الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بأنه ليس كل اختلاف في تفسير آية أو حديث يقتضي الإجمال في ذلك، فقد يكون اختلاف تنوع أو اختلافا في التعبير، وما ذكر في تفسير الآية من الأقوال بعضه من الاختلاف في التعبير، وبعضه من اختلاف التنوع فلا يوجب إجمالا في الآية، وعلى هذا يكون الاستدلال بالآية قائما. ومعنى جهل ابن العربي للميسر عدم معرفته باللعب به عمليا لقوله:"ما كنا نشتغل به بعد أن حرمه الله " لا عدم معرفته بتفسيره وبيان معناه لغة وشرعا.
د -
قالوا التأمين يتضمن ربا النساء والفضل وكل منهما ممنوع
.
وبيانه أن ما تدفعه شركة التأمين للمستأمن أو لورثته عند حصول الخطر المحدد في العقد له ثلاث حالات: إما أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه المستأمن، أو يكون مساويا له وفي كل ذلك يكون دفع الشركة لصاحب الحق واقعا بعد دفعه أقساط التأمين بفترة هي في الحقيقة مجهولة النهاية عند العقد، فهو ربا فضل من جهة ما إذا دفعت الشركة للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه لها، ونسيئة بالنظر إلى أن وقت الدفع مؤجل، فهو في الحقيقة بيع دراهم بدراهم مثلا إلى أجل، فتبين أن في حالة التساوي يكون فيه ربا النساء، وفي حالة الزيادة يكون فيه ربا الفضل والنساء، وكل منهما محرم بانفراده فكيف إذا اجتمعا. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى شركات التأمين تستثمر احتياطي أموالها بطريق الربا، وأن المستأمن في التأمين على الحياة إذا بقي حيا بعد انقضاء المدة المحددة بالعقد يسترد الأقساط التي دفعها مع فائدة التأمين، وهذا محرم شرعا (1)
(1) أسبوع الفقه الإسلامي 406 - 420. وعقد التأمين 51، 52
وأجاب الأستاذ الزرقاء عن ذلك قائلا: إننا إنما نتكلم في التأمين من حيث هو نظام قانوني، ولا نتكلم فيما تقوم به الشركات من أعمال وعقود أخرى مشروعة أو ممنوعة، كما أن أخذ المستأمن في التأمين على الحياة فائدة ربوية علاوة على مبلغ الأقساط التي يستفيدها إذا ظل حيا بعد المدة في العقد، ليس من ضرورة التأمين على الحياة ولوازمه من حيث كونه نظاما تأمينيا، بل هذا شرط يشرط في العقد يمكن الحكم عليه وحده دون الحكم على نظام التأمين في ذاته، وهنا يجب الانتباه إلى نقطة عظيمة الأهمية في هذا البحث وهي أننا إذا وجدنا أن قواعد الشريعة ونصوصها لا تقتضي منع التأمين، فإنما نحكم بصحته من حيث كونه نظاما يؤدي بمقتضى فكرته الأصلية وطريقته الفنية إلى مصلحة مشروعة، ولا نحكم شرعا بصحة كل شرط يشرطه العاقدان فيه ربا ولو سوغه القانون.
وحكمنا بالمشروعية على النظام في ذاته ليس معناه إقرار جميع الأساليب التعاملية والاقتصادية التي تلجأ إليها شركات التأمين، ولا إقرار جميع ما يتعارف بعض الناس في بعض الدول أو الأماكن من التأمين فيه، بل إن نظام التأمين في ذاته إذا كان صحيحا شرعا فإن كل شرط يشرطه في عقده بعد ذلك وكل أسلوب تتعامل به شركات التأمين هو أمر منفصل عن الحكم بصحة النظام في ذاته، وخاضع لمقاييس الشريعة في الشروط العقدية والمحل العقدي، فقد يحكم على عقد التأمين بعدم صحة شرط غير مقبول شرعا ورد فيه كما أباحت الشريعة البيع والإجارة وسائر العقود المشروعة في ذاتها، وفي الوقت نفسه يمنع فيها بعض شروط يشرطها العاقدان منافية لقواعد الشريعة، وقد تبطل الشروط هذه العقود، وليس معنى ذلك أن العقد في ذاته غير مشروع، ففي بعض الدول اليوم تقوم شركات التأمين على تأمين الأشخاص المرشحين للانتخابات العامة من فشلهم في تلك الانتخابات للكراسي النيابية أو البلدية ونحوها، وقواعد الشريعة
تأبى مثل هذا الموضوع وليس من ضرورة قبول نظام التأمين شرعا قبول مثل هذه الحالات (1).
وجواب آخر: على أي أساس يبنى هذا الاعتراض؟ الواقع من الأمر أن قسط التأمين على الحياة يتكون من جزئين:
1 -
جزء يغطي الضرر المادي الذي يقع على الورثة عند وفاة عائلهم، وهذا الجزء أو هذا النوع من التغطية صورة طبق الأصل لما سبق شرحه من أنواع التأمين الأخرى - أي أنه للتعاون بين الأعضاء وهو مباح كما سبق لنا القول.
2 -
والجزء الثاني يدخر ويتجمع باستمرار مدة العقد لكي يسلم للعضو إذا كان على قيد الحياة في آخر مدة التعاقد، فإذا لم يستمر هذا الجزء، وهو ممكن طبعا ورأينا حبسه في الخزائن حتى يحين موعد تسليمه، فإن عملية التأمين تصبح عملية ادخار محض مضافا إليها عملية تعاون، وأعتقد أنه لا اعتراض مطلقا لأحد على ذلك؛ لأنه ليس هناك استثمار أو فائدة أو ربا أو شبه الربا، وبذلك يكون العقد على هذه الصورة مباحا وحلالا. انتهى المقصود (2).
ويمكن أن يناقش جواب الأستاذ مصطفى الزرقا بما يأتي:
أولا - أنه تسليم بتحريم عقود التأمين التي اشترط فيها الربا.
ثانيا - أنه على تقدير الدخول على إسقاط شرط نسبة ربوية على مبلغ التأمين لا يمكن التخلص مما في التأمين من ربا النساء في أي حال، ولا من ربا الفضل عند تفاوت العوضين؛ لأن تأجيل مبلغ التأمين أو عوض الخطر أصيل في التعاقد، وتماثل العوضين مشكوك فيه للجهالة بما يئول
(1) رجل التأمين 297 وما بعدها.
(2)
أسبوع الفقه الإسلامي، 406.