الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحج مرة واحدة:
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا"، فقال رجل: أَكُل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها: ثلاثًا، ثم قال صلى الله عليه وسلم:"لو قلت: نعم، لو جبت، ولما استطعتم"، ثم قال:"ذروني ما تركتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".
روعة التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن فريضة الحج بالعناصر البلاغية التي لا تدع مجالًا للإنكار أو التردد؛ ليكون الحكم قاطعًا والأمر حاسمًا، وذلك في قوله:"إن الله كتب عليكم الحج فحجوا"؛ فأكد الفرضية "بإن" المشددة المؤكدة، وبذكر لفظ الجلالة على سبيل القصر والتأكيد، مقدمًا الجار والمجرور:"عليكم" على المفعول به: "الحج"، بمعنى قصر كتابة الحج وفرضيته على عباده على سبيل الوجوب، وأكد الفرضية بلفظ الفعل الماضي، على سبيل الجزم واليقين والتحقيق، متأثرًا ببلاغة القرآن الكريم في تصوير فريضة الصوم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، وكذلك وجوب الكتابة في آية الدين:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} ثم أكد الفرضية بصورتين بليغتين، الأولى: جاءت في حرف "الفاء" التي تدل على الترتيب والتعقيب، فهي لا تعطي فرصة للتأخير أو التردد، بل سرعة التنفيذ على سبيل الإنجاز والسرعة، والثانية في التعبير بفعل الأمر "حجوا" الذي يدل على الإلزام والقطع بلا تردد أو مراجعة.
التصوير الفني في بلاغة التعبير في الرد على سؤال الرجل حين قال: أكل عام يا رسول الله؟ فكانت الإجابة دقيقة وعميقة، لا تتعارض مع أمر الله عز وجل بوجوب فريضة الحج مرة واحدة في العمر، كما في قوله تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} وذلك في صور فنية متنوعة، فالصورة الأولى ليست تعبيرًا ولا كلامًا بل سكونًا وصمتًا، على الرغم من إعادة السؤال ثلاث مرات، فقد أجمع علماء البلاغة على أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام حسب المقام، والصمت هنا يدل على إنكار السؤال وعدم الرضا عنه، والصورة الثانية في بلاغة التعبير في قوله:"لو قلت: نعم"، التي تدل على تعليق الامتناع على ممنوع، وللإشارة إلى أن "لو" تفتح باب الشيطان؛ فيجب علينا أن نغلق منافذه بعدم استعمالها، والصورة الثالثة في قوله:"لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم"؛ فأصحبت الفريضة متكررة، مما لا يطيقه المكلف كل عام كما في الحديث الشريف عن ابن عباس رضي الله عنهما:"يا أيها الناس كتب عليكم الحج" فقام الأقرع بن جابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: "لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع" رواه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم، ويدل منطوقها على صورة أخرى يوحي بها المفهوم بمعنى "لو قلت: لا" لأدى ذلك إلى حرمان المستطيع من ثواب التطوع بالحج، فقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على متابعة الحج والعمرة كما في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة جزاء إلا الجنة".
روعة التصوير الأدبي في بلاغة النهي عن كثرة السؤال والتشدد والتنطع كما في الحديث الشريف: "إن الدين يسر، فلن يشاد الدين أحد
إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" وفي آخر:"هلك المتنطعون"، وذلك في صور بليغة؛ فبلاغة الصورة الأولى في إيجازها وعمق معانيها وسمو قيمها في قوله:"ذروي ما تركتم"، تحث الناس على عدم إثارة الأسئلة والتنطع فيه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} ، وعليهم أن يذروه مع ربه ما دام الوحي لم ينزل بشيء، حتى لا ينزل بأمر لا يطيقونه.
والصورة البليغة الثانية تصور أسباب التشدد في الديانات للرسل السابقين، مثل تشدد اليهود مع موسى عليه السلام في ذبح البقرة، حتى عزت عليهم فقال:"إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" والصورة الثالثة تعبر عن تعليم الصحابة رضي الله عنهم الأسلوب الأمثل في تعلم الشريعة في قوله: "فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"؛ فعبر بإذا مرتين عن ذلك، لإفادة الجزم واليقين، وعن طريق الأمر والنهي من قبل الله عز وجل ورسوله، لا عن طريق كثرة السؤال والاختلاف، بل عن طريق أداء هذه الأوامر على قدر استطاعتهم، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وعن طريق النهي عنها، فيتركونه بلا مناقشة أو تأويل أو جدال، فربما يؤدي ذلك إلى نزول وحي قد يضعف التكليف فوق طاقتهم.
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
1-
بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي للقيم الخلقية والتشريعية في هذا الحديث الشريف نذكر ما يلي:
2-
كتب الله عز وجل على المسلمين فريضة الحج ركنًا من أركان الإسلام مرة واحدة في العمر.
3-
كراهية الرسول صلى الله عليه وسلم للسؤال عن أمر لم يذكره، بل يجب عدم إثارة الأسئلة بلا داع، ويلتزم بما أمر الله تعالى ورسوله.
4-
كراهة كثرة السؤال فيما لم يذكر قبل ذلك.
5-
رحمة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته والتخفيف عليهم والتيسير لهم.
6-
اتباع ما أمر به علي قدر الطاقة واجتناب ما نهى عنه على سبيل الجزم.