الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقدم موسى- عليه السلام المشيئة، أدبا مع خالقه- عز وجل واستعانة به- سبحانه- على الصبر وعدم المخالفة.
وهنا يحكى القرآن الكريم أن الخضر، قد أكد ما سبق أن قاله لموسى، وبين له شروطه إذا أراد مصاحبته، فقال: قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً.
أى: قال الخضر لموسى على سبيل التأكيد والتوثيق: يا موسى إن رافقتنى وصاحبتنى، ورأيت منى أفعالا لا تعجبك، لأن ظاهرها يتنافى مع الحق. فلا تعترض عليها، ولا تناقشني فيها، بل اتركني وشأنى، حتى أبين لك في الوقت المناسب السبب في قيامي بتلك الأفعال، وحتى أكون أنا الذي أفسره لك.
قالوا: «وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضى دوام الصحبة، فلو صبر موسى ودأب لرأى العجب «1» .
ثم تحكى السورة بعد ذلك ثلاثة أحداث فعلها الخضر ولكن موسى لم يصبر عليها، بل اعترض وناقش، أما الحادث الأول فقد بينه- سبحانه- بقوله:
[سورة الكهف (18) : الآيات 71 الى 73]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (71) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (72) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (73)
وقوله: فَانْطَلَقا بيان لما حدث منهما بعد أن استمع كل واحد منهما إلى ما قاله صاحبه.
أى فانطلق موسى والخضر- عليهما السلام على ساحل البحر، ومعهما يوشع بن نون، ولم يذكر في الآية لأنه تابع لموسى.
(1) تفسير القرطبي ج 11 ص 18.
ويرى بعضهم أن موسى- عليه السلام صرف فتاه بعد أن التقى بالخضر.
أخرج الشيخان عن ابن عباس: أنهما انطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول: أى أجر، «1» .
وقوله: حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها بيان لما فعله الخضر بالسفينة.
أى: فانطلقا يبحثان عن سفينة، فلما وجداها واستقرا فيها، ما كان من الخضر إلا أن خرقها. قيل: بأن قلع لوحا من ألواحها.
وهنا ما كان من موسى إلا أن قال له على سبيل الاستنكار والتعجب مما فعله: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها
…
أى: أفعلت ما فعلت لتكون عاقبة الراكبين فيها الغرق والموت بهذه الصورة المؤلمة؟
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، والإمر: الداهية. وأصله كل شيء شديد كبير، ومنه قولهم:
إن القوم قد أمروا. أى: كثروا واشتد شأنهم. ويقال: هذا أمر إمر، أى: منكر غريب.
أى: قال موسى للخضر بعد خرقه للسفينة: لقد جئت شيئا عظيما، وارتكبت أمرا بالغا في الشناعة. حيث عرضت ركاب السفينة لخطر الغرق.
وهنا أجابه الخضر بقوله: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً أى: ألم أقل لك سابقا إنك لن تسطيع مصاحبتي، ولا قدرة لك على السكوت على تصرفاتي التي لا تعرف الحكمة من ورائها؟
ولكن موسى- عليه السلام رد معتذرا لما فرط منه وقال: لا تُؤاخِذْنِي أيها العبد الصالح، بما نسيت، أى: بسبب نسياني لوصيتك في ترك السؤال والاعتراض حتى يكون لي منك البيان. وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً أى: ولا تكلفني من أمرى مشقة في صحبتي إياك.
يقال: أرهق فلان فلانا. إذا أتعبه وأثقل عليه وحمله مالا يطيقه.
والمراد: التمس لي عذرا بسبب النسيان، ولا تضيق على الأمر، فإن في هذا التضييق ما يحول بيني وبين الانتفاع بعلمك.
وكأن موسى- عليه السلام الذي اعتزم الصبر وقدم المشيئة، ورضى بشروط الخضر في
(1) تفسير الآلوسى ج 15 ص 335.