المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌طاقة أخبار نشرت سنة 1968   يقيّدني أخي الأستاذ العامودي (1) من لطفه - فصول في الثقافة والأدب

[علي الطنطاوي]

الفصل: ‌ ‌طاقة أخبار نشرت سنة 1968   يقيّدني أخي الأستاذ العامودي (1) من لطفه

‌طاقة أخبار

نشرت سنة 1968

يقيّدني أخي الأستاذ العامودي (1) من لطفه المَشوب بالحزم بقيد من حرير، ناعم الملمس ولكنه قوي الشدّ لا أستطيع أن أفلت منه، وقد ماطلته بالمقالة أياماً، ثم أكدت له الوعد أن أدفعها إليه اليوم.

وجاء اليوم، وجاءني معه صداع أخذ يشق رأسي، حتى لقد أحسست في صدغي ووراء أذني بمثل المطارق، ولم أعد أقدر على صفحة أسوّدها أو سطور أخطّها، وشُغلت بنفسي عن القرّاء وعن المجلة. وخفت الأستاذ أن أعود إلى الاعتذار، فنظرت في أوراقي، فوجدت أخباراً كنا جمعناها أنا وأخي ناجي (2) لنعمل منها كتاباً، ثم صرفَتنا عنه الصّوارف. فقلت: أختار منها طاقة (3)، طاقة أخبار لا طاقة أزهار، أشغل بها القراء وأدفع عني بها غضب الأستاذ.

(1) نُشرت هذه المقالة في مجلة «الحج» التي كان يصدرها الشيخ محمد سعيد العامودي، وكذلك المقالة التي سبقتها (مجاهد).

(2)

المستشار القانوني في وزارة الحج والقاضي السابق في الشام.

(3)

لا باقة كما يقول الناس.

ص: 51

فهاكموها، والفضل لكم إن قبلتموها.

* * *

محاكمة عند شُرَيح القاضي

لما توجّه علي بن أبي طالب إلى صِفّين افتقد درعاً له، فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة أصاب الدرع في يد يهودي، فقال لليهودي: الدرع درعي لم أبِعْ ولم أَهَبْ.

فقال اليهودي: درعي وفي يدي.

فقال: نصير إلى القاضي.

فتقدم عليّ فجلس إلى جنب شُريح وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«أَصْغروهم من حيث أصغَرَهم الله» .

فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين. فقال: نعم، هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي، لم أبِعْ ولم أهَبْ.

فقال شريح: إيش تقول يا يهودي؟

قال: درعي وفي يدي.

فقال شريح: ألك بيّنة يا أمير المؤمنين؟

قال: نعم، قَنْبَر والحسن يشهدان أن الدرع درعي، ما عندي غيرهما.

فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب. حكمت لليهودي.

ص: 52

فقال اليهودي: أميرُ المؤمنين قدّمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه! أشهد أن هذا هو دين الحق. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وأن الدرع درعك.

(تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 7)

* * *

من أجل الأعرابي

عن أبي عبيدة أن المهدي كان يصلي بهم الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لمّا قَدِمها، فأقيمت الصلاة يوماً فقال أعرابي: لست على طهر، وقد رغبت في الصلاة خلفك فَمُرْ هؤلاء بانتظاري!

فقال المهدي: انتظروه. ودخل المحراب فوقف إلى أن قيل: قد جاء الرجل، فكبّر. فعجب الناس من سماحة أخلاقه.

(تاريخ الخلفاء، ص 108)

* * *

الخليفة المهتدي في مجلس القضاء

عن عبد الله الإسكافي قال: حضرت مجلس المهتدي وقد جلس للمظالم، فادّعى رجل على ابن المهتدي، فأمر بإحضاره، فأُحضر. وأقامه إلى جنب الرجل فسأله عمّا ادّعاه عليه، فأقرّ به، فأمره بالخروج له من حقه. فكتب له بذلك كتاباً، فلما فرغ قال له الرجل: والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قال الشاعر:

ص: 53

حكّمتموهُ فقضى بينكم

أبْلَجُ مثلُ القمر الزّاهرِ

لا يقبل الرِّشْوةَ في حُكمه

ولا يُبالي غَبَنَ الخاسر

فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جلست هذا المجلس حتى قرأت في المصحف:{وَنَضَعُ المَوَازينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئاً، وإنْ كانَ مِثْقَالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِها، وَكَفى بنا حَاسبين} .

قال: فما رأيت باكياً أكثر من ذلك اليوم.

(تاريخ بغداد، 3/ 349)

* * *

من صفات الرشيد

كان هارون الرشيد أبيض طويلاً مَليحاً فصيحاً، له نظر في العلم والأدب، وكان يصلّي في خلافته في كل يوم مئة ركعة إلى أن مات، لا يتركها إلا لعلة، ويتصدق من صُلب ماله كل يوم بألف درهم.

وكان يحب العلم وأهله ويعظّم حرمات الإسلام، ويبغض المِراء في الدين والكلام في معارضة النص، وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه، لا سيّما إذا وُعظ.

دخل عليه مرة ابن السمّاك الواعظ، فبالغ في احترامه، فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك، ثم وعظه فأبكاه.

ص: 54

وقال أبو معاوية الضرير: أكلت مع الرشيد يوماً، ثم صبّ على يدي رجل لا أعرفه، ثم قال الرشيد: تدري من يصب عليك؟ قلت: لا. قال: أنا، إجلالاً للعلم.

وكانت أيام الرشيد كلُّها خيرٌ كأنها -من حسنها- أعراس.

(تاريخ الخلفاء، ص111)

* * *

القاضي يردّه إلى الحق

كتب المنصور إلى سِوار بن عبد الله قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر، فادفعها إلى القائد.

فكتب إليه سِوار: إن البيّنة قد قامت عندي أنها للتاجر، فلست أخرجها من يده إلا ببيّنة.

فكتب إليه المنصور: والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنّها إلى القائد.

فرد عليه: والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجتُها من يد التاجر إلا بحق!

فما جاء الكتاب قال المنصور: ملأتها والله عدلاً، وصار قضاتي يردّونني إلى الحق.

(تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص103)

* * *

ص: 55

لو احتجت إلى مالك ما وعظتك

قام بعض الزهّاد بين يدَي المنصور فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشترِ نفسك ببعضها، واذكر ليلة تبيت في القبر وكأنك لم تَبِتْ قبلها ليلة، واذكر ليلة تمَخّض عن يوم لا ليلة بعده.

فأمر له المنصور بمال فقال: لو احتجت إلى مالك ما وعظتك!

(تاريخ الخلفاء، ص103)

* * *

عزة العلم

قال الجاحظ: لقد دخلت على إسحاق بن سليمان في إمرته فرأيت السِّماطَين (1) والرجال مثولاً كأن على رؤوسهم الطير، ورأيت فرشته وبِزّته.

ثم دخلت عليه وهو معزول، وإذا هو في بيت كتبه (أي في مكتبته) وحواليه الأسفاط والرقوق والقماطير والدفاتر والمساطر والمحابر، فما رأيته قط أفخم ولا أنبل ولا أَهْيَب ولا أجزل منه في ذلك اليوم، لأنه جمع مع المهابة المحبة، ومع الفخامة الحلاوة، ومع السؤدد الحكمة.

(الحيوان للجاحظ، ص50)

* * *

(1) السِّماط هو الصف من الرجال، وكانوا يقولون: قام الرجال حول فلان سِماطَين؛ أي وقفوا صفَّين بين يديه (مجاهد).

ص: 56

هكذا يُطلَب العلم

عن حمدان الأصبهاني قال: كنت عند شَريك فأتاه ابن الخليفة المهدي، فاستند إلى الحائط وسأل عن حديث، فلم يلتفت إليه شريك، ثم أعاد عليه السؤال فعاد إلى الإعراض عنه.

فقال له: كأنك تستخفّ بأولاد الخلفاء؟

قال: لا، ولكن العلم أزين عند أهله من أن يضيّعوه.

فجثا على ركبتيه ثم سأل، فقال شريك: هكذا يُطلَب العلم!

(تاريخ الخلفاء ص108)

* * *

النية الصالحة

حُمل إلى الإمام البخاري بضاعة له، فاجتمع بعض التجار إليه بالعشية فطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم، فقال لهم: انصرفوا الليلة. فجاءه من الغد تجّار آخرون فطلبوا منه تلك البضاعة بربح عشرة آلاف درهم، فردّهم وقال: إني نويت البارحة أن أدفع إلى الذين طلبوا أمس بما طلبوا أول مرة.

فدفعها إلى الأوّلين بما طلبوا بربح خمسة آلاف درهم، وقال: لا أحب أن أنقض نيّتي.

(تاريخ بغداد 3/ 11)

* * *

ص: 57

ذكاء الشَّعبي

روي أن عبد الملك بن مروان خرج يوماً، فلقيته امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين.

قال: ما شأنك؟

قالت: توفي أخي وترك ستمئة دينار، فدُفع إليّ من ميراثه دينار واحد وقيل: هذا حقك!

فعمي الأمر فيها على عبد الملك، فأرسل إلى الشعبي فسأله. فقال: نعم، هذا توفي فترك ابنتين فلهما الثلثان أربعمئة، وأُمّاً فلها السدس مئة، وزوجة فلها الثمن، خمسة وسبعون، واثني عشر أخاً فلهم أربعة وعشرون، وبقي لهذه دينار.

(تاريخ الخلفاء ص86)

* * *

دخول بلا كلام

عن محمد بن يزداد قال: كنت بباب المأمون، فجاء محمد ابن أبي محمد اليزيدي فاستأذن، فقال له الحاجب: إن أمير المؤمنين قد أخذ دواء وأمرني أن أحجب الناس عنه.

قال: فأمَرَك أن لا تُدخل إليه رقعة؟

قال: لا.

فدعا بدواة كانت مع غلامه وقرطاس وكتب إليه:

ص: 58

هديّتيَ التحيّةُ للإمامِ

إمامِ العَدْل والمَلِكِ الهُمامِ

لأنّي لو بذلتُ له حياتي

وما أحوي لَقَلاّ للإمام

أراكَ من الدّواءِ اللهُ نفعاً

وعافيةً تكون إلى تَمام

أتأذنُ في الدخول بلا كلام

سوى تقبيل كفّك والسلام؟

قال: فأدخل الرقعة، وخرج مسرعاً وأَذِن لي. فدخلت مسرعاً وخرجت، وأتبعني بألف دينار.

(تاريخ بغداد 3/ 412)

* * *

وصف بيمارستان (مستشفى)

بنى عبد المؤمن في مرّاكش بيمارستاناً ما أظن أن في الدنيا مثله، وذلك أنه تخيّر ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد، وأمر البنّائين بإتقانه على أحسن الوجوه، فأتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخارف المحكمة ما زاد على الاقتراح. وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار المَشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياهاً كثيرة تدور على جميع البيوت زيادة على أربع برك، في وسط إحداها رخام أبيض. ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف ويأتي فوق النعت، وأجرى له مبلغاً من المال في كل يوم برسم الطعام، وما ينفق عليه خاصة، خارجاً عما جُلب إليه من الأدوية. وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال، وأعد فيه للمرضى ثياباً للّيل وللنهار، ومن جهاز الصيف والشتاء، فإذا نَقَه المريض فإن كان فقيراً أمر له عند خروجه بمال يعيش

ص: 59

به ريثما يستقل، وإن كان غنياً دفع إليه ماله وتركته وسببه. ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء، بل كل من مرض بمرّاكش من غريب حُمل إليه وعولج إلى أن يستريح أو يموت، وكان يركب إليه في كل جمعة بعد صلاته ويدخله ويعود المرضى ويسألهم عن أحوالهم.

(المُغرَب ص190)

* * *

ص: 60