المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها] - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ٣

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌[الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تخميرها]

- ‌[الترهيب من البصاق في المسجد وإلى القبلة، الباب إلى آخره]

- ‌[الترغيب في المشي إلى المساجد سيما في الظهر وما جاء في فضلها]

- ‌[الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها]

- ‌[الترهيب من إتيان المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو كراتًا أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة]

- ‌[ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهن ولزومها وترهيبهن من الخروج منها]

- ‌[الترغيب في الصلوات الخمس والإيمان بوجوبها]

- ‌[الترغيب في الصلاة مطلقا وفضل الركوع والسجود]

- ‌[الترغيب في الصلاة في أول وقتها]

- ‌[الترغيب في صلاة الجماعة وما جاء فيمن خرج يريد الجماعة فوجد الناس قد صلوا]

- ‌[الترغيب في كثرة الجماعة]

- ‌[التَّرْغِيب فِي الصَّلاة فِي الفلاة

- ‌[الترغيب في صلاة العشاء والصبح خاصة في جماعة والترهيب من التأخير عنهما]

- ‌[الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر]

- ‌[الترغيب في صلاة النافلة في البيوت]

- ‌[الترغيب في انتظار الصلاة بعد الصلاة]

- ‌[الترغيب على المحافظة على الصبح والعصر]

- ‌[الترغيب في جلوس المرء في مصلاه بعد صلاة الصبح وصلاة العصر]

- ‌[الترغيب في أذكار يقولها بعد صلاة الصبح وصلاة العصر والمغرب]

- ‌[الترهيب من فوات العصر]

- ‌الترغيب في الإمامة مع الإتمام والإحسان والترهيب منها عند عدمها

- ‌[الترهيب من إمامة الرجل القوم وهم له كارهون]

- ‌[الترغيب في الصف الأول وما جاء في تسوية الصفوف والتراص فيها وفضل ميامنها ومن صلى في الصف المؤخر]

- ‌[الترغيب في وصل الصفوف وسد الفرج]

- ‌فرعان لهما تعلق بوصل الصفوف:

- ‌الترهيب من تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم وتقدم النساء إلى أوائل صفوفهم

- ‌[الترغيب في التأمين خلف الإمام وفي الدعاء وما يقوله في الاستفتاح والاعتدال]

- ‌[الترهيب من رفع المأموم رأسه قبل الإمام في الركوع والسجود]

- ‌[الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، وإقامة الصلب بينهما وما جاء في الخشوع]

الفصل: ‌[الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها]

[الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها]

493 -

عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله يَوْم لا ظلّ إِلَا ظله الإِمَام الْعَادِل والشاب نَشأ فِي عبَادَة الله عز وجل وَرجل قلبه مُعَلّق بالمساجد ورجلان تحابا فِي الله اجْتمعَا على ذَلِك وتفرقا عَلَيْهِ وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات منصب وجمال فَقَالَ إِنِّي أَخَاف الله وَرجل تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه وَرجل ذكر الله خَالِيا فَفَاضَتْ عَيناهُ" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا

(1)

.

قوله: عن أبي هريرة، تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" الحديث، أي: في ظل عرشه، والمراد به يوم القيامة إذا قام الناس في صعيد واحد وقربت الشمس من الرؤوس وأدبرت النار لأهل الموقف فليس هناك إلا ظل العرش، وأما ظل الصدقة فمن ظل العرش والله أعلم ويحتمل أن يراد بالظل هنا الكنف والكرامة والوقاية من المكاره كما تقول العرب أنا في ظل فلان أي في حمايته وكرامته وكنفه وإلى هذا نحا ابن دينار

(2)

.

(1)

أخرجه البخاري (665) و (1423) و (6479) و (6806)، ومسلم (91 - 1031)، والترمذى (2391)، والنسائى في المجتبى 8/ 276 (5424).

(2)

انظر: إكمال المعلم (3/ 567)، وشرح النووي على مسلم (7/ 121)، والمفهم (9/ 43 - 44)، والكواكب الدراري (5/ 46).

ص: 136

قوله صلى الله عليه وسلم: "الإمام العادل" والإمام العادل هو كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه

(1)

.

قوله: "والشاب نشأ في عبادة الله عز وجل" نشأ بمعنى نبت وابتدأ أي لم تكن له صبوة وهذا الذي قال فيه في الحديث الآخر "يعجب ربك من صبي ليست له صبوة" وإنما كان كذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "قلبه معلق بالمساجد" أي محب المكوث فيها للصلاة والذكر وقراءة القرآن وهذا إنما يكون ممن استغرقه حب الصلاة والمحافظة عليها وشغف بها

(3)

وقال النووي: معناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها وليس معناه دوام القعود فيها

(4)

.

قلت: فكيف من أحب المسجد الحرام وتعلق قلبه به؟

(5)

.

قوله: "ورجلان تحابا في الله" أي داما على المحبة الصادقة الدينية المبرأة عن الأغراض الدنيوية ولم يقطعاها بعارض في حال اجتماعهما ولا حال افتراقهما

(6)

.

(1)

المفهم (9/ 44).

(2)

المفهم (9/ 44).

(3)

المفهم (9/ 44).

(4)

شرح النووي على مسلم (7/ 121).

(5)

إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص 39).

(6)

المفهم (9/ 44).

ص: 137

قوله: "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال" أي دعته إلى الزنا بها، وذات منصب أي أصل

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" سيأتي الكلام على ذلك في صدقة السر.

قوله: "ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" سيأتي الكلام على ذلك أيضًا في البكاء.

494 -

وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ إِذا رَأَيْتُمْ الرجل يعْتَاد الْمَسَاجِد فَاشْهَدُوا لَهُ بالإِيمَان قَالَ الله عز وجل: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}

(2)

" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم كلهم من طَرِيق دراج أبي السَّمْح عَن أبي الْهَيْثَم عَن أبي سعيد وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد

(3)

.

قوله: عن أبي سعيد الخدري: تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان"

(1)

مشارق الأنوار (2/ 14)، والمفاتيح (2/ 66)، وشرح المصابيح (1/ 424)، وعمدة القارى (5/ 179).

(2)

سورة التوبة، الآية:18.

(3)

أخرجه ابن ماجه (802)، والترمذى (2617) و (3093)، وابن خزيمة (1502)، وابن حبان (1721)، والحاكم (2/ 332). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وضعفه الألباني في المشكاة (723) وضعيف الترغيب (203).

ص: 138

الحديث، المراد باعتياد المسجد أن يكون قلبه متعلقا به منذ يخرج منه إلى أن يعود إليه كما هو مذكور في حديث السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله فقال "ورجل قلبه معلق بالمساجد" وقال علي رضي الله تعالى عنه: إذا مات العبد بكى عليه مصلاه ومصعد عمله من السماء ثم قرأ {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ}

(1)

(2)

وقال ابن عباس تبكي عليه الأرض أربعين صباحا، وقال عطاء الخراساني: ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له بها يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت

(3)

، وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المساجد سوق من أسواق الآخرة فمن دخلها كان ضيف الله وجزاؤه المغفرة وتحيته الكرامة، عليكم بالأرتاع قالوا يا رسول الله وما الأرتاع قال الدعاء والرغبة إلى الله تعالى"

(4)

فيستحب لمن قصد المسجد أن يخلص النية لقصد العبادة وتعظيم المسجد بالزيارة وإحيائه بالذكر والتلاوة ويستحب أيضا لقاصد المسجد أن يلبس من ثيابه البياض لحديث ورد بذلك وأن يتوضأ في بيته والأفضل أن يذهب إلى

(1)

سورة الدخان، الآية:29.

(2)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (336).

(3)

إحياء علوم الدين (1/ 152).

(4)

أخرجه البحيرى في الرابع من فوائده (71) والخطيب في تاريخ بغداد (10/ 287) والشجرى في الأمالى (1034)، والديلمى في الغرائب الملتقطة (2594) من طريق الحاكم. وفيه سليمان بن إسرائيل الجحدرى قال الحاكم حدثنا عنه بعجائب منها هذا فذكره لسان الميزان (3/ 77).

ص: 139

الصلاة ماشيا وسواء في ذلك الجمعة والجماعة والعيد وغير ذلك قاله في تسهيل المقاصد لزوار المساجد

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "فاشهدوا له بالإيمان" قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية قال القاضي أبو بكر بن العربي: دلت الآية على أن الشهادة بإعمار المساجد صحيحة لأن الله سبحانه وتعالى ربطها بها وأخبر عنها بملازمتها والنفس تطمئن بها وتسكن إليها والمراد عمارة المساجد بالعبادة والطاعات والقربات

(2)

، وقال الزمخشري: وعمارتها يتناول رمّ ما استرمّ منها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وإعدادها للعبادة والذكر، ومن الذكر درس العلم لمن هو أجله وأعظمه وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا

(3)

انتهى.

قال أنس بن مالك: من أسرج في المسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له مادام في المسجد ضوءه

(4)

.

قوله: رووه كلهم من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم ودراج لقب أبي السمح القرشي السهمي المصري القاضي مولى عبد الله بن عمرو بن

(1)

تسهيل المقاصد (لوحة 1 ولوحة 2 ولوحة 4).

(2)

أحكام القرآن (2/ 246).

(3)

الكشاف (2/ 254).

(4)

أخرجه الحارث بن أبي أسامة (127)، وابن أبي شيبة في العرش (34). قال البوصيرى في الاتحاف (2/ 42): هذا إسناد ضعيف. قال الذهبي في الميزان: الحكم بن مسقلة قال الأزدي: كذاب. وقال الألبانى: موضوع الضعيفة (1168).

ص: 140

العاصي رأى مولاه عبد الله بن عمرو بن العاصي وكان دراج كريما إذا أتاه من يطلب العلم لم يحدثه حتى يطعم عنده، توفي سنة عشرين ومائة روى له البخاري في الأدب وغيره والأربعة

(1)

والله أعلم قال في الديباجة.

وأما أبو الهيثم، هو سليمان بن عمرو العتواري المصري روى عن أبي سعيد الخدري وهو الذي رباه وكان في حجره أوصى إليه أبوه به وثقه ابن معين وابن حبان روى له الأربعة

(2)

.

495 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا توطن رجل الْمَسَاجِد للصَّلَاة وَالذكر إِلَا تبشبش الله تَعَالَى إِلَيْهِ كَمَا يتبشبش أهل الْغَائِب بغائبهم إِذا قدم عَلَيْهِم رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة قَالَ مَا من رجل كَانَ توطن الْمَسَاجِد فَشَغلهُ أَمر أَو عِلّة ثمَّ عَاد إِلَى مَا كانَ إِلَا يتبشبش الله إِلَيْهِ كَمَا يتبشبش أهل الْغَائِب بغائبهم إِذا قدم

(3)

.

قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم "ما توطن رجل المساجد للصلاة والذكر" الحديث أي اتخذها

(1)

تهذيب الكمال (8/ 477 - 480 ترجمة 1797).

(2)

تهذيب الكمال (12/ 50 - 51 الترجمة 2554).

(3)

أخرجه الطيالسى (2838)، وأحمد 2/ 328 (8350) و 2/ 354 (9841 و 9842)، وابن أبي شيبة في مسنده كما في إتحاف الخيرة بإثر (1478)،، وابن ماجه (800)، وابن خزيمة (359) و (1491) و (1503)، وابن حبان (1607) و (2278)، والحاكم 1/ 213. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (327).

ص: 141

موطنا للذكر والصلاة فلا بأس بذلك وفيه فضل كبير وأما لغير ذلك فهو الذي ورد النهي عنه.

قوله صلى الله عليه وسلم "إلا تبشبش الله تعالى إليه" تقدم الكلام على ذلك قريبا وهو هنا مجاز عن الرضا عنه والإكرام له يعني دليل على خصوص الرضا من الله تعالى على قصاد المساجد

(1)

.

496 -

وَعَن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ سِتّ مجَالِس الْمُؤمن ضَامِن على الله تَعَالَى مَا كَانَ فِي شَيْء مِنْهَا فِي مَسْجِد جمَاعَة وَعند مَرِيض أَو فِي جَنَازَة أَو فِي بَيته أَو عِنْد إِمَام مقسط يعزره ويوقره أَو فِي مشْهد جِهَاد" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَزَّار وَلَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ لَكِن رُوِيَ من حَدِيث معَاذ بِإِسْنَاد صَحِيح وَيَأْتِي فِي الْجِهَاد وَغَيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى

(2)

.

قوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم الكلام على ترجمته.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ست مجالس المؤمن ضامن على الله تعالى ما كان في شيء منها" الحديث ومعنى المؤمن ضامن على الله تعالى أي صاحب ضمان يعني أنه في رعاية الله وتقدم الكلام على ذلك قريبًا.

قوله "ما كان في شيء منها في مسجد جماعة وعند مريض أو في جنازة أو

(1)

تسهيل المقاصد (لوحة 37).

(2)

أخرجه ابن أبي عمر في المسند -كما في المطالب العالية (3/ 566 رقم 374) - وعبد بن حميد (337)، وابن زنجويه (50)، والبزار (435/ كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (14/ 59 رقم 14655). قال الهيثمي في المجمع 2/ 23: رواه الطبراني في الكبير والبزار بنحوه، ورجاله موثقون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (328).

ص: 142

في بيته أو عند إمام مقسط يعزره ويوقره" وسيأتي الكلام على كلّ واحدة من هذه الخصال في بابها، وأما الإمام المقسط فهو العادل والإمام يشتمل السلطان ومن ولي شيئًا من أمور المسلمين.

وأما قوله "يعزره أو يوقره" أي يعينه وينصره ويعظمه والله أعلم.

497 -

وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن عمار بيُوت الله هم أهل الله عز وجل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط

(1)

.

قوله: عن أنس تقدم.

قوله: "إن عمار بيوت الله هم أهل الله عز وجل" وفي البيهقي عن أنس أيضًا سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله سبحانه يقول: إني لأهم بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، والمتحابين في، والمستغفرين بالأسحار صرفت عنهم"

(2)

وله عنه "إذا عاهة من السماء أنزلت صرفت عن

(1)

أخرجه عبد بن حميد (1291)، والبزار (6941)، وأبو يعلى (3406)، والعقيلى في الضعفاء (2/ 199)، والطبراني في الأوسط (3/ 67 رقم 2502)، وابن عدى (5/ 94) قال البزار والطبراني: وهذا الحديث لا نعلم رواه، عن ثابت إلا صالح.

قال ابن عدى: وصالح قد يقبل بهؤلاء الرجال يروي عنهم هذه الأحاديث، عن أنس منهم ثابت البناني ويزيد الرقاشي وميمون بن سياه وجعفر بن زيد وهذه الأحاديث التي يرويها عنهم عامتها لا يرويها غيره عنهم. وقال الهيثمي في المجمع 2/ 23: رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى والبزار، وفيه صالح المري وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (1682) وضعيف الترغيب (204).

(2)

أخرجه ابن عدى في الكامل (5/ 94)، والبيهقى في الشعب (4/ 379 رقم 2685) و (11/ 345 رقم 8633). وضعفه الألباني جدًا في الضعيفة (7102).

ص: 143

عمار المساجد"

(1)

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: سمعت فخر الإسلام الشاشي يقول: كان القاضي أبو الطيب الطبري يسمي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي حمامة المسجد لملازمته له لأنه لم يجعل لنفسه بيتا سواه

(2)

.

وروى الطبراني في الأوسط عن الضحاك "إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري منها عمارها، فطوبي لعبد تطهر في بيته ثم زارني، فحق على المزور أن يكرم زائره"

(3)

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لينادي يوم القيامة أين جيراني؟ أين جيراني؟ قال: فتقول الملائكة ربنا ومن ينبغي أن يجاورك فيقول أين عمار المساجد"

(4)

.

498 -

وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من ألف الْمَسْجِد أَلفه الله" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَفِيه ابْن لَهِيعَة

(5)

.

(1)

أخرجه ابن عدى في الكامل (4/ 205)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (1/ 196)، والبيهقى في الشعب (4/ 379 - 380 رقم 2686). قال ابن عدى: وهذا يرويه زافر، ولزافر غير ما ذكرت، وكأن أحاديثه مقلوبة الإسناد مقلوبة المتن، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، ويكتب حديثه مع ضعفه. وقال الألبانى: ضعيف الضعيفة (1851)، وقال: منكر الضعيفة (2449) و (7080).

(2)

أحكام القرآن (2/ 462).

(3)

لم أعثر عليه بهذا اللفظ عن الضحاك.

(4)

أخرجه الحارث (126) وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (1095) وابن عدى (5/ 165) عن أنس. قال ابن عدى: وهذا يرويه زافر، ولزافر غير ما ذكرت، وكأن أحاديثه مقلوبة الإسناد مقلوبة المتن، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، ويكتب حديثه مع ضعفه.

(5)

أخرجه الطبراني في الأوسط (6/ 269 رقم 6383)، وابن عدى في الكامل (5/ 251). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن دراج إلا ابن لهيعة، تفرد به عمرو بن خالد. وقال =

ص: 144

قوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام على مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من ألف المسجد ألفه الله" أي: أحبه الله والألفة [اجتماع مع التئام يقال ألفت بينهم ويقال للمألوف إلف وأليف والمؤلف ما جمع من أجزاء مختلفة ورتبت ترتيبا قدم فيه ما حقه أن يقدم وآخر فيه ما حقه أن يؤخر

(1)

].

499 -

وَعَن معَاذ بن جبل رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن الشَّيْطَان ذِئْب الإِنْسَان كذئب الْغنم يَأْخُذ الشَّاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب وَعَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة والعامة وَالْمَسْجِد رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة الْعَلَاء بن زِيَاد عَن معَاذ وَلم يسمع مِنْهُ

(2)

.

قوله عن معاذ بن جبل: "إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناجية" الحديث، الشاة القاصية المنفردة عن القطيع البعيدة عنه

= الهيثمي في المجمع 2/ 23: رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وفيه كلام. وضعفه الألباني في الضعيفة (3060) وضعيف الترغيب (203).

(1)

المفردات في غريب القرآن (ص 81).

(2)

أخرجه أحمد (5/ 232)(22029) و (5/ 243)(22107)، والحارث في المسند (606)، والشاشى (1387)، والطبراني في الكبير (20/ 164 رقم 344 و 345)، وأبو نعيم في الحلية (2/ 247). قال الهيثمي في المجمع 2/ 23: رواه أحمد، والعلاء بن زياد لم يسمع من معاذ. وقال في 5/ 219: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات إلا أن العلاء بن زياد قيل: إنه لم يسمع من معاذ. وضعفه الألباني في المشكاة (184) وضعيف الترغيب (206) والضعيفة (3016).

ص: 145

قاله في النهاية

(1)

والناجية بكسر الجيم وفتح الياء المثناة من تحت أي السريعة العدو قاله في النهاية، ومنه الحديث "أتوك على قلص نواج" أي مسرعات، الواحدة ناجية

(2)

مسرعات يريد أن الشيطان يتسلط على الخارج من الجماعة وأهل السنة

(3)

والله أعلم.

قوله: رواه أحمد من رواية العلاء بن زياد [وهو ثقة لكن روايته عن معاذ مرسلة].

500 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن للمساجد أوتادا الْمَلَائِكَة جلساؤهم إِن غَابُوا يفتقدوهم وَإِن مرضوا عادوهم وَإِن كانُوا فِي حَاجَة أَعَانُوهُم ثمَّ قَالَ جليس الْمَسْجِد على ثَلَاث خِصَال أَخ مُسْتَفَاد أَو كلمة حِكْمَة أَو رَحْمَة منتظرة رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن سَلام دون قَوْله جليس الْمَسْجِد إِلَى آخِره فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي أُصَلِّي وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا

(4)

.

(1)

النهاية (4/ 75).

(2)

النهاية (5/ 25).

(3)

النهاية (4/ 75).

(4)

أخرجه أحمد 2/ 418 (9424)، وأبو نعيم في الأربعون (37) عن أبي هريرة. وقال الهيثمي في المجمع 2/ 22: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام. وحسنه الألباني في الصحيحة (3401). وأخرجه الحاكم (2/ 398)، والبيهقى في الشعب (4/ 382 - 383 رقم 2692) عن عبد الله بن سلام. صحيح على شرط الشيخين موقوف. ووافقه الذهبي. وصححهما الألباني في صحيح الترغيب (329).

ص: 146

قوله: عن أبي هريرة، تقدم.

قوله في الحديث "جليس المسجد على ثلاث خصال أخ مستفاد أو كلمة محكمة أو رحمة منتظرة" الحديث، يجوز في أخ وكلمة ورحمة الثلاثة الجر والرفع، وفي شرح السنة عن ابن مسعود أن عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله ائذن لي في الترهب! قال: "إن ترهب أمتي الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة" وقال سعيد بن المسيب: من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه، فما حقه؟ أن يقول إلا خيرًا

(1)

. فيستحب لزوم المساجد والجلوس فيها، لما في ذلك من إحياء البقع وانتظار الصلاة وفعلها في أوقاتها على أكمل الأحوال، وعن عبد الرحمن بن مسعود الفزاري عن أبي الدرداء قال: ما من رجل يغدو إلى المسجد لخير يفعله أو يعمله إلا كتب له أجر مجاهد لا ينقلب إلا [غانما]

(2)

، فينبغي لكل جالس في المسجد لانتظار الصلاة أو لشغل آخر من آخرة أو دنيا أن ينوي الاعتكاف ويستحب له ويثاب له ما لم يخرج من المسجد بنية الاعتكاف، ولو تكلم بكلام لغو أو عمل صناعة من خياطة ونحوها لم يبطل اعتكافه

(3)

.

فرع: ولو دخل المسجد لقصد المرور استحب له أن ينوي الاعتكاف عند أول دخوله ويقف وقفة لطيفة، قال البغوي: تزيد على مقدار الطمأنينة في الصلاة،

(1)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (416).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنِّف (7/ 115)، وأحمد في الزهد (756).

(3)

تسهيل المقاصد (لوحة 8).

ص: 147

ثم يمشي حتى ينسحب الاعتكاف على مروره، فإن نوي الاعتكاف ولم يقف لم يصح اعتكافه على الصحيح، وقيل: يصح قاله في تسهيل المقاصد

(1)

.

وينبغي للمجالس في المسجد أن يأمر بما يراه من معروف وينهى عمن يراه من منكر، هذا وإن كان الإنسان مأمور به في غير المسجد إلا أنه يتأكد القول به في المسجد صيانة له وإعظاما وإجلالا واحتراما، قال النووي: قال أصحابنا: من دخل المسجد فلم يتمكن من صلاة تحية المسجد إما لحدث أو إما لشغل ونحوه يستحب له أن يقول أربع مرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فقد قال به بعض السلف وهذا لا بأس به

(2)

.

وقال ابن بطال في شرح البخاري عن جابر بن زيد الإمام الكبير التابعي أنه قال: إذا دخلت المسجد فصل فيه فإن لم تصل فاذكر الله تعالى فكأنك قد صليت

(3)

، انتهى.

فائدة: قال المحاملي: التحيات أربع تحيات تحية البيت بالطواف، وتحية منى بالرمي، وتحية الحرم بالإحرام، وتحية المسجد بركعتين

(4)

، ويضاف إلى ما ذكره: تحية عرفة بالوقوف عليه، وتحية المسلم بالسلام

(5)

، والتحيات

(1)

المصدر السابق (لوحة 8).

(2)

الأذكار (ص 82).

(3)

شرح الصحيح (2/ 94).

(4)

اللباب (ص 145). وإعلام الساجد (ص 108 - 109).

(5)

إعلام الساجد (ص 108 - 109)، والإقناع (1/ 118).

ص: 148

في قوله تعالى {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ}

(1)

السَّلام وقيل الهدية، قال العُلماء: ولو اتصلت المساجد بعضها ببعض فدخل واحدا وصلى التحية ثم دخل آخر لم تستحب التحية على الصحيح بناء على الصحيح أن المساجد المتصلة تعطى حكم المسجد الواحد في اتصال الصفوف وغيرها

(2)

.

فرع: قال في الروضة الذي صرح به كثير منهم الشيخ أبو حامد وصاحب الشامل والستة وغيرهم: إن المساجد المتصلة التي يفتح بعضها على بعض لها حكم المسجد الواحد وهو الصَّواب وقال أبو الفتوح العجلي: في نكت [الوسيط] فلو كانت المساجد المتصلة مغلقة الأبواب فالمذهب صحة الاقتداء، وأبعد بعض أصحابنا فمنع ذلك لأنهما لا يعدان مسجدا واحدا عرفا، قاله [ابن العماد في شرح العمدة]

(3)

.

قال النووي: ويستحب الإكثار في المسجد من ذكر الله تعالى والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وغيرها من الأذكار ويستحب الإكثار من قراءة القرآن ومن المستحب فيه قراءة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم الفقه وسائر العلوم الشرعية قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}

(4)

الآية

(5)

.

(1)

سورة النساء، الآية:86.

(2)

انظر: روضة الطالبين (1/ 361)، وحاشية العبادى على تحفة المحتاج (2/ 234).

(3)

تسهيل المقاصد (لوحة 42).

(4)

سورة النور، الآية:36.

(5)

الأذكار (ص 81).

ص: 149

501 -

وَعَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول الْمَسْجِد بَيت كل تَقِيّ وتكفل الله لمن كانَ الْمَسْجِد بَيته بِالروحِ وَالرَّحْمَة وَالْجَوَاز على الصِّرَاط إِلَى رضوَان الله إِلَى الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَالْبَزَّار وَقَالَ إِسْنَاده حسن وَهُوَ كما قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى

(1)

وَفِي الْبَاب أَحَادِيث غير مَا ذكرنَا تَأتي فِي انْتِظَار الصَّلاة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

قوله: عن أبي الدرداء: واسمه عويمر، تقدم الكلام على مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "المسجد بيت كل تقي" الحديث، وعن قيس ابن أبي حازم قال: سمعتُ أبا الدرداء يقول لابنه: يا بني ليكن المسجد بيتك، فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"المساجد بيوت المتقين"

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "تكفل الله وإن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى الجنة" وذكر الكفيل والكفالة كله بمعنى الضامن وتكون الكفالة بمعنى الحياطة، وكافل اليتيم حاضنه والقائم عليه

(3)

فإن من سكن المسجد

(1)

أخرجه البزار (2546)، والطبراني في الكبير (6/ 254 رقم 6143)، وأبو نعيم في الحلية (1/ 214)، والقضاعى في مسند الشهاب (72) و (73)، والبيهقى في الشعب (4/ 381 رقم 2689) و (13/ 195 رقم 10174). قال الهيثمي في المجمع 2/ 22: رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار وقال: إسناده حسن، قلت: ورجال البزار كلهم رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (716) وصحيح الترغيب (330) شطره الأول. وضعفه من قوله تكفّلَ الله لمن كان المسجدَ بيتُه في ضعيف الترغيب (207).

(2)

أخرجه الخطيب في تاريخه (8/ 340) ومن طريقه ابن الجوزى في العلل المتناهية (1/ 410: 690). قال ابن الجوزي: قال الدَّارقُطْنِي: عمرو بن جرير، متروك.

(3)

مشارق الأنوار (1/ 346).

ص: 150

واتخذه بيتا أعرض عن الدنيا وأهلها وأقبل على الآخرة وعمل لها

(1)

.

تنبيهات: الجلوس في المسجد يقع على أغراض منها: أن يجلس ليقرأ القرآن عليه والحديث والفقه أو يجلس للاستفتاء ويألف ذلك الموضع فلا يبطل حقه بالقيام عنه حتى إذا عاد كان أحق به من غيره كمقاعد الأسواق لأن له أغراضا في ملازمته ذلك الموضع

(2)

.

ومنها: الاستماع لحديث رسول الله وهو مستحب مرغوب فيه للحفظ وتعلم الأحكام وكذلك لقصد الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واتصال السند وهل يتعلق بقراءة متون الأحاديث ثواب خاص كما تتعلق بالقرآن، وهل يثاب على مجرد سماعها من كان عارفا بها كما يثاب المستمع للقرآن على مجرد الاستماع، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع قراءة متون الأحاديث لا يتعلق بها ثواب خاص

(3)

.

ومنها: الجلوس لاستماع القرآن وهو مستحب لأن من استمع القرآن رحم قال الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}

(4)

(5)

والجلوس لقراءة القرآن أفضل من الجلوس لاستماعه،

(1)

التذكرة (ص 766).

(2)

روضة الطالبين (5/ 296).

(3)

تسهيل المقاصد (لوحة 73).

(4)

سورة الأعراف، 204.

(5)

تسهيل المقاصد (لوحة 73).

ص: 151

ومنها: الجلوس لاستماع الذكر والتهليل والتسبيح، وهل يقول باستحباب ذلك كما يستحب في قراءة القرآن؟ قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن الذهبي في الكلام على السماع في مصنف له: أن ذلك من المباحات ولم يعده من القسم المستحب، ومنها: الجلوس للدعاء وهو مستحب لقوله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة" رواه أبو داود الطيالسي وقال صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع الله غضب عليه" وقيل فيه:

الله يغضب إن تركت سؤاله

وبني آدم حين يسأل يغضب

وقال الواسطي في تفسيره في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ}

(1)

قال بعضهم: ترفع فيها الحوائج إلى الله تعالي، وقال بعضهم: ترفع الحوائج من القلوب بالذكر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول حاكيا عن ربه "من شغله، ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" ويدل للقول الأول قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخلتم المساجد فعليكم الإرتاع" قالوا وما الإرتاع يا رسول الله قال: "الدعاء و الرغبة إلى الله عز وجل"

(2)

. ومنها أن يجلس إلى الصلاة فلا اختصاص له في صلاة أخرى، وأما الصلاة الحاضرة فهو أحق فإن فارق بغير عذر بطل حقه وإن قام لعذر كحدث أو رعاف أو إجابة داع ونحو ذلك لم يبطل اختصاصه للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا قام أحدكم من مجلسه في المسجد فهو أحق به إذا عاد إليه" ولا فرق في هذا أن

(1)

سورة النور، الآية:36.

(2)

تسهيل المقاصد (لوحة 73 و 74).

ص: 152

يترك إزاره أو لا كما لا فرق بين أن يطرأ العذر بعد الشروع في الصلاة أو قبله قاله في الروضة في كتاب "إحياء الموات"

(1)

ومنها أن يجلس للشراء أو البيع أو الحرف الشريفة أو الدنية وأنه ممنوع منه كما سبق

(2)

[158 المخطوطه المغربية] منها الجلوس لاعتكاف قال: في الروضة وينبغي أن يقال له الاختصاص بموضعه ما لم يخرج من المسجد أن كان اعتكاف مطلقا وأن نوى اعتكاف أيام فخرج لحاجة جائزة ففي بقاء استحقاقه إذا رجع احتمال والظاهر بقاؤه ومنها الجلوس لاستماع الحديث والوعظ، قال: في الروضة والظاهر أنه كالصلاة ولا يختص فيما سوى ذلك المجلس ولا فيه أن فارق بلا عذر ويختص أن فارق بعذر على المختار ويحتمل أن يقال إن كانت له عادة بالجلوس بقرب كبير المجلس وينتفع الحاضرون بقربه لعلمه ونحو ذلك دام اختصاصه في كلّ مجلس بكل حال وأما مجلس الفقيه في موضع معين كتدريس المدرس في المدرسة أو المسجد فالظاهر فيه دوام الاختصاص لاطراد العرف فيه وفيه احتمال قال ويمنع الناس من استطراق حلق الفقهاء والفقراء في المسجد توقيرا لها والله أعلم

(3)

.

خاتمة: فيها مسائل تتعلق بالمسجد أيضًا إحداها أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدث فإن كان جلوسه لعبادة من اعتكاف أو

(1)

روضة الطالبين (5/ 297).

(2)

روضة الطالبين (5/ 297).

(3)

روضة الطالبين (5/ 297 - 298).

ص: 153

قراءة علم أو سماع موعظة أو انتظار صلاة أو نحو ذلك كان مستحبا وإن لم يكن لشيء من ذلك كان مباحًا وقال: بعض أصحابنا أنه مكروه وهو ضعيف

(1)

.

ثانيتها قال: ابن المنذر أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلا أن يتوضأ في مكان يبله ويتأذى الناس به فإنه مكروه ونقل الإمام أبو الحسن بن بطال المالكي هذا عن ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاووس والنخعي وابن القاسم المالكي وأكثر أهل العلم وعن ابن سيرين ومالك وسحنون أنهم كرهوه تنزيها للمسجد والله أعلم

(2)

.

ثالثتها: يحرم إدخال المسجد وأما من على بدنه نجاسة فإن خاف تنجيس المسجد لم يحرم له الدخول وإن أمن ذلك جاز وأما إذا افتصد في المسجد فإن كان من غير إناء فحرام وإن قطر دمه في إناء فمكروه وإن بال في المسجد في إناء ففيه وجهان أصحهما أنه حرام، والثاني مكروه

(3)

.

رابعتها يجوز الاستلقاء في المسجد ومد الرجل وتشبيك الأصابع للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم

(4)

.

خامستها: يستحب استحبابا مؤكدا كنس المسجد وتنظيفه للأحاديث

(1)

المجموع (2/ 172)، وشرح النووي على مسلم (2/ 192).

(2)

شرح النووي على مسلم (2/ 192).

(3)

شرح النووي على مسلم (2/ 192).

(4)

شرح النووي على مسلم (2/ 192).

ص: 154

الصحيحة المشهورة والله أعلم

(1)

.

سادستها: أن يعتقد أنه بيت الله عز وجل وأن داخله زائر الله عز وجل فيه فينوي ذلك قال صلى الله عليه وسلم "من قعد في المسجد فقد زار الله تعالى وحق على المزور إكرام زائره"

(2)

.

سابعتها: الخلوة ودفع الشواغل ولزوم السر للفكر في الآخرة وكيفية الاستعداد لها

(3)

.

ثامنتها: التجرد للذكر وإسماعه واستماعه لقوله صلى الله عليه وسلم "من غدا على المسجد يذكر الله تعالى ويذكر به كان كالمجاهد في سبيل الله تعالى"

(4)

.

تاسعتها: أن يترك الذنوب حياء من الله عز وجل بأن يحسن نيته في نفسه في قوله وعمله حتى يستحيي منه من يراه أن يفارق ذنبا وقس عليه سائر الأعمال

(5)

وتقدم أشياء تتعلق بالمسجد في آخر باب تنظيف المساجد وتجميرها والله أعلم.

(1)

شرح النووي على مسلم (2/ 193).

(2)

إحياء علوم الدين (4/ 370).

(3)

إحياء علوم الدين (4/ 370 - 371).

(4)

إحياء علوم الدين (4/ 371).

(5)

إحياء علوم الدين (4/ 371).

ص: 155