المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌من هو العربي

رأي للبحث والمناقشة

‌من هو العربي

؟

نشرت سنة 1979

من العربي؟ هذا هو موضوع المقال.

وربما عجب ناسٌ من هذا السؤال ورأوا الأمر أوضح من أن يُستوضَح عنه وأهون من أن نشتغل بالكلام فيه. وأنا أسأل هؤلاء الإخوان: هل العربية بالنَّسَب أم باللسان؟

إذا كانت بالنسَب فماذا نكون نحن، وما لأكثرنا نسب في العرب؟ وما دام الناس لآدم، وآدم واحد جاء منه كثير وصار من أبنائه الشعوب والقبائل، وما دام لكل قبيلة وشعب أول (أي أب) تنتمي إليه وتبدأ منه، فمن هو أبو العرب الذي كان منه أولهم وإليه انتماؤهم، فمَن نَسَلَه هذا الأب كان عربياً، ومن سبقه أو جاء من غيره لم يكن من العرب؟

وإذا كانت باللسان وكان اللسان هو الميزان، فهل كان لسانُ الأقدمين من سكان اليمن ولسانُ عاد وثمود وطسم وجديس، لساناً عربياً؟ وهل صحيح ما يقولونه من أن العرب عارِبة ومُستعربة، وأن المستعربة هم أبناء إسماعيل ومنهم بنو هاشم رهط محمد صلى الله عليه وسلم؟

ص: 133

الذي أراه أنا أن اللسان العربي الذي نتعارفه اليوم، ونرجع إلى المعاجم في تحقيق مفرداته، وإلى الصرف في اشتقاق كلماته، وإلى النحو في ضبط حركاته، ما جُمعت شوارده ولا قُعِّدت قواعده إلا اعتماداً على ما جاء في القرآن وعلى ما أُثر عن العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، من أشعار وأقوال يرجع العلماء إليها ويستشهدون بها، فما نطقوا به فهو الصحيح المقبول، وما خالفه فهو اللحن المرذول؛ المدار في ذلك كله على «السَّماع» منهم والموافقة لهم، لا دخل فيه للعقل ولا للمنطق.

فلننظر إلى لسان (1) حِمْيَر ومن كان قبلهم من سكان اليمن، وإلى ما وصل إلينا من بقايا ألسن عاد وثمود والعمالقة، وما جاء في قانون حمورابي: هل هو موافق للسان العرب الذي نزل به القرآن ونُظمت فيه المعلقات؟

الجواب: لا. وهذا شيء اتفقت عليه كلمة علمائنا الأولين وكشوف المُحْدَثين من الأثريين؛ فلقد رُوي عن شيخ الرواة وإمام أهل العربية أبي عمرو بن العلاء أنه قال: «ما عربية حمير بعربيتنا ولا لسانهم بلساننا» . وذكروا أنه لما قدم وفد عرب الشمال على سيف بن ذي يزن يهنّئونه باسترجاع اليمن قال لأحدهم: ثِبْ. وكان الملك على ظهر غمدان، فوثب الرجل من سطح القصر فما وصل الأرض إلا وقد تقطع. فعجب الملك وقال: ما له؟ قالوا:

(1) فرّقَ المتقدمون بين «اللسان» و «اللغة» ، وإن كانا بمعنى؛ فاللسان عندهم كالعربية والفارسية والهندية، واللغة (وندعوها اليوم اللهجة) كلغة قريش وتميم. وقالوا في جمعها «ألسُن» ، وفي جمع اللسان الذي هو العضو «ألسِنة» (وكلاهما صحيح في الحالين)(مجاهد).

ص: 134

أنت قلت له «ثِبْ» . قال: «من دخل ظَفار حَمَّر» . أي تعلم لسان حمير. وزعموا أن «ثب» في لسانهم بمعنى «اقعد» ، وأنا أسرد القصة من حفظي، وليس تحت يدي وأنا أكتب هذا المقال شيء من المراجع لأرجع إليه.

وأذكر أننا درسنا في الجامعة المصرية (وقد حضرت فيها فترة من سنة 1928) في كتاب للمستشرق جويدي صُوَرَ نُقوشٍ وجدوها على قبور في اليمن، لا تُفهَم ولا يُحكَم بأنها من لسان العرب. فلسان حمير -إذن- غير لسان قريش. فإذا كانوا هم العرب العاربة وكان لسانهم هو العربي كان القرآن منزَّلاً بغير العربية لأنه مخالف للسان حمير

مع أن القاعدة الثابتة التي ينبني هذا الكلام كله عليها هي أن القرآن نص عربي، وكل نتيجة تخالف هذه المقدمة مردودة.

فالعرب -إذن- هم قريش ومن نطق بلسانهم الذي نزل به القرآن، فمن وافقهم كان من أهل العربية، ومن خالفهم لم يكن من أهلها. ولسان حمير ومن كان قبلها في اليمن مخالف له، فهل نقول إن حمير ليست من العرب؟ وهل يمكن أن يقال -على هذا- إن العرب هم ثمرة زواج إسماعيل من جرهم، كما كان العبرانيون ثمرةَ زواج يعقوب من أهل فلسطين؟

وأزيد الكلام بياناً: إن إبراهيم هو جدّ العرب وجدّ العبرانيين، ولكنه ليس عربياً ولا عبرانياً. وقد افترق أولاده، فكان إسماعيل أبا العرب وإسحاق أبا العبرانيين، وإسماعيل وإسحاق كلاهما غير عربي ولا عبراني. وقد ابتدأ ظهور العبرانيين بظهور

ص: 135

بني إسرائيل (الذي هو يعقوب عليه السلام، فهل ابتدأ ظهور العرب، أعني الناطقين بلغة القرآن، بظهور أولاد إسماعيل؟

وإن قلنا إن العرب في الماضي هم سكان الجزيرة العربية الذين كانوا يتكلمون بلسان العرب المعروف الآن، الذي هو لسان القرآن؟ فماذا يكون أسلافهم إذن، ممن يسمَّون -خطأً- العرب العاربة أو العرب البائدة؟

وهل هذا الاختلاف بين اللسانين كاختلاف لسان الإنكليز اليوم عن لسانهم قبل قرون، بحيث لا يفهم إنكليزي اليوم لغة إنكليز القرن العاشر؟ أو كاختلاف لسان الفرنسيين والطليان عن لسان اللاتين الذي كان منه اشتقاقه وإليه مَرَدّه؟

وأنا أعلم أن القول بأن "عاداً وثمود وسبأ وأمثالهم عربٌ" هو عند أكثر الناس من البديهيات (1)، ولكن هذه البديهية يعترضها اختلاف اللسان: فكيف يكونون عرباً، بل كيف يكونون هم العرب العاربة، ولسانهم غير لسان القرآن الذي لا ينكر أحدٌ أنه هو اللسان العربي المبين؟

هذا سؤال أسأله، لا أقرر قاعدة ولا أحكم حكماً، ومن كان عنده رأي فليعرضه للمناقشة. (2)

* * *

(1) قالوا «طبيعي» و «بديهي» ، ولو كانتا مخالفتين للقياس، ولم يقل أحد من المتقدمين «طبعي» ولا «بدهي» .

(2)

انظر مقالة «المنزل الأول للبشر» في كتاب «من نفحات الحرم» (مجاهد).

ص: 136