المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(221) باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيا - فتح المنعم شرح صحيح مسلم - جـ ٣

[موسى شاهين لاشين]

فهرس الكتاب

- ‌(179) باب القراءة في الظهر والعصر

- ‌(180) باب القراءة في الصبح والمغرب

- ‌(181) باب القراءة في العشاء

- ‌(182) باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام

- ‌(183) باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام

- ‌(184) باب متابعة الإمام والعمل بعده

- ‌(185) باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع

- ‌(186) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود

- ‌(187) باب ما يقال في الركوع والسجود

- ‌(188) باب فضل السجود والحث عليه

- ‌(189) باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر والثوب

- ‌(190) باب الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض

- ‌(191) باب ما يجمع صفة الصلاة، وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع، والاعتدال منه، والسجود والاعتدال منه، والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية، وصفة الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول

- ‌(192) باب سترة المصلي والندب إلى الصلاة خلف سترة والنهي عن المرور بين يدي المصلي، وحكم المرور ودفع المار وجواز الاعتراض بين يدي المصلي، والصلاة إلى الراحلة والأمر بالدنو من السترة، وبيان قدر السترة وما يتعلق بذلك

- ‌(193) باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه

- ‌كتاب المساجد ومواضع الصلاة

- ‌(194) باب الأرض كلها مسجد وتربتها طهور

- ‌(195) بناء مسجد المدينة - والصلاة في مرابض الغنم

- ‌(196) باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة

- ‌(197) باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد

- ‌(198) باب فضل بناء المساجد والحث عليها

- ‌(199) باب وضع الأيدي على الركب في الركوع

- ‌(200) باب جواز الإقعاء على العقبين

- ‌(201) باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان

- ‌(202) باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه وجواز العمل القليل في الصلاة

- ‌(203) باب جواز حمل الصبيان في الصلاة وأن ثيابهم محمولة على الطهارة حتى تتحقق نجاستها وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة وكذا إذا فرق الأفعال

- ‌(204) باب الخطوة والخطوتين في الصلاة، وأنه لا كراهة في ذلك إذا كان لحاجة وجواز صلاة الإمام على موضع أرفع من المأمومين للحاجة كتعليمهم الصلاة أو غير ذلك

- ‌(205) باب كراهة الاختصار في الصلاة

- ‌(206) باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة

- ‌(207) باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها والنهي عن بصاق المصلي بين يديه وعن يمينه

- ‌(208) باب جواز الصلاة في النعلين

- ‌(209) باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام

- ‌(210) باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الحدث ونحوه

- ‌(211) باب نهي من أكل ثومًا أو بصلاً أو كراثًا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد حتى تذهب تلك الريح، وإخراجه من المسجد

- ‌(212) باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد

- ‌(213) باب السهو في الصلاة والسجود له

- ‌(214) باب سجود التلاوة

- ‌(215) باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين

- ‌(216) باب السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها وكيفيته

- ‌(217) باب الذكر بعد الصلاة

- ‌(218) باب استحباب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم بين التشهد والتسليم

- ‌(219) باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته

- ‌(220) باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة

- ‌(221) باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيًّا

- ‌(222) باب متى يقوم الناس للصلاة

- ‌(223) باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة

- ‌(224) باب أوقات الصلوات الخمس

- ‌(225) باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى الجماعة ويناله الحر في طريقه

- ‌(226) باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر

- ‌(227) باب استحباب التبكير بالعصر

- ‌(228) باب التغليظ في تفويت صلاة العصر

- ‌(229) باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر

- ‌(230) باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما

- ‌(231) باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس

- ‌(232) باب وقت العشاء وتأخيرها

- ‌(233) باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس، وبيان قدر القراءة فيها

- ‌(234) باب كراهة تأخير الصلاة عن وقتها المختار وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام

- ‌(235) باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها وأنها فرض كفاية

- ‌(236) باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر

- ‌(237) باب جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات [وأين يقف الصبي والمرأة من الإمام]

- ‌(238) باب فضل الصلاة المكتوبة في جماعة، وفضل انتظار الصلاة، وكثرة الخطا إلى المساجد، وفضل المشي إليها، وفضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح، وفضل المساجد

- ‌(239) باب من أحق بالإمامة

- ‌(240) باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة والعياذ بالله واستحبابه في الصبح دائمًا

- ‌(241) باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها

- ‌كتاب صلاة المسافرين

- ‌(242) باب قصر الصلاة

- ‌(243) باب الصلاة في الرحال في المطر

- ‌(244) باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به

- ‌(245) باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌(246) باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال واستحباب وقوف المأموم يمين الإمام

- ‌(247) باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في الإقامة

- ‌(248) باب ما يقول إذا دخل المسجد

- ‌(249) باب استحباب تحية المسجد بركعتين وكراهة الجلوس قبل صلاتهما، وأنها مشروعة في جميع الأوقات، واستحباب ركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه

- ‌(250) باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان

- ‌(251) باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما

- ‌(252) باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن

- ‌(253) باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا وفعل بعض الركعة قائمًا وبعضها قاعدًا

- ‌(254) باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة

- ‌(255) باب الترغيب في قيام الليل وهو التراويح وباب الندب الأكيد إلى قيام ليلة القدر وبيان دليل من قال: إنها ليلة سبع وعشرين

- ‌(256) باب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالليل

- ‌(257) باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل

- ‌(258) باب الحث على صلاة الوقت وإن قلت

- ‌(259) باب استحباب صلاة النافلة في البيت

- ‌(260) باب فضيلة العمل الدائم والأمر بالاقتصاد في العبادة وأمر من لحقه نوم أو ملل أن يترك حتى يذهب عنه

- ‌(261) باب فضائل القرآن وما يتعلق به وباب الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول نسيت آية كذا وجواز قول أنسيتها

- ‌(262) باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن

- ‌(263) باب نزول السكينة لقراءة القرآن

- ‌(264) باب فضيلة حافظ القرآن

- ‌(265) باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل

- ‌(266) باب فضل استماع القرآن والبكاء والتدبر عنده

- ‌(267) باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وفضل قراءة سورة البقرة وآل عمران والفاتحة والكهف وآية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين وفضل قراءة القرآن في الصلاة وغيرها

- ‌(268) باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه

الفصل: ‌(221) باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيا

(221) باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيًّا

1160 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".

1161 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة".

1162 -

عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا نودي بالصلاة فأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".

1163 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك".

1164 -

عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه قال بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع جلبة فقال "ما شأنكم؟ " قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال "لا تفعلوا. إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة. فما أدركتم فصلوا وما سبقكم فأتموا".

ص: 290

-[المعنى العام]-

لصلاة الجماعة فضيلة يسعى إليها كل مسلم، وللمبادرة إلى أداء الصلاة في وقتها فضيلة يحرص عليها كل مصل، وهكذا كان الصحابة يحرصون على هذه الفضائل كل الحرص، وكانوا يتسابقون ويسارعون لدرجة الجري والقفز.

ولما كان للصلاة قدسيتها لأنها مناجاة، وساحة المناجاة والتهيؤ لها يعطي حكمها من التقديس والوقار، ولما كان العامد إليها يعد فيها، إعطاء للوسيلة حكم الغاية كانت دعوة الشارع إلى إتيان الصلاة بالسكينة والخشوع والوقار منذ يخرج من بيته حتى يقف في الصف. لقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصوات وحركات أصحابه يسعون ويهرولون للحاق به وهو في الصلاة، فلما سلم قال لهم: ما هذه الجلبة؟ ولماذا تلك الحركات؟ قالوا: أسرعنا وتعجلنا اللحاق بك لإدراك أكبر قدر من الفضيلة. قال: لا تعودوا لمثلها، ولا تسعوا عند إتيانكم الصلاة، وائتوها مشيًا قريب الخطا، وعليكم بالسكينة في طريقكم، وعليكم بالخشوع والوقار في إتيانكم، فإن أحدكم في طريقه إلى الصلاة عامدًا إليها يعطي الثواب كما لو كان في صلاة، فما أدركتم مع الإمام فصلوا معه، وما سبقكم فيه فأتموه بعد تسليم الإمام، فإن لكم أجركم.

وهكذا دعت الشريعة إلى التبكير إلى الصلاة وانتظارها كما دعت إلى الوقار والسكينة في الذهاب إليها، فالحريص عليها ينبغي أن يبكر لها، فإن لم يبكر فلا يسرع في مشيه رفقًا به وتكريمًا وتقديسًا لساحة الصلاة، وأدبًا في التوجه إلى الله، هدانا الله لما يحبه ويرضاه.

-[المباحث العربية]-

(إذا أقيمت الصلاة) في الرواية الثانية "إذا ثوب للصلاة" وفي رواية البخاري "إذا سمعتم الإقامة" والمراد من التثويب الإقامة، وسميت الإقامة تثويبًا لأنها دعاء إلى الصلاة بعد الدعاء بالأذان، من قولهم: ثاب إذا رجع. وفي الرواية الثالثة "إذا نودي بالصلاة" والمراد من النداء الثاني وهو الإقامة، وفي الرواية الخامسة "إذا أتيتم الصلاة" وهو أعم من الإقامة، لكن الأولى حمل الإتيان على الإتيان عند سماع الإقامة جمعًا بين الروايات، ولأنه إذا نهى عن الإسراع عند خوف فوات الفضيلة وإدراك تكبيرة الإحرام فقد نهى عن الإسراع عند عدم الخوف من باب أولى.

(فلا تأتوها تسعون)"جملة تسعون" في محل النصب على الحال، والمراد من السعي هنا الجري، لمقابلته هنا بقوله "وأتوها تمشون" وجملة "تمشون" حال أيضًا.

(وعليكم السكينة)"السكينة" بالرفع - كما ضبطها النووي - مبتدأ مؤخر، و"عليكم" خبر مقدم، والجملة في موضع النصب على الحال، وضبطها القرطبي شارح مسلم بالنصب على الإغراء،

ص: 291

و"عليكم" اسم فعل بمعنى الزموا وفي رواية البخاري "وعليكم بالسكينة" بالباء الزائدة الداخلة على المفعول ومثلها كثير في الأحاديث الصحيحة كقوله "عليكم برخصة الله". "فعليه بالصوم". "وعليكم بقيام الليل" وفي الرواية الرابعة "وعليه السكينة والوقار" قال القاضي عياض والقرطبي: هما بمعنى واحد، وجمع بينهما للتأكيد، وقال: والظاهر أن بينهما فرقًا، وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك، والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت والإقبال على طريقه من غير التفات ونحو ذلك.

(فما أدركتم فصلوا) الفاء الأولى في جواب شرط محذوف، أي إذا فعلتم ما أمرتكم به من السكينة والوقار فما أدركتم [أي فالقدر الذي أدركتموه في الصلاة مع الإمام] فصلوا معه.

(وما فاتكم فأتموا) لفظ الإتمام يقع على باق من شيء قد تقدم أكثره أو بعضه، فظاهره أن ما أدركه هو أول الصلاة، وما فاته هو آخرها وتكملتها. لكن في الرواية الرابعة "صل ما أدركت واقض ما سبقك" ومعناها في المتبادر أن ما أدركه هو آخر الصلاة وما فاته هو أولها عليه قضاؤه، والحكم يختلف على المعنيين كما سيأتي في فقه الحديث.

(فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة) أي يقصدها ويتحرك لها.

(فهو في صلاة) أي في ثواب صلاة وفي أجر صلاة، ولا بد من تقدير هذا المضاف لأنه لا يكون في صلاة فعلية.

(بينما نحن نصلي

) "بينما" أصله "بين" زيدت عليه الميم والألف، وربما تزاد الألف فقط، فيقال "بينا" وهي ظرف الزمان بمعنى المفاجأة، ويضاف إلى جملة من فعل وفاعل، أو من مبتدأ وخبر، ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى ويصدر بإذ، أو "إذا" أو الفاء، وبدون شيء من ذلك أكثر.

(فسمع جلبة) جواب "بينما" وفي رواية البخاري "إذ سمع جلبة رجال" وفي رواية له "جلبة الرجال" أي أصواتًا لحركتهم وكلامهم واستعجالهم.

(ما شأنكم)؟ خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والشأن بالهمزة وبالتخفيف الحال.

(استعجلنا إلى الصلاة) السين والتاء للطلب أو للصيرورة، أي طلبنا من أنفسنا العجلة إلى الصلاة، أو صرنا عجلين إلى الصلاة.

(قال: فلا تفعلوا) الفاء في جواب شرط مقدر، أي إذا تأخرتم فلا تفعلوا العجلة والإسراع، والنهي عن الاستعجال بلفظ النهي عن الفعل فيه مبالغة، لأنه من العام الذي يدخل ضمنه الخاص. كذا قيل.

ص: 292

-[فقه الحديث]-

قال النووي: في الحديث الندب الأكيد إلى إتيان الصلاة بسكينة ووقار والنهي عن إتيانها سعيًا، سواء فيه صلاة الجمعة وغيرها، وسواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أم لا.

ثم قال: وقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أقيمت الصلاة" إنما ذكر الإقامة للتنبيه بها على ما سواه، لأنه نهى عن إتيانها سعيًا في حال الإقامة، مع خوفه فوت بعضها فقبل الإقامة أولى، وأكد ذلك ببيان العلة، فقال صلى الله عليه وسلم "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكد ذلك تأكيدًا آخر، قال:"فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة، فصرح بالنهي، وإن فات من الصلاة ما فات، وبين ما يفعل فيما فات. اهـ

وهذا التعميم الذي ذكره النووي هو ما عليه عامة العلماء، فالنهي عن الإسراع إلى الصلاة ولو لم يخف الفوات، ولو قبل الإقامة واضح بالقياس الأولى الذي ذكره، وواضح من الرواية الخامسة، ولفظها "إذا أتيتم الصلاة" والحكمة في ذلك أن الذاهب إلى الصلاة ينبغي أن يكون متأدبًا بآدابها، وعلى أكمل الأحوال، ومادام - والحالة هذه - في حكم المصلي فترة توصله إليها فعليه أن يلتزم الوجل والخشوع المطلوب لها، واعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه. وقد شذ بعضهم فجعل النهي خاصًا بمن سمع الإقامة أو خاف الفوات، ومعنى هذا أنه لا يكره الإسراع لمن جاء قبل الإقامة، وملحظه أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها وقد ضاق به النفس فيقرأ بغير ترتيل، ويقف في الصلاة مضطربًا من غير تمام الخشوع، بخلاف من جاء قبل ذلك فإن الصلاة قد لا تقام حتى يستريح.

والنهي عن الإسراع بعد الإقامة وخوف الفوات واضح وصريح لكن الإمام أحمد يقول: ولا بأس إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئًا، ما لم يكن عجلة تقبح، فقد جاء الحديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يعجلون شيئًا إذا خافوا فوات التكبيرة الأولى. ذكره صاحب المغني. وحكى قبل ذلك عن إسحق بن راهويه، وأنه يرى أن الإسراع المنهي عنه هو الإسراع المفضي إلى عدم الوقار. والأصح ما ذكره النووي.

ولا يقال: إن النهي عن السعي إلى الصلاة هنا يتعارض مع الأمر به في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] لأن المراد من السعي المنهي عنه في الحديث -كما قلنا في المباحث العربية - الجري والعجلة لمقابلته بالمشي. والمراد من السعي المأمور به في الآية المضي والذهاب لمقابلته بترك البيع، والاستعمالان لغويان.

قال الحافظ ابن حجر: وعدم الإسراع يستلزم كثرة الخطا، وهو معنى مقصود لذاته، وردت فيه

ص: 293

أحاديث، كحديث جابر عند مسلم "إن بكل خطوة درجة"، ولأبي داود "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يوضع قدمه اليسرى إلا حط الله عنه سيئة. فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن أتى وقد صلوا بعضًا وبقي بعض، فصلى ما أدرك، وأتم ما بقي، كان كذلك، وإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك". وفي مسند ابن حميد عن زيد بن ثابت قال: "أقيمت الصلاة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا معه، فقارب في الخطا، ثم قال: أتدري لم فعلت هذا؟ لتكثر خطانا في طلب الصلاة".

ويستحب أن يقول ما رواه ابن عباس وأخرجه الإمام مسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وأعطني نورًا".

واختلف الفقهاء فيما يدركه المسبوق مع الإمام، هل هو أول صلاته؟ أو آخرها على ثلاثة أقوال: الأول: أن ما أدركه هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو آخرها، وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف، ورواية عن مالك ورواية عن أحمد، ودليله روايات "وما فاتكم فأتموا والإتمام لا يكون إلا عن شيء تقدمه، وروايات "أتموا" هي الصحيحة، ورواية "فاقضوا" فيها كلام، وهي قليلة بالنسبة لروايات "أتموا" ثم القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبا لكنه يطلق على الأداء أيضًا، فحمله على الأداء يوافق الرواية الأخرى، ولما كان مخرج الحديث واحدًا، والاختلاف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى يتم به الاتفاق كان ذلك أولى، ويؤيد هذا المذهب ما رواه البيهقي عن علي رضي الله عنه "ما أدركت فهو أول صلاتك" فلو أدرك المأموم الإمام في الركعتين الأخيرتين من العشاء مثلاً كانتا بالنسبة له الأوليين فإذا سلم الإمام أتم المأموم صلاته بركعتين لا يجهر فيهما ولا يقرأ سورة بعد الفاتحة، وأوضح دليل يؤيد هذا المذهب أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرا له لما احتاج إلى إعادة التشهد. ويؤيده أيضًا أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الإحرام لا تكون إلا في الركعة الأولى، فما أدركه المأموم إنما هو أول صلاته.

المذهب الثاني: أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته، وعليه بعد تسليم الإمام أن يقضي أول صلاته بما ينبغي له من أقوال وأفعال على الهيئة اللازمة للأول وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد ورواية عن مالك، بل هو قول كبار المالكية، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الرابعة "صل ما أدركت واقض ما سبقك" وبما رواه ابن أبي شيبة "وما فاتكم فاقضوا" وقد سبق رد هذا الدليل.

المذهب الثالث: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فلا يجهر في الإتمام بعد تسليم الإمام، وآخر صلاته بالنسبة إلى الأقوال فيقضي الأوليين بالفاتحة والسورة، وهو قول مالك في المشهور، قال ابن

ص: 294

بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلا إنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، وقال سحنون عنه: هذا الذي لم يعرف خلافه، ودليله ما رواه البيهقي عن علي "ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك" واقض ما سبقك من القرآن".

-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-

1 -

يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم "وما فاتكم فأتموا" جواز قول: فاتتنا الصلاة، وأنه لا كراهة فيه، وبهذا قال جمهور العلماء، وكرهه ابن سيرين وقال: إنما يقال: لم ندركها فالكراهة من جهة اللفظ، لأن قوله: لم ندركها فيه نسبة عدم الإدراك إلينا، بخلاف فاتتنا. وكلام ابن سيرين غير صحيح لثبوت النص بخلافه.

2 -

قال النووي: في قوله "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" دليل على أنه يستحب للذاهب إلى الصلاة أن لا يعبث بيده، ولا يتكلم بقبح، ولا ينظر نظرًا قبيحًا، ويجتنب ما أمكنه مما يجتنبه المصلي، فإذا وصل المسجد وقعد ينتظر الصلاة كان الاعتناء بما ذكرناه آكد.

3 -

قال الحافظ ابن حجر: استدل بقوله "فسمع جلبة" على أن التفات خاطر المصلي إلى الأمر الحادث لا يفسد صلاته.

4 -

واستدل بالحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة لقوله "فما أدركتم فصلوا" ولم يفصل بين القليل والكثير.

قال الحافظ ابن حجر: وهذا قول الجمهور، وقيل: لا تدرك الجماعة بأقل من ركعة، لحديث "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك" قال: وقياسًا على الجمعة. اهـ وسيأتي الكلام عليه بعد باب.

5 -

واستدل به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حالة وجد عليها وفيه حديث صريح عند ابن أبي شيبة "من وجدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها".

6 -

قال الحافظ ابن حجر: واستدل به على أن من أدرك الإمام راكعًا لم تحسب له تلك الركعة، للأمر بإتمام ما فاته وقد فاته الوقوف والقراءة فيه، وهو قول أبي هريرة وجماعة، بل حكاه البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، وحجة الجمهور حديث أبي بكرة، حيث ركع دون الصف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "زادك الله حرصًا ولا تعد" ولم يأمره بإعادة تلك الركعة.

واللَّه أعلم

ص: 295