الترغيب في الإقدام على القتل والتعرض له وهو أمر مندوب إليه كما تقدم لكنه إذا خاف شيئًا من ذلك وغلب على ظنه وقوعه سقط عنه الوجوب ونقل الاستحباب وهي رتبة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، ولا ينالها إلا من جاد بنفسه لله الكريم وقد اختار جماعة من السلف العزلة والانفراد خوفا من عجزهم عن تغيير ما يشاهدونه من المنكرات في الخلطة

(1)

.

وقد روى عن أبي بكر الصديق حديث غريب وهو أنه قال: يا رسول هل من جهاد غير قتال المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم يا أبا بكر إن لله عز وجل مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء أحياء يرزقون يمشون على الأرض يباهي الله بهم ملائكة السماء وتزين لهم الجنة" فقال أبو بكر رضي الله عنه: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمتحابون في الله والمبغضون في الله" ثم قال: "والذي نفسي بيده إن العبد منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء للغرفة منها ثلاث مائة باب منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور وإن الرجل منهم ليتزوج ثلاثمائة حوراء قاصرات الطرف عين كلما التفت إلى واحدة منهن لينظر إليها فتقول له أتذكر يوم كذا أمرت بمعروف ونهيت عن منكر، كلما التفت إلى واحدة منهن ذكرت له كل مقام أمر فيه بالمعروف أو نهي فيه عن المنكر"

(2)

، أ. هـ فدلت الآيات والأخبار على فضل الأمر

(1)

تنبيه الغافلين (ص 107).

(2)

قال العراقى في تخريج الإحياء (ص 786): لم أقف له على أصل، وهو منكر.

ص: 40

بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى محله وعلى الترغيب في القيام به وعلى شرف أهله وعلى أنه واجب على كل مسلم استطاع سواء كان الآمر رجلًا أو امرأة أو عبدا كما عليه إجماع الأمة ولذلك كان السلف رضي الله عنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم ذكره ابن النحاس في تنبيهه

(1)

.

3484 -

وَعَن النُّعْمَان بن بشير رضي الله عنهما عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ مثل الْقَائِم فِي حُدُود الله وَالْوَاقِع فِيهَا كَمثل قوم استهموا على سفينة فَصَارَ بَعضهم أَعْلَاهَا وَبَعْضهمْ أَسْفَلهَا فَكَانَ الَّذين فِي أَسْفَلهَا إِذا استقوا من المَاء مروا على من فَوْقهم فَقَالُوا لَو أَنا خرقنا فِي نصيبنا خرقا وَلم نؤذ من فَوْقنَا فَإِن تركوهم وَمَا أَرَادوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِن أخذُوا على أَيْديهم نَجوا ونجوا جَمِيعًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ

(2)

.

قوله: وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها" الحديث.

قوله: "القائم في حدود الله" هو القائم في إزالتها ودفعها وإنكارها

(3)

.

قوله: "مثل قوم استهموا" أي: اتخذ كل واحد منهم سهما، أي: نصيبا من السفينة بالقرعة

(4)

.

(1)

تنبيه الغافلين (ص 28 - 29).

(2)

أخرجه البخاري (2493) و (2686)، والترمذي (2173)، وابن حبان (297 و 298 و 301).

(3)

رياض الصالحين (ص 83).

(4)

اللامع الصبيح (7/ 511).

ص: 41

قوله: "فكان الذين في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها" يمر بالماء أي بالبول والغائط في أعلاها ليطرحها على البحر فيؤذيهم به

(1)

.

قوله: "وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا" يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عنهما يريد أن يفعله كأنك أمسكت يده قاله ابن الأثير

(2)

.

أي منعوهم من الخرق نجي الآخذون ونجى المأخوذون وهكذا إن أقيم الحدود فتحصل النجاة للكل وإلا هلك العاصي بالمعصية وغيرهم بترك الإقامة وفيه تعذيب العامة بذنوب الخاصة واستحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه أنه يجب على الجار أن يصبر على شيء من أذى جاره خوف ما هو أشد منه قاله الكرماني

(3)

. ومعنى الحديث: أن القوم إذا كان فيهم من يأتي المنكر فتركوه مع ما أراد هلك وهلكوا جميعا وإذا أقاموا العدل ونهوا عن الفساد خلصوا وخلص المفسدون فالهلاك هو السكوت والمداهنة والنجاة في الدنيا والآخرة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فانظر كيف كان الأخذ على أيدي المفسدين والإنكار عليهم ومنعهم ما أراده سببًا لنجاتهم أجمعين وقس على هذا فإنما ضرب الله ورسوله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون

(4)

.

(1)

شرح المصابيح (5/ 364).

(2)

النهاية (1/ 28).

(3)

الكواكب الدرارى (11/ 59).

(4)

تنبيه الغافلين (ص 23).

ص: 42

واعلم أن في تمثيل النبي صلى الله عليه وسلم هذا في الحديث جملة من الفوائد منها أن المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة كاشتراك أهل الدنيا في السفينة التي آلة النجاة في الدنيا وكما أن سكوت شركاء السفينة عن السفينة الذي أراد فسادها سبب هلاكهم في الدنيا كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة بل وفي الدنيا كما في الأحاديث.

ومنها أنه كما لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد إنما أفسد فيما يخصني كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر إنما أجنى على ديني لا على دينكم وعليكم أنفسكم ولي عملي ولكم عملكم ونحو هذا الكلام فيما يجري على ألسنة الجاهلين لأن شؤم فعله وسوء عاقبة فساده يشملهم أجمعين.

ومنها أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من خرقها كان سببا لنجاة أهل السفينة كلهم كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائما بفرض الكفاية عنهم وكان سببا لنجاة المسلمين جميعا من الإثم وله عند الله الأجر الجزيل على ذلك. ومنها: أنه إذا أنكر منكر من أهل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها فاعترض عليه معترض منهم نسب ذلك المعترض إلى الحمق وقلة العقل والجهل بعواقب هذا الفعل إذ المنكر ساع في نجاة المعترض وغيره فذلك كذلك لا يعترض على منكر المنكر إلا من عظم حمقه وقل عقله وجهل عواقب المعصية وشؤمها إذا المنكر قائم

ص: 43

بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره وهو ساع لسبب نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج.

ومنها: أن من سكت عن خرق الشريك للسفينة مع استطاعته حتى غرقت أثم فيما نزل به ومات عاصيا بإهلاك نفسه.

ومنها: أن شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياه في الهلاك سواء ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره ولا الصالح منهم من الطالح كذا إذا سكت الناس عن تغيير المنكر عمهم العذاب ولم يتميز بين مرتكب الإثم وغيره ولا بين الصالح منهم وغيره.

ومنها: أنه لا يقدم أحد من الشركاء على خرق السفينة إلا من هو أحمق يستحسن ما هو في الحقيقة قبيح ويجهل عاقبة فعله الشنيع كذلك لا يقدم على المعصية إلا من استحسنها لنفسه وجهل ما فيها من عظيم الإثم وأليم العقاب إذ لو علم حق العلم أنه يفعل في دينه بمعصيته من الفساد ما يفعله خارق السفينة فيها لما قدم على المعصية أبدا.

ومنها: أنه لا يقدم على خرق السفينة إلا من آمن يقينا ما في خرقها من هلاكه إذ لا يقدم على هلاك نفسه إلا من جهل أو شك فيه، كذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وعيد الله له وأليم عذابه على الزنا ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وهذه قريبة من التي قبلها والله أعلم

(1)

، أ. هـ.

(1)

تنبيه الغافلين (ص 88 - 89).

ص: 44

3485 -

وَعَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمة قبلي إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بسنته ويقتدون بأَمْره ثمَّ إِنَّهَا تخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَا لَا يؤمرون فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل رَوَاهُ مُسلم الْحوَاري هُوَ النَّاصِر للرجل والمختص بِهِ والمعين والمصافي

(1)

.

قوله: وعن ابن مسعود رضي الله عنه: تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره" أي: ما من رسول من الرسل المتقدمة ويعني بذلك غالب الرسل لا كلهم بدليل الحديث الآخر "يأتي النبي ومعه الرجل والرجلان ويأتي النبي وليس معه أحد" فهذا العموم وإن كان مؤكدا بمن بعد النفي فهذا مخصص بما ذكرناه

(2)

، أ. هـ. الحواري: هو الناصر للرجل والمختص به والمعين والمصافي، أ. هـ قاله المنذري.

وقال الأزهري وغيره: الحواريون هم أصفياء الأنبياء وقيل هم أنصارهم وقيل هم المجاهدون وقيل الحواري المخلص في حب نبيه الخالص من كل عيب وحواري الدقيق النقي الذي تنخل، وقال ابن الأنباري: هم المختصون المفضلون وقيل غير ذلك

(3)

.

(1)

أخرجه مسلم (80 - 50)، وابن حبان (177) و (6193).

(2)

المفهم (2/ 1).

(3)

إكمال المعلم (1/ 291)، والنهاية (1/ 458)، وشرح النووي على مسلم (2/ 28).

ص: 45

قوله: "يأخذون بسنته ويقتدون بأمره" والسنة هي الطريقة والسيرة.

قوله: "ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون" الحديث.

قوله: "ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف" الرواية "إنها" بهاء التأنيث وهي عائدة إلى الأمة أو الطائفة، ويحتمل الضمير في أنها هو الذي تسميه النحويون ضمير الشأن والقصة ومعنى تخلف تحدث وهي بضم اللام وأما الخلوف بضم الخاء فهو جمع خلف بفتح الخاء وسكون اللام وهو القرن بعد القرن واللاحق بعد الأسبق وقيل هو الخالف بشر ومنه قوله تعالى:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}

(1)

وأما الخلف بفتح اللام فهو الخالف بخير وهذا هو الأشهر وجوز بعضهم في كل واحد منهم الفتح والإسكان

(2)

، أ. هـ.

يقال خلف فلان فلانا إذا كان خليفته وأخلفه أي جاء بعده ومنه سمي الخليفة لأنه يخلف غيره ويقوم مقامه قاله عياض

(3)

، والمراد به ها هنا الخلف بعد السلف والخلوف الحضور والمتخلفون وذكر في النهاية الخلف بالتحريك والسكون كل من يجيء بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالسكون في الشر كما تقدم ومن السكون حديث ابن مسعود ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف انتهى

(4)

.

(1)

سورة الأعراف، الآية:169.

(2)

شرح النووي على مسلم (2/ 28).

(3)

مشارق الأنوار (1/ 238).

(4)

النهاية (2/ 65 - 66).

ص: 46

فاختر يا هذا لنفسك إما أن تكون خلف الحواريين والأنبياء فتكون رفيقهم في دار القرار أو خلف الفاسقين والأشقياء فترد معهم دار البوار إذ الساكت عن المنكر مع إمكان الإنكار شريك في الاسم يرد مع شريكه النار، قاله ابن النحاس في تنبيهه

(1)

.

قوله: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" الحديث، معناه: أن أدنى مراتب أهل الإيمان أن تضطرب قلوبهم لظهور المنكر ويكون منه (في جهد) وعناء حتى لا يستقر ولا ينقطع النزاع عنها، فإن استقرت على ذلك وانقطع عنها النزاع الذي هو حق الإيمان وسمة المؤمنين فسمتهم أذنت بأنها خالية عن القوى الإيمانية عرية عن الصفات النورانية

(2)

.

ففي هذا الحديث الحث البالغ على اتباع السنة والتمسك بها والنهي العظيم عن مخالفة القول العمل لما فيه من الجرأة على المخالفة مع العلم، وقد جاء "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان"

(3)

.

(1)

تنبيه الغافلين (ص 24).

(2)

الميسر (1/ 84 - 85).

(3)

أخرجه أحمد 1/ 22 (145) و 1/ 44 (316)، وعبد بن حميد (11)، والبزار (305)، والفريابي في صفة المنافق (24 و 25 و 26) والبيهقي في الشعب (3/ 372 رقم 1641) عن عمر. وقال الدارقطني في العلل (246): والموقوف أشبه بالصواب والله أعلم. وقال الذهبي: هذا حديث مقارب الإسناد لم يخرجوه في الكتب الستة وميمون فيه لين. وأخرجه البزار (3514)، وابن حبان (80)، والطبراني (18/ 237 رقم 593) عن عمران =

ص: 47

وقوله: "ليس من وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" محمول على المبالغة الشديدة في ترك جهادهم وفي ذلك دليل على تفاوت درجات الإيمان وهو الذي اختاره النووي والمحققون. أ. هـ.

3486 -

وَعَن زَيْنَب بنت جحش رضي الله عنها أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم دخل عَلَيْهَا فَزعًا يَقُول لا إِلَه إِلَّا الله ويل للْعَرَب من شَرّ قد اقْترب فتح الْيَوْم من ردم يَأْجُوج وَمَأْجُوج مثل هَذِه وَحلق بَين أصبعيه الْإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا فَقلت يَا رَسُول الله أنهلك وَفينَا الصالحون قَالَ نعم إِذا كثر الْخبث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم

(1)

.

قوله: وعن زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول لا إله إلا الله" وروى الجماعة إلا أبا ذر من حديث زينب أيضًا قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب"، زينب بنت حجش بن [رئاب الأسدية

(2)

، تكنى أم الحكم، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت زينب قديمة الإسلام، ومن المهاجرات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة خمس من الهجرة، قاله قتادة، والواقدي، وبعض أهل المدينة وقال ابن

= بن حصين. قال البزار: وهذا الكلام لا نحفظه إلا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه واختلفوا في رفعه عن عمر فذكرناه، عن عمران إذ كان يختلف في رفعه عن عمر، وإسناد عمر إسناد صالح، فأخرجناه عن عمر، وأعدناه عن عمران لحسن إسناد عمران. وصححه الألباني في الصحيحة (1013) وصحيح الترغيب (132 و 133 و 2330).

(1)

أخرجه البخاري (3346) و (3598) و (5293) و (7059) و (7135)، ومسلم (1 و 2 - 2880)، والترمذي (2187)، وابن ماجه (3953)، وابن حبان (327).

(2)

تهذيب الأسماء واللغات (2/ 344 - 346 ترجمة 1165).

ص: 48

المسيب، وأبو عبيدة، وخليفة بن خياط: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث. وروى ابن سعد أنه تزوجه لهلال ذى القعدة سنة خمس من الهجرة، وهى بنت خمس وثلاثين سنة، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلقها فاعتدت، ثم زوجها إليه سبحانه وتعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل فيها:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا}

(1)

، وكانت تفتخر على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجنى الله عز وجل من السماء. وكانت امرأة صناعا تعمل بيدها وتتصدق به في سبيل الله عز وجل، وعن عائشة قالت: يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، أن الله عز وجل زوجها نبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا، ونطق به القرآن، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا ونحن حوله:"أسرعكن بى لحوقا أطولكن باعا"، فبشرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرعة لحوقها به صلى الله عليه وسلم، وهى زوجته في الجنة. قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، رحمها الله تعالى، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله. ومناقبها كثيرة.

توفيت سنة عشرين وهى بنت ثلاث وخمسين سنة، ذكره ابن سعد، وأجمع أهل السير أنها أول نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم موتًا بعده، ودفنت بالبقيع فيما بين دار عقيل ودار ابن الحنفية، قاله ابن سعد، وصلى عليها عمر بن

(1)

سورة الأحزاب، الآية:37.

ص: 49

الخطاب، رضى الله عنهما، ونزل في قبرها أسامة بن زيد، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش، ومحمد بن طلحة بن عبد الله، وهو ابن أختها حمنة، فكلهم محارم لها، رضى الله عنها، وهى أول امرأة جعل عليها النعش، أشارت به أسماء بنت عميس، كانت رأته في الحبشة، وكان عمر، رضى الله عنه، يطلع إلى شيء يسترها، فأشارت به أسماء. روى لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد عشر حديثًا، والمشهور الذي عليه الجمهور أنها توفيت سنة عشرين. وقال خليفة بن خياط: سنة إحدى وعشرين].

قوله صلى الله عليه وسلم: "ويل للعرب من شر قد اقترب" المراد بالويل هنا الحزن قاله ابن عرفة

(1)

، وقال أبو هريرة: ويل لهم من إمارة الصبيان يحكمون فيهم بالهوى ويقتلون بالغضب"

(2)

وإنما خصص العرب بالذكر لأن معظم مفسدتهم راجع إليهم وقد وقع ما أخبر به حيثما يقال إن يأجوج هم الترك وقد أهلكوا الخليفة المعتصم وجرى ما جرى ببغداد

(3)

.

فأخبر عليه الصلاة والسلام بما يكون بعده من أمر العرب وما يستقبلهم من الويل والحرب وقد وجد ذلك بما استؤثر عليهم به من الملك والدولة والأموال والإمارة وصار ذلك في غيرهم من الترك والعجم وتشتتوا في البوادي بعد أن كان العز والملك والدنيا لهم ببركته عليه الصلاة

(1)

التذكرة (ص 1062).

(2)

أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (1020) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (1/ 383 - 384).

(3)

الكواكب الدرارى (14/ 9).

ص: 50

والسلام وما جاء به من الدين والإسلام فيما لم يشكروا والنعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضا وسلب بعضهم أموال بعض سلبها الله منهم ونقلها إلى غيرهم كما قال تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ}

(1)

(2)

.

قوله: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بين أصبعيه الإبهام والتي تليها" الحديث، والردم السد الذي بناه ذو القرنين يقال ردمت الثلمة ردما إذا سددته

(3)

.

قول: "مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها" هذا إخبار وتفسير من الصحابة الذين شاهدوا إشارة النبي، ثم إن الرواة بعدهم عبروا بإصطلاح الحساب فقال سفيان: وعقد بيده عشرة أي جعل إصبعيه كالحلقة وعقد وهيب بيده تسعين وعقد التسعين أو العشرة من موضوعات الحساب وهو أن يجعل رأس الإصبع السبابة في وسط رأس الإبهام وبضمها حتى لا يبين بينهما إلا خلل يسير وهذا تقريب في العبارة

(4)

.

والحاصل أن الذي فتحوه قليل وهم مع ذلك لا يلهمهم الله تعالى أن يقولوا غدا نفتحه إن شاء الله تعالى فإذا قالوا خرجوا، روى البزار من حديث يوسف بن مريم الحنفي قال: بينا أنا قاعد مع أبي بكرة رضي الله عنه إذ جاء رجل فسلم عليه فقال: أما تعرفني فقال أبو بكرة: ومن أنت؟ قال: تعلم رجلا أتى

(1)

سورة محمد، الآية:38.

(2)

التذكرة (ص 1062).

(3)

النهاية (2/ 216)، والكواكب الدرارى (14/ 9)، وعمدة القارى (15/ 238).

(4)

إكمال المعلم (8/ 412 - 413)، والنهاية (1/ 427 و 2/ 216).

ص: 51

النبي فأخبره أنه رأى الردم فقال له أبو بكرة: أنت هو! قال: نعم، فقال: اجلس حدثنا قال: انطلقت إلى ليس لأهلها إلا الحديد يعملونه فدخلت بيتا فاستلقيت فيه على ظهري وجعلت رجلي على جداره فلما كان عند غروب الشمس سمت صوتا لم أسمع مثله، فرعت فقال لي رب البيت لا تذعرن فإن هذا لا يضرك شيء، هذا صوت قوم منصرفون هذه الاسعة عند هذا السد، قال: فيرك ان تراهم، قلت: نعم قال: فغدوت إليه قال: فإذا لبنة من حديد كل واحد مثل الصخرة وإذا كانه البرد المحبر وإذا مسامير مثل الجذوع فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال لي: "صف لي" فقلت: كأنه البرد المحبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينظر على رجل قد أتى الردم فلينظر إلى هذا" قال أبو بكرة صدق

(1)

. أ. هـ.

وروى الإمام محمد بن الربيع الجيزي، في مسند من دخل مصر من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أخدمه، فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب، فقالوا: استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم فقال صلى الله عليه وسلم: "ما لي ولهم يسألونني عما لا أدري إنما أنا عبد لا

(1)

أخرجه البزار (3668). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكرة، ولا نعلم له طريقا عن أبي بكرة غير هذا الطريق.

وقال الهيثمي في المجمع: رواه البزار، عن شيخه عمرو بن مالك، تركه أبو زرعة وأبو حاتم، ووثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويغرب، وفيه من لم أعرفه. وقال الألباني في الضعيفة (1070): ضعيف جدًا.

ص: 52

علم لي إلا ما علمني ربي عز وجل" ثم قال صلى الله عليه وسلم: "ابغني وضوءا" فتوضأ. ثم قام إلى مسجد في بيته فركع ركعتين، فلم ينصرف حتى عرفت السرور في وجهه والبشر. ثم قال صلى الله عليه وسلم: "اذهب فأدخلهم ومن وجدت من أصحابي بالباب فأدخله معهم" قال: فأدخلتهم، فلما رفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن شئتم أخبرتكم عما أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلموا، وإن شئتم تكلموا به وأخبركم". فقالوا: بل أخبرنا قبل أن نتكلم قال صلى الله عليه وسلم، قال: "جئتم تسألونني عن ذي القرنين، وسأخبركم عما تجدونه مكتوبا عندكم إن أول أمره أنه غلام من الروم أعطي ملكا، فسار حتى بلغ ساحل أرض مصر، فابتنى عنده مدينة يقال لها الاسكندرية، فلما فرغ من بنائها، أتاه ملك فعرج به حتى استقله، فرفعه ثم قال له: انظر ماذا ترى تحتك، قال: أرى مدينتي وأرى مدائن معها، ثم عرج به وقال: انظر ماذا تحتك قال: قد اختلطت مدينتي مع المدائن فلا أعرفها، ثم زاد فقال: انظر فقال: أرى مدينتي وحدها لا أرى معها غيرها فقال له الملك: إنما تلك الأرض كلها، والذي ترى محيطا بها هو البحر. وإنما أراد ربك عز وجل أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا. وسوف يعلم الجاهل ويثبت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدين، وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء، فبنى السد، ثم جاء يأجوج ومأجوج ثم قطعهم فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قطعهم فوجد قوما قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى فوجد أمة من الغرانيق

ص: 53

يقاتلون القوم القصار، ثم مضى فوجد أمة من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المحيط بالأرض" فقالوا: نشهد أن أمره كان هكذا كما ذكرت وإنا نجده هكذا في كتبنا

(1)

، أ. هـ.

قوله: "يأجوج ومأجوج" الحديث يأجوج ومأجوج فيهما لغتان الهمز والبدل قرئ في السبع بالوجهين الجمهور بترك الهمز فمن همزها جعلهما من أجيج النار وهو ضوءها وحرارتها وسموا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين

(2)

، قال مقاتل هم ولد يافث بن نوح وقال الضحاك من الترك وقال أيضًا وهب بن منبه هم جيل من الترك وقيل هم من ولد آدم من غير حواء

(3)

وعن عبد الصمد بن معقل قال: سمعت ابن منبه يقول: إن سام بن نوح [أبو العرب وفارس والروم، وإن حام أبو السودان، وأن يافث أبو الترك وأبو يأجوج ومأجوج، وهو بنو عم الترك]

(4)

، وقال كعب: احتلم آدم عليه السلام فاختلط ماؤه

(1)

أخرجه ابن عبد الحكم فتوح مصر 58 - 60، ويحيى بن سلام في تفسيره (1/ 2069)، وأبو الشيخ في العظمة (967)، والبيهقي في دلائل النبوة (6/ 295 - 296) من طرق عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، عن سعد بن مسعود التجيبي، عن شيخين من قومه عن عقبة بن عامر. وذكره الدميرى في حياة الحيوان الكبرى (2/ 249).

(2)

معاني القرآن (3/ 310)، وتهذيب اللغة (11/ 159 - 160)، وشرح النووي على مسلم (3/ 98)، والمفهم (23/ 62)، ولسان العرب (2/ 207)، والتوضيح (19/ 348)، وفتح الباري (12/ 106)، وعمدة القارى (15/ 232)، وحياة الحيوان (2/ 553).

(3)

شرح النووي على مسلم (3/ 98).

(4)

تاريخ الطبري (1/ 201).

ص: 54

بالتراب فأسف فخلق الله منها يأجوج ومأجوج وفيه نظر لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يحتلمون

(1)

وقال في شرح مشارق الأنوار: يأجوج ومأجوج من أولاد يافث وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم

(2)

، قيل: كانوا يأكلون الناس ويخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئًا أخضر إلا أكلوه ويمرون بالدجلة فيشربونها حتى تصير يابسة فيمر بها الذين من بعدهم فيقولون لقد كان بهذا المكان ماء مرة وهم على صنفين طوال مفرطو الطول وقصار مفرطو القصر، وروي يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ويظهرون على الأرض ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم يبعث الله نغفا في أقفائهم أي دودا فيدخل في آذنهم فيموتون

(3)

انتهى.

واختلف في يأجوج ومأجوج هل أرسل إليهم أم لا وهل هم من ذرية آدم أم لا الصحيح أنه لم يرسل إليهم وأنهم من ذرية آدم بدليل الحديث الذي ورد أن الله تعالى يوم القيامة يا آدم أخرج بعث النار فيقول يا رب ومن بعث النار فيقول من ذريتك يأجوج ومأجوج من كل ألف من الآدميين واحد ومن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعين، فهذا بعث النار، ولو لم يكونوا من ذريته لما أمر بإخراجهم إذ لا ولاية له على غير ذريته والله أعلم، روى الطبراني من حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأجوج أمة لها أربعمائة أمير وكذلك يأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى فارس من ولده

(1)

شرح النووي على مسلم (3/ 98)، وحياة الحيوان (2/ 554).

(2)

الكشاف (2/ 746).

(3)

الكشاف (2/ 746 - 748).

ص: 55

[صنف منهم كالأرز] طولهم مائة وعشرون ذراعا وصنف منهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم مقدمتهم بالشام وساقتهم بخارسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية ويمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس" وقال علي رضي الله عنه: صنف منهم في طول الشبر وصنف منهم مفرط الطول، لهم مخالب الطير، وأنياب كأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعورهم تقيهم الحر والبرد، ولهم آذان عظام إحداهما وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، يحفرون السد الذي بناه ذو القرنين، حتى إذا كادوا ينقبونه يعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غدا إن شاء الله، فينقبونه ويخرجون وتتحصن الناس منهم بالحصون، فيرمون إلى السماء فيرد إليهم السهم ملطخا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم. والنغف هو الدود الذي يكون في أنوف الإبل، وفي رواية: إن يأجوج ومأجوج فيهم من طوله الشبر والشبران وفيهم من هو أطول من ذلك ومنهم من له ذنب وقرن وأنياب بارزة ومنهم من مشيته وتب ويأكلون سائر اللحوم نية بغير شيء ولا صلق ويأكلون لحوم الناس من بني آدم وجميع خشاش الأرض وكانوا بل ذلك يغيرون على الحصون والمدن حتى إذا أخربوها حتى سد عليهم ذو القرنين وسيفتحونه آخر الزمان كما أخبر الله عز وجل ويأكل بعضهم بعضا والزلازل عندهم كثير، أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر

(1)

، وسئل شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى: هل يأجوج ومأجوج من ولد حواء عليها السلام، وكم ثبت أنه يعيش كل واحد

(1)

كنز الدرر (2/ 89 - 90).

ص: 56

منهم؟ فأجاب: هم ولد حواء عليهما السلام عند أكثر العلماء، وقيل: إنهم من ولد آدم غير حواء فيكونون إخواننا من الأب ولم يثبت في قدرهما شيء، أ. هـ، وقد نقل الحافظ أبو عمر بن عبد البر مكن الإجماع على أنهم من ولد يافث بن نوح وأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن يأجوج ومأجوج هل بلغتهم دعوتك يا رسول الله فقال:"جزت ليلة أسري بي فدعوتهم فلم يجيبوا فهم جل أهل النار" روى الشيخان والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: "يقول الله تعالى يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك" قال: "يقول: أخرج بعث النار" قال: "وما بعث النار؟ " قال: "من ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة، فذلك حين يشب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى" الآية، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل، فقال:"أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم رجل"

(1)

الحديث، قال العلماء: إنما خص آدم بالذكر دون غيره لأنه أب للجميع

(2)

، أ. هـ.

فائدة: روى أبو نعيم

(3)

عن كعب الأحبار قال: يمكث الناس بعد يأجوج ومأجوج في الرخاء والخصب والدعة عشر سنين حتى أن الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة بينهما ويحملان العنقود الواحد من العنب فيمكثون

(1)

أخرجه البخاري (3348) و (4741) و (6530)، ومسلم (379 و 380 - 222)، والنسائي في الكبرى (11276).

(2)

حياة الحيوان (2/ 554 - 555).

(3)

حلية الأولياء (6/ 24 - 25).

ص: 57

على ذلك عشر سنين ثم يبعث الله ريحا طيبة فلا تدع مؤمنا ولا مؤمنة إلا قبضت روحه ثم يبقى الناس بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر في المروج حتى يأتي أمر الله والساعة وهم على ذلك وقالت العرب: هم يتهارجون تهارج الحمر أي يتسافدون والهرج كثرة النكاح يقال: بات يهرجها ليله جميعًا

(1)

.

قولها: فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون، قال:"نعم إذا كثر الخبث" أنهلك بكسر اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكي فتحها وهو ضعيف أو فاسد ذكره النووي في شرح مسلم

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "قال: نعم إذا كثر الخبث" الحديث، والخبث بفتح الخاء والباء وبالثاء المثلثة، وفسره الجمهور بالفسوق والفجور، والفجور الميل إلى الفساد وقيل: الانبعاث في المعاصي وهو جامع للشرور قال الله تعالى: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)}

(3)

وقيل: المراد الزنا خاصة وقيل المراد أولاد الزنا

(4)

وبهذا القول جزم ابن بطال في شرح البخاري في أول كتاب الفتن فقال: وفسر العلماء الخبث بأولاد الزنا

(5)

، ثم قال: فإذا ظهر ظهرت المعاصي ولم [تغير] وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها فإن لم يفعلوا فقد تعرضوا للهلاك إلا [أن] الهلاك

(1)

حياة الحيوان (1/ 357).

(2)

شرح النووي على مسلم (18/ 3).

(3)

سورة الانفطار، الآية:14.

(4)

حياة الحيوان (2/ 555).

(5)

شرح ابن بطال (8/ 474) و (10/ 6).

ص: 58

طهاة للمؤمنين ونقمة على الفاسقين، وبهذا قال السلف، وروي ابن وهب عن مالك أنه قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها واحتج بفعل أبي الدرداء في خروجه من أرض معاوية حين أعلن [بالربا] وهو من الكبائر وأجاز بيع سقاته الذهب بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، فقال معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض [أنت بها]

(1)

، قال النووي: وقولها: "أنهلك وفينا الصالحون" تقدم ذكره ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون

(2)

.

قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}

(3)

وقال القرطبي: في هذا الحديث تنبيه على الاختلاف والفتن والهرج الواقع في العرب وأول ذلك قتل عثمان ولذلك أخبر عنه بالقرب ثم لم يزل ذلك كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمة كالقصعة بين الأكلة كما في الحديث الآخر: "أوشك أن يتداعي عليكم الأمم كما تتداعي الأكلة على قصعتها"

(4)

قال: ذلك مخاطبا للعرب.

(1)

المصدر السابق (10/ 6).

(2)

شرح النووي على مسلم (18/ 4).

(3)

سورة الأنفال، الآية:25.

(4)

أخرجه أبو داود (4297) عن ثوبان. وصححه الألباني في المشكاة (5369)، الصحيحة (958).

ص: 59

وقال لهم أيضًا: "إني لأرى مواقع الفتن في بيوتكم كمواقع القطر"

(1)

.

والظاهر والله أعلم أن المراد بالخبث المعاصى مطلقا، ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون، قلت: هذه سنة الله الماضية في خلقه أن العذاب إذا نزل يعم ولا يميز ولهذا أمر الله تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالخروج من بين قومهم قبل نزول العذاب مع لاح القدرة لنجاتهم وإن قعدوا ولكن لا تبديل لسنة الله تعالى، ولذا جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحِجْر (ديار ثمود) قال:"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أن يصيبكم مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي

(2)

، أي رفع رأسه إلى السماء حيرة وتعوذا مما جرى عليهم أو أطرق رأسه فلم يلتفت في كلتا الحالتين يمينا وشمالا لئلا يقع بصره عليها وقيل قنع رأسه أي سترها بقناع كالطيلسان والله أعلم

(3)

.

في قوله "أنهلك وفينا الصالحون" الحديث دليل على أن البلاء قد يرفع عن غير الصالحين إذا كثر الصالحون فأما إذا كثر المفسدون وقل الصالحون

(1)

المفهم (23/ 61 - 62). والحديث أخرجه البخاري (1878) و (2467) و (3597) و (7060)، ومسلم (9 - 2885) عن أسامة بن زيد.

(2)

أخرجه البخاري في الصلاة (433) و (3380 و 3381) و (4419 و 4420) و (4702)، ومسلم (38 و 39 - 2980) عن ابن عمر.

(3)

تحفة الأبرار (2/ 281)، وكشف المناهج (4/ 354)، وشرح المصابيح (5/ 359) لابن ملك.

ص: 60

هلك المفسدون والصالحون معهم إذا لم يأمروا ولم يكرهوا وهو معنى قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}

(1)

[بل يعم] شؤمها من تعاطاها ورضيها هذا بفساده وهذا برضاه وإقراره، فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}

(2)

و {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)}

(3)

: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}

(4)

وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب؟ فالجواب: أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على من رآه أن يغيره إما بيده فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك إذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطيع سوى ذلك أما إذا كره الصالحون ما صنع المفسدون وأخلصوا كراهيتهم لله تعالى وتبرأوا من ذلك حسب ما يلزمهم ويجب لله عليهم غير معتدين سلموا قال الله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ}

(5)

الآية، وقال تعالى:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ}

(6)

الآية، وقال ابن عباس: قد أخبرنا الله عز وجل عن هذين ولم يخبرنا عن الذين قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ

(1)

سورة الأنفال، الآية:25.

(2)

سورة الأنعام، الآية:164.

(3)

سورة المدثر، الآية:38.

(4)

سورة البقرة، الآية:286.

(5)

سورة هود، الآية:116.

(6)

سورة الأعراف، الآية:165.

ص: 61

مُهْلِكُهُمْ}

(1)

الآية، فالصالحون هم الذين أطاعوا الله وعملوا بما أمرهم وانتهوا عما نهاهم، أ. هـ قاله القرطبي

(2)

.

تتمة: في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: "أن الله تعالى إذا أنزل بقوم العذاب أصاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم" وفي رواية: "على نياتهم"

(3)

قال ابن بطال

(4)

: هذا الحديث يبين حديث زينب بنت جحش لما قالت: "أنهلك وفينا الصالحون" فيكون هلاك الناس عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي ويكون ذلك العذاب العام طهرة للمؤمنين ونقمة للفاسقين، أ. هـ.

وخرج الإمام أحمد عن خرشة بن الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تشهد قتيلًا لعله أن يكون مظلومًا فتصيبه السخطة" وفي الحديث الآخر: "فتنزل السخطة عليهم فتصيبه معه"

(5)

فهذه الأحاديث تدلك على أن العذاب إذا

(1)

سورة الأعراف، الآية:64.

(2)

التذكرة (ص 1062 - 1064).

(3)

أخرجه البخاري (7108)، ومسلم (84 - 2879).

(4)

شرح الصحيح (10/ 53).

(5)

أخرجه أحمد 4/ 167 (17522)، والبزار (3337 - كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (4/ 218 رقم 4181)، وابن منده في معرفة الصحابة (ص 532) وأبو نعيم (2549) عن خرشة بن الحارث. قال البزار: لا نعلم روى خرشة إلا هذا الحديث بهذا الإسناد.

وقال الهيثمي في المجمع 6/ 284: رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: "فعسى أن يقتل مظلوما؛ فتنزل السخطة عليهم، فتصيبه معهم". وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجالهما رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (2505).

ص: 62

نزل عم الصالح والطالح

(1)

، أ. هـ.

3487 -

وَعَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت قلت يَا رَسُول الله إِن الله أنزل سطوته بِأَهْل الأَرْض وَفِيهِمْ الصالحون فيهلكون بهلاكهم فَقَالَ يَا عَائِشَة إِن الله عز وجل إِذا أنزل سطوته بِأَهْل نقمته وَفِيهِمْ الصالحون فيصيرون مَعَهم ثمَّ يبعثون على نياتهم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه

(2)

.

قوله: وعن عائشة رضي الله عنها، تقدم الكلام عليها.

قوله: قالت: قلت يا رسول الله إن الله أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم، فقال:"يا عائشة إن الله عز وجل إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون فيصيرون معهم ثم يبعثون على نياتهم" وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قيل يا رسول الله: "أتهلك القرية وفيها الصالحون" قال: "نعم"، قيل: بم يا رسول الله؟ قال: "يتهاونهم وسكوتهم عن معاصي الله تعالى".

قوله: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوحى الله تعالى إلى ملك من الملائكة أن أقلب مدينة كذا وكذا على أهلها فقال يا رب إن فيهم عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين" فقال: أقلبها عليه

(1)

تنبيه الغافلين (ص 90).

(2)

أخرجه ابن حبان (7314)، وابن عدى في الكامل (6/ 242)، والبيهقي في الشعب (10/ 78 رقم 7193). وقال الألباني: صحيح لغيره - "الصحيحة"(1622 و 2693)، وصحيح الترغيب (2312)، وصحيح الجامع (1710).

ص: 63

وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط"

(1)

.

3488 -

وَعَن حُذَيْفَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليوشكن الله يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا مِنْهُ ثمَّ تَدعُونَهُ فَلَا يستجيب لكم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب

(2)

.

قوله: وعن حذيفة رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله يبعث عليكم عقابا منه" الحديث، ليوشكن معناه ليسرعن.

3489 -

وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا يحقرن أحدكُم نَفسه قَالُوا يَا رَسُول الله وَكَيف يحقر أَحَدنَا نَفسه قَالَ يرى أَن عَلَيْهِ مقَالا ثمَّ لَا يَقُول فِيهِ فَيَقُول الله عز وجل يَوْم الْقِيَامَة مَا مَنعك أَن تَقول فِي كذَا وَكَذَا فَيَقُول خشيَة النَّاس فَيَقُول فإياي كنت أَحَق أَن تخشى رَوَاهُ ابْن مَاجَه

(1)

أخرجه ابن الأعرابى في المعجم (2016)، والطبراني في الأوسط (7/ 336 رقم 7661)، والبيهقي في الشعب (10/ 74 رقم 7189). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عمار بن سيف، تفرد به: عبيد بن إسحاق العطار. وقال الهيثمي 7/ 270: رواه الطبراني في الأوسط من رواية عبيد بن إسحاق العطار عن عمار بن سيف، وكلاهما ضعيف، ووثق عمار بن سيف ابن المبارك وجماعة، ورضي أبو حاتم عبيد بن إسحاق. وقال الألباني: ضعيف جدًا الضعيفة (1904).

(2)

أخرجه أحمد 5/ 388 (23775) و 5/ 391 (23802)، والترمذي (2169)، وابن خزيمة في أحاديث إسماعيل بن جعفر (378)، والبيهقي في الكبرى (10/ 159 - 160 رقم 20199) والشعب (10/ 54 رقم 7152)، والبغوي (4154). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (2313)، والمشكاة (5140).

ص: 64

وَرُوَاته ثِقَات

(1)

.

قوله: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه تقدم.

قوله: "فيقول الله عز وجل يوم القيامة ما منعك أن تقول في كذا وكذا، فيقول: خشية الناس فيقول [فإياي] كنت أحق أن تخشى" الحديث.

وفي حديث أبي سعيد الخدري وفي آخره فبكى أبو سعيد، وقال: قد رأينا أشياء فهبنا، فهذا الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة دون الخوف المسقط للإنكار

(2)

.

فإن قدر على إنكار المنكر لكن خاف على نفسه ضررا من هلاك أو غيره

(1)

أخرجه الطيالسي (2320)، وأحمد 3/ 30 (11427) و 3/ 47 (11616) و 3/ 73 (11878) و 3/ 91 (12048)، وعبد بن حميد (971 و 972)، وابن ماجه (4008)، والأصم في مجموعه (414)، والطبراني في الأوسط (5/ 137 - 138 رقم 4887) و (5/ 240 رقم 5199)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 284)، والبيهقي في الكبرى (10/ 155 رقم 20184) والشعب (10/ 62 رقم 7164).

وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عبد الله المرادي إلا شريك، تفرد به: إسحاق الأزرق. وقال في الموضع الثاني: لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أبي أنيسة إلا عبيد الله بن عمرو.

وقال الدارقطني في العلل (2336): يرويه عمرو بن مرة، عن أبي البختري، واختلف عنه؛ فرواه زبيد اليامي، وعمرو بن قيس الملائي، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد. وخالفهما شعبة، فرواه عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن رجل لم يسمه عن أبي سعيد. وضعفه الألباني في الضعيفة (6872) وضعيف الترغيب (1387).

(2)

جامع العلوم والحكم (3/ 954).

ص: 65

ففيه احتمالان أحدهما: لا يجب لقوله عز وجل: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}

(1)

فإذا جاز النطق بكلمة الكفر عند الخوف والإكراه وهو في معنى ترك إنكار المنكر لذلك، والثاني: يجب لعموم قوله "فليغيره" ولقوله عليه الصلاة والسلام "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقول الله عز وجل: "ما منعك إذا رأيت كذا وكذا أن تنكره فيقول يا رب خشيت الناس فيقول الله عز وجل: أنا كنت أحق أن تخشى" وهذا يقتضي أن لا يسقط الإنكار عند الخوف وإن أمن على نفسه

(2)

.

3490 -

وَعَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا يُؤمن عبد حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَلَده ووالده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره

(3)

.

قوله: وعن أنس رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" وفي الحديث أيضًا "حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين".

اعلم أن محبة الشخص إما لاتصافه بالصفات الحميدة وإما لاشتماله على محاسن خلقته كالحسن والجمال وإما لقرابة ككونه والدا أو ولدا وقد اجتمع ذلك كله في النبي صلى الله عليه وسلم.

(1)

سورة النحل، الآية:106.

(2)

التعيين في شرح الأربعين (ص 288 - 289).

(3)

أخرجه البخاري (15)، ومسلم (69 و 70 - 44)، وابن ماجه (67)، وابن حبان (179).

ص: 66

وقال ابن بطال وغيره: المحبة ثلاثة أقسام محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس فجمع صلى الله عليه وسلم أصناف المحبة، فمن استكمل الإيمان علم أن حق النبي صلى الله عليه وسلم آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين

(1)

.

قال الكرماني: إنما خصص الولد والوالد بالذكر لكونهما أعز خلق الله تعالى على الرجل غالبا وربما يكونان أعز من نفس الرجل فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل وكأنه قال حتى أكون أحب إليه من أعزته فإن قلت: فهل يتناول لفظ الوالد الأم كما أن لفظ الولد يتناول الذكر والأنثى فمعنى لا يؤمن حتى يؤثر رضاي على هوى الوالدين وإن كان فيه هلاكه

(2)

.

واعلم أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم إرادة فعل طاعته وترك مخالفته وهي من واجبات الإسلام قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} إلى قوله: {بِأَمْرِهِ}

(3)

(4)

أ. هـ.

وقال أبو سليمان الخطابي: لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه فمعناه لا تصدق في حبي حتى تفدي في طاعتي نفسك وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك

(5)

.

(1)

شرح الصحيح (1/ 66) لابن بطال، وإكمال المعلم (1/ 280)، وشرح النووي على مسلم (2/ 15).

(2)

الكواكب الدرارى (1/ 97 - 98).

(3)

سورة التوبة، الآية:24.

(4)

الكواكب الدرارى (1/ 98).

(5)

أعلام الحديث (4/ 2282)، وشرح السنة (1/ 51)، وشرح النووي على مسلم (2/ 15).

ص: 67

وعن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال: "ومن نفسك يا عمر" فقال: ومن نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الآن يا عمر"

(1)

[فمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم آكد على الإنسان من حق أبيه وابنه والناس أجمعين لأن به صلى الله عليه وسلم استنقذنا من النار فهدانا من الضلال]

(2)

وهذا كله تصريح بأن هذه المحبة ليست باعتقاد تعظيم بل ميل إلى المعتقد تعظيمه ويعلق القلب به فتأمل هذا الفرق فإنه صحيح ومع ذلك فقد خفي على كثير من الناس وعلى هذا فمعنى الحديث والله أعلم: أن من لم يجد من نفسه ذلك الميل وأرجحيته للنبي صلى الله عليه وسلم لم يكمل إيمانه هذا كلام القاضي

(3)

، قال الإمام القرطبي: على أني أقول: إن كل من صدق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وآمن به إيمانا صحيحا، لم يخل عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ غير أنهم في ذلك متفاوتون:

فمنهم: من أخذ من تلك الأرجحية بالحظ الأوفى؛ كما قد اتفق لعمر رضي الله عنه حين قال: ومن نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان حين قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد كان وجهك أبغض الوجوه كلها إلي، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. . . الحديث، وكما قال عمرو بن العاص: لقد رأيتني وما أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه؛

(1)

أخرجه البخاري (3694) و (6264) و (6632).

(2)

شرح الصحيح (1/ 66).

(3)

هذه عبارة القرطبي كما في المفهم (1/ 141)، والتوضيح (2/ 521).

ص: 68

إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه، ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولا شك في أن حظ أصحابه من هذا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم بقدره أعظم؛ فالمحبة ثمرة المعرفة، فتقوى وتضعف بحسبها.

ومن المؤمنين: من يكون مستغرقًا بالشهوات، محجوبا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثر الأوقات؛ فهذا بأخس الأحوال، لكنه إذا ذكر بالنبي [صلى الله عليه وسلم أو بشيء من] فضائله، اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته، بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره ومواضع آثاره، على أهله وماله وولده، ووالده، ونفسه والناس أجمعين، فيخطر له هذا ويجده وجدانا لا شك فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة الشهوات، وتوالي الغفلات؛ ويخاف على من كان هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبة، حتى لا يوجد منها حبة، فنسأل الله الكريم، رب العرش العظيم: أن يمن علينا بدوامها وكمالها، وألا يحجبنا عنها قاله الإمام القرطبي

(1)

أحمد بن عمر.

قال القاضي عياض: ومن محبته صلى الله عليه وسلم نصر سنته والذب عن شريعته وتمني حضور حياته فيبذل ماله ونفسه دونه قال: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومفضل ومن لم يعتقد هذا أو اعتقد ما سواه فليس بمؤمن هذا كلام القاضي

(2)

.

(1)

المفهم (1/ 142).

(2)

إكمال المعلم (1/ 280 - 281).

ص: 69

3491 -

وَعَن جرير رضي الله عنه قَالَ بَايَعت النَّبِي صلى الله عليه وسلم على السّمع وَالطَّاعَة فلقنني فِيمَا اسْتَطَعْت والنصح لكل مُسلم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَتقدم حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ الدّين النَّصِيحَة قَالَه لَهُ ثَلَاثًا قَالَ قُلْنَا لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ

(1)

.

3492 -

وَعَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن أول مَا دخل النَّقْص على بني إِسْرَائِيل أَنه كَانَ الرجل يلقى الرجل فَيَقُول يَا هَذَا اتَّقِ الله ودع مَا تصنع بِهِ فَإِنَّهُ لا يحل لَك ثم يلقاه من الْغَد وَهُوَ على حَاله فَلَا يمنعهُ ذَلِك أَن يكون أكيله وشريبه وقعيده فَلَمَّا فعلوا ذَلِك ضرب الله قُلُوب بَعضهم بِبَعْض ثمَّ قَالَ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)}

(2)

ثمَّ قَالَ كلا وَالله لتأمرن

(1)

أما حديث جرير: أخرجه البخاري (57)، ومسلم (97 و 98 و 99 - 55) والنسائي في المجتبى 6/ 612 (4212) و 6/ 613 (4213) و (4214) و 6/ 614 (4215).

وأما حديث تميم الدارى: أخرجه مسلم (95 و 96 - 55)، وأبو داود (4944)، والنسائي في المجتبى 6/ 628 (4235) و (4236)، وابن حبان (4574) و (4575). ولم يدرج المصنف تحتهما شرحًا.

(2)

سورة المائدة، الآيات: 78 - 81.

ص: 70

بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر ولتأخذن على يَد الظَّالِم ولتأطرنه على الْحق أطرا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَلَفظه قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لما وَقعت بَنو إِسْرَائِيل فِي الْمعاصِي نَهَاهُم علماؤهم فَلم ينْتَهوا فجالسوهم فِي مجَالِسهمْ وواكلوهم وشاربوهم فَضرب الله قُلُوب بَعضهم بِبَعْض ولعنهم على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون فَجَلَسَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَ مُتكئا فَقَالَ لَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ حَتَّى تأطروهم على الْحق أطرا قَالَ الْحَافِظ روينَاهُ من طَرِيق أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود وَلم يسمع من أَبِيه وَقيل سمع وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي عَبيدة مُرْسلا تأطروهم أَي تعطفوهم وتقهروهم وتلزموهم بِاتِّبَاع الْحق

(1)

.

(1)

أخرجه أحمد 1/ 391 (3789)، وابن ماجه بإثر (4006)، وأبو داود (4336) و (4337)، والترمذي (3047) وبإثر (3048)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (4 و 20) والعقوبات (12)، وأبو يعلى (5035) و (5094)، والطحاوى في المشكل (1164)، والطبراني في الأوسط (1/ 166 رقم 519)، والكبير (10/ 145 رقم 10264) و (10/ 146 رقم 10265 و 10266 و 10267 و 10268)، والبيهقي في الكبرى (10/ 159 رقم 20196) والشعب (10/ 44 - 45 رقم 7139). وأخرجه ابن ماجه (4006) والترمذي (3048)، والبيهقي في الشعب (10/ 43 رقم 7138). قال أبو داود: رواه المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، ورواه خالد الطحان، عن العلاء، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وقد روي هذا الحديث عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وبعضهم يقول: عن أبي عبيدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل.

قال البيهقي: هكذا رواه سفيان الثوري، ورواه يونس بن راشد، وشريك، عن علي بن =

ص: 71

قوله: وعن ابن مسعود رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع به فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده" الحديث، الأكيل والشريب الذي يصاحبك في الأكل والشرب، فعيل بمعنى مفاعل والقعيد الذي يصاحبك في قعودك

(1)

.

ففي هذا الحديث غاية التشديد ونهاية التهديد لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين الله سبحانه وتعالى أن السبب في لعنهم هو ترك التناهي عن المنكر وبين أن ذلك عصيان منهم واعتداء وأن ذلك بئس الفعل فاعتبروا يا أولي الألباب

(2)

. ولا شك أن من رأى أخاه على منكر ولم ينهه عنه فقد أعانه عليه بالتخلية بينه وبين ذلك المنكر وعدم الاعتراض عليه وليس هذا من الدين في شيء إذ لا يؤمن الرجل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وإنما الدين النصيحة ومن رأى إنسانا يهوي في النار ولم ينصحه فإنما إثمه عليه

(3)

.

= بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود وقد ذكرنا إسنادهما في كتاب السنن، وروي من وجه آخر عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله. وضعفه الألباني في الضعيفة (1105)، المشكاة (5148)، وضعيف الترغيب (1388).

(1)

النهاية (4/ 86).

(2)

تنبيه الغافلين (ص 83).

(3)

المصدر السابق (ص 84).

ص: 72

قوله صلى الله عليه وسلم: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم" الحديث، الأخذ على يد الظالم منعه من الظلم.

قوله: "ولتأطرنه على الحق أطرا" وفي رواية الترمذي: "حتى تأطروهم على الحق أطرا" الحديث، تأطروهم بالهمز وبالطاء المهملة المكسورة في المضارع الساكنة في المصدر، قال الجوهري

(1)

: آطرت القوس آطرها أطرا إذا حنيتها وتأطر الرمح تثني وقد فسره الحافظ فقال: تأطروهم أي تعطفوهم وتقهروهم وتلزموهم باتباع الحق، أ. هـ.

قال ابن النحاس رحمه الله: قلت يعني لا يخلصون من العذاب حتى تأطروهم والأطر الإمالة والتحريف من جانب إلى جانب يعني حتى تمنعوا الظلمة والفسقة عن الظلم والفسق وتميلوهم عن الباطل إلى الحق

(2)

.

قوله: "فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم بعض" الحديث يعني سود الله قلوب من لم يعص بشؤم من عصى فصارت قلوب الجميع قاسية بعيدة عن الحق من قبول الخير والرحمة بسبب المعاصي وبسبب مخالطة بعضهم بعضا

(3)

، أ. هـ.

قال ابن النحاس رحمه الله: قلت في حديث ابن مسعود هذا دليل على أن من لا يستطيع غير لسانه إذا أمر أحدا بمعروف أو نهاه عن منكر ولم يرجع إليه وجب عليه أن يهجره في الله تعالى ولا يؤاكله ولا يشاربه فإذا فعل ذلك

(1)

الصحاح (2/ 580).

(2)

هذا كلام المظهرى كما في المفاتيح (5/ 269).

(3)

شرح المصابيح (5/ 375) لابن ملك.

ص: 73

فقد وقى ما عليه وبرئ من الإثم وأما من استطاع التغيير باليد فلا يخرج من عهدة الوجوب بالهجر والله تعالى أعلم

(1)

.

وذكر في بعض الكتب أن الله تعالى أوحى إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بالأخيار قال: "إنهم لم يغضبوا لغضبي وواكلوهم وشاربوهم"

(2)

.

وقال ابن سعد: إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها وإذا أعلنت فلم تغير ضرت بالعامة

(3)

.

قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}

(4)

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله لا يعذب العامة بذنوب الخاصة حتى يرى المنكرين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروا فلم ينكروا"

(5)

.

(1)

تنبيه الغافلين (ص 102) لابن النحاس.

(2)

تنبيه الغافلين (ص 94) للسمرقندي، والتمهيد (24/ 310)، وإحياء علوم الدين (2/ 151 و 2/ 311).

(3)

الزهد (1330) لابن المبارك وابن سعد هو بلال بن سعد.

(4)

سورة الأنفال، الآية:25.

(5)

أخرجه أحمد 4/ 192 (17720) و (17725)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2431)، والدولابى في الكنى (265)، والطحاوي في معاني الآثار (1175)، والطبراني في الكبير (17/ 138 رقم 343)، والبغوى في شرح السنة (4155) عن عدى بن عميرة وعند الطبراني والطحاوى عن العرس بن عميرة.

وقال الهيثمي في المجمع 7/ 267: رواه أحمد من طريقين، إحداها هذه، والأخرى عن عدي بن عدي حدثني مولى لنا وهو الصواب، وكذلك رواه الطبراني، وفيه رجل لم يسم، =

ص: 74

3493 -

وَعَن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول مَا من رجل يكون فِي قوم يعْمل فيهم بِالْمَعَاصِي يقدرُونَ على أَن يُغيرُوا عَلَيْهِ وَلَا يغيرون إِلَّا أَصَابَهُم الله مِنْهُ بعقاب قبل أَن يموتوا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أبي إِسْحَاق قَالَ أَظُنهُ عَن ابْن جرير عَن جرير وَلم يسم ابْنه وَرَوَا ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه والأصبهاني وَغَيرهم عَن أبي إِسْحَاق عَن عبيد الله بن جرير عَن أَبِيه

(1)

.

قوله: وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه تقدم الكلام عليه، وتقدم أيضًا الكلام على معنى الحديث.

3494 -

وَعَن أبي بكر الصّديق رضي الله عنه قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنَّكُم تقرؤون هَذِه الْآيَة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}

(2)

.

وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: إِن النَّاس إِذا رَأَوْا الظَّالِم فَلم يَأْخُذُوا على يَدَيْهِ أوشك أَن يعمهم الله بعقاب من عِنْده رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ

= وبقية رجال أحد الإسنادين ثقات. وقال في 7/ 368: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وقال الحافظ في الفتح (13/ 4): أخرجه أحمد بسند حسن. وقال في الإصابة 7/ 173: ورواته ثقات لكن المولى لم يسم ولا يعرف وضعفه الألباني في الضعيفة (3110).

(1)

أخرجه أحمد 4/ 361 (19406) و 4/ 363 (19429) و 4/ 364 (19443) و 4/ 366 (19466) و (19467) و (19469) و (19470)، وأبو داود (4339)، وابن ماجه (4009)، وأبو يعلى (7508)، والطحاوي في مشكل الآثار (1174)، وابن حبان (300) و (302)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (297). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (2316) وصححه في الصحيحة (3353).

(2)

سورة المائدة، الآية:105.

ص: 75

حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظ النَّسَائِيّ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن الْقَوْم إِذا رَأَوْا الْمُنكر فَلم يغيروه عمهم الله بعقاب وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول مَا من قوم يعْمل فيهم بِالْمَعَاصِي ثمَّ يقدرُونَ على أَن يُغيرُوا ثم لَا يُغيرُوا إِلَّا يُوشك أَن يعمهم الله مِنْهُ بعقاب

(1)

.

قوله: وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}

(2)

، ومعنى:{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} أي بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قاله سعيد بن المسيب

(3)

.

اعلم أن هذه الآية الكريمة مما يغتر بها كثير من الجاهلين ويحملونها على غير وجهها بل الصواب في معناها والله أعلم أنكم إذا فعلتم ما أمرتم به فلا يضركم إضلال من ضل، وفي جملة ما أمروا به الأمر بالمعروف والنهي عن

(1)

أخرجه الحميدي (3)، وأحمد 1/ 2 (1) وفي 1/ 5 (16) وفي 1/ 7 (29) وفي 1/ 7 (30) وفي 1/ 9 (53) وعبد بن حميد (1)، وأبو داود (4338)، وابن ماجه (4005)، والترمذي (2168) و (3057)، والنسائي في الكبرى (11592)، والطحاوى في مشكل الآثار (1165 و 1166 و 1167 و 1168 و 1169 و 1170)، وابن حبان (304 و 305). وصححه الألباني في الصحيحة (1564) وصحيح الترغيب (2317).

(2)

سورة المائدة، الآية:105.

(3)

تفسير الطبري (9/ 50)، وكذلك قال حذيفة بن اليمان كما في تفسير الطبري في الموضع السابق.

ص: 76

المنكر والآية قريبة المعنى من قوله تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ}

(1)

وقد جاء عن أبي عبيد أنه قال: ليس في كتاب الله تعالى جمعت بين الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية، قال بعض أهل العلم: الناسخ فيها: {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} والهدى هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال ابن المبارك: في قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} هو خطاب لجميع المؤمنين أي عليكم أهل دينكم كقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}

(2)

فكأنه قال: ليأمر بعضكم بعضا ولينه بعضكم بعضا بالمعروف وبالنهي عن المنكر ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين من أهل الكتاب، وقد روي معنى هذا عن سعيد بن جبير والله أعلم

(3)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب" الحديث، تقدم أن الآخذ على اليد عبارة عن المنع تقدم أيضًا معنى أوشك.

3495 -

وَعَن أبي كثير السحيمي عَن أَبِيه قَالَ سَأَلت أَبَا ذَر قلت دلَّنِي على عمل إِذا عمل العَبْد بِهِ دخل الْجنَّة قَالَ سَأَلت عَن ذَلِك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ تؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر قلت يَا رَسُول الله إِن مَعَ الْإِيمَان عملا قَالَ يرْضخ مِمَّا رزقه الله قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن كانَ فَقِيرا لَا يجد مَا يرْضخ بِهِ قَالَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن كانَ عييا لَا يَسْتَطِيع أَن يَأْمر

(1)

سورة المائدة، الآية:99.

(2)

سورة النساء، الآية:29.

(3)

تنبيه الغافلين (ص 93 - 94).

ص: 77

بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر قَالَ يصنع لأخرق قلت أَرَأَيْت إِن كَانَ أخرق أَن يصنع شَيْئا قَالَ يعين مَغْلُويًا قلت أَرَأَيْت إِن كانَ ضَعِيفا لَا يَسْتَطِيع أَن يعين مَغْلُويًا قَالَ مَا تُرِيدُ أَن يكون فِي صَاحبك من خير يمسك عَن أَذَى النَّاس فَقلت يَا رَسُول الله إِذا فعل ذَلِك دخل الْجنَّة قَالَ مَا من مُسلم يفعل خصْلَة من هَؤُلَاءِ إِلَّا أخذت بِيَدِهِ حَتَّى تدخله الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم

(1)

.

قوله: وعن أبي كثير السحيمي [اسمه يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة وهو من رجال مسلم وهو الذي يقال له الأعمى].

قوله: "تؤمن بالله واليوم الآخر" الإيمان في اللغة التصديق.

قوله: "يرضغ مما رزقه الله" الرضخ العطية القليلة.

قوله: "يصنع لأخرق" الأخرق تقدم معناه أنه الذي لا يتقن صنعة من الصنائع.

3496 -

وَرُوِيَ عَن درة بنت أبي لَهب رضي الله عنها قَالَت قلت يَا رَسُول الله من خير النَّاس قَالَ أَتْقَاهُم للرب عز وجل وأوصلهم للرحم وَآمرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وأنهاهم عَن الْمُنكر رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد

(1)

أخرجه ابن حبان (373) واللفظ له، والحاكم في المستدرك (1/ 63)، والبيهقي في الشعب (5/ 32 - 33 رقم 3055). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 6/ 161 (30336) والإيمان (77)، والطبراني في المعجم الكبير (2/ 167: 1650) ومكارم الأخلاق (98)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (287) من طريق عكرمة بن عمار عن أبي زميل، عن مالك بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر. وقال الألبانى: صحيح لغيره - "الصحيحة"(2668) وصحيح الترغيب (2318).

ص: 78

الْكَبِير وَغَيره

(1)

.

قوله: وروي عن درة بنت أبي لهب رضي الله عنها[هي درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم وهاجرت إلى المدينة، وكانت عند الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فولدت له عقبة والوليد وأبا مسلم

(2)

] تقدم الحديث.

3497 -

وَرُوِيَ عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَا أَيهَا النَّاس مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر قبل أَن تدعوا الله فَلَا يستجيب لكم وَقبل أَن تستغفروه فَلَا يغْفر لكم إِن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لَا يدْفع رزقا وَلَا يقرب أَجَلًا وَإِن الْأَحْبَار من الْيَهُود والرهبان من النَّصَارَى لما تركُوا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لعنهم الله على لِسَان أَنْبِيَائهمْ ثمَّ عموا

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 5/ 218 (25397) و 7/ 504 (37850) وعنه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (1183) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (3166)، وأحمد 6/ 431 - 432 (28077)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (22)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (3167)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (271)، والطبراني في الكبير (24/ 257 رقم 657)، والبيهقي في الزهد (877) والشعب (10/ 321 رقم 7578)، والشجرى في الأمالى (2/ 176).

وقال الهيثمى في المجمع 7/ 263: رواه أحمد وهذا لفظه والطبراني، وزاد: قالت: كنت عند عائشة، فجيء برجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأنه ناداه وهو على المنبر فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قالت: فأتى الرجل فأخذ فقال: يا رسول الله، ليس لي ذنب أمرني فلان، والباقي بنحوه. ورجالهما ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر. وضعفه الألباني في الضعيفة (2093) وضعيف الترغيب (1389) و (1492).

(2)

أسد الغابة (7/ 103).

ص: 79

بالبلاء رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ

(1)

.

قوله: وعن ابن عمر رضي الله عنهما، تقدم الكلام عليه.

قوله في الحديث: "وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم" الحديث، الربانيون هم علماء النصارى والأحبار هم العلماء جمع حبر بالفتح والكسر وكان يقال لابن عباس الحبر والبحر لعلمه وسعته والأحبار هم علماء اليهود قاله الحسن

(2)

، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وبخ الله سبحانه وتعالى علماء اليهود في تركهم نهيهم فقال: ليس ما كانوا يصنعون كما وبخ من يسارع في الإثم في قوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

(3)

ودلت الآية الكريمة على أن تارك النهي عن المنكر كم ركب المنكر والآية توبيخ للعلماء في ترك الْأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(4)

، أ. هـ.

(1)

أخرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (44) ومن طريقه المقدسي في الأمر بالمعروف (66)، والطبراني في الأوسط (2/ 95 - 96 رقم 1367)، وأبو نعيم في الحلية (8/ 287)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (306).

وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد إلا إسحاق بن إبراهيم الجحدري، تفرد به: ابن دنوقا. قال أبو حاتم في العلل (1908) و (2800): هذا حديث منكر. وقال الهيثمي في المجمع 7/ 266: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفهم. وضعفه الألباني في الضعيفة (2092) وضعيف الترغيب (1390).

(2)

تفسير القرطبي (6/ 237).

(3)

سورة المائدة، الآية:62.

(4)

المصدر السابق في نفس الموضع.

ص: 80

3498 -

وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا تزَال لَا إِلَه إِلَّا الله تَنْفَع من قَالهَا وَترد عَنْهُم الْعَذَاب والنقمة مَا لم يستخفوا بِحَقِّهَا قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا الاستخفاف بِحَقِّهَا؟ قَالَ يظْهر الْعَمَل بمعاصي الله فَلَا يُنكر وَلَا يُغير رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ أَيْضا

(1)

.

قوله: وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله: "لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها" الحديث، فإن قلت: لم كان ترك الإنكار والتغيير استخفافا بحق لا إله إلا الله؟ قلت: لأن سبب تركها وإن اختلفت المقاصد فيه يرجع إلى خوف أو رجاء ومن تحقق أن لا إله إلا لم يرج أحدا غير الله ولم يخف سواه ولم يخش إلا إياه لأنه لم يشهد فاعلا في الكون غير مشيئة الله ولا محركا في الوجود غير يد قدرته ولا فعلا وإن دق خارجا عن إرادته فيتكلم بالحق أينما كان لم يخف في الله لومة لائم ومن كان توحيده مشوبا برؤية الأغيار وشهود أفعالهم في الوجود وتأثير إرادتهم في الكون ألقى الشيطان عنده أنواع الوساوس وعظم في عينه أقل الناس ورجاه من هو جدير في الدنيا والآخرة بالإفلاس فترك التغيير وأعرض عن المنكر وداهن في دين الله فأسلمه ذلك إلى سوء المصير ولم يمنعه من عذاب الله لقلقة لسانه بلا إله إلا الله لأنه استخف بحقها ومقتضاها وأشرك في التصريف مع الله إلها فوحد

(1)

أخرجه الأصبهاني في الترغيب (307)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (2971). وضعفه جدا الألباني في ضعيف الترغيب (1391).

ص: 81

بلسانه وأشرك بقلبه، ولو أوفى الكلمة حقها لأنكر المنكر ولم يخف غير ربه تبارك وتعالى والله أعلم قاله ابن النحاس في تنبيهه

(1)

.

3499 -

وَعَن حُذَيْفَة رضي الله عنه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: تعرض الْفِتَن على الْقُلُوب كالحصير عودًا عودًا فَأَي قلب أشربها نكتت فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاء وَأي قلب أنكرها نكتت فِيهِ نُكْتَة بَيْضَاء حَتَّى تصير على قلبين على أَبيض مثل الصَّفَا فَلَا تضره فتْنَة مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لَا يعرف مَعْرُوفًا وَلَا يُنكر مُنْكرًا إِلَّا مَا أشْرب من هَوَاهُ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره قَوْله مجخيًا هُوَ بميم مَضْمُومَةً ثمَّ جِيم مَفْتُوحَة ثمَّ خاء مُعْجمَة مَكْسُورَة يَعْنِي مائلا وَفَسرهُ بعض الروَاة بِأَنَّهُ المنكوس وَمعنى الحَدِيث أَن الْقلب إِذا افْتتن وَخرجت مِنْهُ حُرْمَة الْمعاصِي والمنكرات خرج مِنْهُ نور الْإِيمَان كَمَا يخرج المَاء من الْكوز إِذا مَال أَو انتكس

(2)

.

قوله: وعن حذيفة رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا" الحديث والفتن جمع فتنة، قال أبو الحسن بن سراج: ومعنى تعرض الفتن أنها تلصق بعرض القلوب أي جانبها كما تلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه شدة

(1)

تنبيه الغافلين (ص 98 - 99).

(2)

أخرجه أحمد 5/ 386 (23752) و 5/ 405 (23922)، ومسلم (231 - 144)، والبزار (2844)، وأبو عوانة (213 و 214)، وأبو نعيم في الحلية 1/ 270 - 271 و 4/ 369 - 370 والمستخرج (367 و 368 و 369)، والحاكم 4/ 468. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

ص: 82

التصاقها به، قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار، قال القاضي عياض: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، وقال أبو زيد فتن الرجل يفتن فتونا إذا وقع في الفتنة وتحول من حالة حسنة إلى سيئة والله أعلم، قال أبو الحسن بن سراج: ومعنى تعرض الفتن أنها تلصق بعرض القلوب أي جانبها كما تلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه شدة التصاقها به

(1)

.

وقيل: تحيط بالقلوب يقال حصر به القوم أي أطافوا به وقيل هو عرق يمتد معترضا جنب الدابة إلى ناحية بطنها فشبه الفتن بذلك

(2)

.

وقيل: هو ثوب مزخرف منقوش إذا نشر أخذ القلوب بحسن صنعته فكذلك الفتنة تزين وتزخرف للناس، وعاقبة ذلك إلى غرور، قاله في النهاية

(3)

، وقال فيها أيضًا:"تعرض الفتن على القلوب كالحصير" أي: توضع عليها وتبسط كما تبسط الحصير، وقيل: هو من عرض الجند بين يدي السلطان لإظهارهم واختبار أحوالهم

(4)

، أ. هـ.

وقوله: "عودًا عودًا" هذان الحرفان مما اختلف في ضبطهما على ثلاثة أوجه أظهرها وأشهرها عودًا عودًا بضم العين وبالدال المهملة وهو أحد العيدان يعني ما ينسج به الحصير من طاقاته، والثاني: بفتح العين وبالدال

(1)

إكمال المعلم (1/ 451 - 452).

(2)

غريب الحديث (2/ 334) للخطابي، وإكمال المعلم (1/ 453)، والنهاية (1/ 395).

(3)

النهاية (1/ 395).

(4)

المصدر السابق (3/ 215).

ص: 83

المهلمة أيضًا والرواية بالفتح أي مرة بعد أخري، والثالث: بفتح العين وبالذال المعجمة كأنه استعاذ من الفتن ولم يذكر صاحب التحرير غير الأول

(1)

، قال القاضي عياض: واختار شيخنا أبو الحسن بن سراج فتح العين والدال المهملة وقال معنى عَودًا عَودًا أي تعاد وتكرر على القلب والعود تكرير الشيء شيئًا بعد شيء، قال ابن سراج: ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه سؤال الاستعاذة منها كما يقال غفر غفرًا وغفرانك أي نسألك أن تعيذنا من ذلك وأن تغفر لنا

(2)

.

وقوله: "كالحصير" أي كما ينسج الحصير عودًا عودًا وشظية بعد أخري، قال القاضي عياض: وعلى هذا يترجح رواية ضم العين وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودًا أخذ آخر ونسجه نسبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد، قال القاضي عياض: وهذا معنى الحديث عندي وهو الذي يدل عليه سياق لفظه وصحة تشبيهه والله أعلم

(3)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء" الحديث، ومعنى اشربها أي دخلت فيه دخولًا تامًّا وألزمها وحلت منه محل الشراب ومنه قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ

(1)

شرح النووي على مسلم (2/ 171 - 172).

(2)

إكمال المعلم (1/ 452).

(3)

المصدر السابق (1/ 452 - 453).

ص: 84

الْعِجْلَ}

(1)

أي حب العجل ومنه قولهم ثوب مشرب بحمرة أي خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها ومعنى "نكتت فيه نكتة سوداء" النكتة بالتاء المثناة فوق أي نقط فيه نقطة كالوسخ في المرآة

(2)

.

قوله: "وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء" ومعنى أنكرها ردها

(3)

. وقوله: "حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض" الحديث، الصفا بالقصر الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء وإنما ضرب به المثل لأن الحجر إذا لم يكن معدنيًا لم يتغير بطول الزمان ولم يدخله لون آخر لا سيما النوع الذي ضرب به المثل فإنه أبدًا على البياض الخالص

(4)

.

قوله: "والآخر أسود مربادًّا" بتشديد الدال هكذا هو في هذا الحديث، وفي بعض طرق الحديث "مربدًا" والمربد بضم الميم وفتح الباء وتشديد الدال من الربدة وهي لون الرماد قاله جار الله العلامة

(5)

، ويريد أربد القلب من حيث المعنى لا الصورة فإن لون القلب إلى السواد ما هو قاله في النهاية

(6)

.

(1)

سورة البقرة، الآية:93.

(2)

إكمال المعلم (1/ 453)، وشرح النووي على مسلم (2/ 172) والمجموع المغيث (3/ 349) والنهاية (5/ 114).

(3)

كشف المناهج (4/ 446).

(4)

الميسر (4/ 1138).

(5)

الفائق (2/ 418).

(6)

النهاية (2/ 182).

ص: 85

قوله: "كالكوز مجخيا" أي: منكوسًا كذا فسر في الحديث.

قوله: "لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه" الحديث، المجخي قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو المائل وفسره بعض الرواة بأنه منكوس.

وقال غيره: المجخي: المائل عن الاستقامة والاعتدال يقال: جخي الليل إذا مال ليذهب، وجخي الشيخ إذا حناه الكبر قال: لا خير في الشيخ إذا ما جخي، وفي بعض طرق هذا الحديث أن حذيفة أمال كفه عند التحدث بقوله "مجخيا" وفيه إشارة إلى ما أريد به من المعنى وهو أن القلب يخلو عما أودع فيه من المعارف، ومحاسن الأخلاق والأدب

(1)

، أ. هـ.

قال الحافظ: ومعنى الحديث أن القلب إذا افتتن وخرجت منه حرمة المعاصي والمنكرات خرج منه نور الإيمان كما يخرج الماء من الكوز إذا مال أو انتكس، أ. هـ، وقال غيره: شبه القلب الذي لا يعي خيرًا بالكوز المائل لا يثبت فيه شيء

(2)

.

3500 -

وَعَن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذا رَأَيْت أمتِي تهاب أَن تَقول للظالم يَا ظَالِم فقد تودع مِنْهُم رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد

(3)

.

(1)

الميسر (4/ 1138).

(2)

النهاية (1/ 242).

(3)

أخرجه أحمد 2/ 163 (6521) و 2/ 189 (6776) و 2/ 190 (6784)، والترمذي في العلل (716)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (3) والعقوبات (47)، والبزار (2374) و (2375)، والعقيلي في الضعفاء (4/ 290)، والطبراني في الكبير (13/ 454 - =

ص: 86

قوله: وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم" الحديث، أي: أسلموا إلى ما استحقوه من النكير عليهم وتركوا وما استحبوه من المعاصي حتى يكثروا منها فيستوجبوا العقوبة

(1)

.

ومعنى هذا الحديث والله أعلم: أن الأمة إذا خلت عن القائم بكلمة الحق للظالم وغيره فقد عطلوا فرضًا أوجبه الله عليهم واشتركوا في الإثم فاستحقوا ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث من عظيم العقاب وأليم العذاب في الدنيا والآخرة ولا يدفع ذلك عنهم مجرد الإيمان باللسان والله أعلم

(2)

.

= 455 رقم 14314) و (13/ 482 رقم 14351)، وابن الأعرابي في معجمه (74)، وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير (16 و 20)؛ والحاكم في المستدرك (4/ 96)، والبيهقي في السنن (6/ 95)، وفي شعب الإيمان (7140).

وقال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث قلت له: أبو الزبير سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه. وقال البزار: وهذا الحديث عن الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير هو الصواب عندي. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وقال الهيثمي في المجمع 7/ 262: رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد، إلا أنه وقع فيه في الأصل غلط فلهذا لم أذكره. وقال 7/ 270: رواه أحمد والبزار والطبراني، وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح، وكذلك إسناد أحمد إلا أنه وقع فيه في الأصل غلط. وضعفه الألباني في الضعيفة (577) و (1264) وضعيف الترغيب (1392).

(1)

إكمال المعلم (3/ 264)، وغريب الحديث (2/ 459) لابن الجوزي، والنهاية (5/ 166).

(2)

تنبيه الغافلين (ص 98).

ص: 87

3501 -

وَعَن أبي ذَر رضي الله عنه قَالَ: أَوْصَانِي خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الْخَيْر أَوْصَانِي أَن لَا أَخَاف فِي الله لومة لائم وأوصاني أَن أَقُول الْحق وَإِن كَانَ مرًّا مُخْتَصرًا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ

(1)

.

3502 -

وَعَن عرس بن عميرَة الْكِنْدِيّ رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ إِذا عملت الْخَطِيئَة فِي الْأَرْض كَانَ من شَهِدَهَا وكرهها وَفِي رِوَايَة فأنكرها كمن غَابَ عَنْهَا وَمن غَابَ عَنْهَا فرضيها كَانَ كمن شَهِدَهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُغيرَة

(1)

أخرجه ابن سعد في الطبقات (4/ 229)، وأحمد 5/ 159 (21814) و 5/ 173 (21917) والزهد (401)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (42)، والحارث (467)، والبزار (3966)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (273)، وابن حبان (449)، والطبراني في الدعاء (1648 و 1649 و 1650 و 1651 و 1652) والأوسط (7/ 364 - 365 رقم 7739) والصغير (2/ 48 رقم 758) والكبير (2/ 156 رقم 1648)، وأبو نعيم في الحلية (2/ 357)، والبيهقي في الكبرى (10/ 155 - 156 رقم 20186 و 25187) والشعب (5/ 104 - 105 رقم 3156 و 3157) و (7/ 21 رقم 4592) و (10/ 68 - 69 رقم 7176).

قال البزار: ولا نعلم أسند إسماعيل بن أبي خالد، عن بديل بن ميسرة إلا هذا الحديث، وبديل لم يسمع من عبد الله بن الصامت، وإن كان قديما. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عمر بن فرقد إلا علي بن حميد الدهكي، تفرد به: يعقوب الحضرمي.

وقال أبو نعيم: غريب من حديث محمد بن واسع لم يوصله إلا سلام أبو المنذر. وقال الهيثمي في المجمع 10/ 263: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط بنحوه، وأحد إسنادي أحمد ثقات. وقال 7/ 265: رواه الطبراني في الصغير والكبير بنحوه، وزاد:"وأن لا أسأل الناس شيئا"، ورجاله رجال الصحيح غير سلام أبي المنذر وهو ثقة، ورواه البزار.

وقال الألباني: صحيح - "الصحيحة"(2166) وصحيح الترغيب (2233) و (2320) و (2525) و (2868). ولم يدرج تحته في هذا الموضع شرحا.

ص: 88

ابن زِيَاد الْموصِلِي

(1)

.

قوله: وعن عرس بن عميرة الكندي رضي الله عنه بضم العين المهملة وإسكان الراء وهما اثنان هذا والعرس بن قيس الكندي وهما صحابيان ذكرهما الحافظ أبو عمر ولم يرو له من أصحاب الستة إلا أبو داود روى له هذا الحديث خاصة والله أعلم

(2)

.

قوله: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها" وفي رواية "فأنكرها كمن غاب عنها" الحديث، فمن شهد الخطيئة فكرهها بقلبه كان كمن لم يشهد إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده ومن غاب عنها فرضيها كما كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها لأن الرضى بالخطايا من أقبح الحرمات ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب وهو فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في حال ممن الأحوال انتهي، قاله ابن رجب الحنبلي

(3)

، وفي روايه:"إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من حضرها وكرهها" الحديث، ومعنى قوله "حضرها" أي حضرها لضرورة أو رآها اتفاقا لأن حضور الحاضر موضعًا يرى فيه المنكر قصدًا من غير ضرورة ممنوع، ولا

(1)

أخرجه أبو داود (4345)، وابن قانع في معجم الصحابة 2/ 309، والطبراني في الكبير 17/ 139 (344 = 345)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان 1/ 391، والهروي في ذم الكلام (311)، وابن عبد البر في التمهيد (24/ 313). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (2323)، المشكاة (5141).

(2)

الاستيعاب (3/ 1062).

(3)

جامع العلوم والحكم (3/ 951).

ص: 89

يسلم الحاضر من الإثم وإن كرهه بقلبه، أ. هـ والله أعلم

(1)

.

3503 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْإِسْلَام أَن تعبد الله لَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وتسليمك على أهلك فَمن انْتقصَ شَيْئا مِنْهُنَّ فَهُوَ سهم من الْإِسْلَام يَدعه وَمن تركهن فقد ولى الْإِسْلَام ظَهره رَوَاهُ الْحَاكِم وَتقدم حَدِيث حُذَيْفَة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم الْإِسْلَام سهم وَالصَّلَاة سهم وَالزَّكَاة سهم وَالصَّوْم سهم وَحج الْبَيْت سهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ سهم وَالنَّهْي عَن الْمُنكر سهم وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله سهم وَقد خَابَ من لَا سهم لَهُ رَوَاهُ الْبَزَّار

(2)

.

قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان" الحديث، تقدم تفسير هذه الألفاظ وتقدم حديث حذيفة:"الإسلام ثمانية أسهم الإسلام سهم والصلاة سهم" إلى قوله:

(1)

تنبيه الغافلين (ص 31).

(2)

أخرجه أبو عبيد في الإيمان (3)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (405)، والطبراني في مسند الشاميين (429)، وابن السنى في اليوم والليلة (160)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (487)، والحاكم (1/ 21)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (5/ 217 - 218)، والبيهقي في الشعب (11/ 230 - 231 رقم 8458)، والشجرى في الأمالى (1/ 50). وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2324) والصحيحة (333). وحديص حذيفة مر.

ص: 90

"والأمر بالمعروف سهم" فانظر أيها الأخ إلى هذا السهم من الدين فقد تركه أكثر الناس واضجروا فيه مدهنين لا يلفتون وجوههم إليه ولا ويعولون في دينهم عليه كأنهم عنه لا يسألون إنا لله وإنا إليه راجعون قاله ابن النحاس

(1)

.

3504 -

وَعَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت دخل عَليّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَعرفت فِي وَجهه أَن قد حَفَزَهُ شَيْء فَتَوَضَّأ وَمَا كلم أحدًا فلصقت بالحجرة أستمع مَا يَقُول فَقعدَ على الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن الله يَقُول لكم مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر قبل أَن تدعوا فَلَا أُجِيب لكم وتسألوني فَلَا أُعْطِيكُم وتستنصروني فَلَا أَنْصُركُمْ فَمَا زَاد عَلَيْهِنَّ حَتَّى نزل رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة عَاصِم بن عمر بن عُثْمَان عَن عُرْوَة عَنْهُمَا

(2)

.

قوله: وعن عائشة رضي الله عنها، تقدم الكلام عليها.

قولها: قالت: قد دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه أن قد حفزه

(1)

تنبيه الغافلين (ص 27).

(2)

أخرجه إسحاق (864) و (1795)، وأحمد 6/ 159 (25892)، والبخاري في التاريخ الكبير (6/ 178)، وابن ماجه (4004)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثاني (3830)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (7) والعقوبات (36)، والبزار كما في الكشف (3304)، وابن حبان (290)، والطبراني في الأوسط (6/ 376 - 377 رقم 6665)، والبيهقي في الكبرى (10/ 160 رقم 20200). قال البزار: لا نعلم روى عاصم بن عمر بن عثمان عن عروة إلا هذا.

قال الهيثمي في المجمع 7/ 266: رواه أحمد والبزار، وفيه عاصم بن عمر أحد المجاهيل. وضعفه الألباني في الضعيفة (2092)، وحسنه في صحيح الترغيب (2325) دون قوله وتسألونى فلا أعطيكم.

ص: 91

شيء، الحديث، أي: أعجله والاحتفاز الاستيفاز

(1)

.

3505 -

وَعَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا ويوقر كَبِيرنَا وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وينه عَن الْمُنكر رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه

(2)

.

قوله: وعن ابن عباس رضي الله عنهما، تقدم الكلام عليه. قوله صلى الله عليه وسلم:"ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" الحديث، قيل: معناه ليس مثلنا أو ليس على طريقتنا فلا يصير بذلك خارجا عن الملة إلا أن يستحل ذلك.

3506 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نسْمع أَن الرجل يتَعَلَّق بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ لَا يعرفهُ فَيَقُول لَهُ مَا لَك إِلَيّ وَمَا بيني وَبَيْنك معرفَة فَيَقُول كنت تراني على الْخَطَإِ وعَلى الْمُنكر وَلَا تنهاني ذكره رزين وَلم أره

(3)

.

قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.

(1)

المجموع المغيث (1/ 468)، والنهاية (1/ 407).

(2)

أخرجه أحمد 1/ 257 (2366)، وعبد بن حميد (586)، وأبو زرعة الدمشقي كما في الفوائد المعللة (138)، والترمذي كما في تحفة الأشراف (5/ 165 رقم 6207)، والبزار كما في الكشف (1955 و 1956)، وابن حبان (458) و (464)، والطبراني في الكبير (11/ 72 رقم 11083)، والقضاعي في مسند الشهاب (1203)، وابن عدي في الكامل (6/ 355)، والبيهقي في الشعب (13/ 354 - 355 رقم 10474)، والبغوي في شرح السنة (3452).

وقال الترمذي: غريب. وقال البزار: وهذا بلفظ هذا لا نعلمه يروى إلا عن ابن عباس بهذا الإسناد وإسناد آخر. وقال في الآخر: ولا نعلم أسند نسير عن عكرمة غير هذا. وقال البغوي: هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (80) و (1367) و (1393).

(3)

لم نعثر عليه في الكتب. وذكره الألباني في ضعيف الترغيب (1394).

ص: 92

قوله: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه، فذكره إلى أن قال: كنت تراني على الخطإ وعلى المنكر ولا تنهاني، الحديث، وقد ورد أن موسى عليه الصلاة والسلام مر على قرية وقد أهلكها الله تعالى فقال يا رب أهكلتهم وكنت أعرف فيهم رجلا صالحا فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إنه لم يغر لي، فأفاد لنا هذا الخبر أنه لو غير عليهم ما هلك ولا هلكوا، والحكمة في ذلك هو أنه مأمور بالتغيير عليهم كما أنهم مأمورون بترك ما أحدثوا من المخالفات، فلما أن وقعوا في المخالفات وسكت هو كان ذلك وقوعا منه لأنه ارتكب ما نهى عن من السكوت عند رؤية المخالفات فاستوى معهم في ارتكاب المنهيات فالواجب على كل مسلم أن ينصح أخاه المسلم ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضراتها ولأن صديق الإنسان حقيقة من أرشد صديقه إلى عمارة آخرته وإن كان فيها خراب دنياه وعدوه من أرشده إلى نقص في آخرته وإن كان فيه زيادة دنياه قاله ابن النحاس في تنبيهه

(1)

.

(1)

تنبيه الغافلين (ص 84).

ص: 93