الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حسن المعاملة في الإسلام:
روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يرحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى، وإذا قضى".
السماحة في حسن المعاملة: في هذا الحديث الشريف تظهر سماحة الإسلام، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يدعو ربه مبتهلًا إليه، أن يرحم المؤمن السمح في كل معاملاته فيحسن المعاملة في البيع والشراء، كما يحسن المعاملة في قضاء الدين، الذي عليه بالحسنى، واقتضاء الدين الذي يكون له عند الآخرين، فيمهله حتى يستطيع رده، أو يتنازل عنه؛ فيتصدق عليه لإعساره، بل هذا خير له، قال تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وفي الحديث الشريف: "من أنظر معسرًا أو وضع له أظله الله في ظل عرشه، ومن سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع له" وأخذ يصور مواطن السماحة في حسن المعاملة تصويرًا أدبيًا في تعبير بلاغي نبوي شريف.
التصوير الأدبي في بلاغة الرسول للتعامل بالحسنى مع الناس:
أولًا: عبر عن السماحة في صورة بلاغية تتضمن الدعاء منه صلى الله عليه وسلم لمن يتعامل بها، ودعاؤه مستجاب في كل الأحوال، فيرحمه الله تعالى في
الدنيا والآخرة، لأن السماحة سخاء في النفس وكرم في الخلق، ولين في الطبع، تربي المسلم على حسن المعاملة.
ثانيًا: صور النبي صلى الله عليه وسلم من يستحق الرحمة من الله عز وجل في تعبير بلاغي فريد، حين جعل السماحة هي الرجل نفسه، والرجل هو السماحة نفسها، لا فرق بينهما فقال:"يرحم الله رجلًا سمحًا"، كما نقول للقاضي: العدل، أي: أنه العدل نفسه، فكلاهما سواء.
ثالثًا: عرض النبي صلى الله عليه وسلم السماحة في البيع في صورة أدبية بلاغية عميقة، تتناول الأخلاق السامية في المعاملة، وتعتمد على القيم النبيلة في التجارة، وفي رعايتها صلاح حال الأفراد والمجتمع لضرورة تبادل المنافع بين الناس بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، فلا يبالغ البائع في الربح، بل يقنع باليسير منه، فيكثر الإقبال عليه، وتروج تجارته، ويتحقق له الغنى والثراء، أما الذين يبالغون في الربح من أهل الفظاظة لا السماحة، ينفرون الناس من التعامل معهم، فتبور تجارتهم، وتكسد ساحتهم، وينتهون إلى الإفلاس فيحل عليهم الغضب لا الرحمة.
ومن السماحة في البيع أن يحدد ثمن بضاعته، حتى لا يتعرض لكثرة المساومة والحلف لترويج سلعته، وقد ذم القرآن الكريم الذين يروجون سلعتهم بالأيمان الغموس، ويشترونها بالحلف الكاذب، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم التاجر الصادق فقال: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء"، وتقتضي السماحة من البائع عدم الغش أو البخس في الكيل والميزان، مما يتنافى مع المروءة فذلك عين الكذب، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من غشنا فليس منا".
رابعًا: عرض النبي صلى الله عليه وسلم السماحة في الشراء بصورة أدبية بليغة على سبيل التحقيق، حين عبر بإذا، التي تفيد الحقيقة لا الشك أو التردد أو الكذب، كما تفيد السماحة في الشراء على سبيل الحقيقة في وقوع فعل الشراء في الماضي، الذي يدل على تحقق الوقوع، أي لا بد منه، فقال:"سمحًا إذا اشترى"، فيكون سهل المساومة في شرائه، سمحًا في تقويم البضاعة والسلعة فلا يبخس قيمتها، ولا يعمل على تطفيف الميزان والكيل وزيادته، فإن ذلك سحت، وأكل الأموال بالباطل، قال تعالى:{وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ، وقال تعالى:{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} .
خامسًا: عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن السماحة في اقتضاء الدين وقضائه؛ في صورة أدبية بليغة في قوله: "سمحًا إذا اقتضى وإذا قضى" فعبر أيضًا بإذا وبالفعل الماضي على سبيل التحقيق في الوقوع والتنفيذ، فيكون الدائن "سمحًا" في قضاء حقه، يطلب دينه في لين لا في فظاظة وغلظة، ولا خصومة وشدة، بل دعاه أن يتخلى عن الدين، لإ عسار المدين وجعل ذلك من زكاة ماله من سهم الغارمين مصداقًا لقوله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} وأما السماحة في قضاء الدين؛ فعلى المدين أن يبرّ بوعده في رده في الموعد المحدد، إذا كان قادرًا وحيث لا يضطر إلى أسلوب المماطلة فهي ظلم يخل بالمروءة والسماحة، قال صلى الله عليه وسلم:"مطل الغني ظلم"، وقال أيضًا:"أعطوه دينه أعطوه إن خيركم أحسنكم قضاء" ورفع في منزلة السخي فقال: "السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد عن النار".
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
1-
من خصائص الإسلام السماحة والتسامح، والرقة واللطف واللين، فليس فظًا ولا غليظًا ولا عنيفًا ولا إرهابيًا، ولا متشددًا ولا عسيرًا، ولا معقدًا ولا متعنتًا.
2-
يحث الإسلام على السماحة في البيع والشراء بلا جدال ولا قسم ولا حلف ولا غبن ولا غش، ولا تطفيف في الكيل والميزان، ولا مبالغة في الثمن ولا في الربح.
3-
حث الإسلام على السماحة في اقتضاء الدين أو الحصول عليه من المدين فلا تكلفه ما لا يطيق، بل يمهله، حتى يستطيع قضاءه، أو يتصدق عليه به من سهم الغارمين، دون أن يشعره بالإهانة أو الإذلال؛ لأن هذا حق للسائل والمحروم على الغني.
4-
حث الإسلام على السماحة في قضاء الدين لصاحبه؛ فيعطيه إياه في موعده، ولا يماطل فيه إذا كان قادرًا على أدائه، بل يتبعه بالشكر والتقدير والعرفان بالجميل، حتى يشجعه على أن يتعاون مع غيره بسد حاجته، وقرضه ما يحتاج إليه {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .
5-
من اتصف بالسماحة في هذه الأمور، استحق الدعاء له من الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعاؤه مستجاب، فلا يصح أن يحرم الإنسان نفسه من رحمة الله تعالى ورضوانه.