الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوقوف بعرفة:
أخرج ابن حبان وابن خزيمة والبزاز ويعلى عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة" فقال رجل: هن أفضل من عدتهن جهادًا في سبيل الله؟ قال: "هن أفضل من عدتهن جهادًا في سبيل الله، وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثًا غبرًا ضاحين، جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم ير أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة".
بلاغة التعبير بالأفضلية في الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة"، بما فيها يوم عرفة، فهي عند الله من الجهاد في سبيل الله لأنها من أفضل أيام السنة، وبلغ التصوير الفني قمته حين اقتصرت على المفاضلة بين أيام السنة لا بين شهورها، لأن رمضان أفضل شهورها على الإطلاق، ثم ما أروع التقييد بالتنصيص على لفظ الجلالة "عند الله" الكريم ذي الفضل العظيم، والله لا يخلف الميعاد، ثم تأكدت الأفضلية بتفضيل يوم عرفة على بقية العشر، في صور بلاغية أخرى في قوله:"وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة" لأن من فاته
الوقوف بعرفة في اليوم التاسع وليلة العاشر؛ فقد فاته الحج، للأحاديث الشريفة:"الحج عرفة"، "من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك" ووضح الحديث الشريف أسباب الأفضلية:"ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاءوني شعثًا غبرًا ضاحين، جاءوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عذابي فلم ير أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة".
بلاغة التصوير الفني في التعبير عن مباهاة الله بالحجيج في يوم عرفة بصورة فنية بلغت القمة في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف، فعبر عن قرب الله عز وجل، وسرعة استجابته لهم، وقبول مناسك الحج ومشاعره، مع أنه موجود في كل الوجود، بنزوله إلى السماء الدنيا؛ فيباهي بهم الملائكة وغيرهم من العوالم الأخرى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} معجبًا بعباده وهو يقول:"انظروا إلى عبادي" بإضافة عبوديتهم إليه، وهو أعظم تشريف للحجيج فقد رضي عنهم، وكذلك بلاغة التصوير الفني بالكناية عن اشتغالهم بمشاعر الحج صادقين في إتقان مناسكهم مخلصين، غير مهتمين بمظاهر الحياة والتفاخر بمتاع الحياة الدنيا، حتى طالت شعورهم وأظافرهم، واغبرت بالتراب والعرق أبدانهم وملابس إحرامهم، فلا يؤبه لهم وقد ضحوا في ذلك بأوطانهم وأهليهم وأصدقائهم، ومضحين بدماء النسك، وذبائح الهدي والأضحية كما في الحديث الشريف:"جاءوني شعثًا غبرًا ضاحين"، وكذلك بلاغة التصوير لقدوم الحجيج من كل حدب وصوب على سبيل الكناية المعجزة، التي اقتبسها النبي صلى الله عليه وسلم من التصوير القرآني المعجز في سورة الحج:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} ، وليس من كل فج بعيد، لأن العمق يدل على كروية الأرض حيث تكون
الكعبة في وسط الأرض وأعلاها وهي القمة، وما حولها من جميع الجهات دونها ومنخفض عنها في عمق رأسي، لا بعد أفقي، ويظهر انسجام بلاغته مع بلاغة القرآن، واتساقه مع فطرته التي فطره الله عليها، فحينما تعجب الصحابة من بلاغته فرد عليهم قائلًا:"وما يمنعني، وإنما أنزل القرآن علي بلسان عربي مبين".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن شدة عقاب الله عز وجل وشدة عذابه، مع تقديم رحمته التي وسعت كل شيء، في قوله صلى الله عليه وسلم:"يرجون رحمتي ولم يروا عذابي"، فقدم الرحمة على العذاب، مما جعل الحجيج يستحقون المغفرة والرضوان من الله عز وجل، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات وقد كادت الشمس أن تثوب، فقال:"يا بلال أنصت لي الناس"، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنصت الناس فقال:"يا معشر الناس أتاني جبريل عليه السلام آنفًا، فأقرأني من ربي السلام وقال: إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر الحرام، وضمن عنهم التبعات"، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، هذه لنا خاصة؟ قال:"هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة"، فقال عمر رضي الله عنه: كثر خير الله وطاب.
وعبر مع الرحمة بالرجاء، وهو حاصل ومتوقع من الرحمن الرحيم وسعت رحمته كل شيء، وعبر مع العذاب بعدم الرؤية "ولم يروا عذابي" للدلالة على رفع العذاب عن الحجيج، وأن الله لا يرضى لعباده الكفر ولا العذاب، فهو منفي عنهم "بلم" الجازمة، وأن المغفرة والرحمة وجبت لهم كما ورد في الأحاديث الشريفة:"والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"، "ما رئي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة".