المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(225) باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى الجماعة ويناله الحر في طريقه - فتح المنعم شرح صحيح مسلم - جـ ٣

[موسى شاهين لاشين]

فهرس الكتاب

- ‌(179) باب القراءة في الظهر والعصر

- ‌(180) باب القراءة في الصبح والمغرب

- ‌(181) باب القراءة في العشاء

- ‌(182) باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام

- ‌(183) باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام

- ‌(184) باب متابعة الإمام والعمل بعده

- ‌(185) باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع

- ‌(186) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود

- ‌(187) باب ما يقال في الركوع والسجود

- ‌(188) باب فضل السجود والحث عليه

- ‌(189) باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر والثوب

- ‌(190) باب الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض

- ‌(191) باب ما يجمع صفة الصلاة، وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع، والاعتدال منه، والسجود والاعتدال منه، والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية، وصفة الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول

- ‌(192) باب سترة المصلي والندب إلى الصلاة خلف سترة والنهي عن المرور بين يدي المصلي، وحكم المرور ودفع المار وجواز الاعتراض بين يدي المصلي، والصلاة إلى الراحلة والأمر بالدنو من السترة، وبيان قدر السترة وما يتعلق بذلك

- ‌(193) باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه

- ‌كتاب المساجد ومواضع الصلاة

- ‌(194) باب الأرض كلها مسجد وتربتها طهور

- ‌(195) بناء مسجد المدينة - والصلاة في مرابض الغنم

- ‌(196) باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة

- ‌(197) باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد

- ‌(198) باب فضل بناء المساجد والحث عليها

- ‌(199) باب وضع الأيدي على الركب في الركوع

- ‌(200) باب جواز الإقعاء على العقبين

- ‌(201) باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان

- ‌(202) باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه وجواز العمل القليل في الصلاة

- ‌(203) باب جواز حمل الصبيان في الصلاة وأن ثيابهم محمولة على الطهارة حتى تتحقق نجاستها وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة وكذا إذا فرق الأفعال

- ‌(204) باب الخطوة والخطوتين في الصلاة، وأنه لا كراهة في ذلك إذا كان لحاجة وجواز صلاة الإمام على موضع أرفع من المأمومين للحاجة كتعليمهم الصلاة أو غير ذلك

- ‌(205) باب كراهة الاختصار في الصلاة

- ‌(206) باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة

- ‌(207) باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها والنهي عن بصاق المصلي بين يديه وعن يمينه

- ‌(208) باب جواز الصلاة في النعلين

- ‌(209) باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام

- ‌(210) باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الحدث ونحوه

- ‌(211) باب نهي من أكل ثومًا أو بصلاً أو كراثًا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد حتى تذهب تلك الريح، وإخراجه من المسجد

- ‌(212) باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد

- ‌(213) باب السهو في الصلاة والسجود له

- ‌(214) باب سجود التلاوة

- ‌(215) باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين

- ‌(216) باب السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها وكيفيته

- ‌(217) باب الذكر بعد الصلاة

- ‌(218) باب استحباب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم بين التشهد والتسليم

- ‌(219) باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته

- ‌(220) باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة

- ‌(221) باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيًّا

- ‌(222) باب متى يقوم الناس للصلاة

- ‌(223) باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة

- ‌(224) باب أوقات الصلوات الخمس

- ‌(225) باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى الجماعة ويناله الحر في طريقه

- ‌(226) باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر

- ‌(227) باب استحباب التبكير بالعصر

- ‌(228) باب التغليظ في تفويت صلاة العصر

- ‌(229) باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر

- ‌(230) باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما

- ‌(231) باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس

- ‌(232) باب وقت العشاء وتأخيرها

- ‌(233) باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس، وبيان قدر القراءة فيها

- ‌(234) باب كراهة تأخير الصلاة عن وقتها المختار وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام

- ‌(235) باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها وأنها فرض كفاية

- ‌(236) باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر

- ‌(237) باب جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات [وأين يقف الصبي والمرأة من الإمام]

- ‌(238) باب فضل الصلاة المكتوبة في جماعة، وفضل انتظار الصلاة، وكثرة الخطا إلى المساجد، وفضل المشي إليها، وفضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح، وفضل المساجد

- ‌(239) باب من أحق بالإمامة

- ‌(240) باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة والعياذ بالله واستحبابه في الصبح دائمًا

- ‌(241) باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها

- ‌كتاب صلاة المسافرين

- ‌(242) باب قصر الصلاة

- ‌(243) باب الصلاة في الرحال في المطر

- ‌(244) باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به

- ‌(245) باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌(246) باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال واستحباب وقوف المأموم يمين الإمام

- ‌(247) باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في الإقامة

- ‌(248) باب ما يقول إذا دخل المسجد

- ‌(249) باب استحباب تحية المسجد بركعتين وكراهة الجلوس قبل صلاتهما، وأنها مشروعة في جميع الأوقات، واستحباب ركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه

- ‌(250) باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان

- ‌(251) باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما

- ‌(252) باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن

- ‌(253) باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا وفعل بعض الركعة قائمًا وبعضها قاعدًا

- ‌(254) باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة

- ‌(255) باب الترغيب في قيام الليل وهو التراويح وباب الندب الأكيد إلى قيام ليلة القدر وبيان دليل من قال: إنها ليلة سبع وعشرين

- ‌(256) باب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالليل

- ‌(257) باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل

- ‌(258) باب الحث على صلاة الوقت وإن قلت

- ‌(259) باب استحباب صلاة النافلة في البيت

- ‌(260) باب فضيلة العمل الدائم والأمر بالاقتصاد في العبادة وأمر من لحقه نوم أو ملل أن يترك حتى يذهب عنه

- ‌(261) باب فضائل القرآن وما يتعلق به وباب الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول نسيت آية كذا وجواز قول أنسيتها

- ‌(262) باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن

- ‌(263) باب نزول السكينة لقراءة القرآن

- ‌(264) باب فضيلة حافظ القرآن

- ‌(265) باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل

- ‌(266) باب فضل استماع القرآن والبكاء والتدبر عنده

- ‌(267) باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وفضل قراءة سورة البقرة وآل عمران والفاتحة والكهف وآية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين وفضل قراءة القرآن في الصلاة وغيرها

- ‌(268) باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه

الفصل: ‌(225) باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى الجماعة ويناله الحر في طريقه

(225) باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى الجماعة ويناله الحر في طريقه

1192 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة. فإن شدة الحر من فيح جهنم".

1193 -

، 3 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا كان اليوم الحار فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم". قال عمرو: وحدثني أبو يونس عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم".

1194 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن هذا الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة".

1195 -

عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبردوا عن الحر في الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم".

1196 -

عن أبي ذر رضي الله عنه قال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أبرد أبرد". أو قال "انتظر انتظر" وقال "إن شدة الحر من فيح جهنم. فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة". قال أبو ذر حتى رأينا فيء التلول.

1197 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اشتكت النار إلى ربها.

ص: 316

فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا. فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف. فهو أشد ما تجدون من الحر. وأشد ما تجدون من الزمهرير".

1198 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا كان الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم". وذكر "أن النار اشتكت إلى ربها. فأذن لها في كل عام بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف".

1199 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "قالت النار: رب أكل بعضي بعضًا. فأذن لي أتنفس فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف. فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم. وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم".

-[المعنى العام]-

تشتد الحرارة في الجزيرة العربية، ويقل فيها الزرع كما يقل فيها الظل الذي يخفف شدة الحرارة ويتيح للمصلين الذهاب إلى الجماعة بالمساجد في صلاة الظهر. أمام هذه المشقة أذن الشارع بتأخير صلاة الظهر عن أول وقتها حتى تخف الحرارة، فطلب صلى الله عليه وسلم من المؤذن أن يؤخر أذان الظهر وقال للمسلمين إذا اشتد الحر فأخروا صلاة الظهر حتى يبرد الحر أي إلى قبيل انتهاء وقت الظهر، وذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشدة حر جهنم ليحذروها ويعملوا على اتقائها فقال لهم: إن ما لا تحتملون من حر الدنيا ما هو إلا نفس من أنفاس جهنم، أما نارها فنعوذ بالله منها، فقد أكل بعضها بعضاً من شدة استعارها.

فاللهم قنا عذاب النار، ونعوذ بك من كل عمل يقرب من النار.

-[المباحث العربية]-

(فأبردوا الصلاة) كذا في بعض النسخ، و"أبردوا" بهمزة قطع وكسر الراء، أي أخروا الصلاة إلى أن يبرد الوقت، يقال: أبرد إذا دخل في البرد، والمراد بالصلاة صلاة الظهر، إذ هي التي تكون في شدة الحر غالباً، والمعنى أدخلوا صلاة الظهر في البرد فأبردوا ضمن معنى أدخلوا.

ص: 317

وفي الرواية الثانية "فأبردوا بالصلاة" فالباء زائدة. وفي الرواية الثالثة والثامنة "أبردوا عن الصلاة" فعن بمعنى الباء، وقيل هي للمجاورة أي تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر.

وفي الرواية الخامسة "أبردوا عن الحر في الصلاة" أي ادخلوا في البرد متجاوزين الحر في صلاة الظهر.

(فإن شدة الحر من فيح جهنم)"فيح جهنم" بفتح الفاء وسكون الياء بعدها حاء، سطوع حرها. وانتشاره، يقال: فاحت القدر تفوح إذا غلت، وفاح الحر يفيح فيحاً إذا سطع وهاج، وظاهر التعبير أن شدة الحر على سطح الأرض من وهج جهنم حقيقة، واختاره بعض الشراح، والأولى جعل هذا من قبيل التشبيه والتمثيل، لما علم أن الحرارة على الأرض من تسلط أشعة الشمس والشمس في غليانها ونارها مثل جهنم، كأنه قال: إن شدة الحر من ثوران وغليان مثل جهنم.

(أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر) المؤذن هو بلال، ومعنى "أذن" أراد أن يؤذن، ففيه مجاز المشارفة، كقولهم: توضأ فغسل وجهه ويديه، إلخ.

(فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبرد، أبرد) ظاهره أن الأمر بالإبراد وقع بعد تقدم الأذان. وليس كذلك، بل أنه أراد أن يؤذن وتهيأ له، فقيل له: أبرد. أبرد.

يؤكد هذا رواية أبي داود "فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر فقال: أبرد. ثم أبرد. ثم أراد أن يؤذن فقال: أبرد مرتين أو ثلاثاً" ورواية البخاري في باب الأذان للمسافرين "فأراد المؤذن أن يؤذن، فقال له: أبرد. ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى ساوى الظل التلول".

(حتى رأينا فيء التلول) الفيء رجوع الظل من جانب المشرق إلى صائب المغرب، وقال أهل اللغة: كل ما كانت عليه الشمس فزالت فهو فيء، وقيل: الفيء لا يكون إلا بعد الزوال، والظل يطلق على ما قبل الزوال وما بعده و"التلول" بضم التاء جمع "تل" وهو ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحة غير عالية، فلا يظهر لها ظل إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر.

والغاية في "حتى رأينا" قيل: متعلقة بقوله "أبرد" أي حتى ترى، أو متعلقة بمحذوف أي قال له: أبرد فأبرد حتى رأينا. وهذا هو الأوضح.

(اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب. أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين) رجح البيضاوي حمل هذا على المجاز، فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكلها بعضاً بعضاً مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها.

وعامة المحدثين يرجحون الحقيقة. وأن الشكوى بلسان المقال. قال القرطبي: لا إحالة -أي لا استحالة- في حمل اللفظ على حقيقته، وإذا أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله، فحمله على حقيقته أولى.

ص: 318

وقال النووي بعد أن حكى القولين قلت: والصواب الأولى، لأنه ظاهر الحديث، ولا مانع من حمله على حقيقته، فوجب الحكم بأنه على ظاهره.

وقال التوربشتي: قدرة الله أعظم من ذلك، فقد يخلق فيها آلة الكلام، كما خلق لهدهد سليمان ما خلق من العلم والإدراك، وقد حكى عن النار أن تقول {هل من مزيد} [ق: 30].

وقال ابن المنير: حمله على الحقيقة هو المختار لصلاحية القدرة لذلك والشكوى والإذن والقول والتنفس وقصره على اثنين فقط بعيد عن المجاز خارج عما ألف من استعماله. اهـ

ونحن نرجح المجاز مع إيماننا بأن قدرة الله فوق كل ذلك، وفرق بين صلاحية القدرة والتسليم بأنها أنجزت، وقد ثبت بالحس والإدراك والعلم الجازم أن شدة الحر من الشمس، وأن شدة البرد من بعدها وكيف نفهم حقيقة التنفس الحار في الصيف؟ أيكون نهاراً لا ليلاً؟ وفي أيام دون أيام؟ وهل يكون في بلاد دون بلاد؟ وهل تتنفس زمهريراً طول العام في القطبين؟ وحروراً طول العام عند خط الاستواء؟ وهل يمكن حمل أكل بعضها بعضاً على الحقيقة مما يؤدي إلى فنائها أو انضغاطها؟ وهل يمكن حمل تنفسها على الحقيقة والتنفس خروج الهواء من مخرج من مخارج الحيوان؟ أظن كل ذلك قرائن مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، وما ذكره ابن المنير من قرائن يبعد المجاز في نظره هي ترشيحات للمجاز تقرب المعنى المراد، وهي كثيرة في استعمالات العرب، قال عنترة يصف فرسه في حالة البأس:

فشكا إلي بعبرة وتحمحم

(نفس في الشتاء ونفس في الصيف) بالجر فيهما على البدل أو البيان ويجوز الرفع فيهما على أنهما خبر مبتدأ محذوف، أي أحدهما نفس في الشتاء وثانيهما نفس في الصيف. ويجوز النصب على تقدير أعني.

(فهو أشد ما تجدون من الحر، وهو أشد ما تجدون من الزمهرير) في الكلام لف ونشر مشوش، ولو رتب لقدم الزمهرير لتقدم نفس الشتاء والزمهرير شدة البرد.

(وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم) الحرور شدة الحر قال العلماء. و"أو" في قوله "فما وجدتم من برد أو زمهرير" وقوله "وما وجدتم من حر أو حرور" يحتمل أن يكون شكا من الراوي، ويحتمل أن يكون للتقسيم. والله أعلم.

فقه الحديث

اختلف الفقهاء في الأمر بالإبراد في الأحاديث. هل هو أمر استحباب؟ أو أمر إرشاد، أي الترخيص بالإبراد مع أن التعجيل أفضل؟ أو الأمر للوجوب؟ .

ص: 319

والإبراد -كما قلنا- تأخير صلاة الظهر عن أول وقتها إلى أن يبرد الوقت وينكسر الحر، بشرط أن لا يؤخرها إلى آخر وقتها، بل يصليها في وقت إذا فرغ يكون بينه وبين آخر الوقت فضل. فمذهب الشافعي استحباب الإبراد بثلاثة شروط:(أ) شدة الحر (ب) أن يكون في البلدان الحارة (جـ) أن تكون الصلاة في مساجد الجماعات، أما من صلاها في بيته، أو في مسجد بفناء بيته فالأفضل تعجيلها، لأن التأخير إنما يستحب لينكسر الحر، ويتسع الظل بجوار الحيطان، ويكثر السعي إلى الجماعات، ومن لا يصلي في جماعة لا حاجة به إلى التأخير.

فالشافعي استنبط من النص العام -وهو الأمر بالإبراد- معنى يخصه، وليس في سياق الحديث ما يخالفه، بل فيه ما يؤيده فقوله في الرواية الأولى "إذا اشتد الحر" مفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد، ثم ظاهر التعليل "فإن شدة الحر من فيح جهنم" تؤيد أن الإبراد لرفع المشقة، فإذا لم تحصل فلا حاجة للرخصة.

واشترط أكثر المالكية شرطاً واحداً، وهو أن تكون صلاة الظهر في جماعة أما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل.

والمشهور عن أحمد والحنفية أنه يستحب تعجيل صلاة الظهر في الشتاء والإبراد بها في الحر، لا فرق بين البلدان الحارة وغيرها، ولا بين كون المسجد ينتابه الناس أو لا. وحجتهم الأخذ بظاهر الخبر، وحديث أبي ذر عند البخاري والترمذي قال:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد. حتى رأينا فيء التلول" قالوا: فلو كان على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإبراد. لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد، ورد الكرماني أن العادة في العسكر الكثير تفرقتهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب الرعي، فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة قال الحافظ ابن حجر: وأيضاً لم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر، وليس هناك من يمشون فيه، فليس في سياق حديث أبي ذر ما يخالف ما قاله الشافعي. اهـ

وذهب بعضهم إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقاً، وقالوا: معنى "أبردوا" صلوا في أول الوقت. أخذا من برد النهار، وهو أوله، قال الحافظ ابن حجر: وهو تأويل بعيد، ويرده قوله "فإن شدة الحر من فيح جهنم" إذ التعليل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير وحديث أبي ذر -روايتنا السادسة- صريح في ذلك، حيث قال "انتظر. انتظر".

كما قالوا: إن الصلاة حينئذ تكون أكثر مشقة، فتكون أولى، قال الحافظ: والحامل لهم على ذلك حديث خباب -الآتي في الباب التالي- "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا" أي فلم يزل شكوانا وتمسكوا أيضاً بعموم الأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت. قال: والجواب عن حديث خباب أنه محمول على أنهم طلبوا تأخيراً زائداً عن وقت الإبراد وهو زوال حر الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت فلم يجبهم، أو منسوخ بأحاديث الإبراد، فإنها متأخرة عنه.

ص: 320

والجواب عن أحاديث أول الوقت أنها عامة أو مطلقة، والأمر خاص، فهو مقدم، قال: ولا التفات إلى قولهم: التعجيل أكثر مشقة فيكون أفضل، لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق، بل قد يكون الأخف أفضل، كما في قصر الصلاة في السفر. اهـ

ثم قال: وقضية التعليل المذكور قد يتوهم منها مشروعية تأخير الصلاة في وقت شدة البرد، ولم يقل به أحد، لأنها تكون غالباً في وقت الصبح، فلا تزول إلا بطلوع الشمس، فلو أخرت لخرج الوقت. اهـ

وقد يحتج بمشروعية الإبراد بالجمعة، وبه قال بعض الشافعية، والجمهور على خلافه لأنه لم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم أخرها، بل كان يعجلها، حتى قال سهل بن سعد: ما كنا نقيل، ولا نتغدى إلا بعد الجمعة، أخرجه البخاري وقد ثبت في الصحيح أنهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان ظل يستظلون به من شدة التبكير لها أول الوقت، ولأن السنة التبكير بالسعي إليها، فلو أخرها لتأذى الناس بتأخير الجمعة.

هذا وفي الحديث رد على من زعم من المعتزلة وغيرهم أن النار لا تخلق إلا يوم القيامة، قاله الحافظ ابن حجر، وقد سبق القول باحتمال المجاز فلا رد فيه.

والله أعلم

ص: 321