الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيرَةِ} أَيْ فِي وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَضَعُ ثِيَابَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَعَ أَهْلِهِ، {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} ، لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ فَيُؤْمَرُ الْخَدَمُ وَالْأَطْفَالُ أن لا يَهْجُمُوا عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، لِمَا يُخْشَى مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَلَى أهله أو نحو ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَلِهَذَا قَالَ:{ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} أَيْ إِذَا دَخَلُوا فِي حَالٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي تَمْكِينِكُمْ إِيَّاهُمْ، وَلَا عَلَيْهِمْ إِنْ رَأَوْا شَيْئًا فِي غَيْرِ تلك الأحوال، وَلِأَنَّهُمْ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ أَيْ فِي الْخِدْمَةِ وَغَيْرِ ذلك، ولهذا روى أهل السنن أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ في الهرة:«إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم - أو الطوفات -» . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ سَأَلَاهُ عَنِ الاستئذان في ثلاث عَوْرَاتٍ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ يُحِبُّ السَّتْرَ، كَانَ النَّاسُ لَيْسَ لَهُمْ سُتُورٌ عَلَى أَبْوَابِهِمْ، وَلَا حِجَالٌ فِي بُيُوتِهِمْ، فَرُبَّمَا فَاجَأَ الرَّجُلَ خَادِمُهُ أَوْ وَلَدُهُ أَوْ يَتِيمُهُ فِي حِجْرِهِ وَهُوَ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ؛ ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بَعْدُ بِالسُّتُورِ، فَبَسَطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ فَاتَّخَذُوا السُّتُورَ وَاتَّخَذُوا الْحِجَالَ، فَرَأَى النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَفَاهُمْ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ الذي أمروا به (أخرجه ابن أبي حاتم وإسناده صحيح إلى ابن عباس كما قال ابن كثير) وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ أُنَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم يُحِبُّونَ أَنَّ يُوَاقِعُوا نِسَاءَهُمْ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ لِيَغْتَسِلُوا ثُمَّ يَخْرُجُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: بَلَغَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ رجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ وَامْرَأَتَهُ أَسْمَاءَ بِنْتَ مرثد صَنَعَا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم طَعَامًا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ بِغَيْرِ إِذَنٍ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقْبَحَ هَذَا، إِنَّهُ لَيَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَزَوجِهَا وَهُمَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ غُلَامُهُمَا بِغَيْرِ إِذَنٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيمانكم} إلى آخرها؛ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَمْ تُنْسَخْ قَوْلُهُ: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يَعْنِي إِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ إِنَّمَا كَانُوا يَسْتَأْذِنُونَ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ إِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَى كل حال، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ.
قَالَ الأوزاعي: إِذَا كَانَ الْغُلَامُ رَبَاعِيًّا فَإِنَّهُ يَسْتَأْذِنُ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ عَلَى أَبَوَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ فليستأذن على كل حال، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ:{كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يَعْنِي كَمَا اسْتَأْذَنَ الْكِبَارُ مِنْ وَلَدِ الرجل وأقاربه، وقوله:{والقواعد مِنَ النسآء} هُنَّ اللَّوَاتِي انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الْحَيْضُ وَيَئِسْنَ مِنَ الْوَلَدِ {اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً} أَيْ لَمْ يبق لهن تشوف إلى التزوج، {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} أي ليس عليهن من الحجر في التستر كما على غيرهن مِنَ النساء، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ:{فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} قَالَ: الْجِلْبَابُ أَوِ الرداء، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: تَضَعُ الْجِلْبَابَ وَتَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ، وَقَالَ سَعِيدُ بن جبير في الآية {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} يَقُولُ: لَا يَتَبَرَّجْنَ بِوَضْعِ الجلباب ليرى ما عليهن من الزينة. عَنْ أُمِّ الضِّيَاءِ أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عائشة رضي الله عنها فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَقُولِينَ فِي الْخِضَابِ وَالنِّفَاضِ وَالصِّبَاغِ وَالْقُرْطَيْنِ وَالْخَلْخَالِ وَخَاتَمِ الذَّهَبِ وَثِيَابِ الرِّقَاقِ؟ فَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ قِصَّتُكُنَّ كُلُّهُا وَاحِدَةٌ، أَحَلَّ اللَّهُ لَكُنَّ الزِّينَةَ غَيْرَ متبرجات (أخرجه ابن أبي حاتم) أَيْ لَا يَحِلُّ لَكُنَّ أَنْ يَرَوْا مِنْكُنَّ محرماً. وَقَوْلُهُ:{وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} أَيْ وَتَرْكُ وَضْعِهِنَّ لِثِيَابِهِنَّ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، خَيْرٌ وَأَفْضَلُ لَهُنَّ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
- 61 - لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ رحمهم الله فِي الْمَعْنَى الَّذِي رَفَعَ لأجله الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض ههنا، فقال عطاء بن أسلم: يقال أنها نزلت في الجهاد، وجعلوا هذه الآية ههنا كَالَّتِي فِي سُورَةِ الْفَتْحِ وَتِلْكَ فِي الْجِهَادِ لَا مَحَالَةَ، أَيْ أَنَّهُمْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ لِضَعْفِهِمْ وَعَجْزِهِمْ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ:{لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقيل: المراد ههنا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الْأَكْلِ مَعَ الْأَعْمَى لِأَنَّهُ لَا يَرَى الطَّعَامَ وَمَا فِيهِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَرُبَّمَا سَبَقَهُ غَيْرُهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا مَعَ الْأَعْرَجِ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْجُلُوسِ فَيَفْتَاتُ عَلَيْهِ جَلِيسُهُ، وَالْمَرِيضُ لَا يَسْتَوْفِي مِنَ الطَّعَامِ كَغَيْرِهِ، فَكَرِهُوا أَنْ يُؤَاكِلُوهُمْ لِئَلَّا يَظْلِمُوهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ رُخْصَةً فِي ذَلِكَ (وهذا قول سعيد بن جبير وغيره)؛ وقال الضحاك: كانوا قبل البعثة يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذراً وتعززاً وَلِئَلَّا يَتَفَضَّلُوا عَلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ السُّدَّيُّ: كَانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ بَيْتَ أَبِيهِ أو أخيه أو ابنه فتتحفه المرأة بشيء مِنَ الطَّعَامِ، فَلَا يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَبَّ الْبَيْتِ لَيْسَ ثَمَّ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ} الآية. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} إنما ذكر هذا وهذا معلوم ليعطف عليه غيره في اللفظ، وليساوي به مَا بَعْدَهُ فِي الْحُكْمِ، وَتَضَمَّنَ هَذَا بُيُوتَ الْأَبْنَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِهَذَا مِنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَالَ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ مَالِ أَبِيهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«أَنْتَ ومالك لأبيك» (هذا جزء من حديث أخرجه أحمد وأصحاب السنن).
وقوله تعالى: {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} هَذَا ظَاهِرٌ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يُوجِبُ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ بعضهم على بعض، كما هو مذهب أَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا، وَأَمَا قَوْلُهُ:{أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيٍر والسُّدِّيُّ: هُوَ خَادِمُ الرَّجُلِ مِنْ عَبْدٍ وَقَهْرَمَانٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا اسْتَوْدَعَهُ مِنَ الطَّعَامِ بِالْمَعْرُوفِ. وقال الزهري عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ المسلمون يذهبون مع النَّفِيرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَدْفَعُونَ مُفَاتِحَهُمْ إِلَى ضُمَنَائِهِمْ، وَيَقُولُونَ: قَدْ أَحْلَلْنَا لَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مَا احْتَجْتُمْ إِلَيْهِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ، إِنَّهُمْ أَذِنُوا لَنَا عَنْ غَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا نَحْنُ أُمَنَاءُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ:{أَوَ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} ، وَقَوْلُهُ:{أَوْ صَدِيقِكُمْ} أَيْ بُيُوتِ أَصْدِقَائِكُمْ وَأَصْحَابِكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي الْأَكْلِ مِنْهَا إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَلَا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا دَخَلْتَ بَيْتَ صَدِيقِكَ فَلَا بَأْسَ
أَنْ تَأْكُلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَقَوْلُهُ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} ، قَالَ ابن عباس: وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ، قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ وَالطَّعَامُ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَكَفَّ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ، فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ - إلى
قوله - أَوْ صَدِيقِكُمْ}، وكانوا أيضاً يتأنفون وَيَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ الطَّعَامَ وَحْدَهُ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} ، وقال قتادة: كان هَذَا الْحَيُّ مِنْ (بَنِي كِنَانَةَ) يَرَى أَحَدُهُمْ أَنَّ مَخْزَاةً عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ فِي الجاهلية، حتى إن الرَّجُلُ لَيَسُوقُ الذُّودَ الْحُفَّلَ وَهُوَ جَائِعٌ حَتَّى يَجِدَ مَنْ يُؤَاكِلُهُ وَيُشَارِبُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} فَهَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ وَمَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل، كما روي أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إنا نأكل ولا نشبع، قال:«لعلكم تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ، اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ الله يبارك لكم فيه» (أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه). وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مع الجماعة» (أخرجه ابن ماجه عن عمر مرفوعاً).
وقوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ} يعني فليسلم بعضكم على بعض، وقال جابر بن عبد الله إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ تَحِيَّةً من عند الله طيبة مبارمة، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ إِذَا خَرَجْتُ ثُمَّ دَخَلْتُ أَنْ أُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: لا، ولا أوثر وُجُوبَهُ عَنْ أَحَدٍ، وَلَكِنْ هُوَ أَحَبُّ إليَّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا دَخَلْتَ بَيْتًا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ، وحُدِّثْنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ ترد عليه، وقال أنس بن مالك: أَوْصَانِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِخَمْسِ خِصَالٍ، قَالَ:«يَا أَنَسُ أَسْبِغِ الْوُضُوءَ يُزَدْ فِي عُمْرِكَ، وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ لَقِيَكَ مِنْ أُمَّتِي تَكْثُرْ حَسَنَاتُكَ، وَإِذَا دَخَلْتَ - يَعْنِي بَيْتَكَ - فسلم على أهلك يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْتِكَ، وَصَلِّ صَلَاةَ الضُّحَى فَإِنَّهَا صَلَاةُ الأوَّابين قَبْلَكَ، يَا أَنَسُ ارْحَمِ الصَّغِيرَ، وَوُقِّرِ الْكَبِيرَ تَكُنْ مِنْ رُفَقَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (أخرجه الحافظ البزار عن أنس مرفوعاً). وَقَوْلُهُ: {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أَخَذْتُ التَّشَهُّدَ إِلَّا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ:{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} فَالتَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لله، وَقَوْلُهُ:{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لما ذكر تعالى ما في هذه السور الْكَرِيمَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُحْكَمَةِ وَالشَّرَائِعِ الْمُتْقَنَةِ الْمُبْرَمَةِ؛ نبه تعالى عباده عَلَى أَنَّهُ يُبَيِّنُ لِعِبَادِهِ الْآيَاتِ بَيَانًا شَافِيًا ليتدبروها ويتعقلوها لعلهم يعقلون.
- 62 - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
⦗ص: 621⦘
وَهَذَا أَيْضًا أَدَبٌ أرشده الله عباده المؤمنين، فَكَمَا أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِئْذَانِ عِنْدَ الدُّخُولِ، كَذَلِكَ أَمْرَهُمْ بِالِاسْتِئْذَانِ عِنْدَ الِانْصِرَافِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانُوا فِي أَمْرٍ جَامِعٍ مَعَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، مِنْ صَلَاةِ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ أو جماعة أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك، أمرهم الله تعالى أن لا يتفرقوا عَنْهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ وَمُشَاوَرَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِذَا اسْتَأْذَنَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ أَنْ يأذن له إن شاء الله، وَلِهَذَا قَالَ:{فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ} الآية، وقد قال صلى الله عليه وسلم:«إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة» (أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن).
- 63 - لَا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا يَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عز وجل عَنْ ذلك إعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم، قال: فَقُولُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُهَابَ نَبِيُّهُ صلى الله عليه وسلم وَأَنْ يُبَجَّلَ وَأَنْ يعظم وأن يسود، وقال مقاتل فِي قَوْلِهِ:{لَاّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} يَقُولُ: لَا تُسَمُّوهُ إِذَا دعوتموه يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عَبْدِ اللَّهِ، وَلَكِنْ شرِّفوه فَقُولُوا: يَا نَبِيَّ الله، يا رسول الله؛ وهذا كقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تشعرون} ، فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَابِ الْأَدَبِ فِي مُخَاطَبَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْكَلَامِ مَعَهُ وَعِنْدَهُ، كَمَا أُمِرُوا بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ مُنَاجَاتِهِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي:{لَاّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} أَيْ لَا تَعْتَقِدُوا أَنَّ دُعَاءَهُ عَلَى غيره كدعاء غيره، فإن دعاه مستجاب، فاحذورا أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ فَتَهْلَكُوا، حَكَاهُ ابْنُ أَبِي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري، والأول أظهر، والله أعلم.
وقوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} قال مقاتل: هُمُ الْمُنَافِقُونَ كَانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِمُ الْحَدِيثُ فِي يوم الجمعة، فيلوذون ببعض أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى يخرجوا من المسجد، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمُ الْخُرُوجَ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَيَأْذَنُ له من غير أن يتكلم الرجل، وقال السُّدِّيُّ: كَانُوا إِذَا كَانُوا مَعَهُ فِي جَمَاعَةٍ لَاذَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى يَتَغَيَّبُوا عَنْهُ فَلَا يَرَاهُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ:{قَدْ يَعْلَمِ الله الذين يتسللون لِوَاذاً} يَعْنِي لِوَاذًا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ وَعَنْ كِتَابِهِ، وَقَالَ سُفْيَانُ {قَدْ يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ لِوَاذاً} قَالَ: مِنَ الصَّفِّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي الآية:{لِوَاذاً} خِلَافًا، وَقَوْلُهُ:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو سبيله ومنهجه وطريقته وشريعته، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، أَيْ فَلْيَحْذَرْ وَلْيَخْشَ مَنْ خَالَفَ شَرِيعَةَ الرسول باطناً وظاهراً {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أَيْ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ كُفْرٍ أَوْ نِفَاقٍ أَوْ بِدْعَةٍ
{أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي في الدينا بِقَتْلٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نَحْوِ ذلك؛ كما روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا
-
84 - سورة الانشقاق
.
[مقدمة]
روى البخاري، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ:"صلَّيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فَسَجَدَ، فقلت له، فقال: سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ"(أخرجه البخاري ومسلم والنسائي).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
- 1 - إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ
- 2 - وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
- 3 - وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ
- 4 - وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ
- 5 - وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
- 6 - يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ
- 7 - فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ
- 8 - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
- 9 - وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا
- 10 - وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ
- 11 - فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا
- 12 - وَيَصْلَى سَعِيراً
- 13 - إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً
- 14 - إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ
- 15 - بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً
يَقُولُ تَعَالَى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أَيْ اسْتَمَعَتْ لِرَبِّهَا وَأَطَاعَتْ أَمْرَهُ فِيمَا أَمَرَهَا بِهِ مِنَ الانشقاق، وذلك يوم القيامة {وحُقَّتْ} أَيْ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تُطِيعَ أَمْرَهُ، لِأَنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ، بَلْ قَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ:{وَإِذَا الْأَرْضُ مدَّت} أي بسطت وفرشت ووسعت، وفي الحديث «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَدَّ اللَّهُ الْأَرْضَ مَدَّ الْأَدِيمِ، حَتَّى لَا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ الناس إلاّ موضع قدميه» (أخرجه ابن جرير عن علي بن الحسين مرفوعاً). وقوله تعالى: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} أَيْ أَلْقَتْ مَا في بطنها من الأموات وتخلت عنهم، {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ:{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً} أي إنك سَاعٍ إِلَى رَبِّكَ سَعْيًا وَعَامَلٌ عَمَلًا {فَمُلَاقِيهِ} ثُمَّ إِنَّكَ سَتَلْقَى مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ أو شر، عَنْ جَابِرٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ جِبْرِيلُ: يَا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحب مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فإنك ملاقيه"(أخرجه أبو داود الطيالسي)، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعِيدُ الضَّمِيرَ عَلَى قَوْلِهِ {رَبِّكَ} أَيْ فَمُلَاقٍ رَبَّكَ وَمَعْنَاهُ فَيُجَازِيكَ بِعَمَلِكَ ويكافئك على سعيك، قال ابن عباس: تَعْمَلُ عَمَلًا تَلْقَى اللَّهَ بِهِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، وَقَالَ قَتَادَةُ:{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً} إِنَّ كَدْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ لَضَعِيفٌ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ كَدْحُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ وَلَا قوة إلا بالله، ثم قَالَ تَعَالَى:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} أَيْ سَهْلًا بِلَا تَعْسِيرٍ أَيْ لَا يُحَقِّقُ عَلَيْهِ جَمِيعَ دَقَائِقِ أَعْمَالِهِ، فَإِنَّ من حوسب كذلك هلك لا محالة، روى الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» ، قَالَتْ، فَقُلْتُ: أفليس قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} ، قَالَ:«لَيْسَ ذَاكَ بِالْحِسَابِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْعَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يوم القيامة عذب» (أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي). وروى ابن جرير، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مُعَذَّبًا» ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} ؟ قَالَ: «ذَاكَ الْعَرْضُ، إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» ، وَقَالَ بِيَدِهِ عَلَى إصبعه كأنه ينكت (أخرجه الشيخان وابن جرير). وفي رواية عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ - أَوْ من حوسب - عذب، ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّمَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ عَرْضٌ عَلَى الله تعالى وهو يراهم"(رواه ابن جرير). وقوله تَعَالَى: {وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أَيْ وَيَرْجِعُ إلى أهله في الجنة {مَسْرُوراً} أي فرحاً مُغْتَبِطًا بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ عز وجل، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تعملون أعمالاً لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله فمسرور أو مكظوم (أخرجه الطبراني). وقوله تعالى:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ) أَيْ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ تُثْنَى يَدُهُ إِلَى وَرَائِهِ، وَيُعْطَى كِتَابَهُ بِهَا كَذَلِكَ {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً} أَيْ خَسَارًا وَهَلَاكًا {وَيَصْلَى سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أَيْ فَرِحًا لَا يفكر بالعواقب، وَلَا يَخَافُ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَعْقَبَهُ ذَلِكَ الْفَرَحُ الْيَسِيرُ الْحُزْنَ الطَّوِيلَ، {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} أَيْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلى الله، ولا يعيده بعد موته، قال ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا، والحَوْر هُوَ الرُّجُوعُ، قَالَ اللَّهُ:{بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} يَعْنِي بَلَى سَيُعِيدُهُ اللَّهُ كَمَا بَدَأَهُ وَيُجَازِيهِ عَلَى أَعْمَالِهِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا فَإِنَّهُ {كَانَ بِهِ بَصِيراً} أَيْ عَلِيمًا خَبِيرًا.
- 16 - فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
- 17 - وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ
- 18 - وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ
- 19 - لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ
- 20 - فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
- 21 - وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ
- 22 - بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ
- 23 - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ
- 24 - فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
- 25 - إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
قال علي وابن عباس: {الشفق} الحمرة، وقال عبد الرزاق، عن أبي هريرة:{الشَّفَقُ} الْبَيَاضُ، فَالشَّفَقُ هُوَ حُمْرَةُ الأُفق، إِمَّا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، كَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَإِمَّا بَعْدَ غُرُوبِهَا كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ اللغة، قال الخليل: الشَّفَقُ: الْحُمْرَةُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا ذَهَبَ قِيلَ: غَابَ الشَّفَقُ، وفي الحديث:«وقت المغرب ما لم يغب الشفق» (أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو)، وَلَكِنْ صَحَّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ:{فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} هُوَ النَّهَارُ كله، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا قَرْنُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} أَيْ جَمَعَ، كَأَنَّهُ أَقْسَمَ بالضياء والظلام، قال ابْنُ جَرِيرٍ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِالنَّهَارِ مُدْبِرًا وَبِاللَّيْلِ مقبلاً، وقال آخرون: الشفق اسم للحمرة والبياض، وهو من الأضداد. قال ابن عباس ومجاهد:{وَمَا وَسَقَ} وَمَا جَمَعَ، قَالَ قَتَادَةُ: وَمَا جمع من نجم ودابة، وقال عكرمة: مَا سَاقَ مِنْ ظُلْمَةٍ إِذَا كَانَ اللَّيْلُ ذهب كل شيء إلى مأواه، وقوله تعالى:{وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا اجتمع واستوى، وقال الحسن: إذا اجتمع وامتلأ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا اسْتَدَارَ، وَمَعْنَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إِذَا تَكَامَلَ نُورُهُ وَأَبْدَرَ جَعَلَهُ مُقَابِلًا لِلَّيْلِ وما وسق.
وقوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قال البخاري، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:{لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم (أخرجه البخاري)، وقال الشَّعْبِيِّ {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قَالَ: لَتَرْكَبُنَّ يا محمد سماء بعد سماء، يعني ليلة الإسراء، وقيل:{طَبَقاً عَن طَبقٍ} منزلاً على منزل، وَيُقَالُ: أَمْرًا بَعْدَ أَمْرٍ، وَحَالًا بَعْدَ حَالٍ (هي رواية العوفي عن ابن عباس)، وقال السدي:{لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} أَعْمَالُ مَنْ قَبْلِكُمْ منزلاً بعد منزل، وكأنه أَرَادَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:«لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» . وقال ابن مسعود: {طَبَقاً عَن طَبقٍ} السماء مرة كالدهان، ومرة تنشق، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} قَالَ: قَوَمٌ كَانُوا فِي الدُّنْيَا خسيسٌ أَمْرُهُمْ فَارْتَفَعُوا فِي الْآخِرَةِ، وَآخَرُونَ كَانُوا أَشْرَافًا فِي الدُّنْيَا فَاتَّضَعُوا فِي الْآخِرَةِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ:{طَبَقاً عَن طَبقٍ} حَالًا بَعْدَ حَالٍ فَطِيمًا بعد ما كان رضيعاً، وشيخاً بعد ما كَانَ شَابًّا، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ:{طَبَقاً عَن طَبقٍ} يَقُولُ: حَالًا بَعْدَ حَالٍ، رَخَاءً بَعْدَ شِدَّةٍ، وَشِدَّةً بَعْدَ رَخَاءٍ، وَغِنًى بَعْدَ فَقْرٍ، وَفَقْرًا بَعْدَ غِنًى، وَصِحَّةً بَعْدَ سَقَمٍ، وَسَقَمًا بعد صحة. ثم قال ابن جرير: وَالصَّوَابُ مِنَ التَّأْوِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَتَرْكَبُنَّ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَأَمْرًا بَعْدَ أَمْرٍ مِنَ الشَّدَائِدِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ - وَإِنْ كان الخطاب موجهاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع الناس، وأنهم يلقون من الشدائد يوم القيامة وأحواله أهوالاً، وقوله تعالى:{فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} أَيْ فَمَاذَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا لَهُمْ إذا قرئت عليهم آيات الله وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ إِعْظَامًا وَإِكْرَامًا واحتراماً؟ وقوله تعالى:{بل الذين كفرا يُكَذِّبُونَ} أَيْ مِنْ سَجِيَّتِهِمُ التَّكْذِيبُ وَالْعِنَادُ وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَقِّ، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يَكْتُمُونَ فِي صُدُورِهِمْ، {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أَيْ فَأَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ بِأَنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ
قد أعد لهم عذابا إليماً، وقوله تعالى:{إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ يَعْنِي لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ أَيْ بِقُلُوبِهِمْ {وَعَمِلُواْ الصالحات} أي بِجَوَارِحِهِمْ {لَهُمْ أَجْرٌ} أَيْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ {غَيْرُ مَمْنُونٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَيْرُ مَنْقُوصٍ، وقال مجاهد: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، وَحَاصِلُ قَوْلِهِمَا: أَنَّهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، كما قال تعالى:{عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: غَيْرُ مَمْنُونٍ: غَيْرُ مَنْقُوصٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا القول قَدْ أَنْكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل لَهُ الْمِنَّةُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِي كُلِّ حَالٍ وَآنٍ وَلَحْظَةٍ، وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ لَا بِأَعْمَالِهِمْ، فَلَهُ عَلَيْهِمُ الْمِنَّةُ دَائِمًا سرمداً، والحمد لله وحده أبداً.