المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ 95 - سورة التين - مختصر تفسير ابن كثير - جـ ٢

[محمد علي الصابوني]

فهرس الكتاب

- ‌ 8 - سورة الأنفال

- ‌ 9 - سورة التوبة

- ‌ 10 - سورة يونس

- ‌ 11 - سورة هود

- ‌ 12 - سورة يوسف

- ‌ 13 - سورة الرعد

- ‌ 14 - سورة إبراهيم

- ‌ 15 - سورة الحجر

- ‌ 16 - سورة النحل

- ‌ 17 - سورة الإسراء

- ‌ 18 - سورة الكهف

- ‌ 19 - سورة مريم

- ‌ 20 - سورة طه

- ‌ 21 - سورة الأنبياء

- ‌ 22 - سورة الحج

- ‌ 23 - سورة المؤمنون

- ‌ 24 - سورة النور

- ‌ 25 - سورة الفرقان

- ‌ 26 - سورة الشعراء، وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ مَالِكٍ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُهَا سورة (الجامعة)

- ‌ 27 - سورة النمل

- ‌ 28 - سورة القصص

- ‌ 29 - سورة العنكبوت

- ‌ 30 - سورة الروم

- ‌ 31 - سورة لقمان

- ‌ 32 - سورة السجدة

- ‌ 33 - سورة الأحزاب

- ‌ 34 - سورة سبأ

- ‌ 35 - سورة فاطر

- ‌ 36 - سورة يس

- ‌ 37 - سورة الصافات

- ‌ 38 - سورة ص

- ‌ 39 - سورة الزمر

- ‌ 40 - سورة غافر

- ‌ 41 - سورة فصلت

- ‌ 42 - سورة الشورى

- ‌ 43 - سورة الزخرف

- ‌ 44 - سورة الدخان

- ‌ 45 - سورة الجاثية

- ‌ 46 - سورة الأحقاف

- ‌ 47 - سورة محمد

- ‌ 48 - سورة الفتح

- ‌ 49 - سورة الحجرات

- ‌ 50 - سورة ق

- ‌ 51 - سورة الذاريات

- ‌ 52 - سورة الطور

- ‌ 53 - سورة النجم

- ‌ 54 - سورة القمر

- ‌ 55 - سورة الرحمن

- ‌ 56 - سورة الواقعة

- ‌ 57 - سورة الحديد

- ‌ 58 - سورة المجادلة

- ‌ 59 - سورة الحشر

- ‌ 60 - سورة الممتحنة

- ‌ 61 - سورة الصف

- ‌ 62 - سورة الجمعة

- ‌ 63 - سورة المنافقون

- ‌ 64 - سورة التغابن

- ‌ 65 - سورة الطلاق

- ‌ 66 - سورة التحريم

- ‌ 67 - سورة الملك

- ‌ 68 - سورة القلم

- ‌ 69 - سورة الحاقة

- ‌ 70 - سورة المعارج

- ‌ 71 - سورة نوح

- ‌ 72 - سورة الجن

- ‌ 73 - سورة المزمل

- ‌ 74 - سورة المدثر

- ‌ 75 - سورة القيامة

- ‌ 76 - سورة الإنسان

- ‌ 77 - سورة المرسلات

- ‌ 78 - سورة النبأ

- ‌ 79 - سورة النازعات

- ‌ 80 - سورة عبس

- ‌ 81 - سورة التكوير

- ‌ 82 - سورة الانفطار

- ‌ 83 - سورة المطففين

- ‌ 84 - سورة الانشقاق

- ‌ 85 - سورة البروج

- ‌ 86 - سورة الطارق

- ‌ 87 - سورة الأعلى

- ‌ 88 - سورة الغاشية

- ‌ 89 - سورة الفجر

- ‌ 90 - سورة البلد

- ‌ 91 - سورة الشمس

- ‌ 92 - سورة الليل

- ‌ 93 - سورة الضحى

- ‌ 94 - سورة الشرح

- ‌ 95 - سورة التين

- ‌ 96 - سورة العلق

- ‌ 97 - سورة القدر

- ‌ 98 - سورة البينة

- ‌ 99 - سورة الزلزلة

- ‌ 100 - سورة العاديات

- ‌ 101 - سورة القارعة

- ‌ 102 - سورة التكاثر

- ‌ 103 - سورة العصر

- ‌ 104 - سورة الهمزة

- ‌ 105 - سورة الفيل

- ‌ 106 - سورة قريش

- ‌ 107 - سورة الماعون

- ‌ 108 - سورة الكوثر

- ‌ 109 - سورة الكافرون

- ‌ 110 - سورة النصر

- ‌ 111 - سورة المسد

- ‌ 112 - سورة الإخلاص

- ‌ 113 - سورة الفلق

- ‌ 114 - سورة الناس

الفصل: ‌ 95 - سورة التين

فَيُوثِقُونَ، وَيَأْمُلُونَ فَيُطِيلُونَ، فَأَصْبَحَ أَمَلُهُمْ غُرُورًا، وَأَصْبَحَ جَمْعُهُمْ بُورًا، وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ قُبُورًا، أَلَا إِنَّ عَادًا مَلَكَتْ مَا بَيْنَ عَدَنَ وَعُمَانَ خَيْلًا، وَرِكَابًا فَمَنْ يَشْتَرِي مِنِّي مِيرَاثَ عَادٍ بِدِرْهَمَيْنِ (أخرجه ابن أبي حاتم)؟ وقوله:{وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} أي يصفهم بِالْقُوَّةِ وَالْغِلْظَةِ وَالْجَبَرُوتِ، {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أَيِ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَأَطِيعُوا رَسُولَكُمْ، ثُمَّ شَرَعَ يُذَكِّرُهُمْ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا

تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أَيْ إِنْ كَذَّبْتُمْ وَخَالَفْتُمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فَمَا نَفَعَ فِيهِمْ

ص: 654

- 136 - قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الْوَاعِظِينَ

- 137 - إِنْ هَذَا إِلَاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ

- 138 - وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ

- 139 - فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ

- 140 - وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ جَوَابِ قَوْمِ هُودٍ لَهُ، بَعْدَمَا حَذَّرَهُمْ وأنذرهم وبيَّن لَهُمُ الْحَقَّ وَوَضَّحَهُ {قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الْوَاعِظِينَ} أَيْ لا نرجع عما نحن عليه، {وَمَا نَحْنُ

بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ، وَمَا نَحْنُ لَكَ بمؤمنين} وَهَكَذَا الْأَمْرُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} الآية، وقولهم {إِنْ هذا إِلَاّ خُلُقُ الأولين} ، كما قال المشركون، {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} ، وقال:{وقيل للذين كفروا مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين} {خُلُق الْأَوَّلِينَ} بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ، يَعْنُونَ دِينَهُمْ وما هم عليه من الأمر دين الأولين مِنَ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَنَحْنُ تَابِعُونَ لَهُمْ سَالِكُونَ وَرَاءَهُمْ نَعِيشُ كَمَا عَاشُوا وَنَمُوتُ كَمَا مَاتُوا وَلَا بَعْثَ وَلَا مَعَادَ، وَلِهَذَا قَالُوا:{وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} ، قال ابْنِ عَبَّاسٍ:{إِنْ هَذَا إِلَاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} يقول: دين الأولين (وهو قول عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن أسلم واختاره ابن جرير)، وقوله تعالى:{فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ} أي استمروا عَلَى تَكْذِيبِ نَبِيِّ اللَّهِ هُودٍ وَمُخَالَفَتِهِ وَعِنَادِهِ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَقَدْ بيَّن سَبَبَ إِهْلَاكِهِ إِيَّاهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ، بِأَنَّهُ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَرًا عَاتِيَةً، أَيْ رِيحًا شَدِيدَةَ الهبوب ذات برد شديد جداً، فكان سبب إِهْلَاكُهُمْ مِنْ جِنْسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَعْتَى شَيْءٍ وَأَجْبَرَهُ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَعْتَى منهم وأشد قوة، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد} ، وَقَالَ تَعَالَى:{فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟} فسلكت الريح فحصبت بِلَادَهُمْ، فَحَصَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُمْ كَمَا قَالَ تعالى:{تُدَمِّرُ كل شيء بأمر ربها} الآية، وَقَالَ تَعَالَى:{وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} إلى قوله: {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خاوية} أَيْ بَقُوا أَبْدَانًا بِلَا رُؤُوسٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ تَأْتِي الرَّجُلَ مِنْهُمْ فَتَقْتَلِعُهُ وَتَرْفَعُهُ فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ تُنَكِّسُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَتَشْدَخُ دِمَاغَهُ، وَتَكْسِرُ رَأْسَهُ، وَتُلْقِيهِ، كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وَقَدْ كَانُوا تَحَصَّنُوا فِي الْجِبَالِ وَالْكُهُوفِ وَالْمَغَارَاتِ، وَحَفَرُوا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ إِلَى أَنْصَافِهِمْ، فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شَيْئًا، {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ} ، ولهذا قال تعالى:{فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ} الآية.

ص: 654

- 141 - كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ

- 142 - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ

- 143 - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ

- 144 - فَاتَّقُوا اللَّهَ

⦗ص: 655⦘

وَأَطِيعُونِ

- 145 - وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ عز وجل عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ (صَالِحٍ) عليه السلام أَنَّهُ بَعَثَهُ إلى قومه ثَمُودَ، وَكَانُوا عَرَبًا يَسْكُنُونَ مَدِينَةَ الْحِجْرِ الَّتِي بَيْنَ وَادِي الْقُرَى وَبِلَادِ الشَّامِ، وَمَسَاكِنُهُمْ مَعْرُوفَةٌ مشهورة، وكانوا بَعْدَ عَادٍ وَقَبْلَ الْخَلِيلِ عليه السلام، فَدَعَاهُمْ نَبِيُّهُمْ صَالِحٌ إِلَى اللَّهِ عز وجل أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ يُطِيعُوهُ فِيمَا بَلَّغَهُمْ مِنَ الرِّسَالَةِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ وَكَذَّبُوهُ وخالفوه، وأخبرهم أَنَّهُ لَا

يَبْتَغِي بِدَعْوَتِهِمْ أَجْرًا مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَطْلَبُ ثَوَابَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عز وجل، ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ آلَاءَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ:

ص: 654

- 146 - أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ

- 147 - فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ

- 148 - وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ

- 149 - وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ

- 150 - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ

- 151 - وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ

- 152 - الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ولا يصلحون

يقول لهم واعظاً لهم ومحذرهم نِقَمَ اللَّهِ أَنْ تَحِلَّ بِهِمْ، وَمُذَكِّرًا بِأَنْعُمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا رَزَقَهُمْ مِنَ الْأَرْزَاقِ الدَّارَّةِ، وأنبت لهم من الجنات، وفجر لَهُمْ مِنَ الْعُيُونِ الْجَارِيَاتِ، وَأَخْرَجَ لَهُمْ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثَّمَرَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ:{وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} قال ابن عباس: أينع وبلغ فهو هضيم، وعنه يقول: معشبة، وقال مجاهد: هو الذي إذا يبس تهشم وتفتت وتناثر، وقال ابن جريج عن مجاهد {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} قَالَ: حِينَ يَطْلُعُ تَقْبِضُ عَلَيْهِ فَتَهْضِمُهُ، فَهُوَ مِنَ الرُّطَبِ الْهَضِيمِ، وَمِنَ الْيَابِسِ الْهَشِيمِ، تَقْبِضُ عَلَيْهِ فَتُهَشِّمُهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وقَتَادَةُ: الْهَضِيمُ الرَّطْبُ اللَّيِّنُ، وَقَالَ الضَّحَاكُ: إِذَا كثر حمل الثمرة وركب بعضها بعضاً فهو هضيم، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هُوَ الَّذِي لَا نَوَى لَهُ، وَقَالَ أَبُو صَخْرٍ: مَا رَأَيْتُ الطَّلْعَ حين ينشق عَنْهُ الْكُمُّ فَتَرَى الطَّلْعَ قَدْ لَصِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَهُوَ الْهَضِيمُ. وَقَوْلُهُ: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِين} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي حَاذِقِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: شَرِهِينَ أَشِرِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مُجَاهِدٍ وَجَمَاعَةٍ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ تِلْكَ الْبُيُوتَ الْمَنْحُوتَةَ فِي الْجِبَالِ أَشَرًا وَبَطَرًا وَعَبَثًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقين لِنَحْتِهَا وَنَقْشِهَا، كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ مِنْ حَالِهِمْ لِمَنْ رَأَى مَنَازِلَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ:{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي أقبلوا على مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم، لتعبدوه وتوحده وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} يَعْنِي رُؤَسَاءَهُمْ وَكُبَرَاءَهُمْ الدُّعَاةَ لَهُمْ إِلَى الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ ومخالفة الحق.

ص: 655

- 153 - قَالُوا إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ

- 154 - مَآ أَنتَ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ

- 155 - قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ

- 156 - وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

- 157 - فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ

- 158 - فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ

- 159 - وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرحيم

ص: 655

-‌

‌ 95 - سورة التين

.

ص: 654

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

ص: 654

- 1 - وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ

- 2 - وَطُورِ سِينِينَ

- 3 - وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ

- 4 - لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ

- 5 - ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ

- 6 - إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ

- 7 - فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ

- 8 - أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ

اخْتَلَفَ المفسرون ههنا على أقوال كثيرة فقيل: المراد بالتين دمشق، وَقِيلَ: الْجَبَلُ الَّذِي عِنْدَهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ مسجد أصحاب الكهف، وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي عَلَى الْجُودِيِّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ تِينِكُمْ هَذَا {والزيتون} قال قتادة: هو بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ هَذَا الزيتون الذي تعصرون، {وَطُورِ سِينِينَ} هُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى عليه السلام، {وهذا البلد الأمين} يعني مكة (هو قول جمهور المفسرين، قال ابن كثير: ولا خلاف في ذلك)، قاله ابن عباس ومجاهد، وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: هَذِهِ مَحَالُّ ثَلَاثَةٌ، بَعَثَ اللَّهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا نَبِيًّا مُرْسَلًا مِنْ أُولِي الْعَزْمِ، أَصْحَابِ الشَّرَائِعِ الْكِبَارِ. (فَالْأَوَّلُ) مَحَلَّةُ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَهِيَ (بَيْتُ الْمَقْدِسِ) الَّتِي بعث الله فيها عيسى ابن مريم عليه السلام، (وَالثَّانِي) طُورُ سِينِينَ وَهُوَ (طُورُ سَيْنَاءَ) الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، (وَالثَّالِثُ) مَكَّةُ وَهُوَ (الْبَلَدُ الْأَمِينُ) الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ فِيهِ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، قَالُوا: وَفِي آخِرِ التَّوْرَاةِ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ: جَاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ - يَعْنِي الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ - وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ - يعني جبل بَيْتَ الْمَقْدِسِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ مِنْهُ عِيسَى - وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ - يَعْنِي جِبَالَ مَكَّةَ التي أرسل الله منها محمداً صلى الله عليه وسلم، فذكرهم مخبراً عنهم عَلَى التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ، بِحَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ فِي الزَّمَانِ، وَلِهَذَا أَقْسَمَ بِالْأَشْرَفِ ثُمَّ

ص: 654

الأشرف منه، ثم الأشرف منهما، وقوله تعالى:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَشَكْلٍ؛ مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ، سَوِيَّ الْأَعْضَاءِ حَسَنَهَا. {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} أي إلى النار (قاله مجاهد والحسن وأبو العالية وابن زيد)، أي بَعْدَ هَذَا الْحُسْنِ وَالنَّضَارَةِ، مَصِيرُهُ إِلَى النَّارِ إِنْ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ وَيَتَّبِعِ الرُّسُلَ، وَلِهَذَا قَالَ:{إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ، وَقَالَ بعضهم:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} إلى أَرْذَلِ العمر (وروي هذا القول عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ، حَتَّى قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ)، وَاخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ لَمَا حَسُنَ اسْتِثْنَاءُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْهَرَمَ قَدْ يُصِيبُ بَعْضَهُمْ، وإنما المراد ما ذكرناه كقوله تَعَالَى:{وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وعملوا الصالحات} ، وَقَوْلُهُ:{فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} أَيْ غَيْرُ مقطوع، ثم قال:{فَمَا يُكَذِّبُكَ} أي يَا ابْنَ آدَمَ {بَعْدُ بِالدِّينِ} ؟ أَيْ بِالْجَزَاءِ في المعاد، ولقد عَلِمْتَ الْبَدْأَةَ وَعَرَفْتَ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْبَدْأَةِ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الرَّجْعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى:، فَأَيُّ شَيْءٍ يَحْمِلُكَ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ وَقَدْ عرفت هذا؟ روى ابن أبي حاتم عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ، قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ:{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين} عنى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: «مَعَاذَ الله» عنى به الإنسان (أخرجه ابن أبي حاتم)، وقوله تعالى:{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} أَيْ أَمَا هُوَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ الَّذِي لَا يَجُورُ وَلَا يَظْلِمُ أحداً، ومن عدله أن يقيم القيامة فينتصف للمظلوم فِي الدُّنْيَا مِمَّنْ ظَلَمَهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: فَإِذَا قَرَأَ أَحَدُكُمْ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَأَتَى عَلَى آخِرِهَا {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} فَلْيَقُلْ: بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ من الشاهدين.

ص: 655