المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إلى أخي أبي الحسن الندوي - فصول في الثقافة والأدب

[علي الطنطاوي]

الفصل: ‌إلى أخي أبي الحسن الندوي

كتاب مفتوح

‌إلى أخي أبي الحسن النَّدْوي

نشرت سنة 1958

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لما كنا في لَكْنَو طلبت من الأخ الأستاذ محمد الرابع (1) أن يختار لي قصيدة من عيون شعر إقبال يُفهمني معانيها، ثم أنشئها أنا بالعربية إنشاء، كما صنعت بقصيدة الشاعر الإنكليزي غراي (وهي مرثيته المشهورة (2)) من أكثر من عشرين سنة بمعونة الأستاذ علي حيدر الركابي، زميلنا في التدريس يومئذ في مدارس العراق.

فاختار لي قصيدة «صوت الجبل» (بانك درا) وخبّرني أنها من أعظم قصائد إقبال الإسلامية، وتلا عليّ ترجمتَها الحرفية، فوجدت شيئاً عظيماً حقاً، ولكني عجزت عن فهمه فضلاً عن إساغته وهضمه وصياغته صياغة عربية، ورددت ذلك إلى اختلاف أساليب البلاغة باختلاف اللغات؛ فنحن لا نألف هذه

(1) وهو رابع إخوة خمسة كلٌّ منهم اسمه محمد!

(2)

منشورة في كتاب «صور وخواطر» (مجاهد).

ص: 261

الأَخْيِلَة المعقَّدة وهذه المَجازات البعيدة التي يعرفها اللسان الفارسي، ولو أني استطعت أن أفهم (أو لو أن الأخ استطاع أن يفهّمني) المُراد منها لجئت بما يقابلها في العربية أو بما يقوله العربي لو أراد هذا المعنى.

وعلمت في لكنو أن هذه القصيدة من النمط العالي الذي لا يصل إلى إدراكه إلا نفر من أفذاذ الأدباء سَمَّوك في أوائل من سَمَّوا منهم. فهل لك أن تنقل هذه القصيدة إلى العربية؟ وهل لك أن تختار من شعر إقبال ما يجعلنا نتذوق طعم أدبه ونلمّ بطريقته ونتجلّى أسباب عظمته؟ فإن كل ما قرأنا من كلامه مترجَماً إلى العربية لم يعرّفنا به ولم يدلّنا عليه.

ولقد قرأت أكثر ما تُرجم لإقبال وما كُتب عن إقبال، وفهمت عنه شيئاً ما أدري أصحيح هو أم أنني أخطأت الفهم؛ فقد كان من أكبر مفاخر الشاعر العربي أن يرفع بشعره قبيلة خاملة، أما إقبال فمن مفاخره أنه بنى دولة فيها ثمانون مليون مسلم كان شعره من دعائمها، فما هو هذا الشعر وما مثاله؟ وكنت أعرف أن شاعر العرب يقول:

والشّعْرُ ما لم يكُن ذكرى وعاطفةً

أو حِكمةً فهو تَقطيعٌ وأَوْزانُ

ففهمت أن العاطفة في شعر إقبال شيء آخر غير عاطفة الشاعر العربي، وأن الحكمة عنده ليست حكمة المثل السائر والبيت البليغ الذي يحمل ثمرة تجربة في الحياة، ولكنها حكمة من نوع آخر. فما هي هذه الأنواع الأُخَر؟

لقد اشتدّت بي الرغبة في الوقوف على شاعرية إقبال حتى

ص: 262

لقد فكرت -أقسم لك- بأن أتعلم الأوردية والفارسية لأدرك سرّها وأستجلي بنفسي جمالَها، ثم وجدت أن الشبابَ قد ولّى والذهنَ قد ونى. وهيهات أن تكون بعد الخمسين كما كنت أيام الشباب!

فهل تضيف -يا أخي أبا الحسن- إلى مآثرك هذه المأثرة، فتفتح للعرب كُوّة على هذه الروضة المحجَّبة أو تحمل إليهم زهرات منها، فتحسن بذلك إلى العرب وإلى الأدب والإسلام؟ (1)

والسلام عليك ورحمة الله من أخيك الذي يحبك، ولا يزال يذكر أبداً أيامَ لَكْنَو وما لقي فيها من نبلك وفضلك.

علي الطنطاوي (دمشق)

* * *

(1) نُشِرَت هذه الرسالة المفتوحة في مجلة «المسلمون» ، في عددها الثالث من أعداد السنة السادسة الذي صدر في شوال 1377 (أيار 1958)، وما مضت سنتان حتى أصدر أبو الحسن في عام 1960 كتابه «روائع إقبال» الذي ترجم فيه إلى العربية طائفة من صفوة شعر إقبال. وهو كتاب في نحو مئتين وعشرين صفحة، قال في مقدّمته التي قدَّمَ بها للطبعة الأولى إن رسالة علي الطنطاوي هذه كانت من دوافعه إلى إخراج الكتاب، رحم الله الاثنين (مجاهد).

ص: 263