المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌كتاب في البيزرة

من نوادر المخطوطات

‌كتاب في البَيْزَرَة

نشرت سنة 1935

[وصف وتحليل لنسخة فريدة من كتاب مفقود، في علم ضائع، لمؤلف مجهول.]

البَيْزَرَة (أو البَزْدَرَة) علم يُبحَث فيه عن "أحوال الجوارح من حيث حفظ صحتها، وإزالة مرضها، ومعرفة العلامات الدالّة على قوّتها في الصيد وضعفها فيه"؛ هذا ما قاله في «كشف الظنون» . والكلمة معرَّبة، وهي من قولهم «بَيْزار» ، معرَّب «بازْدار» أو «بازيار» ، أي حافظ البازي وصاحبه، والجمع «بيازِرة» كما في التاج واللسان. قال الكُمَيْت:

كأنّ سوابقَها في الغُبارِ

صقورٌ تُعارِض بَيْزارَها

وقد سمّوه علم البزدَرَة (أو البَيْزَرة) إضافة له إلى أشرف أنواعه وأخفّها، وهي البُزاة. ولخّصه داود الأنطاكي في كتابه «التذكرة» في مقدمة وثلاثة مباحث: فالمقدمة في كيفية اهتداء الناس إلى اتخاذ الطيور، وأول متّخِذ لها، وما هو المعتبَر منها. والمبحث الأول في كيفية الاستدلال على الجيد منها باللون

ص: 291

والصفة وفي ذكر طرق التعليم. والمبحث الثاني في أوقات الإرسال وكيفية الصيد واختلاف حال الطيور. والمبحث الثالث في علامات الصحة والمرض وطبّ الجوارح.

وقد كان هذا العلم مزدهراً معروفاً أيام عز العرب وازدهار مدنيّتهم، ثم ضاع فيما ضاع من تراث الأجداد، وفُقدت كتبه كلها ونسيه الناس، فلم يكد يذكره أحد ممن ألّف في تاريخ الثقافة الإسلامية، ولم يبقَ بين أيدينا من المراجع في هذا العلم إلا هذا الفصل الذي كتبه الشيخ داود الأنطاكي في كتابه «تذكرة أولي الألباب» (1) وكلمة في «كشف الظنون» لحاجي خليفة لا تعدو الثلاثة الأسطر.

على أن للمتقدمين كتباً كثيرة في هذا العلم، عدّ ابن النديم في «الفهرست» عدداً منها، ككتاب «الجوارح» لمحمد بن عمر البازيار، وكتاب «البزاة واللعب بها» لأبي دُلَف العِجْلي، وسمّاه ابن خلّكان «كتاب البُزاة والصيد» . ومن الكتب المؤلَّفة في هذا العلم كتاب «القانون الواضح» ، ذكره في كشف الظنون ووصفه بأنه كافٍ في هذا العلم ولم يُسَمِّ مؤلفه. وذكر الشاعر الكبير الأستاذ الشيخ رضا الشَّبيبي، وزير المعارف العراقية اليوم، في مجلة «المقتبس» أن في الخزانة التيمورية كتاباً اسمه «القانون في البيزرة» ، ولعله هو.

وفي الأدب العربي أدب للصيد قائم برأسه يُسمّى

(1) كان داود طبيباً ماهراً، لم يكن في زمانه أعلم منه بالطب، وله تصانيف كثيرة أهمها «التذكرة» ، والغريب أنه كان ضريراً.

ص: 292

«الطَّرْدِيّات» ، نبغ فيه جماعة منهم أبو نُوَاس، وأبو فراس، وكُشاجِم، والحِلّي، وغيرهم.

* * *

أما الكتاب الذي أصفه اليوم فقد وقع عليه صديقنا العالم الشيخ حمدي السَّفَرْجَلاني في خزانة قديمة في دمشق فعرف قدره فاشتراه، ثم كانت له قصة انتهت بأن بيع الكتاب إلى أحد المولعين بالكتب القديمة من الإفرنج، وبقيت منه النسخة الفوتوغرافية التي أصفها عند الأستاذ السفرجلاني.

وكتابنا، وإن لم يُعرَف مؤلفه، من أقدم الكتب المصنَّفة في هذا العلم وأجلّها؛ فقد وُضع للعزيز بالله العُبَيدي الفاطمي، صاحب مصر والشام المتوفَّى سنة 386هـ. وكان مُغرَىً بالصيد، يصيد بالحبل والجارح من الطير ويصيد بالسباع. وكان مؤلف الكتاب -كما يتحدث عن نفسه- من بَيازرة العزيز والمقرَّبين إليه، وكان غالياً في التشيع، لا يذكر العزيز مرة إلا صلى عليه وسلم! فمن قوله:"وقد كان مؤلف هذا الكتاب في جملة البيازرة متقدماً عليهم، لا في جملة واحد منهم لا يحسن شيئاً من البيزرة. ثم أفرده أمير المؤمنين -صلى الله عليه- عنهم وله من العمر إحدى عشرة سنة، ثم خرج في صناعته إلى ما قد شاهده الناس وعرفوه، ورقّى أمير المؤمنين -صلى الله عليه- منزلته إلى أن صار إقطاعه عشرين ألف دينار، وبلغ المنزلة التي لو رآها في النوم لما صدّقها، فلا يَخْفَ عن الناس ما كان فيه وما صار إليه".

وفي آخر الكتاب: "تم الكتاب، والحمد لله رب العالمين

ص: 293

كما هو أهله ومستحقه، وصلى الله على نبيه محمد خاتم النبيين، وعلى الأئمة من عترته الطاهرين الأخيار وسلم تسليماً".

والكتاب كله من النمط العالي في إنشائه وأسلوبه، وهو مشحون بالفوائد والأخبار الأدبية والأشعار المستملَحة والقصص اللطيفة، ويقع في ثلاثمئة صفحة مكتوبة بخط قريب من النسخي، قليلة أخطاؤه، مَشكول شكلاً لا يُعتمَد عليه دائماً، فيه إشارات خاصة كانت توضع على الحروف المُهمَلة (1) ثم أُهملت (2).

وليس في أول الكتاب أو آخره ما يدلّ على تاريخ كتابته، ولكني عثرت في وسطه على جملة مكتوبة بخط الناسخ هذا نصها:"وكتب هذا الكتاب تاريخ سنة خمسمئة في شهر شوال"؛ وإذن فيكون عمر النسخة التي نصفها أكثر من ثمانية قرون.

* * *

وسنعرض على القراء خلاصة أبواب الكتاب ونماذج منه صالحة.

بدأ «المقدمة» بقوله: "الحمد لله الذي له في كل لطيف

(1) هي الحروف غير المَنْقوطة، كالحاء والدال والراء والسين والصاد، إلخ. وكانوا يسمّون المنقوطة «مُعْجَمَة» (أو مُعَجَّمَة)، كالباء والتاء والجيم والخاء والذال والزاي، إلخ، من قولهم: عَجَمَ الكتابة (وعجَّمها وأعجمها) إذا نقطها (مجاهد).

(2)

وللعلامة المرحوم الشيخ طاهر الجزائري رسالة في بيان هذه الإشارات، وهي مطبوعة.

ص: 294

من خَلقه مُعجز يُتفكَّر فيه، وخفيّ من صنعه يُتنبَّه به عليه، ونِعَم تقتضي مواصلةَ حمده، ومِنَن تحثّ على متابعة شكره، والذي ميّز كلَّ نوع من حيوانٍ خلقه على حِدَته، وأبانه بشكله وصورته، وجعل له من الآلة ما يلائم طبعه، ويسّره للأمر الذي خُلق له ويؤدّيه إلى مصلحته وقوام جسمه. وجعلنا من أشرف ذلك كله نوعاً وأتمّه معرفة، وجمع فينا بالقوة ما فرّقه في تلك الأصناف بالآلة، فليس منها شيء مخصوص بحال له فيها مصلحة إلا ونحن قادرون على مثلها، فإنّا بفضل حيلة العقل نستعمل مثل ذلك إذا احتجنا إليه ونفارقه إذا استغنينا عنه؛ كذوات الحد والشوكة من صدف أو مخلب، فإن لنا مكان ذلك ما نستعمله من السيوف والرماح وسائر الأسلحة؛ وكذوات الحافر والظلف، فإن لنا أمثال ذلك مما ننتعله ونتقي أذى الأرض به

وجعل لنا خدماً وأعواناً، وزينة وجمالاً، وأكلاً وأقواتاً؛ فبعضٌ نمتطيه، وبعضٌ نقتنيه، وبعضٌ نَغْتذيه. وأحلّ لنا صيد البر والبحر والهواء؛ نقتنص الوحش من كِناسها، ونستنزل الطير من الهواء، ونستخرج الحوت من الماء. لم يَكِلْنا في ذلك إلى مبلغ حيلتنا حتى عَضَدَنا عليه وسهّل السبيل إليه، بأن خلق لنا من تلك الأنواع أشخاصاً أغراها بغيرها من سائر أجناسها، ووصَلها من آلة الخلْقَة وسلاح البُنْيَة، وقبول التأديب والتَّضْرِية والانطباع على الأكفّ والاستجابة، فدلنا على موضع الصنع فيها وموقع الانتفاع بها، كالفهد والكلب وسائر الضواري، والبازي والشاهين وسائر الجوارح، كل ما يحويه من ذلك لنا كاسب وعلينا كادح وبمصلحتنا عائد

".

ثم يقول: "إن للصيد فوائد جمة، وملاذَّ ممتعة، ومحاسن

ص: 295

بيّنة، فبه يُستفَاد النشاط والأَرْيَحية والمنافع الظاهرة والباطنة والمِران والرياضة

مع ما فيه من الآداب البارعة والأمثال السائرة، ومسائل الفقه الدقيقة والأخبار المأثورة، ما نحن مجتهدون في شرحه وتلخيصه وتفصيله وتبويبه في هذا الكتاب المترجَم بكتاب «البَيْزَرة» ، على مبلغ حفظنا ومنتهى وسعنا، وبحسب ما يحضرنا وينتظم لنا، اتّباعاً فيما لا يجوز الابتداع فيه، وابتداعاً فيما أغفله مَنْ تَقدَّمَنا ممن يدّعيه، ونحن مقدّمون ذكرَ الأبواب التي تشتمل على ذلك ليأتي كل باب في معناه، وبالله الحول والقوة ومنه عز وجل التوفيق والمعونة".

* * *

ثم بدأ بأبواب الكتاب باباً باباً، وهذه عناوينها ونبذة عن بعض منها:

«باب» من كانت له رغبة في الصيد وعنده شيء من آلته من الأنبياء صلوات الله عليهم، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الأشراف.

«باب» تمرين الخيل وجرأة الفارس على ركوبها، باقتحام العِقاب وتسنّم الهِضاب والحدود والأنصاب.

«باب» ما قيل في طرد كل صنف من وحش وطير.

«باب» فضائل الصيد، وأنه لا يكاد يحبّ الصيدَ ويُؤْثره إلا رجلان متباينان في الحال متقاربان في علوّ الهمة: إما ملك ذو ثروة، أو زاهد ذو قناعة

فمن هذه الطبقة من يقتات من صيده ما

ص: 296

يكفيه ويتصدّق بما يفضل عنه توقّياً من المعاملة والمبايعة، ومنهم من يبيع ما فضل عن قُوْته ويعود بثمنه في سائر مصلحته".

ومن نوادر هذا الباب: "قال أبو العباس السفاح لأبي دُلامة: سَلْ. فقال: كلباً. قال: ويلك، وما تصنع بكلب؟ قال: قلتَ سَلْ، والكلب حاجتي. قال: هو لك. قال: ودابة تكون للصيد. قال: ودابة. قال: وغلام يركبها ويتصيّد عليها. قال: وغلام. قال: وجارية تُصلح لنا صيدَنا وتعالج طعامنا. قال: وجارية. قال أبو دلامة: كلب ودابة وغلام وجارية

هؤلاء عيال، فلا بد من دار. قال: ودار. قال: ولا بد من غِلّة وضَيْعة (1) لهؤلاء، قال: قد أقطعناك مئة جريب عامرة ومئة جريب غامرة. قال: ما الغامرة؟ قال: التي لا نبات فيها. قال: أنا أُقطعك خمسمئة جريب في فيافي بني أسد! فضحك وقال: قد جعلنا لك المئتين عامرة، بقي لك شيء؟ قال: أقبّل يدك. قال: أما هذه فدعها. قال: ما منعتَ عيالي شيئاً أهون عليهم فَقْداً من هذا (2).

ونادرة أخرى، قال: "أخبرني بعض الأدباء أن رجلاً من الشعراء قصد أحد الكُبَراء، فتعذّر عليه ما أمله عنده وحال بينه وبينه الحُجّاب. وكان ذلك الكبير آلفاً للصيد مُغرىً به، فعمد

(1) الضيعة هي العقار أو الأرض ذات الزّرع، وفي سوريا ولبنان يسمّون القرية ضَيْعة، ولعل أصلها من هنا (مجاهد).

(2)

قال الجاحظ: "فانظر إلى حِذقه بالمسألة ولطفه فيها؛ ابتدأ بكلب فسهّل القصةَ به، وجعل يأتي بما يليه على ترتيب وفكاهة، حتى نال ما لو سأله بديهة لما وصل إليه". وانظر أخبار أبي دُلامة في الجزء التاسع من «الأغاني» .

ص: 297

الشاعر إلى رِقاع لِطاف فكتب فيها ما قاله من الشعر في مديحه، وصاد عدّة من الظباء والأرانب والثعالب ثم شدّ تلك الرقاع في أذناب بعضها وآذان بعض. وراعى خروج الرجل إلى الصيد، فلما خرج كمن له في مظانّه ثم أطلقها، فلما ظفر بها استبشر، ورأى تلك الرقاع ووقف عليها فزاد في طربه، واستظرف الرجل واستلطفه وأمر بطلبه فأُحضر، ونال منه خيراً كثيراً".

ثم قال: "ومن فضل العلم بالصيد ما حكاه لي أبي عن خالد ابن برمك، أنه كان نظر -وهو على سطح قرية مع قَحْطَبة حين فصلوا من خراسان، وبينهم وبين عدوهم مسيرة أيام- إلى أقاطيع ظِباء مقبلة من البرّ حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: نادِ في الناس بالإسراج والإلجام وأخذ الأُهْبة (1)، فتشوّف قحطبة فلم يَرَ شيئاً يَروعه، فقال لخالد: ما هذا الرأي؟ فقال: أما ترى الوحش قد أقبلت؟ إن وراءها لجمعاً يكشفها. فما تمالك الناس أن يتأهبوا حتى رأوا الطليعة، ولولا علم خالد بالصيد لكان ذلك العسكر قد اصْطُلم (2) ".

«باب» من كان مستهتراً بالصيد من الأشراف

(وهو باب طويل حافل بالأخبار الممتعة والأشعار المستملَحة).

(1) يريد أن يجهّز كل فارس فرسَه للركوب بوضع السرج وشد اللجام. وقَحْطَبة بن شَبيب الطائي من قوّاد العباسيين المظفرين، كان صاحب أبي مسلم الخراساني، وهو أحد النقباء الاثني عشر الذين اختارهم محمد بن علي في خراسان (مجاهد).

(2)

اصْطُلم أي أُبيدَ عن آخره (مجاهد).

ص: 298

«باب» صفة البواشق وذكر ألوانها وأوزانها وصفة الفارِهِ منها: فالأحمر الأسود الظهر جيّد صَبور على الكد، والأحمر الظهر والبطن رَخْو ما له جلَد، إلخ.

«باب» في ضَراءة الباشق وفَراهته وما يصيد من الطرائد المعجزة التي هي من صيد البازي. وذكر علاجات البواشق وعللها وما خلص منها من العلل وأنجب، وذكر القَرْنَصَة (1) وذكر ما يحتاج إليه في القرنصة من الخدمة.

بعد ذلك «باب» في تشخيص أمراض البازي، قال:"ويُستدَلّ من الذَّرْق (2) على كل علة". وبعده عدّة أبواب في علاج الأدواء المتنوعة التي تصيب البازي.

ثم «باب» في تفضيل الصقور على الشواهين لما فيها من الفَراهة، وهو السبب الموجِب لتقديمها. وذكر ألوانها وأوزانها، وفيه فصول طويلة كالذي مرّ في باب البواشق وباب البزاة.

ثم «باب» في صفة الشواهين وذكر ألوانها وأوزانها، وكذلك العقبان.

و «باب» في الصيد بالفهد وما يستحسن منه، وفيه كثير من الأشعار والأخبار الجيدة.

و «باب» في صفة الظباء وذكر مواضعها وصيدها وما فيها من

(1) قال الشيخ داود الأنطاكي: وأما القرنصة فهي إراحة الطائر مدة معلومة من الصيد، وتكون غالباً للبزاة، ووقتها من دخول شهر أيّار.

(2)

الذَّرق للطائر (والزَّرْق) بمنزلة البول من الإنسان.

ص: 299

المنافع، وما قيل في ذلك من الشعر.

و «باب» في ذكر الكلاب وخصائصها وصيدها وعللها ودوائها، وما قيل فيها من الشعر.

و «باب» في صيد طير الماء بالبازي والباشق، وهو آخر أبواب الكتاب.

* * *

هذا وصفٌ موجَز وبيانٌ لِقيمة هذا الكتاب الجليل، وإنّا لنرجو أن يهيّئ الله له ناشراً يسرع إلى طبعه، ليستفيد منه أهل الأدب وأصحاب هذه الصناعة، ويأخذ مكانه في المكتبة العربية، فإن مكانه لا يزال خالياً ولا يسدّه اليوم في الدنيا كتاب غيره. وإنّا لنرجو أن تُعنى بأمره لجنة التأليف والترجمة والنشر، ويكون لها في نشره مآثر جديدة تُضَمّ إلى مآثرها الجمّة وأياديها الكثيرة على الثقافة والأدب (1).

* * *

(1) مضت سنوات طويلة بعد نشر هذه المقالة حتى وجد الكتاب أخيراً طريقَه إلى أيدي الناس؛ فقد حققه الأستاذ محمد كرد علي، وكان آخرَ ما قام به من أعمال، فرغ منه في شهر آب من عام 1952 وتوفي بعد ذلك بثمانية أشهر، ونشره المجمع العلمي بدمشق فصدر بعد وفاة كرد علي بأشهر معدودات، رحمه الله (مجاهد).

ص: 300