الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسَهُمْ} الآية. وقوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} ، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: أَثَامًا: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ {يَلْقَ أَثَاماً} أودية في جهنم يعذب فيها الزناة، وَقَالَ قَتادَةُ {يَلْقَ أَثَاماً}: نَكَالًا، كُنَّا نُحَدِّثُ أنه واد في جهنم، وَقَالَ السُّدِّيُّ {يَلْقَ أَثَاماً} جَزَاءً، وَهَذَا أَشْبَهُ بظاهر الآية وبهذا فَسَّرَهُ بِمَا بَعْدَهُ مُبَدَّلًا مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تعالى:{يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يوم القيامة} أي يقرر عَلَيْهِ وَيُغْلَّظُ {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} أَيْ حَقِيرًا ذليلاً، وقوله تعالى:{إِلَاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} أَيْ جَزَاؤُهُ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْقَبِيحَةِ مَا ذُكِرَ {إِلَاّ مَن تَابَ} أي في الدنيا إلى الله عز وجل مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ آيَةِ النِّسَاءِ {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً متعمدا} الآية، فإن هذه وإن كانت مدينة، إِلَّا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، فَتُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يتب.
وقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} . فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ بُدِّلُوا مَكَانَ عمل السيئات بعمل الحسنات، قال ابن عباس: هم المؤمنون كانوا قَبْلِ إِيمَانِهِمْ عَلَى السَّيِّئَاتِ فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عن السيئات فَحَوَّلَهُمْ إِلَى الْحَسَنَاتِ فَأَبْدَلَهُمْ مَكَانَ السَّيِّئَاتِ الْحَسَنَاتِ. وقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وَأَبْدَلَهُمْ بِنِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ نِكَاحَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَقَالَ الْحَسَنُ البصري: أبدلهم الله بالعمل السيء الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَأَبْدَلَهُمْ بِالشِّرْكِ إِخْلَاصًا، وَأَبْدَلَهُمْ بِالْفُجُورِ إحصاناً، وبالكفر إسلاماً، (وَالْقَوْلُ الثَّانِي): أَنَّ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ الْمَاضِيَةَ تَنْقَلِبُ بنفس التوبة النصوح حسنات، كَمَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ وَصَحَّتْ بِهِ الْآثَارُ المروية عن السلف رضي الله عنهم. فعن أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا إِلَى الْجَنَّةِ، يُؤْتَى برجل فيقول: نحوّا عنه كِبَارَ ذُنُوبِهِ وَسَلُوهُ عَنْ صِغَارِهَا، قَالَ فَيُقَالُ له: عملت يوم كذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَيُقَالُ: فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أراها ههنا" قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه" (أخرجه مسلم في صحيحه). وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَيَأْتِينَّ اللَّهُ عز وجل بِأُنَاسٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ (أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة موقوفاً)، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} قَالَ: فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ مكحول: يغفرها لهم فيجعلها حسنات، قال ابن أبي حاتم حَدَّثَنَا أَبُو جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا يُحَدِّثُ قَالَ: جَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ هَرِمٌ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ غَدَرَ وَفَجَرَ وَلَمْ يَدَعْ حَاجَةً وَلَا داجة إلاّ اقتطفها بِيَمِينِهِ، لَوْ قُسِّمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ لأوبقتهم فهل له من توبة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«أأسلمت؟» قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريكك لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ اللَّهَ غَافِرٌ لَكَ مَا كُنْتَ كَذَلِكَ وَمُبْدِّلٌ سَيِّئَاتِكَ حَسَنَاتٍ» ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَغَدَرَاتِي وفَجَرَاتِي؟ فَقَالَ: «وغدراتك وفجراتك» ، فولى الرجل يكبر ويهلل (رواه ابن أبي حاتم وأخرجه الطبراني بنحوه). ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عُمُومِ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ وَأَنَّهُ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ تَابَ عليه من أي ذنب كان جليلاً أوحقيراً كبيراً أو صغيراً، فقال تعالى: {وَمَن تَابَ
وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً} أَيْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} الآية، وَقَالَ تَعَالَى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} الآية: أي لمن تاب عليه.
- 72 - وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا
- 73 - وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَانًا
- 74 - وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً
وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، قِيلَ: هُوَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، وَقِيلَ الْكَذِبُ وَالْفِسْقُ وَاللَّغْوُ وَالْبَاطِلُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: هو اللغو والغناء، وقال عمرو بن قيس: هي المجالس السوء والخنا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أَيْ شَهَادَةُ الزُّورِ، وَهِيَ الْكَذِبُ مُتَعَمَّدًا عَلَى غيره كما في الصحيحين:«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» ؟ ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:«الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الوالدين» ، وكان متكئاً فجاس، فَقَالَ:«أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ (أخرجه الشيخان عن أبي بكر رضي الله عنه مرفوعاً)، وَالْأَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَشْهَدُونَ الزور أي لا يحضرونه، ولهذا قَالَ تَعَالَى:{وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} أَيْ لَا يَحْضُرُونَ الزُّورَ، وَإِذَا اتَّفَقَ مُرُورُهُمْ بِهِ مَرُّوا وَلَمْ يَتَدَنَّسُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَلِهَذَا قال:{مَرُّوا كِراماً} ، وروى ابن أبي حاتم عن مَيْسَرَةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا فَلَمْ يَقِفْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«لَقَدْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَمْسَى كَرِيمًا» ثُمَّ تَلَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} وهذه أيضاً مِنْ صِفَاتِ
الْمُؤْمِنِينَ {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ لا يؤثر فيه، ولا يتغير عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، بَلْ يَبْقَى مُسْتَمِرًّا عَلَى كفره وطيغانه، وجهله وضلاله، كما قال تعالى:{وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ} ، فَقَوْلُهُ:{لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} أَيْ بخلاف الكافر الذي إذا سمع آيات الله فلا تؤثر فيه فيستمر عَلَى حَالِهِ كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا أَصَمَّ أَعْمَى، قَالَ مُجَاهِدٌ قَوْلُهُ:{لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} قال: لَمْ يَسْمَعُوا وَلَمْ يُبْصِرُوا وَلَمْ يَفْقَهُوا شَيْئًا، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَمْ مِنْ رَجُلٍ يَقْرَؤُهَا ويخر عليها أصم أعمى، وقال قتادة: لَمْ يَصِمُّوا عَنِ الْحَقِّ وَلَمْ يَعْمَوا فِيهِ، فهم والله قوم عقلوا عن الحق وانتفعوا بما سمعوا من كتابه.
وقوله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} يَعْنِي الَّذِينَ يَسْأَلُونَ الله أن يخرج من أصلابهم من ذرياتهم مَنْ يُطِيعُهُ وَيَعْبُدُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قال ابن عباس: يعنون من يعمل بطاعة الله فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة، قال عِكْرِمَةُ: لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ صَبَاحَةً وَلَا جَمَالًا، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين. وسئل الحسن البصري عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: أَنْ يُرِيَ اللَّهُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ مِنْ زَوجَتِهِ وَمِنْ أَخِيهِ وَمِنْ حميمه طاعة الله، لا والله لا شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَرَى وَلَدًا، أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ، أَوْ أَخَا أَوْ حَمِيمًا مُطِيعًا لِلَّهِ عز وجل. وَقَالَ ابْنُ
أسلم: يعني يسألون الله تعالى لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام، وقوله تعالى:{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ والسدي: أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِنَا فِي الْخَيْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: هداة مهتدين دعاة إلى الخير، ولهذا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: ولدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ، أَوْ عَلَمٍ يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ".
- 75 - أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا
- 76 - خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا
- 77 - قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مِنْ أَوْصَافِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا ذَكَرَ من الصفات الجميلة، والأقوال والأفعال الْجَلِيلَةِ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ:{أُولَئِكَ} أَيْ المتصفون بهذه {يُجْزَوْنَ} يوم القيامة {الغرفة} وهي الجنة سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِارْتِفَاعِهَا، {بِمَا صَبَرُواْ} أَيْ عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ، {ويُلقّون فِيهَا} أَيْ فِي الْجَنَّةِ {تَحِيَّةً وَسَلَاماً} أَيْ يُبْتَدَرُونَ فِيهَا بِالتَّحِيَّةِ وَالْإِكْرَامِ، ويلقون التَّوْقِيرَ وَالِاحْتِرَامَ، فَلَهُمُ السَّلَامُ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} ، وَقَوْلُهُ تعالى:{خَالِدِينَ فِيهَا} أَيْ مُقِيمِينَ لَا يَظْعَنُونَ وَلَا يحولون ولا يموتون، ولا يزلون عَنْهَا وَلَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ ما دامت السماوات والأرض} الآية. وقوله تعالى: {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} أَيْ حَسُنَتْ مَنْظَرًا وَطَابَتْ مَقِيلًا وَمَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} أَيْ لَا يُبَالِي وَلَا يَكْتَرِثُ بِكُمْ إِذَا لَمْ تَعْبُدُوهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا خلق الخلق ليعبدوه ويوحده ويسبحوه بكرة وأصيلاً.
قال ابن عباس: لولا دعائكم: أي لولا إيمانكم، وأخبر تعالى الْكَفَّارَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِمْ إِذْ لَمْ يَخْلُقْهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ بِهِمْ حَاجَةٌ لَحَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ كَمَا حَبَّبَهُ إِلَى المؤمنين. وقوله تعالى:{فَقَدِ كَذَّبْتُمْ} أَيُّهَا الْكَافِرُونَ {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} أَيْ فَسَوْفَ يكون تكذيبكم لزاما لكم، يعني مقتضياً لعذابكم وهلاككم ودماركم في الدنيا والآخرة.
-
90 - سورة البلد
بسم الله الرحمن الرحيم
- 1 - لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ
- 2 - وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ
- 3 - وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ
- 4 - لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ
- 5 - أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
- 6 - يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَدًا
- 7 - أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ
- 8 - أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ
- 9 - وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ
- 10 - وَهَدَيْنَاهُ النجدين
هذا قسم من الله تبارك وتعالى بِمَكَّةَ (أُم الْقُرَى) فِي حَالِ كَوْنِ السَّاكِنِ فيها حلالاً، لِيُنَبِّهَ عَلَى عَظَمَةِ قَدْرِهَا فِي حَالِ إِحْرَامِ أهلها، قال مُجَاهِدٍ:{لَا أُقسم بِهَذَا الْبَلَدِ} لَا، رَدَّ عليهم. أقسم بهذا البلد، وقال ابن عباس:{لاأقسم بِهَذَا الْبَلَدِ} يَعْنِي مَكَّةَ {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} قَالَ: أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ يَحِلُّ لَكَ أن تقاتل به، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا أَصَبْتَ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ لك، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ، وهذا المعنى قَدْ وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ:«إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، أَلَا فليبلغ الشاهد الغائب» (أخرجه الشيخان وأصحاب السنن). وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ فَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لكم» ، وقوله تعالى:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} قال ابن عباس: الْوَالِدُ الَّذِي يَلِدُ {وَمَا وَلَدَ} الْعَاقِرُ الَّذِي لا يولد له، وقال مجاهد وقتادة والضحّاك: يَعْنِي بِالْوَالِدِ آدَمَ {وَمَا وَلَدَ} وَلَدَهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَأَصْحَابُهُ حَسَنٌ قَوِيٌّ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَقْسَمَ بأُم الْقُرَى وَهِيَ الْمَسَاكِنُ، أَقْسَمَ بَعْدَهُ بِالسَّاكِنِ، وَهُوَ (آدَمُ) أَبُو البشر وولده، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ ولد وولده وهو محتمل أيضاً، وقوله تعالى:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} رُوِيَ عَنِ ابن مسعود وابن عباس: يعني منتصباً، زاد ابن عباس: منتصباً فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالْكَبَدُ: الِاسْتِوَاءُ وَالِاسْتِقَامَةُ، وَمَعْنَى هذا القول: لقد خلقناه سوياً مستقيماً، كقوله تعالى:{الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَىِّ صُورَةٍ مَّا شاء ركبك} ، وكقوله تعالى:{لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تقويم} وقال ابن عباس {فِي كَبَدٍ} فِي شِدَّةِ خَلْقٍ،
أَلَمْ تَرَ إِلَيْهِ وَذَكَرَ مَوْلِدَهُ وَنَبَاتَ أَسْنَانِهِ، وقال مُجَاهِدٌ:{فِي كَبَدٍ} نُطْفَةٌ، ثُمَّ عَلَقَةٌ، ثُمَّ مضغة، يكبد في الخلق، وهو كقوله تعالى:{حَمَلَتْهُ أُمّه كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كرهاً} فَهُوَ يُكَابِدُ ذَلِكَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:{فِي كَبَدٍ} فِي شِدَّةٍ وَطَلَبِ مَعِيشَةٍ، وَقَالَ قتادة: في مشقة، وقال الحسن: يكابد أمر الدنيا وأمر من الْآخِرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُكَابِدُ مَضَايِقَ الدُّنْيَا وَشَدَائِدَ الآخرة، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مُكَابَدَةُ الأمور ومشاقها.
وقال تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} قَالَ الحسن البصري: يعني يأخد ماله، وقال قتادة: يَظُنُّ أَنْ لَنْ يُسْأَلَ عَنْ هَذَا الْمَالِ مَنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَأَيْنَ أَنْفَقَهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ:{أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} قَالَ: الله عز وجل يظن أن لن يقدر عليه ربه، وقوله تعالى:{يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً} أَيْ يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: أَنْفَقْتُ {مَالاً لُّبَداً} أَيْ كَثِيرًا قَالَهُ مجاهد والحسن، {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ} قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ اللَّهُ عز وجل، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ، وَقَوْلُهُ تعالى:{أَلَمْ نَجْعَلْ لَّهُ عَيْنَيْنِ} أَيْ يُبْصِرُ بِهِمَا {وَلِسَاناً} أَيْ يَنْطِقُ بِهِ فَيُعَبِّرُ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ {وَشَفَتَيْنِ} يَسْتَعِينُ بِهِمَا عَلَى الْكَلَامِ، وَأَكْلِ الطَّعَامِ، وَجَمَالًا لِوَجْهِهِ وَفَمِهِ. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابن عساكر عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ؛ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ قَدْ أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ نِعَمًا عِظَامًا، لَا تُحْصِي عَدَدَهَا وَلَا تُطِيقُ شُكْرَهَا، وَإِنَّ مِمَّا أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ جَعَلْتُ لَكَ عَيْنَيْنِ تَنْظُرُ بِهِمَا، وَجَعَلْتُ لَهُمَا غِطَاءً، فَانْظُرْ بِعَيْنَيْكَ إِلَى مَا أَحْلَلْتُ لَكَ، وَإِنْ رَأَيْتَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ، فَأَطْبِقْ عَلَيْهِمَا غِطَاءَهُمَا، وَجَعَلْتُ لَكَ لِسَانًا وَجَعَلْتُ لَهُ غُلَافًا، فَانْطِقْ بِمَا أَمَرْتُكَ، وَأَحْلَلْتُ لك فإن عرض عليك مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَأَغْلِقْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَجَعَلْتُ لَكَ فَرْجًا وَجَعَلْتُ لَكَ سِتْرًا، فَأَصِبْ بِفَرْجِكَ ما أحللت لك، فإن عرض عليك مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَأَرْخِ عَلَيْكَ سِتْرَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَا تَحْمِلُ سُخْطِي وَلَا تطيق انتقامي"(أخرجه الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الرَّبِيعِ الدمشقي). {وَهَدَيْنَاهُ النجدين} : الطريقين، قال ابن مسعود: الخير والشر، وعن أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُمَا النَّجْدَانِ، نَجْدُ الْخَيْرِ، وَنَجْدُ الشَّرِّ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ نجد الخير» (أخرجه ابن جرير عن الحسن مرسلاً)، وقال ابن عباس {وَهَدَيْنَاهُ النجدين} قال: الثديين، قال ابن جرير: والصواب القول الأول، نظير هذه الآية قوله:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً أو كفوراً} .
- 11 - فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ
- 12 - وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ
- 13 - فَكُّ رَقَبَةٍ
- 14 - أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ
- 15 - يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ
- 16 - أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ
- 17 - ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ
- 18 - أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ
- 19 - وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ
- 20 - عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ
روى ابن جرير عن ابن عمر في قوله تعالى: {فَلَا اقتحم} أي دخل {الْعَقَبَةَ} قَالَ: جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ، وَقَالَ كَعْبُ الأحبار: هُوَ سَبْعُونَ دَرَجَةً فِي جَهَنَّمَ، وَقَالَ الْحَسَنُ البصري: عقبة في جهنم، وقال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى، {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة}؟ ثم أخبر تعالى عَنِ اقْتِحَامِهَا فَقَالَ: {فَكُّ رَقَبَةٍ *
أَوْ إِطْعَامٌ}، وقال ابن زيد:{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} أَيْ أَفَلَا سَلَكَ الطَّرِيقَ الَّتِي فيها النجاة والخير، ثم بينها فقال تعالى:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة * فَكُّ رَقَبَةٍ} ، عن سعيد بن مرجانة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مؤمنة أعتق الله بكل إرب - أي عضو - مِنْهَا إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ حَتَّى إِنَّهُ لَيُعْتِقُ بِالْيَدِ الْيَدَ، وَبِالرِّجْلِ الرِّجْلَ، وَبِالْفَرْجِ الْفَرْجَ» ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: نَعَمْ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ لِغُلَامٍ لَهُ أَفْرَهَ غِلْمَانِهِ: ادْعُ مُطَرِّفًا، فَلَمَّا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: اذهب فأنت حر لوجه الله" (أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والإمام أحمد). وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ الَّذِي أَعْتَقَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ كَانَ قَدْ أعطي فيه عشرة آلاف درهم، وعن عمرو بن عبسة أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِيُذْكَرَ اللَّهُ فِيهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَعْتَقَ نَفْسًا مُسَلِمَةً كَانَتْ فِدْيَتَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يوم القيامة» (أخرجه أحمد). وفي الحديث: «مَنْ وُلِدَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ فِي الْإِسْلَامِ فَمَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَلَغَ بِهِ الْعَدُّوَ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ كَانَ لَهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِّنَ النار، وَمِن أعتق زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ يُدْخِلُهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ منها» (أخرجه أحمد أيضاً). وهذه أسانيد جيدة قوية ولله الحمد.
وقوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذِي مَجَاعَةٍ (وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ومجاهد والضحَّاك وقتادة وغيرهم)، والسغب: هو الجوع، وقال النَّخَعِيُ: فِي يَوْمٍ الطعامُ فِيهِ عَزِيزٌ، وَقَالَ قتادة: في يوم مشتهى فيه الطعام، وقوله تعالى:{يَتِيماً} أَيْ أَطْعِمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ يَتِيمًا {ذَا مَقْرَبَةٍ} أَيْ ذَا قَرَابَةٍ مِنْهُ، كما جاء في الحديث الصحيح:«الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثنتان، صدقة وصلة» (أخرجه أحمد ورواه الترمذي والنسائي وإسناده صحيح). وقوله تعالى: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} أَيْ فَقِيرًا مُدْقِعًا لَاصِقًا بِالتُّرَابِ، وَهُوَ الدَّقْعَاءُ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَا مَتْرَبَةٍ هُوَ الْمَطْرُوحُ فِي الطَّرِيقِ، الَّذِي لَا بَيْتَ لَهُ وَلَا شَيْءَ يَقِيهِ مِنَ التُّرَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ: هُوَ الَّذِي لَصِقَ بِالدَّقْعَاءِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، وقال عكرمة: هو الفقير المدين الْمُحْتَاجُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الَّذِي لا أحد له، وقال قتادة: هُوَ ذُو الْعِيَالِ، وَكُلُّ هَذِهِ قَرِيبَةُ الْمَعْنَى، وقوله تعالى:{ثُمَّ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ} أَيْ ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ الطَّاهِرَةِ مُؤْمِنٌ بِقَلْبِهِ، مُحْتَسِبٌ ثَوَابَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عز وجل، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} ، وقوله تعالى:{وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ} أَيْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ صَالِحًا، «الْمُتَوَاصِينَ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى النَّاسِ، وَعَلَى الرَّحْمَةِ بِهِمْ» ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأرض يرحمكم من في السماء» . وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَرْوِيهِ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ منا» (أخرجه أبو داود)، وقوله تعالى:{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} أَيِ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ثُمَّ قَالَ: