الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: الإسلام والإيمان
الأعمال بالنيات:
أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
منزلة النية ومكانتها السامية من الأعمال:
منزلة النية من الأعمال والأقوال كمنزلة الروح والرأس من الجسد، فلا قيمة للأقوال والأعمال ولا ثواب عليها إلا إذا اقترنت بالنية، لتكون ابتغاء مرضاة الله عز وجل، كالشأن في الجسد يكون جثة هامدة، لا وزن له ولا حياة إلا بملازمة الروح له، فالروح هو حياة الجسد وحيويته وإنسانيته، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكد على أن النية ابتغاء وجه الله عز وجل هي الأساس في قبول الأعمال والإثابة عليهما، قال تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} ، {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} ، {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} ، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}
وغيرها: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} ، {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} لذلك كان هذا الحديث من جوامع الكلم. قال الإمامان الشافعي وابن حنبل: هذا الحديث ثلث الإسلام، ينتظم أركانًا ثلاثة، عمل الجنان وهو القلب، وقول اللسان، وفعل الجوارح.
التصوير الأدبي في الحديث:
لمكانة النية من الأقوال والأفعال في تعبير بلاغي، يفوق بلاغة العرب، حتى صار هذا الحديث الشريف من جوامع الكلم، يجمع ثلث شريعة الإسلام في ألفاظ قليلة، ومن الصور البليغة قوله:"إنما الأعمال بالنيات" أسلوب قصر يقصر قبول الأقوال والأعمال والإثابة عنها ونفع صاحبها على النية وحدها؛ فهي أساس القبول وحده، فلا ينجو صاحبها إلا بها، كما يتضمن أسلوب القصر دعم الحكم بالحجة والدليل لتأكيده ونفي ما سواه، لأن المراد: لا تقبل الأعمال إلا بالنية، كما يتضمن أسلوب القصر هنا التعريض بكل من لا يعمل عملًا لغير وجه الله، فهو غير مقبول، ومن بينهم مهاجر أم قيس الذي هاجر إلى المدينة للزواج منها كما نص الحديث على ذلك فمن كانت هجرته إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
ومن الصور الأدبية البليغة أيضًا قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" فهو أسلوب قصر تضمن المعاني البليغة السابقة، إلا أنه زاد عليها بلاغة وقوة، جاءت من التكرار بصورة أخرى لتؤكد المعاني السابقة، وفي التكرار تأكيد وتقوية لما يهدف إليه الحديث الشريف، وفيه أيضًا ذلك التناسُق الموسيقي والإيقاعُ المتوازن في التصوير مما يثير الانتباه، ويوقظ الحسن والوجدان، ويحرك المشاعر، فتتفتح لقبوله منافذ الإدراك المختلفة في النفس، فتستقر فيها، وتزداد تصديقًا وإيمانًا بقيمها السامية.
ومن الصور البليغة أيضًا التعبير "بما الموصولة" في قوله: "ما نوى" لإفادة العموم والشمول لكل ما ينويه الإنسان من الخير أو الشر، قولًا أو فعلًا أو عملًا أو تقريرًا وغير ذلك، فالإنسان محاسب على كل ما يصدر عنه صغيرًا كان أو كبيرًا، مصداقًا لقوله تعالى:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} وقوله تعالى: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} .
ومن الصور الأدبية البليغة أيضًا، ما يفيد الإيضاح بعد الإبهام، ليزداد المراد من القيم السامية في الحديث الشريف تأكيدًا، وحثًّا على اتباعه وحرصًا على تنفيذه، وجاء الإبهام في قوله:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ثم وضح الحديث الشريف هذا الإبهام والإجمال بالتفصيل في قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" والمراد بالهجرة ليس الانتقال من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة فحسب، بل تشمل الهجرة من المعاصي والفواحش والمفاسد إلى الطاعات والطيبات والصالحات، وفي ذلك يرتقي التصوير البلاغي فيجعل من يهجر المعاصي إلى الطاعات، مثل من هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في الثواب والأجر سواء بسواء، لأن هذا هو الجهاد الأكبر الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع من غزوة في سبيل الله، فقال:"هو جهاد النفس بالهجرة من المعاصي إلى الطاعات".
ومن الصور الأدبية البليغة تكرار لفظ الجلالة ولفظ الرسول وإظهارهما، وكان يغني عنها الضمير الذي يعود على ما سبق، لتعظيم الهجرة وتعظيم المهاجر إليه وهو الله ورسوله في قوله: "فهجرته إلى الله
ورسوله"، بينما لم يكرر الاسم الظاهر في الهجرة إلى الدنيا أو المرأة ولم يظهرها، بل اكتفى بالضمير العائد عليها في قولها: "فهجرته إلى ما هاجر إليه"، للتحقير والتهوين من شأن هذه الهجرة، لأنها في غير ابتغاء وجه الله عز وجل وفي غير مرضاته، وكذلك مع الدنيا، لذلك قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما تركت من بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء".
القيم التشريعية والأخلاقية في الحديث الشريف:
1-
لا ثواب في القول والعمل إلا بالنية والإخلاص فيها، أما الغافل والناسي والمخطئ لا يحاسب على النية، كما أن الأفعال العادية لا تحتاج إلى نية كالجلوس والقيام والمشي في ذاته إلا إذا اقترن بما أمر الله تعالى به أو نهى عنه.
2-
ما يتصل بالقلب والعاطفة والمشاعر لا يحتاج إلى نية كالخشية والخوف والتوبة والتصديق والمحبة وما أشبه ذلك.
3-
معرفة الحكم وشروط الصحة في العبادة قبل التطبيق والعمل؛ لأن صحة العبادة تترتب على النية، فإذا انقطعت النية أثناء العبادة بطلت.
4-
سجود التلاوة يحتاج إلى نية عند الجمهور لأنه عبادة.
5-
يدخل في مفهوم الهجرة التاريخية الهجرة من المعاصي والمحرمات إلى الطاعات وأعمال الخيرات والسعي على المعيشة ليعف النفس عن السؤال، وتقوى على فعل الطاعات.
6-
بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.