المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، وإقامة الصلب بينهما وما جاء في الخشوع] - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ٣

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌[الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تخميرها]

- ‌[الترهيب من البصاق في المسجد وإلى القبلة، الباب إلى آخره]

- ‌[الترغيب في المشي إلى المساجد سيما في الظهر وما جاء في فضلها]

- ‌[الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها]

- ‌[الترهيب من إتيان المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو كراتًا أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة]

- ‌[ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهن ولزومها وترهيبهن من الخروج منها]

- ‌[الترغيب في الصلوات الخمس والإيمان بوجوبها]

- ‌[الترغيب في الصلاة مطلقا وفضل الركوع والسجود]

- ‌[الترغيب في الصلاة في أول وقتها]

- ‌[الترغيب في صلاة الجماعة وما جاء فيمن خرج يريد الجماعة فوجد الناس قد صلوا]

- ‌[الترغيب في كثرة الجماعة]

- ‌[التَّرْغِيب فِي الصَّلاة فِي الفلاة

- ‌[الترغيب في صلاة العشاء والصبح خاصة في جماعة والترهيب من التأخير عنهما]

- ‌[الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر]

- ‌[الترغيب في صلاة النافلة في البيوت]

- ‌[الترغيب في انتظار الصلاة بعد الصلاة]

- ‌[الترغيب على المحافظة على الصبح والعصر]

- ‌[الترغيب في جلوس المرء في مصلاه بعد صلاة الصبح وصلاة العصر]

- ‌[الترغيب في أذكار يقولها بعد صلاة الصبح وصلاة العصر والمغرب]

- ‌[الترهيب من فوات العصر]

- ‌الترغيب في الإمامة مع الإتمام والإحسان والترهيب منها عند عدمها

- ‌[الترهيب من إمامة الرجل القوم وهم له كارهون]

- ‌[الترغيب في الصف الأول وما جاء في تسوية الصفوف والتراص فيها وفضل ميامنها ومن صلى في الصف المؤخر]

- ‌[الترغيب في وصل الصفوف وسد الفرج]

- ‌فرعان لهما تعلق بوصل الصفوف:

- ‌الترهيب من تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم وتقدم النساء إلى أوائل صفوفهم

- ‌[الترغيب في التأمين خلف الإمام وفي الدعاء وما يقوله في الاستفتاح والاعتدال]

- ‌[الترهيب من رفع المأموم رأسه قبل الإمام في الركوع والسجود]

- ‌[الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، وإقامة الصلب بينهما وما جاء في الخشوع]

الفصل: ‌[الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، وإقامة الصلب بينهما وما جاء في الخشوع]

[الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، وإقامة الصلب بينهما وما جاء في الخشوع]

746 -

عَن أبي مَسْعُود البدري رضي الله عنه. قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تجزئ صَلَاة الرجل حَتَّى يُقيم ظَهره فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالا إِسْنَاده صَحِيح ثَابت وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح

(1)

.

قوله: عن أبي مسعود البدري، اسمه: عقبة بن عمرو الأنصاري البدري، شهد العقبة مع السبعين وكان أصغيرهم، وقل: إن جابر كان أصغرهم، وقال البخاري: كان أبو مسعود بن عمرو الأنصاري بدريا، وقال الأكثرون: لم يشهد بدرا إنما سكنها فنسب إليها، شهد أحدا وما بعدها من المشاهد، وقد بين ذلك ابن الصلاح ومن تبعه، وقال بهذا أبو سعيد المقبري كان ينزل

(1)

أخرجه أحمد 4/ 119 (17073) و 4/ 122 (17103 و 17104 و 17105)، وابن ماجه (870)، وأبو داود (855)، والترمذي (265)، والنسائي في المجتبى 2/ 421 (1039) و 2/ 482 (1124) والكبرى (787) و (1192)، وابن خزيمة (591 و 592) و (666)، وابن حبان (1892 و 1893)، والطبراني في الكبير 17/ 212 (578) و 17/ 213 (579 و 580 و 581 و 582) و 17/ 214 (583 و 584 و 585)، والبيهقي في الكبرى (2/ 126 رقم 2570 و 2571).

قال البيهقي: هذا إسناد صحيح وكذلك رواه عامة أصحاب الأعمش، عن الأعمش.

وصححه الألباني في صحيح أبي داود (801)، والمشكاة (878)، والروض النضير (136).

ص: 633

المقابر أو يكثر غشيانها فنسب إليها ويزيد الفقير من رجال الصحيح لم فقيرا من المال وإنما انكسر قفاره فقيل له الفقير، هذا هو الصحيح، وذهب جماعة إلى أنه منهم البخاري ومسلم، وذكره البخاري فيمن سكن الكوفة، وابتنى بها دارا له وتوفي بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة إحدى وقيل سنة اثنين وواحد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة حديث وحديثان روى عنه الجماعة

(1)

وتقدم الكلام على بعض مناقبه في الدلالة على الخير.

قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجزيء صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود" الحديث ظاهر هذا أن الطمأنينة واجبة في الرفع من الركوع قال الإمام في قلبي منه شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للطمأنينة في الرفع من الركوع ومن السجود في حديث المسيء صلاته وهما ركنان قصيران، والجواب أن ابن حبان رواها في صحيحه والشافعي في الأم وابن عبد البر في التمهيد ولفظه حتى تطمئن قائما والصواب وجوبها وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطمئن وقال صلوا كما رأيتموني أصلي

(2)

[قاله فى الديباجة][قال الترمذي] رحمه الله والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود قال الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة

(3)

والله أعلم،

(1)

كشف المشكل (2/ 197)، والعدة (1/ 436 - 437).

(2)

النجم الوهاج (2/ 136 - 137).

(3)

سنن الترمذي عقب (265).

ص: 634

وقال أبو العالية: كنت إذا أتيت الرجل لآخذ عنه العلم أتيته وقت الصلاة فإن أحسن الصلاة وأتم الركوع والسجود أخذت عنه العلم وإن لم يحسن الصلاة ولم يتم الركوع والسجود فلا آخذ عنه شيئا وأقول ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع

(1)

والله أعلم.

747 -

وَعَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل رضي الله عنه: قَالَ نهى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن نقرة الْغُرَاب وافتراش السَّبع وَأَن يوطن الرجل الْمَكَان فِي الْمَسْجِد كَمَا يوطن الْبَعِير رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا

(2)

.

قوله: عن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه هو عبد الرحمن بن شبل بن عمرو بن يزيد الأنصاري الأوسي له صحبة نزل الشام وكان أحد نقباء الأنصار وفقهائهم روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس لعبد الرحمن بن شبل في الكتب الستة سوى هذا الحديث

(3)

.

قوله صلى الله عليه وسلم "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب وافتراش السبع" المراد

(1)

الحلية (2/ 220)، والرحلة في طلب الحديث (22).

(2)

أخرجه أحمد 3/ 428 (15533 و 15534)، وابن ماجه (1429)، وأبو داود (862)، والنسائي في المجتبى 2/ 480 (1121) والكبرى (784)، وابن خزيمة (662) و (1319)، وابن حبان (2277)، والحاكم 1/ 229. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وحسنه الألباني في المشكاة (902) والصحيحة (1168) وصحيح أبي داود (808) وصحيح الترغيب (523).

(3)

تهذيب الكمال (17/ ترجمة 3844).

ص: 635

بنقرة الغراب تخفيف السجود فلا يمكث فيه إلا وضع الغراب منقاره في لقط الحب أو فيما يريد أكله

(1)

وإنما خص الغراب بالذكر لأنه حيوان فاسق يتشاءم به وهذا الفعل من المصلي يفسقه إذا بطلت به صلاته ويحصل له به الشؤم في الدار الآخرة فإن أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة كما ورد في الحديث فينبغي للمصلي أن يحافظ على إتمام ركوعه وسجوده وصلاته والخشوع في حركاته وسكناته، والمراد بافتراش السبع أن يبسط ذراعيه في السجود ولا يرفعهما عن الأرض كما يبسط الكلب والذئب ذراعيه وعبارة بعضهم أيضا هو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود والسنة أن يرفعهما ويكون الموضوع على الأرض كفيه فقط ويضعهما في محاذاة منكبيه كما يحاذي به عند تكبيرة الإحرام والافتراش افتعال من الفرش

(2)

.

تنبيه: قيل سمي سبعا لأنه يمكث في بطن أمه سبعة أشهر ولا تلد الأنثى أكثر من سبعة أولاد ولا ينزو الذكر على الأنثى إلا بعد سبع سنين من عمره

(3)

ويكره ركوب السباع في حديث ورد فيه، ولا يصح بيع السباع وقيل يجوز بيعها لأجل جلودها

(4)

والله أعلم.

لطيفة: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي رضي الله تعالى عنهما فعرض لهما سبع، فقال سفيان لشيبان: أما ترى هذا السبع؟ فقال: لا تخف، ثم أخذ

(1)

معالم السنن (1/ 212)، والنهاية (5/ 104).

(2)

النهاية (3/ 429 - 430).

(3)

حياة الحيوان (2/ 18).

(4)

حياة الحيوان (2/ 23).

ص: 636

شيبان أذنه فعركها فبصبص وحرك ذنبه، فقال سفيان: ما هذه الشهرة؟ فقال: لولا مخافة الشهرة لوضعت زادي على ظهره، حتى آتي مكة

(1)

.

وفي الإحياء في عجائب القلب عن إبراهيم الرقي قال: قصدت أبا الخير الديلمي التيناني مسلما عليه فصلى صلاة المغرب، ولم يقرأ الفاتحة مستويا فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي فلما أصبح الصباح خرجت إلى الطهارة فقصدني السبع فعدت إليه وقلت: إن السبع قد قصدني فخرج وصاح على الأسد وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لأضيافي؟ فتنحى الأسد فتطهرت فلما رجعت قال: أنتم اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد، ونحن اشتغلنا بتقويم الباطن فخافنا الأسد، قاله في حياة الحيوان

(2)

.

قوله "وأن يوطن الرجل المكان في المسجد" الحديث وأما النهي عن إيطان الرجل موضعا من المسجد يلازمه فهو فيما لا فضل فيه ولا حاجة إليه فأما ما فيه فضل فلا بأس بإدامة الصلاة في موضع واحد إذا كان فيه فضل وأما ما يحتاج إليه لتدريس علم أو للإفتاء أو لإسماع الحديث ونحو ذلك فلا كراهة في ذلك بل هو مستحب لأنه من تسهيل طرق الخير وقد نقل عن القاضي عياض خلاف السلف في كراهة الإيطان لغير حاجة والاتفاق عليه لحاجة نحو ما ذكرناه

(3)

والله أعلم.

(1)

حياة الحيوان (2/ 19).

(2)

حياة الحيوان (2/ 22).

(3)

شرح النووي على مسلم (4/ 226).

ص: 637

748 -

وَعَن أبي قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "أَسْوَأ النَّاس سَرقَة الَّذِي يسرق من صلَاته قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ يسرق من الصَّلَاة قَالَ لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها أَو قَالَ لَا يُقيم صلبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد

(1)

.

قوله: وعن أبي قتادة رضي الله عنه أبو قتادة اسمه [الحارث بن ربعي، وقيل: النعمان بن ربعي، وقيل: عمرو بن ربعي، والمشهور: الحارث بن ربعي بن بلدمة ابن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي المدني. وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم ابن كعب بن سلمة، وقيل: كبشة بنت عباد بن مطهر، شهد أحدا والخندق وما بعد ذلك من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

].

قوله صلى الله عليه وسلم: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا يا رسول الله كيف يسرق من الصلاة قال لا يتم ركوعها ولا سجودها" سيأتي الكلام في حديث المسيء صلاته أن إتمام الركوع والسجود ركن من أركان الصلاة وأنه لا بد من الطمأنينة فيهما وإكمال الركوع أن يسوي ظهره وعنقه ورأسه

(1)

أخرجه أحمد 5/ 310 (22642 و 22643)، والدارمى (1367)، وأبو يعلى في معجم الشيوخ (150)، وابن خزيمة (663)، والطبراني في الأوسط (8/ 130 رقم 8179) والكبير (3/ 242 رقم 3283)، والحاكم (1/ 229). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع 2/ 120: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (524) والمشكاة (885).

(2)

تهذيب الكمال (34/ الترجمة 7574).

ص: 638

ويقيم ساقيه ما أمكنه ويقول سبحان ربي العظيم ثلاثًا

(1)

وتقدم اختلاف العلماء في هذا وذكر في كثرة السجود والله أعلم.

تنبيه: من الصغائر عدم إتمام الركوع والسجود وإقامة الصلب بينهما ويترجح أن يكون ذلك من الكبائر لأن الوعيد فيه شديد جدا ومن الصغائر أيضا من رأى مسيئا في صلاته وسكت عنه فهو شريكه

(2)

.

749 -

وَعَن عبد الله بن مُغفل رضي الله عنه: قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أسرق النَّاس الَّذِي يسرق صلَاته قيل يَا رَسُول الله كَيفَ يسرق صلَاته قَالَ لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها وأبخل النَّاس من بخل بِالسَّلَامِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة بِإِسْنَاد جيد

(3)

.

قوله: وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه تقدم الكلام عليه في كتاب الطهارة.

قوله صلى الله عليه وسلم: "أسرق الناس الذي يسرق صلاته" قيل يا رسول الله كيف يسرق صلاته قال لا يتم ركوعها ولا سجودها" تقدم الكلام على الركوع والسجود في الأحاديث قبله.

قوله صلى الله عليه وسلم: "وأبخل الناس من بخل بالسلام" سيأتي الكلام على ذلك في بابه.

(1)

التعليقة (2/ 751).

(2)

تنبيه الغافلين (ص 319 - 321).

(3)

أخرجه الطبراني في الصغير (1/ 209 رقم 335) والأوسط (3/ 355 رقم 3392). قال الطبراني: لم يروه عن عوف إلا عثمان بن الهيثم، تفرد به زيد بن الحريش، ولا يروى عن عبد الله بن المغفل إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع 2/ 120: رواه الطبراني في الثلاثة، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (525) و (2715).

ص: 639

750 -

وَعَن عَليّ بن شَيبَان رضي الله عنه قَالَ خرجنَا حَتَّى قدمنَا على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْنَاهُ وصلينا خَلفه فلمح بمؤخر عينه رجلا لَا يُقيم صلَاته يَعْنِي صلبه فِي الرُّكُوع فَلَمَّا قضى النَّبِي صلى الله عليه وسلم صلَاته قَالَ يَا معشر الْمُسلمين لَا صَلَاة لمن لَا يُقيم صلبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا

(1)

.

قوله: وعن علي بن شيبان رضي الله عنه هو علي بن شيبان [بن محرز بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم بن مرة بن الدول بن حنيفة من ساكني اليمامة، وفد على النبي

(2)

].

قوله صلى الله عليه وسلم "خرجنا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا خلفه" الحديث، المبايعة مأخوذة من البيع وهي عبارة عن أخذ العهد وسيأتي الكلام عليها مبسوطا في السؤال وغيره والله أعلم.

قوله "فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلاته يعني صلبه في الركوع فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال يا معشر المسلمين لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود" مؤخر العين معروف والمعشر يأتي الكلام عليه في النكاح

(1)

أخرجه ابن سعد في الطبقات (5/ 551)، وابن أبي شيبة في المصنف (1/ 256 - 257 رقم 2957)، وأحمد 4/ 23 (16297)، والبخاري في التاريخ الكبير (6/ 260)، وابن ماجه (871)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1678)، وابن خزيمة (593) و (667)، والطحاوي في مشكل الآثار (3901)، وابن حبان (1891). وصححه الألباني في الصحيحة (2536)، وصحيح الترغيب (526).

(2)

تهذيب الكمال (20/ ترجمة 4083).

ص: 640

في قوله "يا معشر الشباب

" مبسوطًا وأما عدم إقامة الصلب في الركوع والسجود فلأن الطمأنينة فيهما فرض كما تقدم.

751 -

وَعَن طلق بن عَليّ الْحَنَفِيّ رضي الله عنه: قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا ينظر الله إِلَى صَلَاة عبد لَا يُقيم فِيهَا صلبه بَين ركوعها وسجودها رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات

(1)

.

قوله: "وعن طلق بن على الحنفي رضي الله عنه" [هو طلق بن علي بن المنذر بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم بن مرة بن الدول بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل الحنفي، السحيمي، أبو علي اليمامي، أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل معه في بناءالمسجد

(2)

].

قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين ركوعها وسجودها" نظر الله سبحانه وتعالى عبارة [عن رؤية الله لذلك ليجازى عليه ويثيبه] وتقدم الكلام على عدم إقامة الصلب في الركوع والسجود في الأحاديث قبله.

(1)

أخرجه أحمد 4/ 22 (16283) ومن طريقه الضياء في المختارة (8/ 166 رقم 182)، وابن قانع في معجم الصحابة (2/ 40)، والطبراني في الكبير (8/ 338 رقم 8261) ومن طريقه الضياء في المختارة (8/ 167 رقم 183). وقال الضياء: إسناده صحيح. وقال الهيثمي في المجمع 2/ 120: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات. وصححه الألباني في المشكاة (904)، والصحيحة (2536)، وصحيح الترغيب (527).

(2)

تهذيب الكمال (13/ الترجمة 2990).

ص: 641

752 -

وَعَن أبي عبد الله الْأَشْعَرِيّ رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا لَا يتم رُكُوعه وينقر فِي سُجُوده وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَو مَاتَ هَذَا على حَاله هَذِه مَاتَ على غير مِلَّة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ثمَّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مثل الَّذِي لَا يتم رُكُوعه وينقر فِي سُجُوده مثل الجائع يَأْكُل التمرة والتمرتين لَا تُغنيَانِ عَنهُ شَيْئا قَالَ أَبُو صَالح قلت لأبي عبد الله من حدث بِهَذَا عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ أُمَرَاء الأجناد عَمْرو بن الْعَاصِ وخَالِد بن الْوَلِيد وشرحبيل بن حَسَنَة سَمِعُوهُ من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَأَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه

(1)

.

قوله: وعن أبي عبد الله الأشعري رضي الله عنه: [ذكره أبو الحسن بن سميع في الطبقة الأولى من التابعين، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"، وقال أبو زرعة الدمشقي: لم أجد أحدا سماه

(2)

].

قوله: "أن رسول الله رأى رجلا لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو مات هذا على حاله هذه مات على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم" الحديث اعلم أن من رأى مسيئا في صلاته وسكت عنه فهو شريكه وكذلك

(1)

أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (4/ 247)، وبن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (494) و (635)، وأبو يعلى (7184)، وابن خزيمة (665)، والآجرى في الأربعون حديثا (21)، والطبراني في الكبير (4/ 115 رقم 3840)، والبيهقى في الكبرى (2/ 126 - 127 رقم 2573). وقال الهيثمي في المجمع 2/ 121: رواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى وإسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (528).

(2)

تهذيب الكمال (34/ 21 - 22 ترجمة 7469).

ص: 642

كلما يقدح في صحة الصلاة من نجاسة على ثوبه لا يراها وانحراف عن القبلة بسبب ظلام أو عمى فكل ذلك تجب الحسبة فيه قاله الغزالي وغيره قال وإذا كان المعتكف في المسجد يضيع أكثر أوقاته في الأمر والنهي عما يراه من المنكرات في المسجد ويشتغل به عن التطوع والذكر فليشتغل به فإن هذا أفضل له من ذكره وتطوعه لأن هذا فرض وهي قربة تتعدى فائدتها فهي أفضل من نافلة تقتصر عليه فائدتها والله أعلم فعدم إتمام الركوع والنقر في السجود مبطل للصلاة إذا فقدت الطمأنينة فيه وتقدم الكلام على اللمة في الوضوء وغيره والله أعلم.

قوله: قال أبو صالح قلت لأبي عبد الله من حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" الحديث أبو صالح هذا اسمه [قيل اسمه: بركان، وقيل: هما اثنان، وهو أقوى وقال أبو زرعة الرازي: لا يعرف اسمه، وقال أبو حاتم: لا بأس به

(1)

] وأبو عبد الله هو الأشعري [لا يعرف اسمه].

قوله: "قال أمراء الأجناد عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم" قيل المراد به أمراء مدن الشام الخمسة فلسطين والأردن وحمص وقنسرين ودمشق قاله ابن الجوزي وقال أبو الحسن الحنائي اللغوي الشام خمسة أجناد يعني أجناد الشام

(2)

وكان عمر يقسمها على أربعة أمراء مع كل أمير جند ثم جمعهم آخرا على

(1)

تهذيب الكمال (33/ ترجمة 7434)، والمقتنى (1/ 312).

(2)

كشف المشكل (1/ 217).

ص: 643

معاوية قاله عياض

(1)

. أما عمرو بن العاص فتقدم الكلام على مناقبه.

وأما خالد بن الوليد فكنيته أبو سليمان وقيل أبو الوليد خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي سيف الله، وقصته أنه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني جذيمة بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولوا صبئنا فجعل يقتل ويأسر فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع يديه وقال "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" وأمه لبابة الصغرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين ولبابة الكبرى امرأة العباس، أسلم بعد الحديبية وكانت الحديبية في شهر ذي القعدة سنة ست من الهجرة وشهد غزوة مؤته وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سيف الله وشهد خيبر وفتح مكة وحنينا روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على حديث واحد وكان رضي الله عنه من المشهورين بالشجاعة والشرف والرياسة وأوصله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أكيدر صاحب رومة فأسره وأحضره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصالحه على الجزية وأرسله إلى بلده وأمره أبو بكر الصديق رضي الله عنه على قتال مسيلمة الكذاب والمرتدين باليمامة وكان له في قتالهم الأثر العظيم وتوفي رضي الله عنه في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة إحدى وعشرين وكانت وفاه بحمص وقبره مشهور على نحو ميل من حمص وقيل توفي بالمدينة قاله أبو زرعة والدمشقي عن دحيم والصحيح الأول وحزن عليه عمر والمسلمون حزنًا عميقًا، وقال الواقدي: كان خالد بن الوليد يشبه عمر بن الخطاب في خلقه وصفته، وكلم

(1)

مشارق الأنوار (1/ 156).

ص: 644

علقمة بن علاثة عمر بن الخطاب ليلة في السحر فظن أنه خالد بن الوليد لشبهه به وشهد خالد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وحنينًا والطائف وتبوك وخرج معه في حجة الوداع وثبت خالد يوم مؤتة وحمل اللواء وتثلمت في يده تسعة أسياف في ذلك اليوم أو ثمانية وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم أسد الله ومناقبه كثيرة مشهورة

(1)

رضي الله عنه.

وأما شرحبيل بن حسنة فكنيته أبو عبد الله وحسنة أمه ولها صحبة واسم أبيه عبد الله بن المطاع بن الغطريف بن عبد العزى السهمي وقيل الكندي أسلم شرحبيل قديما وأخواه لأمه جنادة وجابر وهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة وكان شرحبيل من مهاجرة الحبشة وهو أحد الأجناد الذين بعثهم أبو بكر الصديق لفتح الشام، قال أحمد بن عبد الله العجلي شرحبيل بن حسنة مصري حسنة أمه

(2)

واستعمله أبو بكر ثم عمر على جيوش الشام وفتوحه ولم يزل واليا لعمر على بعض نواحي الشام وقيل على ينبع من أرباعها إلى أن توفي في طاعون عمواس في سنة ثماني عشرة وله سبع وستون سنة طعن هو وأبو عبيدة بن الجراح في يوم واحد ومناقبه كثيرة

(3)

وتقدم الكلام على مناقبه.

(1)

تاريخ دمشق (16/ الترجمة 1922)، وتهذيب الأسماء واللغات (1/ 172 - 174 ترجمة 142).

(2)

الثقات (1/ 216).

(3)

الاستيعاب (2/ الترجمة 1167)، وتاريخ دمشق (22/ الترجمة 2729)، وأسد الغابة (2/ ترجمة 2409).

ص: 645

753 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن الرجل ليُصَلِّي سِتِّينَ سنة وَمَا تقبل لَهُ صَلَاة لَعَلَّه يتم الرُّكُوع وَلَا يتم السُّجُود وَيتم السُّجُود وَلَا يتم الرُّكُوع. رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ وَينظر سَنَده

(1)

.

754 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمًا لأصحابه وَأَنا حَاضر لَو كَانَ لاحدكم هَذِه السارية لكره أَن تجدع كَيفَ يعمد أحدكُم فيجدع صلَاته الَّتِي هِيَ لله فَأتمُّوا صَلَاتكُمْ فَإِن الله لَا يقبل إِلَّا تَاما رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن

(2)

.

الجدع قطع بعض الشَّيْء.

قوله: "وعن أبي هريرة رضي الله عنه" تقدم الكلام على مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "لو كان لأحدكم هذه السارية لكره أن تجدع" الحديث. الجدع قطع بعض الشيء قاله الحافظ ولم يضبطه بالحروف، وضبطه غيره فقال: الجدع بفتح الجيم وبالدال المهملة الساكنة

(3)

.

(1)

أخرجه ابن عدى في الكامل (9/ 129)، والأصبهاني في الترغيب (1922). قال ابن عدى: وهذا الحديث بهذا الإسناد والمتن غير محفوظ. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (529).

(2)

أخرجه الطبراني في الأوسط (6/ 241 - 242 رقم 6296). وقال: لم يرو هذا الحديث عن بلال بن يحيى بن طلحة إلا عبد الملك بن يحيى بن الزبير، تفرد به خالد بن يزيد العمري. وقال الهيثمي في المجمع 2/ 121 - 122: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وحكم عليه بالوضع الألباني في الضعيفة (5282)، وضعيف الترغيب (277).

(3)

مشارق الأنوار (1/ 141).

ص: 646

قوله صلى الله عليه وسلم: "كيف يعمد أحدكم فيجدع صلاته التي هي لله" يعمد بكسر الميم في المضارع وفتحها في الماضي أي يقصد.

قوله صلى الله عليه وسلم: "فأتموا صلاتكم فإن الله لا يقبل إلا تامًّا" سيأتي الكلام على إتمام الركوع والسجود في حديث المسيء صلاته.

755 -

وَعَن بِلَال رضي الله عنه أَنه أبْصر رجلا لَا يتم الرُّكُوع وَلَا السُّجُود فَقَالَ لَو مَاتَ هَذَا لمات على غير مِلَّة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات

(1)

.

قوله: وعن بلال رضي الله عنه هو أبو عبد الله بلال بن رباح الحبشي التيمي مولى أبو بكر الصديق وأمه حمامة مولاة لبني جمح وكان بلال رضي الله عنه قديم الإسلام والهجرة شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتراه أبو بكر الصديق بخمس أواق وقيل بسبع وقيل بتسع وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، وكان بلال يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حياته سفرا وحضرا وهو أول من أذن في الإسلام ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الشام للجهاد فأقام بها إلى أن مات وكان عمر رضي الله عنه يقول أبو بكر سيدنا أعتق سيدنا توفي بدمشق سنة عشرين وقيل سنة إحدى وعشرين وقيل غير ذلك

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (1/ 259 رقم 2981)، والخلال في السنة (1318)، والطبراني في الأوسط (3/ 127 رقم 2691) والكبير (1/ 356 رقم 1085). وفى جميعهم على غير ملة عيسى عليه السلام. وفرق ابن كثير بين لفظى الأوسط والكبير للطبراني فقال في الكبير: على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال: لم يرو هذا الحديث عن مفضل إلا يحيى. قال الهيثمي في المجمع 2/ 121: رواه الطبراني في الأوسط والكبير غير أنه قال في الكبير: لمات على غير ملة عيسى عليه السلام ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (530).

ص: 647

وكان رضي الله عنه أدم اللون شديد الأدمة نحيفا طوالا خفيف العارضين قال ابن عبد البر ولبلال أخ اسمه خالد وأخت اسمها عفرة ولم يعقب بلال وتقدم الكلام أيضًا على شيء من مناقبه

(1)

.

قوله: "أنه أبصر رجلا لا يتم الركوع ولا السجود فقال: لو مات هذا لمات على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم" تقدم الكلام على إتمام الركوع والسجود والمراد بملة محمد صلى الله عليه وسلم الإسلام وتقدم الكلام على الملة في الوضوء وغيره.

756 -

وَرُوِيَ عَن عَائِشَة رضي الله عنها عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن للصَّلَاة الْمَكْتُوبَة عِنْد الله وزنا من انْتقصَ مِنْهَا شَيْئا حُوسِبَ بهِ فِيهَا على مَا انْتقصَ رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ

(2)

.

757 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا ينظر الله إِلَى عبد لَا يُقيم صلبه بَين رُكُوعه وَسُجُوده رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد

(3)

.

758 -

وَرُوِيَ عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: نهاني رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن أَقرَأ وَأَنا رَاكِع، وَقَالَ:"يَا عَليّ مثل الَّذِي لَا يُقيم صلبه فِي صلَاته كَمثل حُبْلَى حملت فَلَمَّا دنا نفَاسهَا أسقطت فَلَا هِيَ ذَات حمل وَلَا هِيَ ذَات ولد" رَوَاهُ أَبُو يعلى

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 136 - 137 ترجمة 88).

(2)

أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب (1919). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (5294) وضعيف الترغيب (278).

(3)

أخرجه أحمد 2/ 525 (10799). وقال الهيثمي في المجمع 2/ 120: رواه أحمد من رواية عبد الله بن زيد الحنفي عن أبي هريرة ولم أجد من ترجمه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (531).

ص: 648

والأصبهاني وَزَاد: "مثل الْمُصَلِّي كَمثل التَّاجِر لَا يخلص لَهُ ربحه حَتَّى يخلص لَهُ رَأس مَاله كَذَلِك الْمُصَلِّي لَا تقبل نافلته حَتَّى يُؤَدِّي الْفَرِيضَة"

(1)

.

قوله: "عن علي رضي الله عنه" هو علي بن أبي طالب تقدم الكلام على مناقبه.

قوله: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ وأنا راكع" الحديث.

وإنما نهي عن ذلك لأن كل موضع مخصوص بشيء والركوع والسجود هما غاية الذل والركوع مخصوصين بالذكر والتسبيح فنهى صلى الله عليه وسلم عن القراءة فيهما كأنه كره أن يجمع بين كلام الله وكلام الناس

(2)

ففيه النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود وإنما وظيفة الركوع التسبيح ووظيفة السجود التسبيح والدعاء فلو قرأ في ركوع أو سجود غير الفاتحة كره ولم تبطل صلاته وإن قرأ الفاتحة ففيه وجهان لأصحابنا أصحهما أنه كغير الفاتحة فيكره ولا تبطل صلاته والثاني يحرم فتبطل صلاته هذا إن كان عمدا عند الشافعي

(3)

.

واعلم أن الذكر في الركوع والسجود سنة عندنا وعند جماهير العلماء فلو تركه عمدا أو سهوا لم تبطل صلاته ولا يأثم ولا يسجد للسهو، وذهب

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة كما في إتحاف الخيرة (2/ 193 رقم 1321/ 1)، وأبو يعلى (315)، والبيهقي في الكبرى (2/ 542 رقم 4005) والشعب (4/ 558 رقم 3015)، والخطيب في تلخيص المتشابه (1/ 415)، والأصبهاني في الترغيب (1913). قال البوصيري في اتحاف الخيرة 2/ 195: ومدار هذا الحديث على موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (279).

(2)

غريب الحديث (1/ 632)، والنهاية (2/ 259).

(3)

شرح النووي على مسلم (4/ 197).

ص: 649

الإمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه واجب

(1)

فينبغي للمصلي المحافظة عليه للأحاديث الصحيحة الصريحة في الأمر به كحديث: "أما الركوع فتعظم فيه الرب"

(2)

وغيره من الأحاديث وليخرج عن خلاف العلماء رضي الله عنهم.

759 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه: قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَسْوَأ النَّاس سَرقَة الَّذِي يسرق صلَاته قَالَ وَكَيف يسرق صلَاته قَالَ لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ

(3)

.

760 -

وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا من مصل إِلَّا وَملك عَن يَمِينه وَملك عَن يسَاره فَإن أتمهَا عرجا بهَا وَإِن لم يُتمهَا ضربا بهَا على وَجهه رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ

(4)

.

(1)

شرح النووي على مسلم (4/ 197).

(2)

أخرجه مسلم (207 - 479) و (214 - 481) عن ابن عباس.

(3)

أخرجه إسحاق (391)، وابن حبان (1888)، والطبراني في الأوسط (5/ 59 رقم 4665) والشاميين (2347)، والحاكم (1/ 229) وعنه البيهقي في الكبرى (2/ 539 رقم 3997) والشعب (4/ 481 - 482 رقم 2848). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي، عن يحيي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة إلا ابن أبي العشرين وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع 2/ 120: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين وثقه أحمد وأبو حاتم وابن حبان وضعفه دحيم وقال النسائي: ليس بالقوي وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في المشكاة (885)، صلاة التراويح (ص 119 - 120)، وحسنه في صحيح الترغيب (533).

(4)

أخرجه الأصبهاني في الترغيب (1914)، وابن الجوزي في العلل (755)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (2311). قال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن عبد العزيز عن يحيى =

ص: 650

761 -

وَعَن النُّعْمَان بن مرّة رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا ترَوْنَ فِي الشَّارِب وَالزَّانِي وَالسَّارِق وَذَلِكَ قبل أَن تنزل فيهم الْحُدُود قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ هن فواحش وفيهن عُقُوبَة وأسوأ السّرقَة الَّذِي يسرق صلَاته قَالُوا وَكَيف يسرق صلَاته قَالَ لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها رَوَاهُ مَالك

(1)

وَتقدم فِي بَاب الصَّلَاة على وَقتهَا حَدِيث أنس عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَفِيه وَمن صلاهَا لغير وَقتهَا وَلم يسبغ لَهَا وضوءها وَلم يتم لَهَا خشوعها وَلَا ركوعها وَلَا سجودها خرجت وَهِي سَوْدَاء مظْلمَة تَقول ضيعك الله كَمَا ضيعتني حَتَّى إِذا كَانَت حَيْثُ شَاءَ الله لفت كمَا يلف الثَّوْب الْخلق ثمَّ ضرب بهَا وَجهه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ

(2)

.

قوله: وعن النعمان بن مرة رضي الله عنه هو النعمان بن مرة [الأنصاري الزرقي المدني ذكره ابن مندة، وقال: أخرج في الصحابة، وهو تابعي، روى عنه يحيى

= ولم يروه عنه غير الوليد. قال ابن الجوزي: قلت قال علي بن الحسين بن الجنيد أما عبد العزيز لا يساوي فلسا يحدث بأحاديث كذب. وضعفه الألباني في الضعيفة (4497) وضعيف الترغيب (280).

(1)

أخرجه مالك (462) وعنه الشافعي في المسند (223) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (8/ 364 رقم 16902) وابن عبد البر في الجامع (765). وصححه الألباني في المشكاة (886) وصحيح الترغيب (534).

(2)

أخرجه الطبراني في الأوسط (3/ 263 رقم 3095). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حميد الطويل، عن أنس إلا عباد بن كثير، تفرد به عبد الرحمن بن سليمان، وأبو عبيدة هو حميد الطويل. وقال الهيثمي في المجمع 1/ 302: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير، وقد أجمعوا على ضعفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (220) و (280).

ص: 651

بن سعيد الأنصاري. وقال ابن حاتم، عن أبيه: حديثه مرسل، وله رواية عن علي، وقال العسكري: لا صحبة له، وذكره البخاري ومسلم في التابعين وقال النسائي ثقة

(1)

].

قوله صلى الله عليه وسلم: "وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته، قالوا: وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها" السرقة بفتح الراء جمع سارق مثل كتبة وكاتب وهذه رواية ابن حمدين وبعضهم وعند الكافة "وأسوأ السرقة" بكسر الراء عند الكافة وخبر المبتدأ مضمر تقديره سرقة الذي يسرق صلاته

(2)

وتقدم الكلام على إتمام الركوع والسجود.

762 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رجلًا دخل الْمَسْجِد وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم جَالس فِي نَاحيَة الْمَسْجِد فصلى ثمَّ جَاءَ فَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْك السَّلَام ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل فصلى ثمَّ جَاءَ فَسلم فَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَام ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل فصلى ثمَّ جَاءَ فَسلم فَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَام ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل فَقَالَ فِي الثَّانِيَة أَو فِي الَّتِي تَلِيهَا عَلمني يَا رَسُول الله فَقَالَ إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فأسبغ الْوضُوء ثمَّ اسْتقْبل الْقبْلَة فَكبر ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكعًا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تستوي قَائِمًا ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدًا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن جَالِسًا ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا وَفِي رِوَايَة ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تستوي قَائِمًا يَعْنِي من السَّجْدَة الثَّانِيَة

(1)

تهذيب الكمال (29/ الترجمة 6446)، والإصابة (6/ الترجمة 8920).

(2)

مطالع الأنوار (5/ 481).

ص: 652

رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَقَالَ فِي حَدِيثه فَقَالَ الرجل وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أحسن غير هَذَا فعلمني وَلم يذكر غير سَجْدَة وَاحِدَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد فَإِذا فعلت ذَلِك فقد تمت صَلَاتك وَإِن انتقصت من هَذَا فَإِنَّمَا انتقصته من صَلَاتك

(1)

.

قوله: "وعن أبي هريرة رضي الله عنه" تقدم الكلام على مناقبه.

قوله: "أن رجلا دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد فصلى ثم جاء فسلم عليه" الحديث هذا الرجل المذكور في الحديث قال ابن بشكوال اسمه خلاد بن رافع الزرقي الأنصاري

(2)

أخو رفاعة بن رافع شهد بدرًا ويكنى بأبي يحيى خرج رافع وخلاد مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر على بعير أعجف حتى إذا كانوا بموضع البريد الذي خلف الروحاء برك بهما البعير فقال اللهم لك علينا إن أتينا بدرا أن ننحره قال فبينا نحن كذلك إذ مر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما لكما فأخبرناه فنزل صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم بزق في وضوءه ثم أمرنا ففتحنا فم البعير فصب في جوفه من وضوءه ثم صب على رأسه ثم على عنقه ثم على عاركه ثم على سنامه ثم على عجزه ثم على ذنبه ثم قال احمل رافعًا وخلادًا فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمنا نرتحل فارتحلنا فأدركنا النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

أخرجه البخاري (757) و (793) و (6251 و 6252) و (6667)، ومسلم (45 و 46 - 397)، وابن ماجه (1060)، وأبو داود (856)، والترمذي (303) و (2692)، والنسائي في المجتبى 2/ 318 (896) والكبرى (1048).

(2)

غوامض الأسماء المبهمة (2/ 582 - 584).

ص: 653

على رأس المنصف وبعيرنا أول الركب فلما رآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى أتينا بدرا حتى إذا قربنا من وادي بدر برك علينا فقلنا الحمد لله فنحرناه وتصدقنا بلحمه

(1)

أهـ. قاله في الديباجة. ففي هذا الحديث دليل على صحة صلاة المنفرد وأن الجماعة غير واجبة وغير شرط في صحة الصلاة

(2)

.

وقوله: "ثم جاء فسلم فقال: وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل" قيل أنه لم يكمل رد السلام عليه تنبيها له على تنقيصه الصلاة

(3)

وفيه دليل على استحباب السلام عند اللقاء ووجوب رده وأنه يستحب تكراره إذا تكرر اللقاء وإن قرب العهد أنه يجب رده في كل مرة

(4)

وكذا لو حال بين الماشيين شجرة أو جدار فإنه يلقي السلام ويجب الرد هكذا السنة

(5)

، وفيه أن تحية المسجد مقدمة على سلام الحاضرين

(6)

إذا بعدوا عنه أما لو صغر المسجد بحيث أنه يكون معهم حال دخوله فيبدأ بالسلام وفيه أن صيغة الجواب

(1)

أخرجه البزار (3728)، والطبراني في الكبير (4/ 200 رقم 4135)، وابن منده في معرفة الصحابة (ص 502 - 503)، وأبو نعيم في المعرفة (2489). قال البزار: لا يروي هذا إلا رفاعة، ولا له عنه إلا هذا الطريق. قال الهيثمي في المجمع 6/ 74: رواه البزار بتمامه والطبراني ببعضه، وفيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك.

(2)

العدة (1/ 341)، والإعلام (3/ 181).

(3)

عارضة الأحوذى (1/ 176).

(4)

شرح النووي على مسلم (4/ 107).

(5)

الإعلام (3/ 179).

(6)

النفح الشذى (4/ 580)، وزاد المعاد (2/ 377)، وفتح البارى (7/ 169).

ص: 654

وعليكم السلام أو وعليك السلام وهذه الواو مستحبة عند الجمهور وقيل واجبة وليس بشيء والصواب الأول

(1)

ولكن الأفضل أن يأتي بها وأن يتمم السلام إلى قوله وعليك وأن يبدأ بهذه إلا أنه أبلغ في الإكرام وأن الاقتصار على عليك أمر به في الرد على أهل الكتاب فينبغي أن يميز بينهم

(2)

وفيه دليل على أن من ترك بعض واجبات الصلاة لا تصح صلاته ولا يسمى مصليا

(3)

وفيه دليل على أن من حلف لا يصلي فأحرم بالصلاة وفسدت صلاته أو أفسدها عامدًا لا يحنث لكن الذي رجحه الأصحاب أنه لو حلف لا يصلي حنث المحرم واستدل بقوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)}

(4)

سماه مصليا بنفس الإتيان بذكر اسمه تعالى وهو تكبيرة الإحرام، ويمكن الجواب عن الحديث بأن الأعرابي لم يأت بإحرام صحيح أو على تقدير لم تصل صلاة مجزئة

(5)

.

تنبيه: فإن قيل: كيف أقره رسول الله مرارا أن يصلي صلاة فاسدة وهلا أعلمه في المرة الأولى؟ قيل: لعله لم يشاهد أفعاله، وهذا القول ضعيف فإن البيهقي روى هذا الحديث وقال فيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقه، والجواب

(1)

شرح النووي على مسلم (4/ 107).

(2)

عارضة الأحوذى (1/ 178).

(3)

شرح النووي على مسلم (4/ 107).

(4)

سورة الأعلي، الآية:15.

(5)

انظر: الحاوى (15/ 390)، وبحر المذهب (10/ 315)، وروضة الطالبين (11/ 66)، والمنثور (2/ 380).

ص: 655

السديد أنه صلى الله عليه وسلم لم يأذن له في صلاة فاسدة لأنه لم يعلم من حاله أنه لم يأت بها في المرة الثانية والثالثة فاسدة لأنه توقع منه في كل مرة إصلاح الحال وحمل ما صدر منه على السهو فلما صرح الرجل بعدم العلم بقوله: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني أرشده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يفعله

(1)

؛ ومنه: الصبر على من وقع منه ما ينكر حتى يفعل ذلك الشيء مرات لاحتمال نسيانه أو غفلته

(2)

؛ وفيه: وجوب النظر في أفعال الجاهلين ليعلموا أمر دينهم

(3)

والله أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم للرجل: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء" الحديث، فيه الاستدلال بالقرائن على وجوب الطهارة

(4)

لقوله: "فأسبغ الوضوء" لأنه صلى الله عليه وسلم لم يره يتوضأ حتى علم أنه لم يسبغ الوضوء ولكن دل تقصيره في المقاصد والأركان على تقصيره في الوسائل، وإنما حض على الإسباغ لأنه مما يتساهل فيه وصحة الصلاة متوقفة عليه، وتقدم معنى الإسباغ في باب الوضوء وغيره بعبارات متنوعة، وفيه: أيضا دليل وجوب القيام فيها بقوله إذا قمت إلى الصلاة

(5)

.

(1)

شرح النووي على مسلم (4/ 108 - 109).

(2)

العدة (1/ 505)، والإعلام (3/ 180).

(3)

العدة (1/ 506) والإعلام (3/ 180).

(4)

شرح النووي على مسلم (4/ 108).

(5)

العدة (1/ 506) والإعلام (3/ 181).

ص: 656

قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم استقبل القبلة" فيه دليل أيضًا على وجوب استقبال القبلة، والقبلة الكعبة سميت قبلة لأن المصلي يقابلها، وسميت كعبة لارتفاعها، وقيل: لاستدراتها، والاستقبال الواجب معتبر بالصدر لا بالوجه، والفرض في حق القريب إصابة عينها وفي البعيد قولان الأصح العين أيضًا لكن بالظن والثاني الجهة لما صححه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما بين المغرب والمشرق قبلة"

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم كبر" فيه دليل أيضا على وجوب لفظ التكبير وأنه يجب إيقاعه في حالة القيام حتى لو كبر في حالة الانحناء بحيث لا يسمى قائمًا لم يصح، وفيه دليل على تعيين لفظ التكبير وأنه لا يقوم أعظم وأجل ونحوهما مقام التكبير خلافا لأبي حنيفة فأجاز بما دل على التعظيم بأي لفظ أراد لأن العبادات محل التعبدات فالاحتياط الإتباع

(2)

.

تنبيه: شروط التكبير ثلاثة: أن لا يمد على الألف ولا الياء ولا يبدل الهمزة بالواو ويشترط في التكبير جزم الراء لقوله صلى الله عليه وسلم: "التكبير جزم"

(3)

فلو ضم الراء من أكبر لم تصح صلاته كما قاله ابن يونس في شرح التنبيه، ولو

(1)

أخرجه ابن ماجه (1011)، والترمذي (342 و 343 و 344) عن أبي هريرة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في المشكاة (715)، والإرواء (292).

(2)

المجموع (3/ 302)، وعمدة السالك (ص 46).

(3)

لا أصل له وإنما هو قول لإبراهيم النخعي. انظر: البدر المنير (3/ 516)، والتلخيص الحبير (1/ 550)، والإجوبة المرضية (ص 1/ 377).

ص: 657

قال: أصلي الظهر مأمومًا أو إمامًا الله أكبر فالأولى أن يقطع الهمزة من قوله الله وليخففها، فإن وصلها خلاف الأولي، ولكن تصح صلاته كذا في شرح المهذب والتحقيق وأفتى به ابن الصلاح وابن عبد السلام، والحكمة في استفتاح الصلاة بالتكبير استحضار المصلي عظمة من يهيأ لخدمته والموقوف بين يديه ليمتلئ هيبة فيحضر قلبه ويخشع ولا يعبث، وسميت تكبيرة الإحرام لأنه يحرم بها عليه ما كان حلالا قبلها من مفسدات الصلاة كالأكل والكلام ونحوهما، ويتعين على القادر الله أكبر، ومعنى الله أكبر: أي من كل شيء قاله الكمال الدميري

(1)

.

فائدة: النية مقارنة للتكبير، وفي كيفية المقارنة وجهان أحدهما أن يبتدئ النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان ويفرغ منها مع فراغه منه وأصحهما وهو مراد النووي أن يوجد النية مع أول التكبير ويستمر إلى آخره، واختار في شرحي المهذب والوسيط تبعا للإمام والغزالي في الإحياء أن المراد المقارنة العرفية بحيث يعد مستحضرا للصلاة غير غافل عنها، قال النووي: وهو الصواب

(2)

.

واعلم أن السنة الشريفة لا تقتضي شيئًا مما يقوله الفقهاء من التشديد في مقارنة النية بالتكبير، والنية محلها القلب لأنها القصد فلا يكفي النطق مع غفلة القلب بالإجماع

(3)

، ولأن الصلاة قربة محضة فلا تصح بغير نية

(1)

النجم الوهاج (2/ 91 - 92).

(2)

المجموع (3/ 278)، والنجم الوهاج (2/ 96 - 97).

(3)

النجم الوهاج (2/ 88).

ص: 658

كالصوم، وأجمع الأمة على اعتبار النية في الصلاة وبدأها بها لأن الصلاة لا تنعقد إلا بها

(1)

ولا يجب النطق باللسان لكن يستحب أن يقول أصلي فرض الظهر أو العصر مثلا وقلبه حاضر، ولا يجب عليه غير هذه الثلاثة، قد ذكر العلماء رضي الله عنهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يسمع منه غير التكبير كما تقدم، قال العلماء: ويرفع يديه حذو منكبيه فقد أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام

(2)

، وذكر لذلك حكمتان أن الكفرة كانوا إذا قاموا إلى الصلاة جعلوا آلهتهم تحت أباطهم فكانوا لا يرفعون أيديهم لأنهم لو رفعوها سقطت الآلهة التي لهم فأمرنا بعدم التشبه بهم وبالتبرى بهذا الفعل عن آلهتهم

(3)

؛ الثانية أن المصلي يقبل بين يدي الله تعالى ويترك الدنيا خلف ظهره فكأنه يدفع الدنيا ويرمي بها خلف ظهره برفع يديه ثم يقبل على الله تعالى

(4)

، وفي بعض التفاسير في قوله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)}

(5)

ارفع يديك في الصلاة

(6)

، وأما صفة الرفع المشهور من مذهب الشافعي ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث يحاذي أطراف أصابعه

(1)

النجم الوهاج (2/ 85).

(2)

شرح النووي على مسلم (4/ 95).

(3)

نفائس الأصول (8/ 3639)، والعدة (1/ 459)، والإعلام (3/ 63 - 64).

(4)

شرح النووي على مسلم (4/ 96).

(5)

سورة الكوثر، الآية:2.

(6)

تفسير الثعلبي (10/ 312)، والنكت والعيون (6/ 355)، والتفسير البسيط (24/ 380 - 381).

ص: 659

فروع أذنيه أي أعلا أذنيه وإبهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه، فهذا معنى قولهم حذو منكبيه، وبهذا احتج الشافعي بين رواية الأحاديث فاستحسن الناس ذلك منه والله أعلم قاله الكمال الدميرى في شرح المنهاج

(1)

.

تنبيه: أخذ الشمال باليمين بها الصلاة سنة في حالة القيام والسنة أن يجعلهما تحت صدره فوق سرته، هذا مذهبنا المشهور، وبه قال الجمهور وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق بن راهوية وأبو إسحاق المروزي من أصحابنا يجعلهما تحت سرته [وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه روايتان كالمذهبين وعن أحمد روايتان كالمذهبين ورواية ثالثة أنه مخير بينهما ولا ترجيح وبهذا قال الأوزاعي وبن المنذر] وعن مالك استحباب الموضع بها النقل والإرسال في الفرض وهو الذي رجحه البصريون من أصحابنا، قال العلماء: والحكمة في وضع إحداهما على الأخرى أنه أقرب إلى الخشوع ومنعهما من العبث

(2)

وكيفية الأخذ وأن يقبض بكفه اليمنى آخر اليسري وأول الساعد، قال القفال: ويتخير بين بسط أصابع اليمن في عرض المفصل وبين نشرها في سوى الساعد، وقال في الإحياء يقبض كوعه بإبهامه وكرسوعه بخنصره ويرسل الباقي في صوب الساعد

(3)

قاله في الديباجة.

تتمة: في الحديث الصحيح كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنية

(1)

بل هو قول النووي في شرحه على مسلم المسمى بالمنهاج (4/ 95).

(2)

شرح النووي على مسلم (4/ 114 - 115).

(3)

المجموع (3/ 310)، والنفح الشذى (4/ 373)، وتحفة المحتاج (2/ 102 - 103).

ص: 660

قبل أن يقرأ

(1)

أي لحظة، وفيه: استحباب الفصل بين التكبير والقراءة بالذكر وهو دعاء للتوجه وتقدم ذكره قريبًا، وهذه السكتة تستحب للإمام والمأموم والمنفرد كما يستحب الفصل بين التكبير والقراءة وكذلك يستحب الفصل بين الدعاء المذكور وبين التعوذ وكذلك بين التعوذ والقراءة، وكذلك يستحب الفصل بين {وَلَا الضَّالِّينَ} وآمين حتى لا يتوهم أن آمين من الفاتحة، وكذلك يستحب الفصل بين آمين وقراءة السورة، وكذلك يستحب بين السورة وتكبيرة الهوي إلى الركوع فهذه سبع سكتات وهم في لحظات يسيرة إلا السكتة بين آمين وقراءة السورة فإنه يستحب للإمام أن يطولها في الصلاة الجهرية بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة ويشتغل فيها بالقراءة سرا على الأصح في شرح المهذب والله أعلم، وتقدم في التأمين بعد الفاتحة أن السكتات خمس وإنما أعدت ذكر السكتات هنا لزيادتها على الخمس

(2)

كما تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" فيه دليل على وجوب القراءة في الصلاة وفيه رد على الحسن بن صالح [وأبو بكر الأصم] حيث قالا لا تجب القراءة فى الصلاة أصلًا

(3)

وحكاه القاضي عياض عن علي بن أبي طالب وربيعة ومحمد بن أبي صفرة من أصحاب

(1)

أخرجه البخاري (744)، ومسلم (147 - 598) عن أبي هريرة.

(2)

انظر: المجموع (3/ 395)، والمطلع (ص 124)، والقول التمام (ص 69 - 70).

(3)

الحاوى (2/ 103)، والمجموع (3/ 327)، والتوضيح (7/ 54) وزاد في التوضيح ابن عيينة معهما.

ص: 661

مالك وهي رواية شاذة عن مالك رحمه الله أنه لا يجب قراءة أصلا وله قول آخر بوجوبها في كل ركعة، واختلف القائلون في الوجوب فذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين إلى أنه تجب قراءة الفاتحة لأنها متيسرة لأنه لا يخلو في الغالب أحد عن حفظها من صغير وكبير وذكر وأنثى أو على مما زاد على الفاتحة بعدها ولا يجزئ غيرها إلا لعاجز عنها، والصحيح الذي عليه الجمهور وجوب الفاتحة في كل ركعة وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وفي مذهب مالك قولان الفاتحة كافية مرة واحدة في الصلاة كلها وقول ثان بأنها تقرأ في معظم الصلاة وقال أبو حنيفة وطائفة قليلة لا تجب الفاتحة بل الواجب ما يسمى قرآنا لقوله صلى الله عليه وسلم "اقرأ ما تيسر معك من القرآن"

(1)

وأجيب عن ذلك بحمل الحديث على أن الرجل كان يحسن الفاتحة أو على أنه كان عاجزا إذ ذاك عنها وهذا التأويل يتعين جمعا بين الأدلة

(2)

ودليل الجمهور أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بأم القرآن"

(3)

أي صلاة مجزئة وبدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" رواه ابن خزيمة في صحيحة بإسناد

(1)

شرح النووي على مسلم (4/ 103)، وإكمال إكمال المعلم (2/ 149)، والعدة (1/ 501 - 502)، والإعلام (2/ 172).

(2)

إحكام الأحكام (1/ 261 - 262)، والعدة (1/ 502 - 503).

(3)

أخرجه البخاري (756)، ومسلم (34 و 35 و 37 - 394)، وابن ماجه (837)، وأبو داود (822)، والترمذي (247)، والنسائي في المجتبى 2/ 338 (922)، وابن حبان (1786) و (1793) عن عبادة بن الصامت.

ص: 662

صحيح وكذا رواه أبو حاتم ابن حبان

(1)

وروى الشافعي رحمه الله بإسناده في حديث المسيء صلاته قال له كبر ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ

(2)

وهذا أمس في الدلالة من حديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" لأنه يقتضي الفاتحة في الأولى قاله في مختصر الكفاية

(3)

وفي رواية لابن حبان "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر"

(4)

وحمل قوله "وما تيسر" وكذا قوله "وما شاء الله" على أنه جمع لهم بين الفرض والسنة في ذلك للجمع بين ذلك وبين الأحاديث الواردة بإفرادها وأما حديث "اقرأ ما تيسر معك من القرآن" من غير الفاتحة عند ضيق الوقت عن تعلم الفاتحة ثم لا فرق في وجوب قراءة الفاتحة بين الإمام والمأموم والمنفرد ومما يؤكد وجوبها على المأموم قول أبي هريرة رضي الله عنه. اقرأ بها في نفسك ومعناه اقرأ سرا بحيث تسمع نفسك وفي وجه أنها تسقط عن المأموم أيضا والصواب الأول

(5)

.

(1)

أخرجه ابن خزيمة (490) وابن حبان (1788). وصححه الألباني في الإرواء (502).

(2)

أخرجه الشافعي في المسند (221)، وأحمد 4/ 340 (18995)، وأبو داود (859)، وابن حبان (1787). وصححه الألباني في المشكاة (804) وصحيح أبي داود (805).

(3)

كفاية النبيه (3/ 105 - 106).

(4)

أخرجه أبو داود (818)، وابن حبان (1790) عن أبي سعيد. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (777).

(5)

المجموع (3/ 367) وشرح النووي على مسلم (4/ 103).

ص: 663

وقوله صلى الله عليه وسلم "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"

(1)

إن صح فمحمول على المسبوق

(2)

والله أعلم.

تنبيهات في الفاتحة: الأول: مذهب الشافعي وطوائف من الخلف والسلف أن البسملة آية من الفاتحة وأنه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة

(3)

واستدلوا بقول ابن عباس: من ترك البسملة فقد ترك مائة وأربعة عشر آية من القرآن

(4)

، يعني أنها أول آية من أول كل سورة وفي القرآن مائة وأربع عشرة سورة فإذا ترك البسملة من كل سورة فقد ترك مائة وأربع عشرة آية.

الثاني: قال العلماء يستحب قراءة سورة بعد الفاتحة، قال أصحابنا الشافعية وغيرهم: إن قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة قدر ما من طويلة لأن المستحب للقارئ أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط ويقف عند انتهاء المرتبط، وقد يخفى الارتباط على أكثر الناس أو كثير منهم فندب إلى

(1)

أخرجه ابن ماجه (850). وقال البخاري في القراءة خلف الإمام (ص 8): هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم لإرساله وانقطاعه رواه ابن شداد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البخاري: وروى الحسن بن صالح، عن جابر، عن أبي الزبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يدري أسمع جابر من أبي الزبير. وحسنه الألباني في الإرواء (500).

(2)

الحاوى (2/ 143).

(3)

شرح النووي على مسلم (4/ 111).

(4)

الصواب أنه عن عبد الله بن المبارك كما في الشعب (4/ 24 رقم 2135) بلفظ: من ترك {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في فواتح السور، فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من القرآن.

وروى عن ابن عباس بلفظ: من ترك {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقد ترك آية من كتاب الله عز وجل. انظر الشعب (4/ 24)، والتعليقة (2/ 792) وكفاية النبيه (3/ 119).

ص: 664

كمال السورة ليحترز عن الوقوف دون الارتباط

(1)

والله أعلم.

فائدة: يجب النهي على من يسمع قارئا يلحن في قراءته ويجب أن يلقنه الصحيح كذا قال الغزالي، ولم يفرق في الوجوب بين اللحن الذي يفسد المعنى واللحن الذي لا يفسد، ويحتمل أن يقال إن أفسد المعنى وجب النهي وإلا استحب وإن كان لا يطاوعه اللسان فإن كان أكثر ما يقرأه لحنا فليتركه وليجتهد في تعلم الفاتحة وتصحيحها وإن كان الأكثر صحيحا وليس بقدر على التسوية فلا بأس له أن يقرأ ولكن ينبغي أن يخفض صوته ويمنعه سرا منه أيضا وحذرا ولكن إذا كان ذلك منتهى قدرته وكان له أنس بالقراءة وحرص عليها فلست أرى به بأسا انتهى قاله ابن النحاس

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم للرجل "ثم اركع حتى تطمئن راكلعا" قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}

(3)

الآية، الركوع في اللغة الانحناء وقيل الخضوع

(4)

، ورأى حذيفة رضي الله عنه رجلا لا يقيم صلبه في الركوع فقال ما صليت وإن مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدا صلى الله عليه وسلم عليها رواه البخاري

(5)

، أردا بالفطرة دين الإسلام الذي هو منسوب إليه قاله في

(1)

العزيز شرح الوجيز (1/ 507)، والمجموع (2/ 167) وشرح النووي على مسلم (4/ 174).

(2)

تنبيه الغافلين (ص 322).

(3)

سورة الحج، الآية:77.

(4)

تحرير ألفاظ التنبيه (66).

(5)

أخرجه البخاري (791)، وابن حبان (1894).

ص: 665

النهاية

(1)

، فهذا الحديث دليل على وجوب الطمأنينة، والطمأنينة رجوع [كل فقار، إلى مكانه

(2)

وأنها لا بد أن تكون في حالة الركوع والطمأنينة أيضا سكون بين حركتين فلو رفع رأسه عقب التلبس بالركوع لم يكفه

(3)

والله أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم رجل "ارفع حتى تستوي قائما" وفي رواية "حتى تعتدل قائما" أي على الحالة التي كان عليها قبل الركوع لقوله "حتى تعتدل قائما" وقال صلى الله عليه وسلم "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره من الركوع والسجود" رواه أبو داود وغيره وقال الترمذي حديث حسن هذا في صلاة الفرض أما الاعتدال في الركوع والسجود في النفل ففي وجوبه وجهان وأجزأهما القفال في الجلوس بين السجدتين بناء على الخلاف فيما لو صلى القادر النفل قاعدا أو مضطجعا وصحح النووي وجوبه قال أبو حنيفة لا يجب الاعتدال فلو انحط من الركوع إلى السجود أجزأه وعن مالك روايتين كالمذهبين قاله الدميرى

(4)

، ففي هذا الحديث دليل على وجوب الاعتدال عن الركوع ووجوب الطمأنينة كما يجب الجلوس بين السجدتين وتوقف فيه إمام الحرمين وقال في القلب منه شيء لأنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر الطمأنينة للأعرابي في الاعتدال وبين السجدتين وهما ركنان قصيران والجواب أن ابن حبان رواه

(1)

النهاية (3/ 457).

(2)

أخرجه البخاري (828) عن أبي حميد.

(3)

إحكام الأحكام (1/ 256).

(4)

النجم الوهاج (2/ 136).

ص: 666

في صحيحه والإمام الشافعي في الأم وابن عبد البر في التمهيد ولفظه "حتى تطمئن قائما" والصواب وجوبها وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطمئن وقال "صلوا كما رأيتموني أصلي"

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا" وفي الصحيحين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي جالسا

(2)

ففي حديث المسيء صلاته دليل على وجوب الجلوس بين السجدتين ووجوب الطمأنينة في الركوع والسجود كما تقدم وهو مذهب الشافعي والجمهور وقال أبو حنيفة وطائفة يسيرة لا تجب الطمأنينة ولا الجلوس بل يكفي رفع رأسه عن الأرض أدنى رفع ولو كحد السيف وهذا الحديث حجة عليهم وليس عنه جواب صحيح

(3)

.

قوله صلى الله عليه وسلم "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" أي في بقيتها فيه دليل على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة إلا ركعة مسبوق وهو مذهبنا ومذهب الجمهور قال النووي وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة لا تجب القراءة في الركعتين الأخيرتين بل هو بالخيار إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال:

(1)

النجم الوهاج (3/ 137).

(2)

أخرجه مسلم (240 - 498) عن عائشة.

(3)

شرح النووي على مسلم (4/ 108)، والنجم الوهاج (2/ 152).

ص: 667

أحدها: الوجوب في كل ركعة.

والثاني: الوجوب في الأكثر.

والثالث: الوجوب في ركعة واحدة

(1)

.

تنبيه: روى البخاري في هذا الحديث الجلسة بعد السجدة الثانية ولم يقل أحد بوجوبها بل اختلفوا في استحبابها وقد يقال ذكرها له لبيان الأكمل ويؤيد ذلك رواية أبو داود "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت من هذا شيء فإنما انتقصت من صلاتك"

(2)

.

قوله "فقال الرجل والذي بعثك بالحق" أي بالقرآن والإسلام وفي رواية "والذي أتنزل عليك الكتاب ما أحسن غير هذا فعلمني" انتهى وفيه أن المفتي إذا سئل عن شيء وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأل عنه يستحب له أن يذكره له ويكون هذا من النصيحة لا من الكلام فيما لا يعني وموضع الدلالة أنه قال علمني يا رسول الله أي علمني الصلاة فعلمه الصلاة واستقبال القبلة والوضوء وليس من الصلاة ولكنهما شرطان لها، وفيه الرفق بالمتعلم والجاهل وملاطفته وإيضاح المسألة له وتلخيص المقاصد والاقتصار في حقه على المهم دون المكملات الذي لا يحتمل حاله حفظها القيام بها

(3)

.

(1)

العدة (1/ 502)، والإعلام (3/ 172).

(2)

الإعلام (3/ 181 - 182).

(3)

شرح النووي على مسلم (4/ 108).

ص: 668

واعلم أن حديث المسيء صلاته الذي رواه أبو هريرة وأخرج نحوه عن رفاعة بن رافع وهو أخو خلاد المسيء صلاته أن رجلا دخل المسجد فصلى فذكر الحديث إلى آخره وسيأتي بعد الكلام على بقية الحديث حديث المسيء صلاته، قال الطوفي القصة في حديث رفاعة والمسيء صلاته فيما أحسب واحدة لكن رفاعة استقصى فيها أكثر من حديث المسيء صلاته، وقال بعضهم يحتمل أنهما قضيتان ولم يذكر أحد تلك الصلاة ما كانت وقد صرح بها النسائي في حديث رفاعة فصلى ركعتين فلعلهما تحية المسجد فعلهما لما دخل وهم في غير الصلاة، واعلم أن حديث المسيء صلاته سبق لبيان الواجبات دون السنن، وقيل: لم يذكر فيه كل الواجبات، وقيل: واجبات مجمع عليها ومختلف فيها لم تذكر في هذا الحديث منها النية وتقدم الكلام عليها مبسوطًا في هذا الباب وغيره، ومنها التعوذ في التشهد الأخير ومنها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه ومنها السلام، وهذه الثلاثة واجبة عند الشافعي، وقال بوجوب السلام الجمهور وبوجوب التشهد كثيرون وبوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع الشافعي الشعبي والإمام أحمد بن حنبل وأصحابهما ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور أن المشروع تسليمتان ومذهب مالك وطائفة أن المشروع تسليمة واحدة، وهو قول ضعيف عن الشافعي، ومن قال بالتسليمة الثانية فهي عنده سنة، ومنها التشهد وأوجبه كثيرون وهو التحيات وسمي تشهدا لأن فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وهو تفعل من الشهادة، ومنها: التشهد الأول أوجبه الإمام أحمد بن حنبل، ومنها: التسبيحات وتكبيرات الانتقالات عند الإمام

ص: 669

أحمد، ومنها: الترتيب يعني ترتيب الأركان، ومنها: نية الخروج من الصلاة أوجبه بعض أصحاب الشافعي، واعلم أنه قد أستفيد من سرد الروايات أن فيه أمورًا لم تجب ذكرها بعضهم، الأول: إقامة الصلاة، لم يذكر في الحديث فدل على أنها غير واجبة، قلت: هي في أبي داود وقد اختلف فيها فقيل هي فرض كفاية وقيل فرض في الجمعة دون غيرها لوجوب الجمعة فلذلك يجب الدعاء إليها والخلاف فيها، وفي الآذان واحد؛ الثاني: دعاء الاستفتاح سنة لأنه لم يذكر فيه، قلنا: بلى قد ذكر وقع ذلك فهو متفق على عدم وجوبه بل قال مالك رحمه الله بكراهته ومن عزا وجوبه إلى الشافعي فقد وهم؛ الثالث: القعود ورفع اليدين ووضع اليمنى على اليسرى وبقية السنن مما لم يذكر فليس بواجب، وقد ثبتت تسميته بأدلة أخرى؛ الرابع: استدلال بعض المالكية على عدم وجوب التشهد لكونه لم يذكر، قلنا: هو في أبي داود والنسائي وغيرهما ولوجوبه أدلة منها: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد السلام على الله، الحديث، رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح، وقد ثبت الأمر به في الصحيحين؛ الخامس: استقلال الحنفية على عدم وجوب السلام بعدم ذكره فيه، قلنا: لوجوبه أدلة

(1)

منها حديث أبي داود وغيره: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم"

(2)

.

(1)

انظر: شرح النووي على مسلم (4/ 107 - 108)، وإحكام الأحكام (1/ 257)، والعدة (1/ 497 - 498).

(2)

أخرجه ابن ماجه (275)، وأبو داود (61) و (618)، والترمذي (3) عن على. وقال الألباني: حسن صحيح، المشكاة (312 و 313)، الإرواء (301)، صحيح أبي داود (55).

ص: 670

واعلم أن الصلاة شروط وأركان وأبعاض وسنن قد ذكر الفقهاء في كتب الفقه

(1)

.

فأما شروطها فقسمان شروط لوجوبها وهي أربعة الإسلام والعقل والبلوغ والطهارة

(2)

، وأما شروط صحتها فمعرفة دخول الوقت يقينا أو ظنًا

(3)

ومعرفة القبلة

(4)

والطهارة من الحدث والخبث وهو اجتناب النجاسات في بدنه وثوبه ومكانه

(5)

؛ الرابع: ستر العورة، وعورة الرجل من سرته إلى ركبته، وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين حتى لو بان منها شعرة أو من رجلها بعض ظفر فلا تصح صلاتها، وعورة الأمة: كالرجل والأولى ستر بدنها كله

(6)

.

الخامس: معرفة كيفية الصلاة وفرضيتها

(7)

؛ السادس: تمييز فرائضها من سننها وإن كان عاميا، واعتقد أن الجميع فرض صح وإلا لم تصح صلاته وكذلك فى الوضوء إن اعتقد العامى إن اعتقد أن الجميع فرض صح الوضوء

(1)

النجم الوهاج (2/ 84).

(2)

البيان (2/ 9) والغاية والتقريب (ص 8)، وعمدة السالك (1/ 35)، والتذكرة (ص 25).

(3)

روضة الطالبين (1/ 270)، وعمدة السالك (1/ 58)، والنجم الوهاج (2/ 188) وتحفة المحتاج (2/ 110)، ومغنى المحتاج (1/ 296).

(4)

المجموع (3/ 189) والروضة (1/ 209) والمنهاج (ص 24).

(5)

كفاية النبيه (4/ 225).

(6)

المجموع (3/ 167 - 168).

(7)

عمدة السالك (1/ 41).

ص: 671

وإلا لم يصح وضوءه

(1)

، ومما يبطل الصلاة الكلام وأن لا يتكلم في الصلاة بكلام أجنبي لا يتعلق بالصلاة فتبطل بالنطق بحرفين أو حرف معهم (كقِ) من الوقاية و (عِ) من الوعاية

(2)

، ومما يبطلها البكاء ولو كان من الخشية والأنين والضحك والنفخ والتنحنح إلا من الغلبة

(3)

، ويبطلها الفعل الكثير كثلاث ضربات أو خطوات متواليات

(4)

، ويبطلها الأكل ولو سمسسمة والمص مبطل

(5)

فهذه الشروط.

تنبيه: والتحقيق أن شرطها ما يعتبر في صحتها متقدما عليها ومستمرا فيها، والركن ما تركبت منه مع اشتراكهما في أن كلا منهما لا بد منه، وعلى هذا يكون الركن والشرط خاصين تحت أعم وهو الواجب ويمكن استحضار الصلاة دون شروطها، ولا يمكن تصور حقيقتها إلا بتصور جميع أجزائها قاله الكمال الدميري

(6)

.

(1)

انظر: المجموع (3/ 523 - 524) والروضة (1/ 270 - 271)، والنجم الوهاج (2/ 188).

(2)

كفاية النبيه (3/ 406)، وعمدة السالك (ص 56)، والنجم الوهاج (2/ 217).

(3)

المجموع (4/ 89)، وروضة الطالبين (1/ 290)، وعمدة السالك (ص 56)، والنجم الوهاج (2/ 219).

(4)

المجموع (4/ 92)، وكفاية النبيه (3/ 414)، وعمدة السالك (ص 57)، والنجم الوهاج (2/ 230 - 231).

(5)

المجموع (4/ 90)، وكفاية النبيه (3/ 421 - 423)، والنجم الوهاج (2/ 232 - 233).

(6)

النجم الوهاج (2/ 84).

ص: 672

وأما الأبعاض فهي ست وهي التي تسن سجود السهو لها وسميت أبعاضا لقربها من الفرض، وهذه الأبعاض سنة إن تركها عمدًا أو سهوا لا تبطل الصلاة وهي القنوت والقيام له والتشهد الأول والتعوذ له والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه والصلاة على آله في الأخير

(1)

، فإذا علمت ذلك فيما سوى الشروط والأركان والأبعاض فهو سنن لا تقتضي سجود السهو، وقد عد صاحب التنبيه السنن فقال: وسننها أربع وثلاثون

(2)

، فمن أراد الزيادة على ذلك فليراجع كتب الفقه والله أعلم بالصواب.

763 -

وَعَن رِفَاعَة بن رَافع رضي الله عنه قَالَ كنت جَالِسا عِنْد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رجل فَدخل الْمَسْجِد فصلى فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فِيهِ فَقَالَ الرجل لا أَدْرِي مَا عبت عَليّ فَقَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إِنَّه لَا تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يسبغ الْوضُوء كَمَا أمره الله وَيغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين وَيمْسَح رَأسه وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ يكبر الله وَيَحْمَدهُ ويمجده وَيقْرَأ من الْقُرْآن مَا أذن الله لَهُ فِيهِ وتيسر ثمَّ يكبر ويركع فَيَضَع كفيه على رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تطمئِن مفاصله وَتَسْتَرْخِي ثمَّ يَقُول سمع الله لمن حَمده وَيَسْتَوِي قَائِما حَتَّى يَأْخُذ كل عظم مأخذه وَيُقِيم صلبه ثمَّ يكبر فَيسْجد وَيُمكن جَبهته من الأَرْض حَتَّى تطمئِن مفاصله وَتَسْتَرْخِي ثمَّ يكبر فيرفع رَأسه وَيَسْتَوِي قَاعِدا على مقعدته وَيُقِيم صلبه فوصف الصَّلَاة هَكَذَا حَتَّى فرغ ثمَّ قَالَ لَا تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يفعل

(1)

روضة الطالبين (1/ 223)، وكفاية النبيه (3/ 272)، والتدريب (1/ 175).

(2)

التنبيه (1/ 23)، وكفاية النبيه (3/ 272)، والهداية (20/ 139).

ص: 673

ذَلِك" رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَهَذَا لَفظه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَقَالَ فِي آخِره فَإِذا فعلت ذَلِك فقد تمت صَلَاتك وَإِن انتقصت مِنْهَا شَيْئا انتقصت من صَلَاتك

(1)

قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر النمري هَذَا حَدِيث ثَابت.

قوله: عن رفاعة بن رافع هو رفاعة بن رافع الزرقي، منسوب إلى جد له يقال له زريق بتقديم الزاي هو وأبوه صحابيان، روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرون حديثًا

(2)

، توفي في خلافة معاوية تقدم الكلام عليه قريبًا مبسوطًا.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى ويغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين" تقدم الكلام على إسباغ الوضوء في مواضع من هذا التعليق.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين" إلى قوله: "ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين" فذكر الفروض الأربع المذكورة في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}

(3)

الآية.

(1)

أخرجه ابن ماجه (460)، وأبو داود (857) و (858) و (859) و (860) و (861)، والترمذي (302)، والنسائي في المجتبى 2/ 442 (1065) و 3/ 107 (1329) و 3/ 108 (1330). قال الترمذي: حديث رفاعة بن رافع حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (536) وصحيح أبي داود (803 و 804 و 805 و 806 و 807)، والمشكاة (804)، والإرواء (1/ 321 - 322).

(2)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 190 - 191 ترجمة 169).

(3)

سورة المائدة، الآية:6.

ص: 674

قوله صلى الله عليه وسلم: "فيضع كفيه على ركبتيه" وهذا أحد أقل الركوع أن تبلغ راحتاه ركبتيه ولا يكفي بلوغ الأصابع، وهذا عند اعتدال الخلقة فلا عبرة بطويل اليدين ولا قصيرهما

(1)

، وفي حديث آخر:"وامدد ظهرك" إشارة إلى الحالة الفضلي، وفيه دليل لما قيل أنه علمه مهمات الفرائض ومهمات الصفات المحبوبة فيها.

قوله صلى الله عليه وسلم: ويمكن جبهته من الأرض، وفي رواية "فيمكن" وفي رواية:"فتمكن لسجودك" دليل على وجوب التحامل بثقل الرأس وهو الصحيح من مذهب الشافعي بحيث لو كان تحت الجبهة قطن أو طين لانخفض

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، أي: ولم تبق إلا السلام.

قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك" أي فإن كانت فرضا بطلت وإن كانت سنة فقد فات ثواب تلك السنة واستدل أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بكونه جعلها ناقصة على الجواز بغير طمأنينة، فأما لو نقص ركوعا لزمه القول بالجواز ولا قائل به والله أعلم.

764 -

وَعَن عمار بن يَاسر رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن الرجل لينصرف وَمَا كتب لَهُ إِلَّا عشر صلَاته تسعها ثمنهَا سبعها سدسها

(1)

روضة الطالبين (1/ 249).

(2)

العزيز (1/ 523)، والمجموع (3/ 423) والروضة (1/ 255 - 256).

ص: 675

خمسها ربعهَا ثلثهَا نصفهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ

(1)

.

قوله: عن عمار بن ياسر، تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا تسعها ثمنها سبعها سدسها" الحديث، أراد بذلك والله أعلم عدم إتمام الركوع والسجود.

765 -

وَعَن أبي الْيُسْر رضي الله عنه أَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مِنْكُم من يُصَلِّي الصَّلَاة كَامِلَة ومنكم من يُصَلِّي النّصْف وَالثلث وَالرّبع وَالْخمس حَتَّى بلغ الْعشْر رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن

(2)

وَاسم أبي الْيُسْر بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت وَالسِّين الْمُهْملَة مفتوحتين كَعْب بن عمر السّلمِيّ شهد بَدْرًا.

قوله: عن أبي اليسر، واسم أبي اليسر بالياء المثناة تحت والسين المهملة مفتوحتين كعب بن عمرو السلمي شهد بدرا قاله الحافظ.

قوله صلى الله عليه وسلم: "منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع والخمس حتى بلغ العشرة" الحديث، وقد جاء في الحديث أنه يكتب له من الصلاة ما حضر قلبه فيها وإن العبد يصلي فيكتب له نصفها حتى انتهى إلى عشرها ووقف فهي خمس في حق من كتب له عشرها وعشر

(1)

أخرجه أبو داود (796)، والنسائي في الكبرى (696)، وابن حبان (1889). وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (761)، وصحيح الترغيب (537).

(2)

أخرجه أحمد (15522)، والنسائي في الكبرى (697). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (538).

ص: 676

في حق من كتب له أكثر من ذلك وخمسون في حق من كتب له كملت صلاته وأداها بما يلزمه من تمام خشوعها وكمال سجودها وركوعها، ذكره السهيلي في الروض الأنف على سيرة ابن هشام

(1)

.

766 -

وِعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الصَّلَاة ثَلَاثَة أَثلَاث الطّهُور ثلث وَالرُّكُوع ثلث وَالسُّجُود ثلث فَمن أَدَّاهَا بِحَقِّهَا قبلت مِنْهُ وَقبل مِنْهُ سَائِر عمله وَمن ردَّتْ عَلَيْهِ صلَاته رد عَلَيْهِ سَائِر عمله رَوَاهُ الْبَزَّار وَقَالَ لا نعلمهُ مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث الْمُغيرَة بن مُسلم

(2)

. قَالَ الْحَافِظ وَإِسْنَاده حسن.

قوله: عن أبي هريرة.

قوله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة ثلاثة أثلاث الطهور ثلث والركوع ثلث والسجود ثلث" الحديث، الطهور بفتح الطاء ما يتطهر به من مائع وجامد، وبضمها هو التطهر به وهو المراد ها هنا، وقال النووي: المراد بالطهور الوضوء وهو أعم من ذلك إذ يشتمل الوضوء والغسل وغيرهما والله أعلم.

(1)

الروض الأنف (3/ 459).

(2)

أخرجه البزار (9273). قال البزار: وهذا الحديث إنما يحفظ من حديث الأعمش، عن أبي صالح عن كعب من قوله ولا نعلم أحدا أسنده فقال عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا المغيرة بن مسلم ولم يتابع عليه. وقال الهيثمي في المجمع 2/ 147: رواه البزار وقال: لا نعلمه مرفوعًا إلا عن المغيرة بن مسلم قلت: والمغيرة ثقة وإسناده حسن. وحسنه الألباني في الصحيحة (2537) وصحيح الترغيب (539).

ص: 677

767 -

وَعَن حُرَيْث بن قبيصَة رضي الله عنه قَالَ قدمت الْمَدِينَة وَقلت اللَّهُمَّ ارزقني جَلِيسا صَالحا قَالَ فَجَلَست إِلَى أبي هُرَيْرَة فَقلت إِنِّي سَأَلت الله أَن يَرْزُقنِي جَلِيسا صَالحا فَحَدثني بِحَدِيث سمعته من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَعَلَّ الله أَن يَنْفَعنِي بِهِ فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة من عمله صلَاته فَإِن صلحت فقد أَفْلح وأنجح وَإِن فَسدتْ فقد خَابَ وخسر وَإِن انْتقصَ من فريضته قَالَ الله تَعَالَى انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع يكمل بِهِ مَا انْتقصَ من الْفَرِيضَة ثمَّ يكون سَائِر عمله على ذَلِك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب

(1)

.

قوله: عن الحارث بن قبيصة.

قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول ما يجاء به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وإن فسدت فقد خاب وخسر وإن انتقص من فريضته قال الله تعالى انظروا هل لعبدي من تطوع يكمل به ما انتقص من الفريضة" الحديث، تقدم الكلام على ذلك مبسوطا.

768 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ صلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمًا ثمَّ انْصَرف فَقَالَ يَا فلَان أَلا تحسن صَلَاتك أَلا ينظر الْمُصَلِّي إِذا صلى كَيفَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا

(1)

أخرجه الترمذي (413)، والبزار (9462) و (9567)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (181) و (185)، والنسائي في المجتبى 1/ 567 (472) والكبرى (402). وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في المشكاة (1330) وصحيح الترغيب (540).

ص: 678

يُصَلِّي لنَفسِهِ إِنِّي لأَبْصر من ورائي كَمَا أبْصر من بَين يَدي رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الظّهْر فَلَمَّا سلم نَادَى رجلا كَانَ فِي آخر الصُّفُوف فَقَالَ يَا فلَان أَلا تتقي الله أَلا تنظر كَيفَ تصلي إِن أحدكُم إِذا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يقوم يُنَاجِي ربه فَلْينْظر كَيفَ يناجيه إِنَّكُم ترَوْنَ أَنِّي لَا أَرَاكُم إِنِّي وَالله لأرى من خلف ظَهْري كَمَا أرى من بَين يَدي

(1)

.

قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على بعض مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "يا فلان ألا تحسن صلاتك، ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي" الحديث، وفيه الأمر بإكمال التعظيم والخشوع وإتمام الركوع والسجود، وفيه إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى وتحميده وتلاوة كتابه وتدبره

(2)

والله أعلم.

وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أنس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ أقيمت الصلاة فقال: أيها الناس إني أمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا برفع رؤوسكم فإني أراكم من أمامي ومن خلفي الحديث، قال ابن بطال: فيه أنه ينبغي للإمام إذا رأي أحدا مقصرا في شيء من أمور دينه أو

(1)

أخرجه مسلم (108 - 423)، والنسائي في المجتبى 2/ 308 (884) والكبرى (1033)، وابن خزيمة (474) و (664). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (541).

(2)

شرح النووي على مسلم (5/ 40 - 41).

ص: 679

ناقصا للكمال أن ينهاه عن فعله ويحضه على ما له فيه جزيل الحظ ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم وبخ من نقص كمال الركوع والسجود ووعظهم في ذلك بأنه يراهم وقد أخذ الله سبحانه وتعالى على المؤمنين ذلك إذا مكنهم في الأرض بقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ}

(1)

الآية

(2)

.

قوله: إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي، فيه تأويلان، أحدهما: أنه من رؤية العين، والثاني: قيل من رؤية القلب قاله عياض، وقال عياض أيضًا: قال الإمام أحمد بن حنبل وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقية

(3)

، وقال النووي: قال العلماء معناه: أن الله سبحانه وتعالى خلق له. صلى الله عليه وسلم إدراكا في قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذا أو ليس يمنع من هذا عقل ولا شرع بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به

(4)

، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى أصحابه في الصلاة وهم خلفه كما يراهم أمامه ورأى بيت المقدس عيانًا وهو بمكة ورأى قصور الشام وأبواب صنعاء ومدائن كسرى وهو بالمدينة يحفر الخندق، ورأى أمراء مؤتة وقد أصيبوا وهو بالمدينة ورأى النجاشي بالحبشة لما مات وهو

(1)

سورة الحج، الآية:41.

(2)

شرح الصحيح (2/ 71).

(3)

إكمال المعلم (2/ 336 - 337).

(4)

شرح النووي على مسلم (4/ 149).

ص: 680

بالمدينة فخرج إلى المصلي فصلى عليه ورأى عمر رضي الله عنه سارية بنهاوند من أرض فارس هو وعساكر المسلمين وهم يقاتلون عدوهم فناداه يا سارية الجبل

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "أن أحدكم إذا قام يصلي قائما يقوم يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه" المناجي المخاطب للإنسان والمحدث له.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم ترون إني لا أراكم" ترون معناه: تظنون.

قوله صلى الله عليه وسلم: "والله لأري من خلف ظهري كما أرى من بين يدي" فيه: جواز الحلف بالله من غير ضرورة لكن المستحب تركه إلا لحاجة كتأكيد أمر وتفخيمه والمبالغة في تحقيقه وتمكنه من النفوس

(2)

، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف، وأما الرؤية في قوله:"إني لأراكم من بين يدي" فيحتمل أنه يراهم بما يوحي إليه من أفعالهم وهيئاتهم في الصلاة لأن الرؤية قد يعبر بها عن العلم، وأن يراهم بما خص به صلى الله عليه وسلم بأن زيد في قوة البصر حتى يرى من وراءه، قال أحمد: إنه يرى من وراءه كما يرى بعينه، والجمهور على أن هذا من خصائصه، وفيه دليل للأشاعرة حيث لا يشترطون في الرؤية مواجهة ولا مقابلة، قاله الكرماني

(3)

.

(1)

الروح (ص 299).

(2)

شرح النووي على مسلم (5/ 31) و (7/ 74) و (15/ 59).

(3)

الكواكب الدراري (1/ 197) و (24/ 106)، وطرح التثريب (2/ 376).

ص: 681

769 -

وَعَن عُثْمَان بن أبي دهرش رضي الله عنه عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يقبل الله من عبد عملا حَتَّى يشْهد قلبه مَعَ بدنه رَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الصَّلَاة هَكَذَا مُرْسلا وَوَصله أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس بِأبي بن كَعْب والمرسل أصح

(1)

.

قوله: عن عثمان بن أبي دهرش [يروي عن: آل الحكم بن أبي العاص روى عنه: سفيان بن عيينة، ويحيى بن سليم

(2)

].

قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله من قلب عبد عملا حتى يشهد قلبه مع بدنه" أي: يحضر قلبه مع بدنه.

قوله: رواه محمد بن نصر المروزي مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.

770 -

وَعَن الْفضل بن الْعَبَّاس رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الصَّلَاة مثنى مثنى تشهد فِي كل رَكْعَتَيْنِ وتخشع وتضرع وتمسكن وتقنع يَديك تَقول ترفعهما إِلَى رَبك مُسْتَقْبلا ببطونهما وَجهك وَتقول يَا رب يَا رب من لم يفعل ذَلِك فَهِيَ كذَا وَكذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَتردد فِي ثُبُوته رَوَوْهُ كلهم عَن لَيْث بن سعد حَدثنَا عبد ربه بن سعيد عَن عمرَان بن

(1)

أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (157 و 158) والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (2472). ووصله الديلمي (2471) عن أبي بن كعب. وضعفه الألباني في الضعيفة (5050) وضعيف الترغيب (281).

(2)

الثقات (7/ 196).

ص: 682

أبي أنس عَن عبد الله بن نَافِع ابْن العمياء عَن ربيعَة بن الْحَارِث عَن الْفضل وَقَالَ التِّرْمِذِيّ قَالَ غير ابْن الْمُبَارك فِي هَذَا الحَدِيث من لم يفعل ذَلِك فَهِيَ خداج وَقَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَعْنِي البُخَارِيّ يَقُول روى شُعْبَة هَذَا الحَدِيث عَن عبد ربه فَأَخْطَأَ فِي مَوَاضِع قَالَ وَحَدِيث لَيْث بن سعد أصح من حَدِيث شُعْبَة

(1)

.

قَالَ الْحَافِظ وَعبد الله بن نَافِع ابْن العمياء لم يرو عَنهُ غير عمرَان بن أبي أنس وَعمْرَان ثِقَة وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من طَرِيق شُعْبَة عَن عبد ربه عَن ابْن أبي أنس عَن عبد الله بن نَافِع ابْن العمياء عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة وَلَفظ ابْن مَاجَه قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الصَّلَاة مثنى مثنى وَتشهد فِي كلّ رَكْعَتَيْنِ وتبأس وتمسكن وتقنع وَتقول اللَّهُمَّ اغْفِر لي فَمن لم يفعل ذَلِك فَهِيَ خداج

(2)

.

قَالَ الْخطابِيّ: أَصْحَاب الحَدِيث يغلطون شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث ثمَّ حكى قَول البُخَارِيّ الْمُتَقَدّم وَقَالَ قَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي هَذَا الحَدِيث مثل قَول البُخَارِيّ وَخطأ شُعْبَة وَصوب لَيْث بن سعد وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق

(1)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (1152) والمسند (53)، وأحمد 1/ 211 (1799) و 4/ 167 (17525)، والترمذي (385)، والنسائي في الكبرى (699) و (1533)، وأبو يعلى (6738)، وابن خزيمة (1213). وضعفه الألباني في الضعيفة (6546) وضعيف الترغيب (282).

(2)

أخرجه ابن ماجه (1325)، وأبو داود (1296)، وابن خزيمة (1212). وضعفه الألباني في الضعيفة (6546) وضعيف الترغيب (282).

ص: 683

ابن خُزَيْمَة

(1)

قَالَ: وَقَوله تبأس مَعْنَاهُ إِظْهَار الْبُؤْس والفاقة وتمسكن من المسكنة وَقيل مَعْنَاهُ السّكُون وَالْوَقار وَالْمِيم مزيدة فِيهَا وإقناع الْيَدَيْنِ رفعهما فِي الدُّعَاء وَالْمَسْأَلَة والخداج مَعْنَاهُ هَا هُنَا النَّاقِص فِي الْأجر والفضيلة

(2)

انْتهى.

قوله: عن الفضل بن العباس، هو: الفضل بن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بن عبد المطلب الهاشمي أردفه ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أسن من شقيقه عبد الله، روى عنه أخوه عبد الله وأبو هريرة وابن عمه ربيعة بنم الحارث، قال الواقدي: مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة على الأصح، وقال ابن معين: قتل يوم اليرموك، وقال أبو داود: قتل بدمشق، وكان عليه درع النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن سعد: وكان أسن ولد أبيه، غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحنينا وثبت يومئذ وكان فيمن غسل النبي صلى الله عليه وسلم وولي دفنه ثم خرج بعد ذلك إلى الشام مجاهدا فمات بناحية الأردن في الطاعون

(3)

قاله في شرح الإلمام، روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرون حديثا، روى البخاري منها اثنان

(4)

.

قوله: "الصلاة مثني مثني" أي: ركعتين ركعتين، وفي صحيح مسلم عن عقبة بن حريث فقيل: لابن عمر: ما مثنى مثني؟ قال: أن تسلم من كل ركعتين

(5)

،

(1)

معالم السنن (1/ 279).

(2)

معالم السنن (1/ 279).

(3)

تهذيب الأسماء واللغات (2/ 50 - 51 ترجمة 491).

(4)

تهذيب الأسماء واللغات (2/ 51).

(5)

أخرجه مسلم (159 - 749).

ص: 684

أي: يتشهد ويسلم فهي ثنائية لا رباعية، ومثنى معدول عن اثنين اثنين

(1)

، قال الله سبحانه وتعالى:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}

(2)

وهذه الأحاديث كلها محمولة على بيان الأفضل وهو أن يسلم من كل ركعتين وسواء نوافل الليل والنهار

(3)

، وفيه: أن الأفضل في نافلة الليل أن يسلم من كل ركعتين وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد والجمهور، وقال الترمذي في جامعه، والعمل على هذا عند أهل العلم أن صلاة الليل مثنى مثني، وقال أبو حنيفة: الأفضل أن يصلي أربعا أربعًا وإن شاء ركعتين وإن شاء ستا ستا وإن شاء ثمانيا، وتكره الزيادة على ذلك

(4)

، وذهب الشافعي والأكثرون إلى جواز الزيادة في صلاة الليل على ركعتين، وذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن الأفضل في نوافل النهار أيضًا التسليم من كل ركعتين

(5)

، واحتج الجمهور بما رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"

(6)

فالأفضل في النفل أن يسلم من كل

(1)

النهاية (1/ 225).

(2)

سورة النساء، الآية:3.

(3)

شرح النووي على مسلم (6/ 30).

(4)

طرح التثريب (3/ 74).

(5)

طرح التثريب (3/ 75).

(6)

أخرجه ابن ماجه (1322)، وأبو داود (1295)، والترمذي (597)، والنسائي في المجتبى 3/ 416 (1682) والكبرى (557).

وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1172).

ص: 685

ركعتين ليلا كان أو نهارا، وقال البخاري في صحيحه عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون من كل ركعتين من النهار

(1)

، وذكر أحاديث تدل على ذلك وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين، وكذلك الضحى ركعتان ركعتان والعيد والاستسقاء وكلها في النهار، نعم صلاة الزوال وصلاة التسبيح جاءت رباعية فيتبع بما ورد، وقد تقدم أن الكل واسع، وهذا الحديث يعني الذي رواه أصحاب الأربعة وما في معناه حجة على من قال: إن الأفضل في نوافل الليل والنهار أن يكون أربعًا أربعًا

(2)

، وإن قيل بأن صلاة النهار أيضا مثنى فليس المراد بذلك أنه يتعين كونها مثنى بل الأفضل فيها ذلك، فتطوع الليل أفضل من تطوع النهار لقوله صلى الله عليه وسلم "أفضل الصلاة بعد الفرض صلاة الليل"

(3)

وفعله في البيت أفضل من فعله في المسجد لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة"

(4)

.

فرع: لو جمع ركعات بتسليمة واحدة واقتصر على تشهد واحد جاز، وقد صرح بذلك أصحابنا وغيرهم

(5)

.

(1)

أخرجه البخاري (2/ 57) تعليقا.

(2)

طرح التثريب (3/ 49).

(3)

أخرجه مسلم (202 و 203 - 1163)، وأبو داود (2429)، والترمذي (438)، والنسائي في المجتبى 3/ 375 (1629) والكبرى (1405) عن أبي هريرة.

(4)

أخرجه أبو داود (1044) عن زيد بن ثابت.

وصححه الألباني في صحيح أبي داود (959).

(5)

طرح التثريب (3/ 79).

ص: 686

فرع آخر: ولا حصر للنفل المطلق فإن أحرم بأكثر من ركعة فله التشهد في كل ركعتين وفي كل ركعة، قال النووي: قلت الأصح منعه من كل ركعة

(1)

والله أعلم.

سؤال: لم جعلت الصلاة مثني وثلاث ورباع؟ يقال: لأن الله تعالى جعل أجنحة الملائكة مثنى وثلاث ورباع كما في قوله تعالى على الملائكة: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ}

(2)

الآية، فجعل أجنحتك التي تطير بها إلى الله تعالى موافقة لأجنحتهم فيستغفروا لك قاله في كشف الأسرار

(3)

.

قوله: "وتبأس" معناه إظهار البؤس والفاقة

(4)

.

قوله: "وتمسكن" من المسكنة والمسكنة فقر النفس

(5)

وربما إذا نسبه إلى إلى المساكين، وقيل معناه السكون والوقار والميم مزيدة

(6)

فيها قاله الحافظ الحافظ المنذري، وقال بعضهم وتمسكن أي يذل ويخضع وهو تفعل من السكون والقياس أن يقال تسكن وهو الأكثر الأفصح وقال: جاء على الأول أحرف قليلة قالوا: تمدرع وتمنطق وتمندل

(7)

والله أعلم، قاله المنذري.

(1)

المجموع (4/ 51)، وروضة الطالبين (1/ 336)، والنجم الوهاج (2/ 295).

(2)

سورة فاطر، الآية:1.

(3)

كشف الأسرار (لوحة 37).

(4)

معالم السنن (1/ 279).

(5)

النهاية (2/ 385).

(6)

معالم السنن (1/ 279).

(7)

الغريبين (3/ 912)، والنهاية (2/ 385).

ص: 687

قوله: "وتقنع يديك" بضم التاء المثناة من فوق وسكون القاف وكسر النون وبالعين المهملة، وإقناع اليدين رفعهما في الدعاء والمسألة

(1)

كذا فسره المنذري، وفي حديث آخر:"ولا يقنع رأسه" أي: لا يخفضه كثيرًا أو يميله إلى الآخر قاله في النهاية

(2)

، قال الخطابي رحمه الله: إن من الأدب أن يكون اليدان في حال رفعهما مكشوفين غير مغطائين في الدعاء

(3)

.

قوله: "ويقول يا رب يا رب" أي: إلا قال له ربه لبيك.

قوله: "فمن لم يفعل ذلك فهي خداج" والخداج الناقص في الأجر والفضيلة قاله الحافظ.

وقال في النهاية: يقال أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا قلدته ناقص الخلق وإن كان لمقام الحمل، وإنما قال فهي خداج وانخداج مصدر على حذف المضاف أي ذات خداج أو يكون قد وصفها بالمصدر نفسه مبالغة كقوله "فإنما هي إقبال وإدبار" أي: صلاته ذات خداج أي ناقصة

(4)

.

قوله في الكلام على رجال الحديث عن المهلب بن أبي وداعة، صوابه: المطلب بن ربيعة، وقوله ابن أبي وداعة وهم من ابن ماجه قاله ابن عساكر في

(1)

معالم السنن (1/ 279).

(2)

النهاية (3/ 10).

(3)

النشر في القراءات العشر (2/ 458).

(4)

النهاية (2/ 12 - 13).

ص: 688

الأطراف

(1)

والمنذري في مختصر السنن

(2)

والمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، صحابي، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث

(3)

؛ وأما المطلب بن أبي وداعة السمهي فروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وله في الكتب الستة ثلاثة أحاديث

(4)

؛ وأما عمران بن أبي أنس فذكر أبو سعيد بن يونس في تاريخ المصريين

(5)

، وروى له هذا الحديث، وقال: لست أعرفه بغير ذلك، وقال الحافظ المنذري: هو ثقة

(6)

.

771 -

وَعَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ الله عز وجل إِنَّمَا أتقبل الصَّلَاة مِمَّن تواضع بهَا لعظمتي وَلم يستطل على خلقي وَلم يبت مصرا على معصيتي وَقطع النَّهَار فِي ذكري ورحم الْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل والأرملة ورحم الْمُصَاب ذَلِك نوره كنور الشَّمْس أكلؤه بعزتي وأستحفظه ملائكتي أجعَل لَهُ فِي الظلمَة نورا وَفِي الْجَهَالَة حلما وَمثله فِي خلقي كَمثل الفردوس فِي الْجنَّة رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عبد الله بن وَاقد الْحَرَّانِي وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات

(7)

.

(1)

تحفة الأشراف (8/ 391 رقم 11288).

(2)

مختصر السنن (2/ 88).

(3)

كشف المشكل (4/ 179)، وتهذيب الأسماء واللغات (1/ 308 - 309 ترجمة 371)، وتهذيب الكمال (18/ 278 - 279 ترجمة 3512).

(4)

تهذيب الكمال (28/ ترجمة 6008).

(5)

تاريخ ابن يونس (2/ 158).

(6)

تهذيب الكمال (22/ ترجمة 4481) ووثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي.

(7)

أخرجه البزار (4823) و (4855). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وعبد الله بن واقد لم يكن =

ص: 689

قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه.

قوله: "قال الله تعالى: "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي" التواضع هو الخضوع.

قوله: "ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة" والمسكين هو الذي يقدر على مال أو كسب لا يقع من نطاق كفايته؛ وابن السبيل: هو الذي ينشأ بسفر أو مجتاز.

قوله: "والأرملة" هي التي توفي عنها زوجها، والمصاب: هو الذي أصابته مصيبة في ماله أو نفسه أو ولده.

قوله: "ذلك نوره كنور الشمس أكلأه بعزتي" أي أحفظه وأحرسه "وأستحفظه ملائكتي" أي: أجعل الملائكة حراسا عليه لما عساه من شيء يؤذيه.

قوله: رواه البزار من رواية عبد الله بن واقد الحراني [هو، أبو قتادة الحراني، مولى بني حمان قال أحمد: ثقة، إلا أنه كان ربما أخطأ، وكان من أهل الخير، يشبه النساك، وكان له حركة وذكاء وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سئل أبي عن أبي قتادة الحراني، فقال: ما به بأس، رجل صالح، يشبه

= بالحافظ، وقد حدث عنه جماعة كثيرة من أهل العلم، وعبد الله بن واقد كان حرَّانيًّا عفيفا، وكان حافظا متفقها بقول أبي حنيفة، وكان يغلط فيلقن الصواب فلا يرجع، وكان يكنى أبا قتادة، وكان قاضيًا. وقال الهيثمي في المجمع 2/ 147: رواه البزار وفيه عبد الله بن واقد الحراني ضعفه النسائي والبخاري وإبراهيم الجوزجاني وابن معين في رواية، ووثقه أحمد وقال: كان يتحرى الصدق وأنكر على من تكلم به وأثنى عليه خيرًا وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (950) وضعيف الترغيب (283).

ص: 690

أهل النسك والخير، إلا أنه كان ربما أخطأ. قيل له: إن قوما يتكلمون فيه؟ قال: لم يكن به بأس. قلت: إنهم يقولون: لم يفصل بين سفيان ويحيى بن أبي أنيسة. قال: لعله أختلط، أما هو فكان ذكيا. فقلت: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر: أن أبا قتادة الحراني كان يكذب. فعظم ذلك عنده جدا، وقال: كان أبو قتادة يتحري الصدق، وأثني عليه، وذكره بخير، وقال: قد رأيته يشبه أصحاب الحديث، وأظنه كان يدلس، ولعله كبر فاختلط، والله أعلم، ووثقه يحيى فى رواية ووهاه فى أخرى، وضعفه أبو حاتم، وتركه البخارى ومسلم والنسائي وغيرهم

(1)

].

772 -

وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن العَبْد إِذا صلى فَلم يتم صلَاته خشوعها وَلَا ركوعها وَأكْثر الِالْتِفَات لم تقبل مِنْهُ وَمن جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ وَإِن كَانَ على الله كَرِيمًا"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ

(2)

.

قوله: عن عبد الله بن مسعود تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا صلى فلم يتم صلاته خشوعها ولا ركوعها وأكثر الالتفات لم تقبل منه" الحديث، تقدم الكلام على الخشوع والركوع في

(1)

تهذيب الكمال (16/ الترجمة 3638).

(2)

أخرجه الطبراني في الكبير (10/ 11 رقم 9778). وقال الهيثمي في المجمع 2/ 122: رواه الطبراني في الكبير وفيه عبيد الله بن زحر وهو ضعيف جدًّا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (284).

ص: 691

الأحاديث المتقدمة، وأما الالتفات فالمراد به ليُّ العنق ما لم يلتفت بصدره فإذا التف بصدره بطلت صلاته، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه مبسوطا والله أعلم.

قوله: "ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه وإن كان على الله كريمًا" الخيلاء بالمد الكبر والعجب.

فرع: العبث في الصلاة مكروه نقله الرافعي في الشهادات عن صاحب العدة أنه حرام من الصغائر، واعترض عليه النووي بأن المشهور في كتب الأصحاب كراهته، فلو سقط رداؤه أو تطايرت عمامته يكره له تسويته إلا لضرورة قاله في الإحياء

(1)

.

773 -

وَعَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ أول شَيْء يرفع من هَذِه الْأمة الْخُشُوع حَتَّى لَا ترى فِيهَا خَاشِعًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن

(2)

وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي آخر حَدِيث مَوْقُوفا على شَدَّاد بن أَوْس وَرَفعه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا وَالْمَوْقُوف أشبه

(3)

.

(1)

النجم الوهاج (2/ 178).

(2)

أخرجه الطبراني في الشاميين (1579). وقال الهيثمي في المجمع 2/ 136: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (542).

(3)

أخرجه أحمد 6/ 26 (23990)، والبخاري في خلق أفعال العباد (ص 79 - 80)، وابن أبي عاصم في الأوائل (109)، والنسائي في الكبرى (6088)، وابن حبان (4572) و (6720)، والطبراني في الكبير (18/ 43 رقم 75) والشاميين (55 و 56) والأوائل (81)، والحاكم (1/ 98 - 99) موقوفًا. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. =

ص: 692

قوله: "عن أبي الدرداء" واسمه عويمر تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "أول شيء يرفع من هذه الخشوع حتى لا يرى فيها خاشعا" الحديث، الخشوع في أصل اللفظ الانخفاض والذل والسكون قال الله تعالى:{وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ}

(1)

أي: سكنت وذلت وخضعت، ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو يبسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالهدي والنبات، قال الله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}

(2)

(3)

وقيل: الخشوع الخضوع والتذلل والتواضع في البدن والصوت والبصر وهو سكون المرء في صلاته

(4)

، وقال عمرو بن دينار: الخشوع السكون وحسن الهيئة

(5)

، وقال الإمام [مالك] في العتبية فيما حكاه الباجي في الشفاء: الخشوع في الصلاة الإقبال عليها

(6)

وقد مدح الله تعالى من كان خاشعا فى الصلاة مقبلا عليها

= وصححه الألباني في اقتضاء العلم العمل (رقم 89) وأخرجه الطبراني في الكبير (7/ 295 رقم 7183) والشاميين (2637). وقال الهيثمي في المجمع 2/ 136: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عمران بن داود القطان ضعفه ابن معين والنسائي ووثقه أحمد وابن حبان. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (543).

(1)

سورة طه، الآية:108.

(2)

سورة فصلت، الآية:39.

(3)

مدارج السالكين (1/ 516).

(4)

تهذيب الأسماء واللغات (3/ 90).

(5)

تهذيب الأسماء واللغات (3/ 90).

(6)

النوادر والزيادات (1/ 229).

ص: 693

بقلبه قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)}

(1)

(2)

فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة فقال في آخرها: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34)}

(3)

ثم قال في ثمرة تلك الصفات: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)}

(4)

فالمصلون هم هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتبعون لثمرته

(5)

، وقال ابن عباس في قوله تعالى:{فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}

(6)

يعني خائفين ساكنين

(7)

، وقيل: الخشوع هو السكون فيها رواه البيهقي عن مجاهد، وقيل: وقيل: الخشوع الخوف رواه البيهقي عن الحسن، وقيل: الخشوع: أن لا يحدث نفسه في الصلاة كما في حديث عثمان: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" وقد اختلفت عبارات القوم في الخشوع فقال بعضهم: الخشوع قيام القلب بين يدي الرب سبحانه وتعالى بالخضوع والذلة والجمعية عليه، وقيل: الخشوع خمود

(1)

سورة المؤمنون، الآيتان: 1 - 2.

(2)

شرح الصحيح (2/ 379).

(3)

سورة المعارج، الآية:34.

(4)

سورة المؤمنون، الآيتان: 10 - 11.

(5)

إحياء علوم الدين (1/ 171).

(6)

سورة المؤمنون، الآية:2.

(7)

شرح الصحيح (2/ 379).

ص: 694

نيران الشهوة وسكون تعالى الصدر وإشراف نور التعظيم فى القلب

(1)

، وقال بعضهم: الخشوع حالة في القلب يظهر أثرها على الجوارح من الإخبات والسكون

(2)

، وقال الإمام فخر الدين: اختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف فإذا خشع القلب خشعت الجوارح لأنه ملكها، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون، ومنهم من قال إنه مجموع الأمرين وهو أولى

(3)

ولا يختص بالصلاة، فقد روي عن بعضهم أنه لم يرفع يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة حياء من الله تعالى

(4)

.

وروى الترمذي الحكيم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يبعث بالهيئة في الصلاة فقال "لو يخشع قلب هذا لخشعت جوارحه" ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى ويقول: اللهم زوجني من الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت أنت تخطب [الحور العين] و [أنت] تعبث [بالحصي]

(5)

، وكان بعض الصالحين يقول أعوذ بالله من خشوع النفاق فقيل وما خشوع النفاق قال أن يرى البدن خاشعا والقلب غير خاشع

(6)

.

[وقال حذيفة رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من

(1)

مدارج السالكين (1/ 516).

(2)

تفسير القرطبي (1/ 374).

(3)

تفسير الرازي (23/ 259)، والنجم الوهاج (2/ 178).

(4)

إحياء علوم الدين (1/ 171).

(5)

إحياء علوم الدين (1/ 151).

(6)

مدارج السالكين (1/ 517).

ص: 695

دينكم الصلاة، ورب مصل لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعًا، وقال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان

(1)

].

فائدة: قد اختلف العلماء في الخشوع هل هو سنة أو واجب؟

فحكى النووي في شرح المهذب الاتفاق على أنه سنة وليس بواجب

(2)

وقد نقل عن الشافعي قوله عرفت أن ذهاب الخشوع يبطل الصلاة

(3)

، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: والذي يتعين أنها تكره وقيل أنه شرط في جزء من الصلاة وليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها

(4)

وفي كلام غير واحد من العلماء ما يقتضي وجوبه

(5)

ومما يدل على وجوبه ما رواه الإمام أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه صلى ركعتين، فقال له عبد الرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان، لا أراك إلا قد خففتهما، قال: هل نقصت من حدودها شيئا؟ قال: لا، ولكن خففتهما قال: إني بادرت بهما السهو، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الرجل ليصلي ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها، وتسعها، أو ثمنها، أو سبعها" حتى انتهى إلى آخر العدد"

(6)

الحديث وتقدم مثله.

(1)

مدارج السالكين (1/ 517).

(2)

المجموع (3/ 314).

(3)

العدة (1/ 317).

(4)

النجم الوهاج (2/ 178).

ص: 696

فائدة أيضًا: فإن قيل فما تقولون في حالة من عدم الخشوع في صلاته هل يعتد له بها أم لا؟ قيل أما الاعتداد له بها في الثواب فلا يعتد له منها إلى بما عقل فيه وخشع فيه لربه تبارك وتعالي، قال ابن عباس رضي الله عنه ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها وفي السنن والمسند مرفوعًا "إن العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها حتى بلغ عشرها"

(1)

وقد علق الله تعالى فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم وقال سبحانه وتعالى {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)}

(2)

فدل على أن من لا يخشع فيها فليس من أهل الفلاح ولو اعتد له بها شيء لكان من المفلحين وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد له بها إجماعا وكانت السنن والأذكار عقيبها جوائز ومكملات لبعضها وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها فقد اختلف العُلماء في وجوب إعادتها فأوجبها عبد الله بن حامد من أصحاب الإمام أحمد وأبو حامد الغزالي في إحيائه لا في وسيطه وبسيطه واحتج بأنها صلاة لا يثاب عليها ولم يضمن له فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته منها ولم يسقط القضاء عنه كصلاة المرائي قال والعقل روح الصلاة ومقصودها ولبها فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها ولبها وبقيت صورتها وظاهرها، قالوا: ولو ترك

= داود (796)، والبزار (1420 و 1421) و (1422)، والنسائي في الكبرى (695)، وابن حبان (1889). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (761).

(1)

انظر التخريج السابق.

(2)

سورة المؤمنون، الآيتان: 1 - 2.

ص: 697

العبد واجبًا من واجباتها عمدا لأبطلها تركه وغايته أن يكون بعضًا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة فكيف إذا عدمت روحها ولبها ومقصودها وصار بمنزلة العبد الميت فإذا لم يعتد بالكف المقطوع اليد بعتقه تقربا إلى الله تعالى في كفارة واجبة فكيف يعتد بالعبد الميت ولهذا قال بعض السلف: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد أو الرجل أو مريضة أو زمنة أو قبيحة حتى تهدي جارية ميتة بلا روح أو جارية قبيحة فهكذا الصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تبارك وتعالى والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه، قال أصحاب القول الأول: قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين" فذكره إلى أن قال "حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى" وفي آخر الحديث "فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس"

(1)

قالوا فأمره صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة التي أغفله الشيطان عنها حتى لا يدري كم صلى بأن تشهد سجد في السهو ولم يأمره بإعادتها ولو كانت تبطل كما زعمتم لأمره بإعادتها قالوا إن هذا هو السر في سجدتي السهو ترغيما للشيطان في وسوسته العبد وكونه حال

(1)

أخرجه البخاري (608) و (1222) و (1231 و 1232) و (3285) ومسلم (16 و 17 و 18 و 19 و 20 - 389) و (82 و 83 و 84 - 389) عن أبي هريرة.

ص: 698

بينه وبين الحضور في الصلاة ولهذا سماها النبي صلى الله عليه وسلم المرغمتين أمر من سها بهما

(1)

والله أعلم.

774 -

وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِى الله عَنْهُمَا مَرْفُوعا قَالَ مثل الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة كَمثل الْمِيزَان من أوفى استوفى رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ هَكَذَا وَرَوَاهُ غَيره عَن الْحسن مُرْسلا وَهُوَ الصَّوَاب

(2)

.

قوله: "ابن عباس رضي الله عنهما" تقدم الكلام على مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل الصلاة المكتوبة كمثل الميزان من أوفى استوفى" الحديث، وقال سلمان رضي الله عنه: الصلاة مكيال فمن وفى وفى به ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين

(3)

وقد روي معناه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر فيها ضعف، من وفى ما عليه من العمل كاملا وفى له الأجر كاملا ومن سلم ما عليه وفرا نسلم ما له نقدًا لا مؤخرًا

(4)

.

قوله: ورواه غيره عن الحسن يعني البصري مرسلا وهو الصواب تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.

(1)

مدارج السالكين (1/ 521 - 523) باختصار.

(2)

أخرجه ابن عدى في الكامل (7/ 87)، والبيهقي في الشعب (4/ 506 رقم 2882).

وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1190)، والقضاعى في مسند الشهاب (1383) عن الحسن مرسلًا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (285) والضعيفة (3809).

(3)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (1192) وعبد الرزاق (3750) وسعيد بن منصور (2417)، وابن أبي شيبة (2979). وضعفه الألباني في الضعيفة (3809).

(4)

لطائف المعارف (ص 208).

ص: 699

775 -

وَعَن مطرف عَن أَبِيه رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَفِي صَدره أزيز كأزيز الرَّحَى من الْبكاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي ولجوفه أزيز كأزيز الْمرجل يَعْنِي يبكي وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا نَحْو رِوَايَة النَّسَائِيّ إِلَّا أَن ابْن خُزَيْمَة قَالَ ولصدره أزيز كأزيز الرَّحَى

(1)

بزايين هُوَ صَوتهَا والمرجل بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْجِيم هُوَ الْقدر يَعْنِي أَن لجوفه حنينا كصوت غليان الْقدر.

قوله: "عن مطرف عن أبيه"، وأبو مطرف اسمه عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب الجرشي من الجرش بطن من بني عامر بن صعصعة العامري، له صحبة ورواية ورفادة، روى عنه بنو مطرف وهانئ ويزيد، وعداده في أهل البصرة

(2)

، وروى ابن الأثير بسنده عنه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من بني عامر فسلمنا عليه فقالوا أنت والدنا وأنت سيدنا وأنت أفضلنا فيها فضلا وأطولنا علينا فيها طولا وأنت الحفنة الغراء فقال قولوا بقولكم ولا يسخر الشيطان أو قال الشياطين

(3)

، وقال أبو الفرج بن الجوزي: كان مطرف يلبس البرانس، ويلبس المطارف، ويركب الخيل

(1)

أخرجه أبو داود (904)، والترمذي في الشمائل (323)، والنسائي في المجتبى 3/ 30 (1227) والكبرى (629) و (1227)، وابن خزيمة (900)، وابن حبان (665) و (753). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (544) و (3329) وصحيح أبي داود (839).

(2)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 272 ترجمة 308).

(3)

أسد الغابة (3/ 171).

ص: 700

ويغشى السلطان توفي رضي الله عنه بعد طاعون جارف لما تولي الحجاج العراق وكان سنة سبع وثمانين في خلافة الوليد بن عبد الملك

(1)

انتهى.

قوله: قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء" وفي الرواية الأخرى "يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل" يعني يبكي وفي رواية ابن خزيمة "ولصدره أزيز كأزيز الرحى" وأخرجه الترمذي في الشمائل بسند رجاله ثقات وأخرجه ابن حبان وقال وهو قائم وأخرجه الطبراني وقال أزيز بالدعاء وهو كأزيز الرحى هو صوتها وهو بزائين قاله الحافظ.

قوله: "ولجوفه أزيز كأزيز المرجل" بكسر الميم وفتح الجيم وهو القدر قاله الحافظ، إنما يعني أن لجوفه خنينا كصوت غليان القدر يفور والخنين من الجوف وهو بالخاء المعجمة وهو صوت البكاء وقيل هو أن يجيش جوفه ويصلي بالبكاء قاله ابن الأثير

(2)

، وقال بعضهم المرجل بالكسر الإناء الذي يغلى فيه الماء سواء أكان من حديد أو صفراء أو حجارة أو خزف قيل لأنه إذا انصب كأنه أقيم على أرجل قاله ابن الأثير

(3)

ففي هذا الحديث بيان واضح لما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الخوف والتعظيم

(4)

والظاهر أن ذلك وقع في

(1)

المنتظم (6/ 281).

(2)

النهاية (1/ 45).

(3)

النهاية (4/ 315).

(4)

الشعب (2/ 221).

ص: 701

وقت خاص لأن الناقلين لصلاته لم يتعرضوا لذلك فدل على أن ابن الشخير شاهد في ذلك الوقت ما علاه من شدة الخوف أو من شدة الابتهال بالدعاء في السجود على رواية الطبراني وقد فسره النسائي بالبكاء على رواية أبي داود وهو قائم فلعل ذلك كان مرة في القيام ومرة في السجود أو كان ابتداؤه في القيام واستمر إلى السجود أو بالعكس وفيه استحباب البكاء في الصلاة في حالة القراءة والسجود وحضور القلب فيهما بالتدبر والخضوع، وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت إن أبا بكر رجل أسيف لا يملك عينيه إذا قرأ

(1)

، وكان عمر رضي الله عنه يسمع له نشيج من البكاء

(2)

ويحكى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يسمع خفقان قلبه كما يسمع خفقان أجنحة الطير

(3)

، وأوحى الله تعالى لداود عليه السلام يا داود إن لي عبادا تغلي قلوبهم من محبتي حتى لو سمع غليان القلوب لسمعها الواردون من مكان بعيد ولهذا بوب أبو داود على هذا الحديث باب البكاء في الصلاة وزاد النسائي فيه قال يغلي يبكي وقد استدل به على أن النفخ والأزيز والتنحنح لا تبطل الصلاة لغلبة وجود ذلك مع البكاء

(4)

وفي النسائي باب التنحنح في

(1)

أخرجه البخاري (664) و (712) و (713)(3384)، ومسلم (95 - 418).

(2)

أخرجه البخاري (1/ 144) تعليقًا ووصله عبد الرزاق (2716) وسعيد بن منصور في التفسير (1138)، وابن أبي شيبة (3565 و 2566 و 35527).

(3)

تفسير ابن أبي حاتم (4/ 1075 رقم 6015).

(4)

المجموع (4/ 89).

ص: 702

الصلاة وذكر فيه حديث علي قال كانت لي منزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من الخلائق فكنت آتيه بكل سحر فأقول السلام عليك يا نبي الله فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي وإلا دخلت عليه ورواه أحمد وابن ماجه ولفظ أحمد: وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح

(1)

.

وأما حديث "من نفخ فقد تكلم"

(2)

فلم يصح.

واعلم أن ما يظهر من ذلك الصوت وإن كان حرفين فأكثر فإنه لا يبطل الصلاة وإن كان معلوما كالسعال ونحوه بخلاف ما له اختيار في دفعه ولو تعذر فيه القراءة الواجبة إلا به لم يضر ومقتضى كلام الرافعي والنووي في كتبهما أنه لا فرق في ذلك بين أن يكثر أم لا نعم في الشرح والروضة أن غلبة الكلام والسعال تفرق فيهما بين الكثير وغيره كالتنحنح قال الإمام جمال الدين الإسنوي: والصواب التسوية في الجميع وعدم الإبطال لعذر أو كان احتراز

(3)

.

فائدة: لو تنحنح إمامه أو بكى ونحو ذلك وظهر منه حرفان لم يجب على المأموم مفارقته في أظهر الوجهين لاحتمال الغلبة أو النسيان ونحو ذلك من

(1)

أخرجه أحمد 1/ 77 (570) و 1/ 80 (608) و 1/ 107 (845)، وابن ماجه (3708)، والنسائي في المجتبى 3/ 27 (1224) و 3/ 29 (1225) والكبرى (1228) و (1229). وضعفه الألباني في المشكاة (4675) و (6106).

(2)

أخرجه النسائي في الكبرى (633) عن أم سلمة.

(3)

انظر: المهمات (3/ 175 - 176)، والنجم الوهاج (2/ 219 و 222)، وأسنى المطالب (1/ 180).

ص: 703

الأعذار والأصل بقاء العبادة

(1)

انتهى قاله في شرح الإلمام.

776 -

وَعَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ مَا كَانَ فِينَا فَارس يَوْم بدر غير الْمِقْدَاد وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِم إِلَّا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تَحت شَجَرَة يُصَلِّي ويبكي حَتَّى أصبح رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه

(2)

.

قوله: "عن علي رضي الله عنه" هو ابن أبي طالب تقدم الكلام على ترجمته.

قوله: "ما كان فينا فارس يوم بدر" أي يوم غزوة بدر وغزوة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة.

قوله "غير المقداد" والمقداد هو [ابن] عمرو بن ثعلبة النهراني الكندي ويقال له ابن الأسود لأن المقداد قد حالف الأسود بن عبد يغوث الزهري في الجاهلية فتبناه أو رباه أو تزوج بأمه فكان يقال له المقداد بن الأسود حتى نزل قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ}

(3)

فدعي المقداد بن عمرو ويقال له الكندي لأنه أصاب دما في بهراء فهرب منهم إلى مكة وحالف الأسود وهو قديم الصحبة من السابقين في الإسلام وقيل أنه سادس ستة شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال علي رضي الله عنه: "ما كان فينا فارس يوم يوم

(1)

روضة الطالبين (1/ 290).

(2)

أخرجه أحمد 1/ 125 (1023) و 1/ 138 (1161)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (213)، والنسائي في الكبرى (911)، وابن خزيمة (899)، وابن حبان (2257). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (545) و (3330).

(3)

سورة الأحزاب، الآية:5.

ص: 704

بدر غير المقداد بن الأسود" وقيل: إن الزبير كان فارسًا أيضًا روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان وأربعون حديثا مات قريب المدينة وحمل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ودفن بالبقيع وهو ابن سبعين سنة، وقال أهل السير شرب المقداد نون الخروع فتوفي وذلك بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة

(1)

.

قوله: "وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح" الحديث رواه ابن خزيمة، فإن قيل فيه دلالة على أن البكاء لا يبطل الصلاة قلنا لعله لم يظهر منه حرفان بل كان مجرد صوت، ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى أن البكاء مبطل إن ظهر منه حرفان أو حرف مفهم كع من الوعاية وق من الوقاية وإلا فلا وقد اختلف في النفخ وصوت الباكي والأنين والتنحنح ونحوها والمذهب إن بان منه حرفان أو حرف مفهم أو ممدود بطلت وإلا فلا

(2)

كما تقدم.

وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى في صلاته ونفخ في صلاة الكسوف وليس كل حرفين يأتلف منهما كلام وخالف المالكية في ذلك فلم يبطلوها إلا بما يعد

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (2/ 111 - 112 ترجمة 602) وتهذيب الكمال (28/ الترجمة 6162).

(2)

انظر: الإقناع (1/ 46)، والمجموع (4/ 79)، والمنهاج (ص 32)، والكواكب الدراري (5/ 91)، والتدريب (1/ 185)، والنجم الوهاج (2/ 217).

ص: 705

كلاما إلا ما هو من مصلحة الصلاة وفيه خلاف عندهم وجوزه الأوزاعي وزاد الحنفية فأبطلوها بالدعاء المتعلق بالدنيا كسؤال زوجة حسناء ونحو ذلك وتبطل لو قال اللهم ارزقني عند أبي حنيفة لو قال اللهم ارزقني ويرد حديث الدعاء بين السجدتين فإن فيه وارزقني رواه أبو داود وغيره

(1)

والله أعلم قاله في شرح الإلمام.

777 -

وَعَن عبد الله بن أبي بكر أَن أَبَا طَلْحَة الْأنْصَارِيّ رضي الله عنه كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِط لَهُ فطار دبسي فَطَفِقَ يتَرَدَّد يلْتَمس مخرجًا فَلَا يجد فأعجبه ذَلِك فَجعل يتبعهُ بَصَره سَاعَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى صلَاته فَإِذا هُوَ لَا يدْرِي كم صلى فَقَالَ لقد أصابني فِي مَالِي هَذَا فتْنَة فجَاء إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَذكر لَهُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي صلَاته وَقَالَ: يَا رَسُول الله هُوَ صَدَقَة فضعه حَيْثُ شِئْت".

رَوَاهُ مَالك وَعبد الله بن أبي بكر لم يدْرك القِصَّة وَرَوَاهُ من طَرِيق آخر فَلم يذكر فِيهِ أَبَا طَلْحَة وَلَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلَفظه أَن رجلًا من الْأَنْصَار كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِط لَهُ بالقف وَاد من أَوديَة الْمَدِينَة فِي زمَان الثَّمر وَالنَّخْل قد ذللت وَهِي مطوقة بثمرها فَنظر إِلَيْهَا فَأَعْجَبتهُ ثمَّ رَجَعَ إِلَى صلَاته فَإِذا هُوَ لَا يدْرِي كم صلى

(1)

إحكام الأحكام (1/ 292)، والعدة (1/ 569)، والإعلام (3/ 349)، وفتح البارى (3/ 85). والحديث أخرجه ابن ماجه (898)، وأبو داود (850)، والترمذي (284) عن ابن عباس ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين في صلاة الليل رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (796).

ص: 706

فَقَالَ لقد أصابني فِي مَالِي هَذَا فتْنَة فجَاء عُثْمَان رضي الله عنه وَهُوَ يَوْمئِذٍ خَليفَة فَذكر ذَلِك لَهُ وَقَالَ هُوَ صَدَقَة فاجعله فِي سَبِيل الْخَيْر فَبَاعَهُ بِخَمْسِينَ ألفا فَسمى ذَلِك المَال الْخمسين

(1)

.

الْحَائِط: هُوَ الْبُسْتَان. والدبسي: بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة هُوَ طَائِر صَغِير قيل هُوَ ذكر اليمام.

قوله: "وعن عبد الله بن أبي بكر"، هو عبد الله بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي الصحابي وهو أخو أسماء بنت أبي بكر الصديق لأبويها وكان هو الرسول الذي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر الطعام وبأخبار قريش إذ هما في الغار يبيت عندهما وأسلم قديمًا وشهد الفتح وحنين والطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرح يوم الطائف وبرء ثم نفض جرحه فتوفي في شوال سنة إحدى عشرة في خلافة أبيه وصلى عليه أبوه ونزل في قبره عمر بن الخطاب وطلحة وأخوه عبد الرحمن ودفن بعد الظهر ومناقبه كثيرة مشهورة

(2)

.

(1)

أخرجه مالك (261) و (262)، وعنه ابن المبارك في الزهد (526) و (527)، والبيهقي في الكبرى (2/ 294 رقم 3873) والمعرفة (3/ 294 رقم 4626). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (286).

(2)

هذا غلط فاحش من الشارح رحمه الله فإن الراوى هو محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وبين عبد الله بن أبي بكر ومالك مفاوز. وانظر لترجمة عبد الله بن أبي بكر الصديق: تهذيب الأسماء واللغات (1/ 262 ترجمة 289).

وأما المقصود بالترجمة فهو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن =

ص: 707

قوله: "أن أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه كان يصلي في حائط له" الحديث أبو طلحة اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي البخاري وهو من الرماة المذكورين في الصحابة ومن شعره:

أنا أبو طلحة واسمي زيد

وكل يوم في سلاحي صيد

(1)

وعن أنس قال كان أبو طلحة يرمي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه ليرى مواقع نبله فكان أبو طلحة يتطاول بصدره يقي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول نحري دون نحرك.

وروي أنه كان يحبو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء ثم ينشر كنانته بين يديه

(2)

، الكنانة جعبة السهام

(3)

.

قوله: "يصلي في حائط له" الحائط البستان كذا قاله المنذري وقال ابن الأثير

= لوذان: بفتح اللام، وإسكان الواو، وبالذال المعجمة. هو أبو محمد، وقيل: أبو بكر الأنصارى المدنى. مذكور في المهذب في صلاة العيد وغيره، وهو تابعي، سمع أنسا، وعبد الله بن عامر، وعروة، وعمر. روى عنه الزهري، ومالك، والسفيانان، وحماد بن سلمة. قال أحمد بن حنبل: حديثه شفاء.

وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث عالما. توفى سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاثين، وهو ابن سبعين سنة. تهذيب الأسماء واللغات (1/ 262 ترجمة 290).

(1)

الطبقات (3/ 504).

(2)

الاستيعاب (4/ 1698 - 1699).

(3)

مشارق الأنوار (1/ 343).

ص: 708

هو البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو السياج

(1)

وقال الكرماني سمي البستان بالحائط لأنه لا سقف له

(2)

وجمعه الحوائط ومنه الحديث: "على أهل الحوائط حفظها بالنهار" يعني البساتين وهو عام فيها

(3)

.

قوله: "فطار دبسي" الدبسي بضم الدال المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر السين المهملة بعدها ياء مشددة هو طائر صغير قيل هو ذكر اليمام انتهى قاله المنذري.

وقال الكمال الدميري في حياة الحيوان: طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب لأنهم يغيرون في النسب كالدهري والسهلي والفامي بائع الفوم، والقياس فومي. والأدبس من الطير والخيل، الذي في لونه غبرة بين السواد والحمرة.

وهذا النوع قسم من الحمام البري وهو أصناف مصري وحجازي وعراقي، وهي متقاربة لكن أفخرها المصري. ولونه الدكنة وقيل: هو ذكر اليمام كما قال المنذري، ومن طبع الدبسي إنه لا يرى ساقطا على وجه الأرض بل في الشتاء له مشتى وفي الصيف له مصيف ولا يعرف له وكره، وحكمه: الحل بالاتفاق

(4)

.

(1)

النهاية (1/ 462).

(2)

الكواكب الدراري (4/ 107).

(3)

النهاية (1/ 462).

(4)

حياة الحيوان (1/ 457 - 458).

ص: 709

قوله: "فطفق يتردد يلتمس مخرجًا فلا يجد فأعجبه ذلك" طفق هو بفتح الطاء وكسر الفاء حكاه القاضي عياض وممن حكى الفتح أيضا الأخفش والجوهري وطفق معناه جعل

(1)

وهي من أخوات كاد إلا أنها متصلة بالفعل الذي هو خبرها وكاد مقاربة ومقارنة.

قوله: "والنخل قد ذللت وهي مطوقة يثمرها" أي قد تذللت ورجبت عثاكيلها فصارت النخل كالأطواق قاله عياض

(2)

.

قوله: "فأعجبه ذلك فجعل يتبعه بصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى فقال لقد أصابني في مالي هذا فتنة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وفي الرواية الأخرى "ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى فجاء عثمان وهو يومئذ خليفة فذكر له ذلك له وقال هو صدقة فاجعله في سبيل الخير فباعه بخمسين ألفا فسمى ذلك المال الخمسين" قال الإمام الغزالي وكانوا يفعلون ذلك قطعًا لمادة الفكرة وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة وهذا هو الدواء القاطع لمادة العلة ولا يغني غيره

(3)

.

وكان ابن عمر رضي الله عنه لا يعجبه شيء من ماله إلا خرج عنه لله تعالى وكان رقيقه يعرفون ذلك فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحالة الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه إنهم يخدعونك فيقول من خدعنا بالله

(1)

شرح النووي على مسلم (5/ 13).

(2)

مشارق الأنوار (1/ 323).

(3)

إحياء علوم الدين (1/ 165).

ص: 710

انخدعنا له وطلب منه خادم بثلاثين ألفا ألفا فقال أخاف أن تفتنني دراهم ابن عامر وكان هو الطالب له فقال لخادمه اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى

(1)

فلذلك قال أبو سعيد الخدري ما منا أحد إلا وقد مالت به الدنيا إلا عبد الله بن عمر

(2)

ولم يمت رضي الله عنه إلا أن أعتق ألف نسمة وأكثر من ذلك

(3)

.

778 -

وَعَن الْأَعْمَش قَالَ: كَانَ عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود إِذا صلى كَأَنَّهُ ثوب ملقى" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْأَعْمَش لم يدْرك ابْن مَسْعُود

(4)

.

قوله: "عن الأعمش"، الأعمش: اسمه: سليمان بن مهران بكسر الميم الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي مولى لهم، كنيته أبو محمد، وكان في عينه ضعف، قال الجوهري: العمش ضعف الرؤية مع سيلان دمعها، مات سنة ثمان وأربعين ومائة

(5)

.

(1)

الزهد (1068) لأحمد.

(2)

ابن أبي شيبة في المصنف (32332)، وأحمد في فضائل الصحابة (1699)، والفسوى في المعرفة والتاريخ (1/ 490) عن جابر.

(3)

أبو نعيم في حلية الأولياء (1/ 296).

(4)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (119) وابن أبي شيبة في المصنف (2/ 125 رقم 7249)، والطبراني في الكبير (9/ 269 رقم 9342).

وقال الهيثمي في المجمع 2/ 136: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، والأعمش لم يدرك ابن مسعود. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (287).

(5)

الصحاح (3/ 1012)، والكواكب الدراري (1/ 150).

ص: 711

قوله: كان عبد الله بن مسعود إذا صلى كأنه ثوب ملقي، الحديث، وقد كان من السلف من إذا صلى اشتغلت حواسه بالله تعالى ومناجاته حتى تغيب حواسه كما حكي عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أنه كان قد أصابته الأكلة فقطعت رجلاه في الصلاة ولم يشعر بها ولما رأى ابنه ذلك وقع فمات وكان صغيرًا فلما سلم عروة من الصلاة رأى ابنه ميتا ورجله مقطوعة فقال: اللهم إن كنت أخذت ولدًا فقد أبقيت أولادًا وإن كنت أخذت عضوًا فقد أبقيت أعضاء فلك الحمد على ما أخذت ولك الحمد على ما أبقيت، وكان الجدار يقع بجانبهم لا يسمعون به

(1)

وصلى أحدهم ثلاثين سنة فلم يعرف من علي يمينه ومن على شماله لشغله بصلاته

(2)

، واستشكل أبو عبد الله بن الحاج في المدخل صحة صلاتهم وقال: من صلى إلى حالة لا يميز فيها بين المحسوسات كيف يكون عارفا بأحوال الصلاة وتمييز أركانه؟

وأجاب: بأنهم لم يسلبوا هذا القدر فرضي الله عنهم ورضي عنا بهم

(3)

، وكان علي رضي الله عنه إذا توضأ تغير لونه فقيل له: ما لنا نراك يا أمير المؤمنين إذا توضأت أصفر لونك وتغير فقال: أتدرون بين يدي من أقف، ومن أناجي!

وقال ابن مجاهد: قدمت رجلا من أصحابي فصلى بنا صلاة الظهر فلما كبر غشي عليه فلم يفق إلا وقت الظهر من الغد، فقلت: ما لك؟ فقال: هتف بي هاتف من قلبي إن لم يعرفك هؤلاء أليس أعرفك أنا، فغشي عليّ وأنا في

(1)

التهجد (ص 116) وذكره عن مسلم بن يسار.

(2)

الصلاة والتهجد (ص 193) والمراد سعيد بن جبير.

(3)

المدخل (2/ 190 - 191).

ص: 712

مراقبة المحبوب

(1)

.

وذكر الشيخ العارف بالله تعالى شهاب الدين الشهرورذي في عوارفه: روي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قدم للإمامة فقال: لا أصلح، فلما ألحوا عليه كبر فغضي عليه فقدموا إمامًا آخر فلما أفاق سئل فقال: لما قلت استووا هتف بي هاتف: هل استويت أنت مع الله

(2)

.

وقال أبو بكر الوراق: ربما أصلي فأنصرف منها وأنا أستحيي من الله استحياء رجل انصرف من الزنا

(3)

؛ [قال فى تهذيب النفوس]: ومات جماعة من التابعين وغيرهم في الصلاة منهم زرارة بن أوفي العامري البصري قاضيها، وكان ثقة عابدا فجأة سنة ثلاث وسبعين مات وهو ساجد، وقيل: كان يصلي بهم صلاة الصبح فقرأ: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)}

(4)

فلما بلغ: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)}

(5)

شهق شهقة فمات، وقيل: خر ميتًا

(6)

، ومات في صلاته حميد الطويل ومجاهد، ومات في صلاته محمد بن عبد الله الزهري البغدادي العابد بينما يصلي فخر ميتًا، ومات في صلاته أبو بشر جعفر بن إياس اليشكري صاحب

(1)

التهجد (ص 86).

(2)

عوارف المعارف (2/ 350).

(3)

الرسالة (2/ 370) ومدارج السالكين (2/ 95).

(4)

سورة المدثر، الآية:1.

(5)

سورة المدثر، الآية:8.

(6)

الثقات (4/ 266) لابن حبان، والمستدرك (2/ .... )، وتفسير الثعلبى (10/ 71)، وتفسير القرطبي 19/ 70.

ص: 713

سعيد بن جبير وهو ساجد خلف مقام إبراهيم عليه السلام سنة خمس وعشرين ومائة، ومات أبو ثعلبة الخشني في صلاته، ومات عبد الله بن عامر الزهري في صلاة المغرب، ومات محمد بن شجاع الثلاج في صلاة العصر، وكذلك مات موسى الخضر خلف المقام بمكة وهو ساجد، وكذلك جماعة غير من ذ كروا، هذا حال المعارض فكيف حال المفرطين الغافلين لا ريب أن كل واحد يتكلم على حسب مقامه، ولو تتبعنا أحوال القوم في ذلك لكان من ذلك كراريس كثيرة والله أعلم.

779 -

وَعَن عقبَة بن عَامر رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا من مُسلم يتَوَضَّأ فيسبغ الْوضُوء ثمَّ يقوم فِي صلَاته فَيعلم مَا يَقُول إِلَّا انْفَتَلَ وَهُوَ كيَوْم وَلدته أمه" رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَهُوَ فِي مُسلم وَغَيره بِنَحْوِهِ وَتقدم

(1)

.

قوله: "عن عقبة بن عامر" هو الجهني، تقدم الكلام على بعض مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء" تقدم تفسير إسباغ الوضوء في مواضع متنوعة بعبارات متنوعة.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم يقوم في صلاته فيعلم ما يقول إلا انفتل وهو كيوم ولدته أمه"

(1)

أخرجه مسلم (17 - 234)، وأبو داود (169 و 170 و 906)، والنسائي في المجتبى 1/ 338 (156) والكبرى (223)، وابن خزيمة (222)، وابن حبان (1050)، والحاكم (2/ 398 - 399) واللفظ له. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (190) و (395) و (546).

ص: 714

معنى الحديث: إلا رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب له، والمراد بذلك غفر له الصغائر وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة أو بعفو الله تعالى عن عبده

(1)

كما تقدم في نظائره والله أعلم.

* * *

(1)

إكمال المعلم (2/ 15)، والمفهم (3/ 119) والتذكرة (ص 220)، وطرح التثريب (4/ 163).

ص: 715