المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(232) باب وقت العشاء وتأخيرها - فتح المنعم شرح صحيح مسلم - جـ ٣

[موسى شاهين لاشين]

فهرس الكتاب

- ‌(179) باب القراءة في الظهر والعصر

- ‌(180) باب القراءة في الصبح والمغرب

- ‌(181) باب القراءة في العشاء

- ‌(182) باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام

- ‌(183) باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام

- ‌(184) باب متابعة الإمام والعمل بعده

- ‌(185) باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع

- ‌(186) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود

- ‌(187) باب ما يقال في الركوع والسجود

- ‌(188) باب فضل السجود والحث عليه

- ‌(189) باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر والثوب

- ‌(190) باب الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض

- ‌(191) باب ما يجمع صفة الصلاة، وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع، والاعتدال منه، والسجود والاعتدال منه، والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية، وصفة الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول

- ‌(192) باب سترة المصلي والندب إلى الصلاة خلف سترة والنهي عن المرور بين يدي المصلي، وحكم المرور ودفع المار وجواز الاعتراض بين يدي المصلي، والصلاة إلى الراحلة والأمر بالدنو من السترة، وبيان قدر السترة وما يتعلق بذلك

- ‌(193) باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه

- ‌كتاب المساجد ومواضع الصلاة

- ‌(194) باب الأرض كلها مسجد وتربتها طهور

- ‌(195) بناء مسجد المدينة - والصلاة في مرابض الغنم

- ‌(196) باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة

- ‌(197) باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد

- ‌(198) باب فضل بناء المساجد والحث عليها

- ‌(199) باب وضع الأيدي على الركب في الركوع

- ‌(200) باب جواز الإقعاء على العقبين

- ‌(201) باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان

- ‌(202) باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه وجواز العمل القليل في الصلاة

- ‌(203) باب جواز حمل الصبيان في الصلاة وأن ثيابهم محمولة على الطهارة حتى تتحقق نجاستها وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة وكذا إذا فرق الأفعال

- ‌(204) باب الخطوة والخطوتين في الصلاة، وأنه لا كراهة في ذلك إذا كان لحاجة وجواز صلاة الإمام على موضع أرفع من المأمومين للحاجة كتعليمهم الصلاة أو غير ذلك

- ‌(205) باب كراهة الاختصار في الصلاة

- ‌(206) باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة

- ‌(207) باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها والنهي عن بصاق المصلي بين يديه وعن يمينه

- ‌(208) باب جواز الصلاة في النعلين

- ‌(209) باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام

- ‌(210) باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الحدث ونحوه

- ‌(211) باب نهي من أكل ثومًا أو بصلاً أو كراثًا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد حتى تذهب تلك الريح، وإخراجه من المسجد

- ‌(212) باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد

- ‌(213) باب السهو في الصلاة والسجود له

- ‌(214) باب سجود التلاوة

- ‌(215) باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين

- ‌(216) باب السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها وكيفيته

- ‌(217) باب الذكر بعد الصلاة

- ‌(218) باب استحباب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم بين التشهد والتسليم

- ‌(219) باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته

- ‌(220) باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة

- ‌(221) باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيًّا

- ‌(222) باب متى يقوم الناس للصلاة

- ‌(223) باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة

- ‌(224) باب أوقات الصلوات الخمس

- ‌(225) باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى الجماعة ويناله الحر في طريقه

- ‌(226) باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر

- ‌(227) باب استحباب التبكير بالعصر

- ‌(228) باب التغليظ في تفويت صلاة العصر

- ‌(229) باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر

- ‌(230) باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما

- ‌(231) باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس

- ‌(232) باب وقت العشاء وتأخيرها

- ‌(233) باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس، وبيان قدر القراءة فيها

- ‌(234) باب كراهة تأخير الصلاة عن وقتها المختار وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام

- ‌(235) باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها وأنها فرض كفاية

- ‌(236) باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر

- ‌(237) باب جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات [وأين يقف الصبي والمرأة من الإمام]

- ‌(238) باب فضل الصلاة المكتوبة في جماعة، وفضل انتظار الصلاة، وكثرة الخطا إلى المساجد، وفضل المشي إليها، وفضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح، وفضل المساجد

- ‌(239) باب من أحق بالإمامة

- ‌(240) باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة والعياذ بالله واستحبابه في الصبح دائمًا

- ‌(241) باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها

- ‌كتاب صلاة المسافرين

- ‌(242) باب قصر الصلاة

- ‌(243) باب الصلاة في الرحال في المطر

- ‌(244) باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به

- ‌(245) باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌(246) باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال واستحباب وقوف المأموم يمين الإمام

- ‌(247) باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في الإقامة

- ‌(248) باب ما يقول إذا دخل المسجد

- ‌(249) باب استحباب تحية المسجد بركعتين وكراهة الجلوس قبل صلاتهما، وأنها مشروعة في جميع الأوقات، واستحباب ركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه

- ‌(250) باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان

- ‌(251) باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما

- ‌(252) باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن

- ‌(253) باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا وفعل بعض الركعة قائمًا وبعضها قاعدًا

- ‌(254) باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة

- ‌(255) باب الترغيب في قيام الليل وهو التراويح وباب الندب الأكيد إلى قيام ليلة القدر وبيان دليل من قال: إنها ليلة سبع وعشرين

- ‌(256) باب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالليل

- ‌(257) باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل

- ‌(258) باب الحث على صلاة الوقت وإن قلت

- ‌(259) باب استحباب صلاة النافلة في البيت

- ‌(260) باب فضيلة العمل الدائم والأمر بالاقتصاد في العبادة وأمر من لحقه نوم أو ملل أن يترك حتى يذهب عنه

- ‌(261) باب فضائل القرآن وما يتعلق به وباب الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول نسيت آية كذا وجواز قول أنسيتها

- ‌(262) باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن

- ‌(263) باب نزول السكينة لقراءة القرآن

- ‌(264) باب فضيلة حافظ القرآن

- ‌(265) باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل

- ‌(266) باب فضل استماع القرآن والبكاء والتدبر عنده

- ‌(267) باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وفضل قراءة سورة البقرة وآل عمران والفاتحة والكهف وآية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين وفضل قراءة القرآن في الصلاة وغيرها

- ‌(268) باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه

الفصل: ‌(232) باب وقت العشاء وتأخيرها

(232) باب وقت العشاء وتأخيرها

1234 -

عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي بصلاة العشاء. وهي التي تدعى العتمة. فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال عمر بن الخطاب نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لأهل المسجد حين خرج عليهم "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم" وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس. زاد حرملة في روايته: قال ابن شهاب: وذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "وما كان لكم أن تنزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة" وذاك حين صاح عمر بن الخطاب.

1235 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال "إنه لوقتها. لولا أن أشق على أمتي" وفي حديث عبد الرزاق "لولا أن يشق على أمتي".

1236 -

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك فقال حين خرج "إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة" ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى.

1237 -

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال "ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة غيركم".

ص: 347

1238 -

عن ثابت رضي الله عنه أنهم سألوا أنسًا عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل. أو كاد يذهب شطر الليل. ثم جاء فقال "إن الناس قد صلوا وناموا. وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة". قال أنس: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة. ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر.

1239 -

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة حتى كان قريب من نصف الليل، ثم جاء فصلى ثم أقبل علينا بوجهه، فكأنما أنظر إلى وبيص خاتمه في يده من فضة.

1240 -

عن قرة بهذا الإسناد ولم يذكر: ثم أقبل علينا بوجهه.

1241 -

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولاً في بقيع بطحان ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فكان يتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم، قال أبو موسى فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأصحابي وله بعض الشغل في أمره حتى أعتم بالصلاة حتى ابهار الليل، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم فلما قضى صلاته قال لمن حضره "على رسلكم. أعلمكم وأبشروا أن من نعمة الله عليكم أنه ليس من الناس أحد يصلي هذه الساعة غيركم" أو قال "ما صلى هذه الساعة أحد غيركم" (لا ندري أي الكلمتين قال) قال أبو موسى: فرجعنا فرحين بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

1242 -

عن ابن جريج قال: قلت لعطاء أي حين أحب إليك أن أصلي العشاء التي يقولها الناس العتمة إمامًا وخلوًا؟ قال: سمعت ابن عباس يقول: أعتم نبي الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة العشاء. قال حتى رقد ناس واستيقظوا. ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب فقال: الصلاة. فقال عطاء: قال ابن عباس: فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه الآن. يقطر رأسه ماء. واضعًا يده على شق رأسه. قال "لولا أن يشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك".

ص: 348

قال فاستثبت عطاء كيف وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسه كما أنبأه ابن عباس. فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئًا من تبديد. ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس. ثم صبها. يمرها كذلك على الرأس، حتى مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه، ثم على الصدغ وناحية اللحية لا يقصر ولا يبطش بشيء إلا كذلك. قلت لعطاء: كم ذكر لك أخرها النبي صلى الله عليه وسلم ليلتئذ؟ قال: لا أدري. قال عطاء: أحب إلي أن أصليها إمامًا وخلوًا مؤخرة. كما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم ليلتئذ. فإن شق عليك ذلك خلوًا أو على الناس في الجماعة وأنت إمامهم. فصلها وسطًا، لا معجلة ولا مؤخرة.

1243 -

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر صلاة العشاء الآخرة.

1244 -

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلوات نحوًا من صلاتكم وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئًا وكان يخف الصلاة. وفي رواية أبي كامل: يخفف.

1245 -

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل".

1246 -

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل".

-[المعنى العام]-

اعتاد العرب النوم مبكرًا في أوائل الليل، وجاء الإسلام فأقر هذه العادة وحرص على النوم بعد صلاة العشاء ونهى عن السهر والسمر بعد العشاء، ذلك لأن الليل مظنة الانحراف، والسمر فيه عادة أهل اللهو واللعب، وكل سهر فيه قد يكون على حساب النشاط والجهد والإنتاج في النهار، بل قد يكون على حساب صلاة الفجر في وقته، فلما أمن الإسلام على أهله من الانحراف، ولما أشربت

ص: 349

قلوب الصحابة حب قيام الليل والتطوع بالصلاة فيه بدأ التشجيع على السهر في الطاعة، وبدأ الحض على تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها، وبدأ هذا الأمر عمليًا عن طريق توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يقدم صلاة العشاء أحيانًا. ويؤخرها عن أول وقتها أحيانًا أخرى، كان إذا رآهم اجتمعوا صلى بهم ولم ينتظرها، لأن فيهم المريض والسقيم وذا الحاجة، والأم ينام صبيانها، والأب تنتظره زوجه وأولاده، وإذا رآهم أبطئوا ولم يتجمعوا [لاسترخاء بعضهم اعتمادًا على موافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم على التأخير وحبه له] أخر صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء حتى يتجمعوا، وشجع على التأخير بنفسه في ليلة من الليالي، إذ تجمع الصحابة وانتظروا خروجه صلى الله عليه وسلم للصلاة وقد مضى من وقتها ساعة وأكثر فلم يخرج، حتى ذهب ثلث الليل أو يقرب من الثلث، حتى نام النساء والصبيان الموجودون بالمسجد، وحتى نام بعض الرجال وتيقظوا وناموا وتيقظوا، وحتى قام عمر قريبًا من باب بيته صلى الله عليه وسلم ونادى الصلاة.

نام النساء والصبيان، وخرج صلى الله عليه وسلم وعليه آثار الغسل وشعره يقطر ماء، فقال لأصحابه: هذا الوقت المفضل لصلاة العشاء، ولولا المشقة على بعضكم لصليت بكم كل ليلة في هذا الموعد، لأنكم طالما تنتظرون الصلاة فأنتم في صلاة، وأنتم بانتظاركم صلاة العشاء إلى ثلث الليل تكونون الأمة الوحيدة التي تعبد ربها في هذا الوقت من الليل، فتكونون الأمة الوحيدة المستحقة للأجر الكبير والدرجات العلى، ففرح الصحابة بهذه البشرى وانتظروا وأخروا العشاء حين يؤخرونها راضين مسرورين.

-[المباحث العربية]-

(أعتم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي بصلاة العشاء) ذكر ابن سيده: العتمة ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، وقيل: العتمة الإبطاء، يقال أعتم الشيء إذا أخره، والأول أظهر. يقال: أعتم دخل في وقت العتمة، والمعنى هنا أخر صلاة العشاء حتى اشتدت عتمة الليل، وهي ظلمته، و"ليلة" ظرف زمان أي أعتم في ليلة من الليالي.

(وهي التي تدعى العتمة) تدعى كذلك من العرب والأعراب.

(نام النساء والصبيان) أي الذين ينتظرون منهم الصلاة بالمسجد، وليس المراد من بالبيوت، وإنما خصهم بذلك لأنهم مظنة قلة الصبر عن النوم ومحل الشفقة والرحمة، بخلاف الرجال.

(وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس) أي قبل أن يظهر وينتشر في غير المدينة، وإنما انتشر في غير المدينة بعد فتح مكة.

(وما كان لكم أن تنزروا رسول اللَّه)"تنزروا" بالتاء المفتوحة، ثم النون الساكنة، ثم زاي مضمومة، ثم راء، أي تلحوا عليه، ونقل القاضي عن بعض الرواة أنه ضبطه تبرزوا بضم التاء بعدها باء ساكنة فراء مكسورة فزاي من الإبراز، أي تخرجوا. قال النووي: والرواية الأولى هي الصحيحة المشهورة التي عليها الجمهور.

ص: 350

(حتى ذهب عامة الليل) قال النووي: أي كثير منه، وليس المراد أكثره ولا بد من هذا التأويل لقوله صلى الله عليه وسلم:"إنه لوقتها" ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل، لأنه لم يقل أحد من العلماء: إن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل. اهـ. وهو كلام حسن، لكنه يحتاج إلى توجيه عبارة "عامة الليل" ويمكن أن يقال: إن "أل" في الليل للعهد، أي الليل الصالح للوقت المختار للعشاء.

(وحتى نام أهل المسجد) يجوز أن يراد بأهل المسجد النساء والصبيان على الرواية الأولى، أو ما هو أعم منهما على الرواية الرابعة.

(إنه لوقتها) الضمير المنصوب للوقت الذي خرج فيه، والمراد من الوقت الوقت المفضل، أي إن هذا الوقت هو الوقت المختار لصلاة العشاء لولا أن أشق على أمتي.

(لولا أن يشق على أمتي) أي لولا أن يشق الوقت وانتظاره على أمتي.

(ما ينتظرها أهل دين غيركم) أي ما ينتظر الصلاة في هذه الساعة غيركم، إما لأنه لا يصلي حينئذ إلا بالمدينة، وإما لأن سائر الأقوام ليس في أديانهم صلاة في هذا الوقت.

(لولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة) أي لداومت على الصلاة بهم في مثل هذه الساعة من كل ليلة.

(شغل عنها ليلة) أي شغل عن صلاة العشاء، فمرجع الضمير معلوم للمخاطبين بمقتضى الحال، أو في الكلام حذف من الراوي للعلم به، وقوله:"شغل عنها" ظاهر في أن تأخير النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية لم يكن قصدًا، وقوله:"ليلة" ظاهر في أن ذلك لم يكن من شأنه.

(حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا) هو محمول على أن الذي رقد بعضهم لا كلهم، ونسب الرقاد إلى الكل مجازًا، من تنزيل الأكثر منزلة الجميع.

(أنهم سألوا أنسًا عن خاتم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صيغة السؤال - كما ورد في بعض الروايات - "هل اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا؟ " الخاتم بكسر التاء وفتحها.

(كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة) وبيص الخاتم بريقه ولمعانه والجار والمجرور "من فضة" متعلق بمحذوف حال من "خاتمه".

(ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر) المعنى رفع الإصبع الخنصر من يده اليسرى. قال النووي: هكذا هو في الأصول "بالخنصر" وفيه محذوف تقديره مشيرًا بالخنصر، أي إن الخاتم كان في خنصر اليد اليسرى، وهذا الذي رفع إصبعه هو أنس رضي الله عنه، وفي الإصبع عشر لغات، كسر الهمزة وفتحها وضمها، مع كسر الباء وفتحها وضمها، والعاشر أصبوع، وأفصحهن كسر الهمزة مع فتح الباء، اهـ.

ص: 351

(نظرنا

حتى كان قريب من نصف الليل) قال النووي: هكذا هو في بعض الأصول "قريب" وفي بعضها "قريبًا" وكلاهما صحيح، وتقدير المنصوب حتى كان الزمان قريبًا، وقوله:"نظرنا" أي انتظرنا، يقال: نظرته وانتظرته بمعنى.

(كنت أنا وأصحابي

نزولاً) جمع نازل، كشهود جمع شاهد أي كنا نازلين.

(في بقيع بطحان)"البقيع" بفتح الباء، وهو من الأرض المكان المتسع، ولا يقال بقيع إلا وفيه شجر، و"بطحان" بضم الباء وسكون الطاء. هكذا يرويه المحدثون أجمعون، وحكى أهل اللغة فيه فتح الباء وكسر الطاء، وهو علم على واد بالمدينة، ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون.

(حتى ابهار الليل) بإسكان الباء وتشديد الراء، قال أبو سعيد الضرير: أي طلعت نجومه واشتبكت، والباهر الممتلئ نورًا، وعن سيبويه: ابهار الليل كثرت ظلمته، وابهار القمر كثر ضوؤه، وقال الأصمعي: ابهار انتصف، مأخوذة من بهرة الشيء وهو وسطه، ويؤيده ما جاء في بعض الروايات "حتى إذا كان قريبًا من نصف الليل".

(على رسلكم) بكسر الراء وفتحها، لغتان، والكسر أفصح وأشهر، أي ابقوا واستمروا على هيئتكم، أي تأنوا وانتظروا.

(أعلمكم وأبشروا)"أعلمكم" بضم الهمزة وسكون العين وكسر اللام مخففة، والجملة كالتعليل للأمر بالانتظار، و"أبشروا" فعل أمر، يقال: بشرت الرجل بتخفيف فتحة الشين، وبتشديدها وأبشرته، ثلاث لغات، أي ليؤثر الخبر على بشرتكم سرورًا.

(أن من نعمة اللَّه عليكم أنه ليس من الناس أحد يصلي هذه الساعة غيركم) ليس واسمها وخبرها خبر "أنه" بفتح الهمزة، و"أنه" وخبرها مسبوك بمصدر اسم "أن" الأولى بفتح الهمزة أيضًا، و"من نعمة الله، خبرها، والتقدير: أن عدم صلاة أحد غيركم في هذه الساعة من نعمة الله عليكم. و"أن" واسمها وخبرها معمول لأعلمكم وأبشروا على التنازع. أي أعلمكم بهذا وأبشروا به.

(قلت لعطاء) قال الحافظ ابن حجر: هو ابن أبي رباح، ووهم من زعم أنه ابن يسار.

(إمامًا وخلوًا) بكسر الخاء، أي منفردًا؟ .

(قام عمر

فقال: الصلاة) قال الحافظ ابن حجر: "الصلاة" بالنصب بفعل مضمر، تقديره مثلاً: صل الصلاة، وساغ هذا الحذف لدلالة السياق عليه.

(يقطر رأسه ماء)"ماء" تمييز محول عن الفاعل، أي يقطر ماء رأسه والجملة حال من "نبي الله" أو من الضمير في "كأني أنظر إليه الآن". وفي رواية "كأنه كان اغتسل قبل أن يخرج".

(كما أنبأه ابن عباس) أي كما أخبر ابن عباس.

ص: 352

(فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئًا من تبديد) أي فرق أصابعه بعض التفريق.

(ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس) قرن الرأس بسكون الراء جانبها.

(ثم صبها) قال النووي: هكذا هو في أصول روايتنا. قال القاضي: وضبطه بعضهم "قلبها" وفي البخاري "ضمها" والأول هو الصواب قال عياض: لأنه يصف عصر الماء من الشعر باليد. اهـ. وهذا المعنى يتأتى في رواية ضم الأصابع وبينها الشعر.

(لا يقصر ولا يبطش بشيء إلا كذلك)"لا يقصر" من التقصير، أي لا يبطئ، وفي بعض نسخ البخاري "لا يعصر" بالعين، أي لا يعصر عصرًا خفيفًا ولا يبطش أي ولا يسرع ولا يعصر عصرًا شديدًا. أي برفق ولين غير متعجل وغير متراخ.

(كم - ذكر لك - أخرها النبي صلى الله عليه وسلم ليلتئذ)؟ جملة "ذكر لك" مؤخرة من تقديم لأن الاستفهام له الصدارة، وتمييز "كم" محذوف. أي (ذكر لك) كم ساعة أخرها النبي صلى الله عليه وسلم؟ والتنوين في "ليلتئذ" عوض عن المضاف إليه، أي ليلة إذ أخرها النبي صلى الله عليه وسلم.

(لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم) قال الطيبي: يقال غلبه على كذا إذا غصبه وأخذه منه قهرًا، والمعنى لا تتعرضوا لما هو من عاداتهم من تسمية العشاء بالعتمة، فيغصب منكم الأعراب اسم العشاء التي سماها اللَّه تعالى بها فالنهي على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم. اهـ والأعراب أهل البادية.

(وهم يعتمون بالإبل) أي يؤخرون حلب الإبل إلى شدة الظلام، فمن أجل ذلك يسمون العشاء العتمة.

(فإنها في كتاب اللَّه العشاء) في قوله تعالى: {ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم} [النور: 58].

-[فقه الحديث]-

في تفضيل تعجيل صلاة العشاء أو تأخيرها ثلاثة آراء:

الأول: أن تعجيلها أفضل مطلقًا، وهو قول الشافعي في القديم، ودليله عموم قوله صلى الله عليه وسلم في أفضل الأعمال:"الصلاة لوقتها" أي الصلاة لأول وقتها، وفي رواية "أحب الأعمال إلى اللَّه عز وجل الصلاة لأول وقتها" ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها، وإنما أخرها ليلة واحدة أو ليلتين، ولو كان التأخير أفضل لواظب عليه صلى الله عليه وسلم ولو كان فيه مشقة، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يواظب إلا على الأفضل، ثم إن ظاهر أحاديث التأخير أنه كان لشغل شغله صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أن المستحب تأخير صلاة العشاء إلى ما قبل الثلث، وقيل: إلى الثلث وبه قال مالك

ص: 353

وأحمد، وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد ودليلهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نبه على تفضيل التأخير بالألفاظ الواردة في أحاديث الباب، وصرح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، قال النووي: ومعناه - واللَّه أعلم - أنه خشي أن يواظبوا عليه فيفرض عليهم، فلهذا تركه كما ترك صلاة التراويح، وعلق تركها بخشية افتراضها والعجز بها، وأجمع العلماء على استحبابها لزوال العلة التي خيف منها، وهذا المعنى موجود في العشاء. اهـ وقد علل الخطابي استحباب التأخير بأنه يؤدي إلى طول مدة انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة في صلاة. اهـ. وهذه العلة مردودة، إذ لو صحت لاستحب تأخير كل صلاة عن أول وقتها.

هذا، ومذهب أبي حنيفة أن التأخير أفضل إلا في ليالي الصيف.

الثالث: أنه يستحب تأخيرها إلى الثلث للمنفرد والجماعة الراضين بالتأخير فأما مع المشقة على المأمومين أو بعضهم فلا يستحب، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم.

وظاهر الأحاديث يؤيده، ويقويه حديث "والعشاء أحيانًا يؤخرها وأحيانًا يعجل. كان إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر" رواه البخاري ومسلم.

فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير إلى الثلث في حقه أفضل.

ولا يخفى أن الكلام في التأخير لا يشمل التأخير إلى ما بعد الثلث الأول (عند مالك والشافعي) أو إلى ما بعد النصف عند أصحاب الرأي وأهل الحديث لأن الكلام في تعجيل الصلاة أي تأخيرها إلى نهاية وقت الاختيار، أما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر فهو وقت جواز، خلافًا للاصطخري الذي يعد ما بعد نصف الليل قضاء.

-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-

1 -

يؤخذ من الرواية العاشرة والحادية عشرة النهي عن تسمية العشاء بالعتمة. قال النووي: وقد جاء في الأحاديث الصحيحة تسميتها بالعتمة كحديث "لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوًا" رواه البخاري وغيره، والجواب عنه من وجهين:

أحدهما: أنه استعمل لبيان الجواز، وأن النهي عن العتمة للتنزيه لا للتحريم.

والثاني: يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء. فخوطب بما يعرفه واستعمل لفظ العتمة لأنه أشهر عند العرب، وكانوا يطلقون العشاء على المغرب. اهـ

وقال الحافظ ابن حجر: اختلف السلف في ذلك، فمنهم من كرهه، ومنهم من أطلق جوازه، ومنهم من جعله خلاف الأولى، وهو الراجح، وكذلك نقله ابن المنذر عن مالك والشافعي. ثم قال: وقيل إن النهي عن تسمية العشاء عتمة نسخ الجواز، ولا بعد في أن ذلك كان جائزًا، فلما كثر إطلاقهم له نهوا عنه لئلا تغلب السنة الجاهلية على السنة الإسلامية. اهـ فالنهي أيضًا للتنزيه لثبوت ورود

ص: 354

التسميتين شرعًا. والنهي موجه لتسمية الصلاة عتمة، وأما "أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم" فهو من قبيل إطلاق الفعل، ولا شيء فيه.

2 -

يؤخذ من قوله في الرواية الثالثة: "العشاء الآخرة" جواز وصفها بالآخرة، وأنه لا كراهة فيه خلافًا لما حكي عن الأصمعي من كراهة هذا.

3 -

ويؤخذ منه أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم أن يعتذر إليهم.

4 -

ومن قوله: "رقدنا ثم استيقظنا" استدل على أن النوم لا ينقض الوضوء. قال النووي: وهو محمول على نوم لا ينقض الوضوء وهو نوم الجالس ممكنًا مقعده من الأرض.

5 -

وفيه جواز لبس خاتم الفضة، قال النووي: وهو إجماع المسلمين.

6 -

وفيه جواز الحديث بعد صلاة العشاء إذا كان في خير، وإنما نهي عن الكلام في غير الخير.

7 -

وفيه جواز النوم قبل العشاء لمن غلب، والكراهة مختصة بمن تعاطى ذلك مختارًا.

8 -

وفيه فضل انتظار الصلاة.

9 -

وفي قوله عمر: الصلاة. دليل على جواز الإعلام للإمام أن يخرج إلى الصلاة إذا كان في بيته.

10 -

ومن الرواية السابقة يؤخذ أن التبشير لأحد بما يسره محبوب، لأن فيه إدخال السرور في قلب المؤمن.

واللَّه أعلم

ص: 355