الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التيمم:
أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعِلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
بلاغة التعبير النبوي الشريف "بخمس" ترجع إلى أن هذه الصيغة لها دلالات كثيرة، أولًا: أن التنكير في "خمسًا" يدل على التعظيم أي فهذه "خمس" عظيمة لا تكون إلا لعظيم، وليس هناك في البشر أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم رسوله العظيم، وثانيًا: أن التنكير هنا أيضًا يدل على العموم والشمول، فيدخلُ في الخمس غيرها مما اختص الله به نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، مما ورد في أحاديث أخرى، سواء دخل بعضها في مفهوم كل واحدة من الخمس مثل:"أعطيت مفاتيح الأرض، وجعلت أمتي خير الأمم"؛ فإنهما يدخلان في مفهوم الثانية في هذا الحديث، وهي:"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" وهكذا، أو دخل في مفهوم العموم بصفة عامة، لأن ذكر
الخمس لا يتعارض مع ما ذكر في أحاديث أخرى، لأن الأحاديث تكمل بعضها بعضًا، ولكل موقف ما يتلائم معه، والبلاغة تقتضي عدم جمعها في حديث واحد، حتى لا يقع النسيان بين العدد الكثير. ثالثًا: أن هذه الخمسة غير مقصودة ومحددة بذاتها، فهي لا تنفي ما ورد في أحاديث أخرى، ولا تتعارض معها، فقد وردت عشرة، وقيل غير ذلك إلى ستين، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} فكلما أوحى إليه بشيء ذكره في حديث وهكذا، وفي حديث أبي هريرة زاد خصلتين:"وأعطيت جوامع الكلم وختم بي النبيون"، وفي حديث آخر "جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأعطيت هذه الآيات من سورة البقرة عن كنز تحت العرش"، وعند أحمد "أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم"، وعند البزاز:"غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فما دونه، وكان شيطاني كافرًا فأعانني الله تعالى عليه فأسلم" وغيرها.
بلاغة التصوير الأدبي في قوله: "وجعلت لي الأرض مسجدًا طهورًا" تعود إلى صور بلاغية متنوعة، منها: إيثار بناء الأفعال للمجهول لا للمعلوم في كل الأفعال، مثل "جُعلَت"، أُعطِيتُ، لم يُعطَهن -نصرت - حلت- ولم تُحل، ويُبعَث وبُعثت
…
إلخ" فلم يأت لفظ الجلالة "الله" صريحًا، بل كان مضمرًا، وقام مقامه نائب الفاعل، فقال: "وجعلت لي الأرض" ولم يقل: "وجعل الله لي الأرض"؛ لأن المقام هنا مقام الفخر والعُجب بهذه الخصوصيات، التي اختص بها دون غيره، وحياء الرسول صلى الله عليه وسلم وأدبه وخلقه يمنعه، من أن يقع منه الفخر؛ مع ذكر لفظ الجلالة صريحًا وفي كل مرة، لذلك أكد نفي الفخر عنه صراحة في حديث آخر: "لا أقولهن فخرًا" لابن عباس رضي الله عنهما، ومنها: أسلوب القصر
والتأكيد في تقديم الجار والمجرور في قوله: "وجعلت لي الأرض" والأصل: وجعلت الأرض لي، لإفادة قصر ذلك على النبي وحده، فقد جعلت له الأرص خاصة من بين البشر، وأسلوب القصر يؤكد هذه الخصوصيات، ومنها: إفادة التخصيص بعد التعميم في قوله: "مسجدًا وطهورًا، فالتعبير "بالمسجد" نكرة يفيد شمول الأرض كلها بلا قيد ولا شرط، وهذا هو العموم، والتعبير "بالطهور" يفيد التقييد والتخصيص، فليس كل تراب الأرص صالحًا للتيمم، بل التراب الطاهر، وليس كل موقع في الأرض صالحًا للصلاة، بل الأرض الطاهرة التي يغلب على الظن بأنها طاهرة، إذن فالتخصيص هنا يقتضي تحقيق شروط وأركان الطهارة وصحة الصلاة.
التصوير الأدبي في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله: "فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" يعود إلى صور فنية بليغة منها: أسلوب الشرط والجزاء البليغ، الذي يقوم على التناسق الموسيقي المتوازن بين جملة الشرط، وهي:"أدركته الصلاة"، وبين جملة الجواب والجزاء في "فليصل"، وهذا النسق الموسيقي يشد الانتباه، ويثير المشاعر والوجدان؛ بالإضافة إلى ما يفيد من ترتب الجزاء على فعل الشرط، فيستحق المصلي الطائع سقوط الفريضة ومضاعفة الأجر عليها، وعبر بالرجل دون المرأة، لأنه مسئول عنها وقيّم عليها، يعلمها ما تعلم؛ فالزوج راع وهو مسئول عن رعيته، وكذلك بلاغة التعبير بإضافة الأمة إليه صلى الله عليه وسلم تشريفًا وتعظيمًا لها "أمتي" فهي خير أمة أخرجت للناس، والإضافة أيضًا تقتضي طاعة الله ورسوله فيما أمر ونهى، حتى ينالوا هذا الشرف العظيم، وبلاغة الأسلوب في قوله:"أدركته الصلاة" في نسبة الإدراك إلى الصلاة، ولم يقل:"أدرك المسلم الصلاة" لإفادة أن الصلاة وسائر التشريعات هي تلاحق المسلم الغفلان عن سعادته بين حين وآخر، وتسارع
بتوجيهه إلى إدراك الصلاة قبل فوات الأوان وحينئذ لا ينفع الندم، وهو ما يدل على عظمة التشريع الإسلامي وسماحته. وغاياته السامية من السعادة في الدنيا والآخرة، ذلك هو الفوز الكبير.
التصوير الأدبي الجميل في بلاغة الأسلوب، الذي يدل على عموم الفاعل في صيغة الفعل المبني للمجهول في قوله:"نصرت بالرعب، وجعلت لي الأرض وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وبعثت إلى الناس عامة" ليشمل الفاعل الحقيقي الخالق. وهو الله عز وجل، وهو المنعم بهذه الميزات على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو وحده المختص بها، وكذلك يشمل سبب الاستحقاق لها، وهو النبي صلى الله عليه وسلم بما قدم من عمل وفضل لا يقوى عليه أحد غيره، وما بذله من جهد وتحمل لا ينهض به أحد سواه، مع رحمته بأمته وحبه لهم، فلم يدع على أعدائه كالأنبياء السابقين بالتدمير العام، لأن لكل نبي دعوة على قومه الضالين، وغيرها من الفضائل التي تجعله سببًا لما اختص به من هذه المميزات والنعم، قال تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} وقال أيضًا: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} وقال أيضًا: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} .
التصوير الفني في بلاغة التعبير وروعته في قوله: "نصرت بالرعب" فلم يقل: نصرت بالسيف والسلاح ولا بالقتل والعنف والتنكيل، كما يدعي ذلك أعداء الإسلام بأن الإسلام انتشر بحد السيف والقتال، وإنما سبب الأسباب في نشره والانتصار على أعدائه يرجع إلى ضعف نفوسهم؛ وفساد عقيدتهم وسوء سلوكهم وأخلاقهم، فتمتلئ قلوبهم بالرعب والخوف من المؤمنين، أهل الحق والعدل والخير، وغيرها من الصفات، التي
تجعلهم أقوياء أعزة، لا يخشون أحدًا إلا الله، فيصاب العدو بالضعف والجبن والرعب، لا عند ملاقاة المسلمين في ساحة القتال فحسب، بل قبل ذلك بزمن بعيد، ومسافات طويلة يقطعها المسلمون سيرًا في شهر، لكي يتمكن الأعداء من مراجعة أنفسهم، ويعودوا إلى رشدهم، فيعلنوا إسلامهم، ويتمسكوا بتعاليم الإسلام، ويرجعوا عن الظلم والعدوان، حتى لا يتعرضوا للجهاد لرفع الظلم والعدوان والفساد، فما أعظم سماحة الإسلام في الأمن والسلام؟
التصوير الأدبي الرائع في بلاغة التعبير عن السماحة واليسر في قوله: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، فهو يدل على كمال الشريعة الإسلامية، التي تلاءمت مع نضج العقل البشري واكتماله، وفي قوله:"بعثت إلى الناس عامة" كذلك ترى الروعة والجمال في الصورة الفنية الأولى؛ لأنها كناية عن السماحة واليسر في تعاليم الإسلام، فلم تقتصر الطهارة للعبادة على الماء فحسب؛ بل تصح بالتيمم بضرب الأرض بكفين، يمس بها وجهه وذراعيه، فيرتفع عنه الحدث الأصغر والأكبر، ويصير طاهرًا عند الله وعند الناس، وكذلك الصلاة لا تقتصر على المساجد المبنية فحسب، كالشأن في غيرها فلا تصح الصلاة إلا فيها، بل سماحة الإسلام ويسره تجعل الصلاة مقبولة في جميع بقاع الأرض، كما في قوله:"فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل".
وكذلك تجد الروعة في الصورة الفنية في قوله: "وبعثت إلى الناس كافة" فهي كناية عن صلاحية الشريعة الإسلامية لجميع الناس، ولكل الأجيال والأزمان إلى قيام الساعة، لأن الإسلام اتفق مع طبيعة العقل البشري بعد نضوجه واكتماله، فقد بلغت النفس البشرية مبلغ الكمال في الوعي والعاطفة والوجدان، وتطابقت تعاليمُها مع مقتضيات حياته،
واتسعت لعقله ووجدانه، فلا تحتاج إلى تغيير من وقت لآخر، كالشأن في القوانين الوضعية، ولا تختص بجنس بشري دون آخر. كالشأن في رسالات المرسلين السابقين لأقوالهم، بل هي صالحة لكل الأجناس، وفي كل العصور إلى يوم القيامة، قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
1-
رد فرية انتشار الإسلام بالسيف والقتل؛ بأن الله ألقى الرعب والخوف في نفوس أعدائه، وبما توج به نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهيبة والنصر.
2-
عموم رسالة الإسلام للإنس والجن في مختلف البيئات والأزمان.
3-
ثبوت الشفاعة العظمى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
4-
فضل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء والرسل وفضل أمته على غيرهم من الأمم.
5-
صحة التيمم بتراب الأرض، التي تصح الصلاة عليها كالمساجد سواء بسواء، مما يدل على سماحة الإسلام ويسر تعاليمه.
6-
التمتع بالغنائم وصحة تملكها، فقد أحلها الله سبحانه للأمة الإسلامية بعد أن كانت محرمة عند الأمم السابقة.
7-
جواز التحدث بنعم الله عز وجل على عباده اعترافًا بفضله لا رياء وفخرًا أو تطاولًا: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} .
8-
بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.